page 4928, entry [1718]Open original source
ذكر الخبر عن صفة العقد الذي عُقِد للمهديّ بالخلافة حين مات والده المنصور بمكة ذكر عليّ بن محمَّد النوفليّ أن أباه حدّثه، قال: خرجت في السنة التي مات فيها أبو جعفر من طريق البصرة، وكان أبو جعفر خرج على طريق الكوفة، فلقيتُه بذات عِرْق، ثم سرت معه، فكان كلَّما ركب عرضتُ له فسلّمت عليه،وقد كان أدنف وأشفى على الموت، فلما صار ببئر ميمون نزل به، ودخلنا مكّة، فقضيتُ عُمرتي، ثم كنت اختلف إلى أبي جعفر إلى مَضْربه، فأقيم فيه إلى قريب من الزّوال، ثم أنصرف - وكذلك كان يفعل الهاشميّون - وأقبلت علّته تشتدّ وتزداد، فلما كان في الليلة التي مات فيها، ولم نعلم؛ فصليت الصبح في المسجد الحرام مع طلوع الفجر، ثم ركبتُ في ثوبيّ متقلدًا السيف عليهما، وأنا أساير محمَّد بن عون بن عبد الله بن الحارث - وكان من سادة بني هاشم ومشايخهم؛ وكان في ذلك اليوم عليه ثوبان مورّدان قد أحرم فيهما، متقلّدًا السيف عليهما - قال: وكان مشايخ بني هاشم يحبّون أن يُحرِموا في المورّد لحديث عمر بن الخطاب وعبد الله بن جعفر وقول عليّ بن أبي طالب فيه. فلما صرنا بالأبطح لقيَنا العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان في خيل ورجال يدخلان مكّة، فعدلنا إليهما، فسلّمنا عليهما ثم مضينا، فقال لي محمَّد بن عون: ما ترى حال هذين ودخولهما مكّة؟ قلت: أحسب الرّجُل قد مات؛ فأرادا أن يحصّنا مكّة؛ فكان ذلك كذلك، فبينا نحن نسير، إذا رجل خفيّ الشَّخْص في طِمْرين، ونحن بعد في غَلَس، قد جاء فدخل بين أعناق دابتيْنا، ثم أقبل علينا، فقال: مات والله الرجل! ثم خفي عنا، فمضينا نحن حتَّى أتينا العسكر، فدخلنا السرادق الذي كُنَّا نجلس فيه في كلّ يوم؛ فإذا بموسى بن المهديّ قد صدِّرَ عند عَمُود السرادق؛ وإذا القاسم بن منصور في ناحية السّرادق - وقد كان حين لقينا المنصور بذات عِرْق، إذا ركب المنصور بعيرَه جاء القاسم فسار بين يديه بينه وبين صاحب الشرطة، ويؤمَر النَّاس أن يرفعوا القصص إليه - قال: فلما رأيته في ناحية السرادق ورأيت موسى مصدّرًا، علمت أنّ المنصور قد مات. قال: فبينا أنا جالس إذ أقبل الحسن بن زيد، فجلس إلى جنبي، فصارت فخِذه على فخذي، وجاء النَّاس حتَّى ملؤوا السرادق، وفيهم ابن عيّاش المنتوف؛ فبينا نحن كذلك، إذ سمعنا همسًا من بكاء. فقال لي الحسن: أترى الرجل مات! قلت: لا أحسب ذلك؛ ولكن لعله ثقِيل، أو أصابته غَشْية، فما راعنا إلَّا بأبي العنبر الخادم الأسود خادم المنصور، قد خرج علينا مشقوق الأقبِيَة من بين يديه ومن خَلْفه، وعلى رأسه التُّراب، فصاح: وا أمير المؤمنيناه! فما بقي في السرادق أحدٌ إلّا قام على رجليه، ثم أهووا نحو مضَارب أبي جعفر يريدون الدّخول، فمنعهم الخدم، ودفعوا في صدورهم. وقال ابن عياش المنتوف: سبحان الله! أما شهدتمموت خليفة قطّ! اجلسوا رحمكم الله. فجلس النَّاس، وقام القاسم فشقّ ثيابه، ووضع التُّراب على رأسه، وموسى جالس على حاله. وكان صبيًّا رَطْبًا ما يتحلحل. ثم خرج الرّبيع، وفي يده قِرطاس، فألقى أسفله على الأرض، وتناول طرفه ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله المنصور أمير المؤمنين إلى مَنْ خلّف بعده من بني هاشم وشيعته من