page 4986, entry [1743]Open original source
خلافة الهادي فذُكر أن الموالي والقُوّاد لما تُوفِّي المهديّ اجتمعوا إلى ابنه هارون، وقالوا له: إن عَلِمَ الجند بوفاة المهديّ لم تأمن الشّغب، والرّأي أن يُحمل، وتُنادِي في الجند بالقَفل حتى تواريَه ببغداد. فقال هارون: ادعوا إلي أبي يحيى بن خالد البرمكيّ - وكان المهديّ ولّى هارونَ المغرب كلَّه، من الأنبار إلى إفريقية، وأمر يحيى بن خالد أن يتولّى ذلك فكانت إليه أعماله ودواوينه يقوم بها ويخلُفه على ما يتولى منها إلى أن تُوُفِّيَ - قال: فصار يحيى بن خالد إلى هارون، فقال له: يا أبتِ، ما تقول فيما يقول عمر بن بزيع ونُصير والمفضّل؟ قال: وما قالوا؟ فأخبره، قال: ما أرى ذلك، قال: ولمَ؟ قال: لأن هذا ما لا يخفى، ولا آمن إذا علم الجند أن يتعلّقوا بمحمله، ويقولوا: لا نُخلِّيه حتى نعطَى لثلاث سنين وأكثر، ويتحكّموا ويشتطُّوا، ولكن أرى أن يُوارىَ ﵀ هاهنا، وتوجِّهُ نُصيرًا إلى أمير المؤمنين الهادي بالخاتم والقضيب والتهنئة والتعزية، فإنّ البريد إلى نُصير، فلا يُنكِر خروجه أحدٌ إذْ كان على بريد الناحية، وأن تأمر لمن معك من الجند بجوائز، مائتين مائتين، وتنادي فيهم بالقُفول، فإنهم إذا قبضوا الدّراهم لم يكن لهم همّه سوى أهاليهم وأوطانهم، ولا عَرْجة على شيء دون بغداد. قال: نفعل ذلك. وقال الجند لما قبضوا الدراهم: بغداد بغداد! يتبادرون إليها، ويبعثون على الخروج من ماسَبَذان، فلما وافوْا بغداد، وعلموا خبر الخليفة، ساروا إلى باب الرّبيع فأحرقوه، وطالبوا بالأرزاق، وضجُّوا. وقدم هارون بغداد، فبعثت الخيزران إلى الرّبيع وإلى يحيى بن خالد تشاورهما في ذلك، فأما الرّبيع فدخل عليها، وأما يحيى فلم يفعل ذلك لعلمه بشدّة غَيْرة موسى. قال: وجُمِعت الأموال حتى أُعْطِيَ الجند لسنتين، فسكتوا، وبلغ الخبر الهادي، فكتب إلى الرّبيع كتابًا يتوعَّده فيه بالقتل، وكتب إلى يحيى بن خالديجزيه الخير، ويأمره أن يقوم من أمر هارون بما لم يزل يقوم به، وأن يتولَّى أموره وأعماله على ما لم يزل يتولّاه. قال: فبعث الرّبيع إلى يحيى بن خالد - وكان يودّه، ويثق به، ويعتمد على رأيه: يا أبا عليّ، ما ترى؟ فإنه لا صبر لي على جرّ الحديد. قال: أرى ألَّا تبرح موضِعَكَ، وأن توجِّه ابنك الفضل يستقبله ومعه من الهدايا والطرَف ما أمكنك، فإني لأرجو ألّا يرجع إلَّا وقد كفيت ما تخاف إن شاء الله. قال: وكانت أمّ الفضْل ابنه بحيث تسمع منهما مناجاتهما، فقالت له: نصحك والله. قال: فإني أحبّ أن أوصي إليك، فإني لا أدري ما يحدث. فقال: : لست أنفرد لك بشيء، ولا أدع ما يجب، وعندي في هذا وغيره ما تحبّ، ولكن أشرك معي في ذلك الفضل ابنَك وهذه المرأة، فإنها جَزْلة مستحقّة لذلك منك. ففعل الربيع ذلك، وأوصى إليهم. قال الفضل بن سليمان: ولما شغَب الجند على الرّبيع ببغداد وأخرجوا مَنْ كان في حبسه، وأحرقوا أبواب دوره في