page 4885, entry [1713]Open original source
[ذكر الخبر عن حبس ابن جريج وعباد بن كثير والثوري] وفي هذه السنة حبس محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ، وهو أمير مكّة - فيما ذكر - بأمر المنصور إياه بحبسهم: ابنَ جريج وعبّاد بن كثير والثوريّ، ثمّ أطلقهم من الحبس بغير إذن أبي جعفر، فغضب عليه أبو جعفر. وذكر عمر بن شبَّة أن محمَّد بن عمران مولى محمَّد بن إبراهيم بن محمَّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس حدّثه عن أبيه، قال: كتب المنصور إلى محمَّد بنإبراهيم - وهو أمير على مكّة - يأمره بحبس رجل من آل عليّ بن أبي طالب كان بمكة، وبحبس ابن جُريج وعباد بن كثير والثوريّ، قال: فحبسهم؛ فكان له سُمَّارة يسامرونه بالليل؛ فلما كان وقت سَمره جلس وأكبَّ على الأرض ينظر إليها، ولم ينطق بحرف حتَّى تفرّقوا. قال: فدنوتُ منه فقلت له: قد رأيتُ ما بك، فما لك؟ قال: عمَدتُ إلى ذي رحِم فحبستُه، وإلى عيونٍ من عيون النَّاس فحبستُهم، فيقدم أميرُ المؤمنين ولا أدري ما يكون؛ فلعلَّه أن يأمر بهم فيقتلوا، فيشتدَّ سلطانه وأهْلِكَ ديني؛ قال: فقلت له: فتصنع ماذا؟ قال: أوثر الله، وأطلِق القوم؛ اذْهَبْ إلى إبلي فخُذْ راحلةً منها، وخذ خمسين دينارًا فأت بها الطالبيّ وأقرئه السَّلام، وقل له: إن ابن عمك يسألك أن تحلله من ترويعه إياك وتركب هذه الراحلة وتأخذ هذه النفقة قال فلما أحسَّ بي جعل يتعوذ بالله من شرعي فلما أبلغته قال: هو في حل ولا حاجة لي إلى الراحلة ولا إلى النفقة، قال: قلت: إنّ أطيب لنفسه أن تأخذ، ففعل. قال: ثم جئتُ إلى ابن جُريج وإلى سفيان بن سعيد وعباد بن كثير فأبلغتهم ما قال، قالوا: هو في حلّ، قال: فقلت لهم: يقول لكم: لا يَظهرَنّ أحد منكم ما دام المنصور مقيمًا. قال: فلما قرب المنصور وجَّهني محمَّد بن إبراهيم بألطاف، فلما أخبِرَ المنصورُ أنّ رسول محمَّد بن إبراهيم قدم، أمر بالإبل فضرِبت وجوهها. قال: فلما صار إلى بشر ميمون لقيه محمَّد بن إبراهيم، فلما أخبِر بذلك أمر بدوابِّه فضرِبت وجوهها، فعدل محمَّد، فكان يسير في ناحية. قال: وعدل بأبي جعفر عن الطَّريق في الشقّ الأيسر فأنيخ به، ومحمد واقف قُبالته، ومعه طبيب له، فلما ركب أبو جعفر وسار، وعديلُه الرَّبيع أمر محمَّد الطَّبيب فمضى إلى موضع مناخ أبي جعفر، فرأى نجْوه، فقال لمحمد: رأيتُ نجوَ رجل لا تطول به الحياة؛ فلما دخل مكّة لم يلبث أن مات وسلِم محمَّد. واختُلف في سبب الوجع الذي كانت منه وفاته، فذُكر عن عليّ بن محمَّد بن سليمان النوفليّ، عن أبيه، أنَّه كان يقول: كان المنصور لا يستمرئ طعامه؛ ويشكو من ذلك إلى المتطبِّبين ويسألهم أن يتخذوا له الجوارشنات؛ فكانوا يكرهون ذلك ويأمرونه أن يُقلّ من الطعام، ويخبرونه أن الجَوارشنات تُهضم في الحال، وتُحدِث من العلّة ما هو أشدّ منه عليه؛ حتَّى قدم عليه طبيب من أطبَّاءالهند، فقال له كما قال له غيره؛ فكان يتَّخذ له سَفوفًا جَوارشنًا يابسًا، فيه الأفاويه والأدوية الحارة، فكان يأخذه فيهضم طعامه فأحمده. قال: فقال لي أي: قال لي كثير من متطبّبي العراق: لا يموت والله أبو جعفر أبدًا إلَّا بالبَطْن، قال: قلت له: وما علمك؟ قال: هو يأخذ الجوارِشن فيهضم طعامه؛ ويخلق من زئير مَعِدَتِهِ في كلّ يوم شيئًا، وشحم مصارينه، فيموت ببطنه. وقال لي: اضْرب لذلك مثلًا، أرأيت لو أنك وضعت جَرًّا على مَرْفع، ووضعت تحتها آجرّة جديدة فقطرتْ، أما كان قَطْرها يثقب الآجرّة على طول الدهر! أو ما عملت أن لكلّ قطرة خدًّا! قال: فمات والله أبو جعفر - كما قال - بالبطن. وقال بعضهم: كان بدءُ وجعه الذي مات فيه من حرٍّ أصابه من ركوبه في الهواجر، وكان رجلًا محرورًا على سنّه، يغلب عليه المرار الأحمر، ثم هاض بطنه، فلم يزل كذلك حتى نزل بستَانَ ابن عامر، فاشتدّ به، فرحل عنه فقصَّر عن مكّة، ونزل بشر ابن المرتَفِع، فأقام بها يومًا وليلة، ثم صار منها إلى بئر ميمون؛ وهو يسأل عن دخوله الحرَم، ويوصي الرّبيع بما يريد أن يوصيَه، وتُوُفِّيَ بها في السَّحَر أو مع طلوع الفجر ليلة السبت لستٍّ خلوْن من ذي الحجَّة، ولم يحضره عند وفاته إلَّا خدَمه والربيع مولاه، فكتم الرَّبيع موتَه، ومنع النساء وغيرهنّ من البكاء عليه والصُّراخ، ثم أصبح فحضر أهلُ بيته كما كانوا يحضرون، وجلسوا مجالسهم، فكان أول من دُعي به عيسى بن عليّ، فمكث ساعة، ثم أذن لعيسى بن موسى - وقد كان فيما خلا يقدَّم في الإذن على عيسى بن عليّ، فكان ذلك مما ارتيب به - ثم أذن للأكابر وذوي الأسنان من أهل البيت، ثم لعامَّتهم؛ فأخذ الرَّبيع بيعتَهم لأمير المؤمنين المهديّ ولعيسى بن موسى من بعده، على يد موسى بن المهديّ حتَّى فرغ من بيعة بني هاشم، ثم دعا بالقوّاد فبايَعوا ولم ينكل منهم عن ذلك رجل إلَّا عليّ بن عيسى بن ماهان؛ فإنَّه أبي عند ذكر عيسى بن موسى أن يبايع له، فلطمه محمَّد بن سليمان، وقال: ومن هذا العلج! وأمصَّه، وهمّ بضرب عنقه، فبايع، وتتابع النَّاس بالبيعة. وكان المسيب بن زهير أوّلَ مَن استثنى في البيعة، وقال: عيسى بن موسى: إن كان كذلك. فأمْضَوْه. وخرج موسى بن المهديّ إلى مجلس العامة، فبايع مَنْ بقي من القوادوالوجوه، وتوجَّه العباس بن محمَّد ومحمد بن سليمان إلى مكّة ليبايع أهلَها بها؛ وكان العباس يومئذٍ المتكلم، فبايع النَّاس للمهديّ بين الركن والمقام، وتفرّق عِدّة من أهل بيت المهديّ في نواحي مكّة والعسكر فبايعه النَّاس، وأخذ في جِهاز المنصور وغسله وكفنه، وتولّى ذلك من أهل بيته العباس بن محمَّد والربيع والرّيان وعدّة من خَدمه ومواليه، ففرغ من جهازه مع صلاة العصر، وغطّى من وجهه وجميع جسده بأكفانه إلى قُصاص شعره، وأبدى رأسه مكشوفًا من أجل الإحرام، وخرج به أهل بيتِه والأخصُّ من مواليه، وصلّى عليه - فيما زعم الواقديّ - عيسى بن موسى في شِعب الخوز. وقيل: إن الذي صلّى عليه إبراهيم بن يَحْيَى بن محمَّد بن عليّ. وقيل: إنّ المنصور كان أوصى بذلك؛ وذلك أنَّه كان خليفتَه على الصَّلاة بمدينة السَّلام. وذَكر عليّ بن محمَّد النوفليّ، عن أبيه، أنّ إبراهيم بن يَحْيَى صَلَّى عليه في المضارب قبل أن يُحمل؛ لأنَّ الرَّبيع قال: لا يصلِّي عليه أحد يطمع في الخلافة، فقدّموا إبراهيم بن يَحْيَى - وهو يومئذٍ غلام حَدَث - ودفن في المقبرة التي عند ثَنِيَّة المدنيين التي تسمّى كذا، وتسمى ثَنيَّة المَعْلاة؛ لأنَّها بأعلَى مكّة، ونزل في قبره عيسى بن عليّ والعباس بن محمَّد وعيسى بن موسى، والربيع والرّيان موْلياه، ويقطين بن موسى. وفي هذه السنة هلك طاغية الروم. * * *