أهل خُراسان وعامة المسلمين - ثم ألقى القرطاس من يده، وبكى وبكى النَّاس، فأخذ القرطاس، وقال: قد أمكنكم البكاء؛ ولكن هذا عهد عهده أمير المؤمنين، لا بدّ من أن نقرأه عليكم، فأنصِتوا رحمكم الله؛ فسكت النَّاس، ثم رجع إلى القراءة - أما بعد: فإنّي كتبتُ كتابي هذا وأنا حيٌّ في آخر يوم من الدّنيا وأول يوم من الآخرة، وأنا أقرأ عليكم السَّلام، وأسأل الله ألّا يفتنكم بعدي، ولا يُلبِسكم شيَعًا، ولا يُذيق بعضكم بأس بعض. يا بني هاشم، ويا أهلَ خراسان ....... ثم أخذ في وصيّتهم بالمهديّ، وإذكارهم البيعةَ له، وحضّهم على القيام بدولته، والوفاء بعهده إلى آخر الكتاب. قال النوفليّ: قال أي: وكان هذا شيئًا وضعه الرَّبيع، ثم نظر في وجوه النّاس، فدنا من الهاشميّين، فتناول يد الحسن بن زيد، فقال: قم يا أبا محمَّد، فبايعْ، فقام معه الحسن، فانتهى به الرّبيع إلى موسى فأجلسه بين يديه، فتناول الحسن يدَ موسى، ثم التفت إلى النَّاس، فقال: يا أيها النَّاس، إن أمير المؤمنين المنصور كان ضربني واصطفى مالي؛ فكلّمه المهدي فرضي عني، وكلمه في ردّ مالي عليّ فأبى ذلك، فأخلفه المهديّ من ماله وأَضعفه مكان كل عِلْق عِلْقين، فمَن أولى بأن يبايع لأمير المؤمنين بصدر منشرح ونفس طيبة وقلب ناصح منِّي! ثم بايع موسى للمهديّ، ثم مسح على يده. ثم جاء الرَّبيع إلى محمَّد بن عون، فقدّمه للسنّ فبايع، ثم جاء الرّبيع إليَّ فأنهضني؛ فكنت الثالث؛ وبايع النَّاس؛ فلما فرغ دخل المضارب، فمكث هنيهة ثم خرج إلينا معشر الهاشمييّن، فقال: انهضوا، فنهضنا معه جميعًا، وكنا جماعة كثيرة من أهل العراق وأهل مكّة والمدينة ممن حضر الحج، فدخلنا فإذا نحن بالمنصورعلى سريره في أكفانه، مكشوف الوجه؛ فحملناه حتَّى أتينا به مكّة ثلاثة أميال؛ فكأني أنظر إليه أدنو من قائمة سريره نحمله؛ فتحرّك الرِّيح، فتطيّر شعر صدغيه؛ وذلك أنَّه كان قد وفّر شعره للحلق؛ وقد نصل خِضابه؛ حتَّى أتينا به حفرته، فدلّيناه فيها. قال: وسمعت أبي يقول: كان أوّل شيء ارتفع به عليّ بن عيسى بن ماهان؛ أنَّه لما كان الليلة التي مات فيها أبو جعفر أرادوا عيسى بن موسى على بَيْعة مجدّدة للمهديّ - وكان القائم بذلك الرَّبيع - فأبى عيسى بن موسى، فأقبل القوّاد الذين حضروا يقرّبون ويتباعدون، فنهض عليّ بن عيسى بن ماهان، فاستلّ سيفه، ثمّ جاء إليه، فقال: والله لتبايعنّ أو لأضربنّ عنقك! فلمَّا رأى ذلك عيسى، بايع وبايع النَّاس بعده. وذكر عيسى بن محمَّد أنّ موسى بن هارون حدّثه أن موسى بن المهديّ والربيع مولى المنصور وجّها منارة مولى المنصور بخبر وفاة المنصور وبالبيْعة للمهديّ. وبعثا بعدُ بقضيب النَّبيّ ﷺ وبُرْدته التي يتوارثها الخلفاء مع الحسن الشرويّ، وبعث أبو العباس الطوسيّ بخاتم الخلافة مع منارة؛ ثم خرجوا من مكّة، وسار عبد الله بن المسيّب بن زهير بالحَرْبة بين يدي صالح بن المنصور، على ما كان يسير بها بين يديه في حياة المنصور، فكسرها القاسم بن نصر بن مالك؛ وهو يومئذٍ على شُرْطة موسى بن المهديّ، واندسّ عليّ بن عيسى بن ماهان لما كان في نفسه من أذى عيسى بن موسى، وما صُنع به للراونديّة، فأظهر الطعن والكلام في مسيرهم. وكان من رؤسائهم أبو خالد المرورّوذي، حتَّى كاد الأمر يعظُم ويتفاقم؛ حتَّى لبس السلاح. وتحرّك في ذلك محمَّد بن سليمان، وقام فيه وغيره من أهل بيته؛ إلّا أن محمدًا كان أحسنَهم قيامًا به حتَّى طفئ ذلك وسكن. وكتب به إلى المهديّ، فكتب بعزل عليّ بن عيسى عن حَرس موسى بن المهدي، وصيَّر مكانه أبا حنيفة حرب بن قيس، وهذا أمر العسكر، وتقدّم العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان إلى المهديّ، وسبق إليه العباس بن محمَّد. وقدم منارة على المهديّ يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، فسلّم عليه بالخلافة، وعزّاه، وأوصل الكتب إليه، وبايعه أهل مدينة السَّلام. وذكر الهيثم بن عديّ عن الرَّبيع، أنّ المنصور رأى في حجّته التي مات فيهاوهو بالعُذَيب - أو غيره من منازل طريق مكّة - رؤيا - وكان الرَّبيع عديله - وفزع منها، وقال: يا ربيع، ما أحسبني إلَّا ميّتًا في وجهي هذا؛ وأنك تؤكد البَيْعة لأبي عبد الله المهديّ، قال الرَّبيع: فقلت له: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين، ويَبْلُغ أبو عبد الله محبّتك في حياتك إن شاء الله. قال: وثقِل عند ذلك وهو يقول: بادر بي إلى حَرم ربي وأمنه، هاربًا من ذنوبي وإسرافي على نفسي؛ فلم يزل كذلك حتَّى بلغ بئر ميمون، فقلت له: هذه بئر ميمون، وقد دخلتَ الحرم، فقال: الحمد لله، وقضى من يومه. قال الرَّبيع: فأمرت بالخِيَم فضُربت، وبالفساطيط فهيِّئَتْ، وعمدْت إلى أمير المؤمنين فألبسته الطويلة والدّرّاعة، وسندته، وألقيت في وجهه كِلّة رقيقة يُرى منها شخصه، ولا يفهم أمره، وأدنيت أهلَه من الكِلَّة حيث لا يُعلم بخبره، ويُرى شخصُه. ثم دخلت فوقفت بالموضع الذي أوهمهم أنَّه يخاطبني، ثم خرجت فقلت: إن أمير المؤمنين مُفيق بمنّ الله، وهو يقرأ عليكم السَّلام، ويقول: إنِّي أحبّ أن يؤكّد الله أمرَكم؛ ويكبت عدوّكم، ويسرّ وليّكم؛ وقد أحببت أن تجدّدوا بيعة أبي عبد الله المهديّ؛ لئلا يطمع فيكم عدوٌّ ولا باغٍ، فقال القوم كلهم: وفّق الله أمير المؤمنين؛ نحن إلى ذاك أسرع. قال: فدخل فوقف، ورجع إليهم، فقال: هلمُّوا للبَيْعة، فبايع القوم كلُّهم، فلم يبق أحدٌ من خاصّته والأولياء ورؤساء مَنْ حضره إلَّا بايع المهديّ، ثم دخل وخرج باكيًا مشقوق الجيْب لاطمًا رأسه، فقال بعض مَنْ حضر: ويلي عليك يابن شاة! يريد الرَّبيع - وكانت أمّه ماتت وهي ترضعه فأرضعته شاة - قال: وحفِر للمنصور مائة قَبْر، ودفن في كلها، لئلا يعرف موضع قبره الذي هو ظاهر للنَّاس، ودفِن في غيرها للخوف عليه. قال: وهكذا قبور خلفاء ولَد العباس، لا يعرَف لأحد منهم قبر. قال: فبلغ المهديّ، فلما قدم عليه الرَّبيع قال: يا عبدُ؛ ألم تمنعك جلالة أمير المؤمنين أن فعلتَ ما فعلتَ به! وقال قوم: إنَّه ضربه؛ ولم يصحّ ذلك. قال: وذكر مَنْ حضر حجّة المنصور، قال: رأيت صالح بن المنصور وهو مع أبيه والنّاس معه؛ وإنّ موسى بن المهديّ لقي تُبّاعه، ثم رجع النَّاس وهم خَلف موسى، وأن صالحًا معه.وذكر عن الأصمعيّ أنَّه قال: أوّل مَنْ نعى أبا جعفر المنصور بالبصرة خَلَف الأحمر، وذلك أنّا كنّا في حلقة يونس، فمرّ بنا فسلَّم علينا، فقال: قد طَرَّقَت بِبِكرِها أمّ طَبَقْ قال يونس: وماذا؟ قال: تُنَتِّجوها خيرَ أَضخَم العُنُقْ ... موتُ الإِمَامِ فِلقَةٌ مِنَ الفِلَقْ * * *