الميدان، حضر العباس بن محمد وعبد الملك بن صالح ومحرز بن إبراهيم ذلك، فرأى العبّاس أن يُرْضَوْا، وتطيب أنفسهم، وتفرّق جماعتهم بإعطائهم أرزاقهم، فبذل ذلك لهم فلم يرضوْا، ولم يثقوا مما ضُمِن لهم من ذلك، حتى ضمنه محرز بن إبراهيم، فقنعوا بضمانه وتفرّقوا، فوَفَى لهم بذلك، وأعطوا رزق ثمانية عشر شهرًا، وذلك قبل قدوم هارون. فلما قدم - وكان هو خليفة موسى الهادي - ومعه الربيع وزيرًا له، وجَّه الوفود إلى الأمصار، ونعى إليهم المهديّ، وأخذ بيعتَهم لموسى الهادي، وله بولاية العهد من بعده، وضبط أمر بغداد. وقد كان نُصير الوصيف شخص من ماسَبَذان من يومه إلى جُرجان بوفاة المهديّ والبيعة له، فلما صار إليه نادى بالرّحيل، وخرج من فوْره على البريد جوادًا ومعه من أهل بيته إبراهيم وجعفر، ومن الوزراء عبيد الله بن زياد الكاتب صاحب رسائله، ومحمد بن جميل كاتب جنده. فلما شارف مدينةَ السلام استقبله النّاس من أهل بيته وغيرهم، وقد كان احتمل على الربيع ما كان منه وما صنع من توجيه الوفود وإعطائه الجنود قبل قدومه، وقد كان الرّبيع وجَّه ابنه الفضل، فتلقّاه بما أعدّ له من الهدايا، فاستقبله بهمَذَان، فأدناه وقرّبه، وقال: كيف خلَفْتَ مولاي؟ فكتب بذلك إلى أبيه، فاستقبله الرّبيع، فعاتبه الهادي، فاعتذر إليه، وأعلمه السبب الذي دعاهإلى ذلك، فقبله، وولّاه الوزارة مكان عبيد الله بن زياد بن أبي ليلَى، وضمّ إليه ما كان عمر بن بَزيع يتولّاه من الزِّمام، وولّى محمد بن جميل ديوان خراج العراقين، وولّى عبيد الله بن زياد خراج الشأم وما يليه، وأقرّ على حَرَسه عليّ بن عيسى بن هامان، وضمّ إليه ديوان الجند، وولى شُرَطه عبد الله بن مالك مكانَ عبد الله بن خازم، وأقرّ الخاتم في يد عليّ بن يقطين. وكانت موافاة موسى الهادي بغداد عند منصرَفه من جُرجان لعشرٍ بقين من صفر من هذه السنة، سار - فيما ذكر عنه - من جرجان إلى بغداد في عشرين يومًا، فلما قدمها نزل القصر الذي يسمى الخُلْد، فأقام به شهرًا، ثم تحوّل إلى بستان أبي جعفر، ثم تحول إلى عيسابَاذ. وقد ذكر عليّ بن محمد النوفليّ أن أباه حدثه أنه كانت لموسى الهادي جارية، وكانت حظيّةً عنده، وكانت تحبُّه وهو بجُرْجان حين وجَهه إليها المهديّ، فقالت أبياتًا، وكتبت إليه وهو مقيم بجرجان، منها: يا بَعيدَ المَحَلّ أمـ ... ـسى بجرجانَ نازلا قال: فلما جاءته البَيعة وانصرف إلى بغداد، لم تكن له همّة غيرها، فدخل عليها وهي تغنّي بأبياتها، فأقام عندها يومه وليلته قبل أن يظهر لأحد من الناس. وفي هذه السنة اشتدّ طلب موسى الزنادقة، فقتل منهم فيها جماعة، فكان ممَّن قتل منهم يزدان بن باذان كاتب يقطين، وابنه عليّ بن يقطين من أهل النَّهروان، ذُكر عنه أنه حجّ فنظر إلى الناس في الطَّواف يُهَرْوِلون، فقال: ما أشبّههم إلا ببقر تدوس في البَيْدَر. وله يقول العلاء بن الحداد الأعمى: أَيا أَمينَ اللهِ في خَلقِهِ ... ووارثَ الكعبةِ والمِنْبَرْ ماذا تَرَى في رجل كافرٍ ... يُشَبّهُ الكعبةَ بالبَيْدَرْ ويَجعلُ الناسَ إِذا ما سَعَوْا ... حُمْرًا تَدوسُ البُرَّ والدَّوْسَرْ! فقتله موسى ثم صلبه، فسقطت خشبتُه على رجل من الحاجّ فقتلتْه وقتلتْ حماره. وقُتِل من بني هاشم يعقوب بن الفضل. وذكر عن عليّ بن محمد الهاشميّ، قال: كان المهديّ أتِيَ بابنٍ لداود بن عليّ زنديقًا، وأتِيَ بيعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب زنديقًا، في مجلسين متفرقين، فقال لكل واحد منهماكلامًا واحدًا، وذلك بعد أن أقرَّا له بالزندقة، أما يعقوب بن الفضل فقال له: أُقِرُّ بها بيني وبينك، فأمّا أن أظهِر ذلك عند الناس فلا أفعل ولو قرضتني بالمقاريض، فقال له: ويلك! لو كُشفت لك السموات، وكان الأمر كما تقول، كنتَ حقيقًا أن تغضب لمحمد، ولولا محمد ﷺ مَنْ كنت! هل كنت إلا إنسانًا من الناس! أما والله لولا أني كنْت جعلت لله عليَّ عهدًا إذا ولأني هذا الأمر ألَّا أقتل هاشميًّا لما ناظرتك ولقتلتُك. ثم التفت إلى موسى الهادي، فقال: يا موسى، أقسمت عليك بحقي إن وليت هذا الأمر بعدي ألَّا تناظرهما ساعة واحدة. فمات ابن داود بن عليّ في الحبس قبل وفاة المهديّ، وأما يعقوب فبقي حتى مات المهديّ. وقدم موسى من جُرجان فساعة دخل، ذكر وصيّة المهديّ، فأرسل إلى يعقوب من ألقى عليه فراشًا، وأقعِدت الرجال عليه حتى مات. ثم لها عنه ببيعته وتشديد خلافته، وكان ذلك في يوم شديد الحرّ، فبقي يعقوب حتى مضى من الليل هدء، فقيل لموسى: يا أميرَ المؤمنين، إن يعقوب قد انتفخ وأروَح. قال: ابعثوا به إلى أخيه إسحاق بن الفضل، فخبَّروه أنه مات في السجن، فجُعل في زورق وأُتِيَ به إسحاق، فنظر فإذا ليس فيه موضع للغسل، فدفنه في بستان له من ساعته، وأصبح فأرسل إلى الهاشميِّين يخبرهم بموت يعقوب ويدعوهم إلى الجنازة، وأمر بخشبة فعمِلت في قدّ الإنسان فغشيت قطنا، وألبسها أكفانًا، ثم حملها على السرير، فلم يشكّ مَن حضرها أنه شيء مصنوع. وكان ليعقوب ولد من صُلْبه: عبد الرحمن والفضل وأروى فاطمة، فأمّا فاطمة فوجدت حُبلى منه، وأقرّت بذلك. قال عليّ بن محمد: قال أبي: فأدخِلت فاطمة وامرأة يعقوب بن الفضل - وليست بهاشمية، يقال لها خديجة - على الهادي - أو على المهديّ من قبْل - فأقرّتا بالزندقة، وأقرّت فاطمة أنها حامل من أبيها، فأرسل بهما إلى رَيْطة بنت أبي العباس، فرأتهما مكتحلتين مختضبِتين، فعذلتْهما، وأكثرت على الابنة خاصّة، فقالت: أكرَهني، قالت: فما بال الخضاب والكحل والسرور، إن كنت مكرهة! ولعنتهما. قال: فخُبِّرت أنهما فَزِعتا فماتتا فزَعًا، ضُرب على رَأَسَيهما بشيء يقال له الرعبوب. ففزعتا منه، فماتتا. وأما أروى فبقِيَتْ فتزوّجها ابن عمها الفضل بن إسماعيل بن الفضل، وكان رجلًا لا بأس به في دينه.وفيها قدم وندا هرمز صاحب طَبَرستان إلى موسى بأمان، فأحسن صلَته، وردّه إلى طَبَرِسْتان. * * *