page 4882, entry [1712]Open original source
[ذكر الخبر عن تولية خالد بن برمك الموصل] (٢) فممَّا كان فيها من ذلك توجيهُ المنصور ابنَه المهديّ إلى الرَّقة وأمرُه إياه بعزْل موسى بن كعب عن الموصِل وتولية يَحْيَى بن خالد بن بَرْمك عليها. وكان سببُ ذلك - فيما ذكر الحسن بن وهب بن سعيد عن صالح بن عطية - قال: كان المنصور قد ألزم خالدَ بن برمك ثلاثة آلاف ألف، ونذر دمَه فيها، وأجّله ثلاثة أيَّام بها، فقال خالد لابنه يَحْيَى: يابنيّ، إنِّي قد أوذيت وطُولبت بما ليس عندي، وإنَّما يراد بذلك دمِي؛ فانصرف إلى حرمتك وأهلِك، فما كنت فاعلًا بهم بعد موتي فافعله. ثم قال له: يا بنيّ، لا يمنعنّك ذلك من أن تلقى إخواننا، وأن تمر بعُمارة بن حمزة وصالح صاحب المصلَّى ومبارك التركيّ فتعلِمهم حالنا. قال: فذكر صالح بن عطية أنّ يَحْيَى حدّثه، قال: أتيتهم فمنهم من تجهَّمني وبعث بالمال سرًّا إليّ، ومنهم مَنْ لم يأذن لي، وبعث بالمال في أثري. قال: واستأذنتُ على عمارة بن حمزة، فدخلت عليه وهو في صَحْن داره، مقابل بوجهه الحائط؛ فما انصرف إليّ بوجهه، فسلَّمت عليه، فردّ عليّ رَدًّا ضعيفًا، وقال: يا بُنيّ؛ كيف أبوك؟ قلت: بخير، يقرأ عليك السَّلام ويعلمك ما قد لزمه من هذا الغُرْم، ويستسلفك مائة ألف درهم. قال: فما ردّ عليّ قليلًا ولا كثيرًا، قال: فضاق بي موضعي، ومادتْ بي الأرضُ. قال: ثم كلَّمتُه فيما أتيته له. قال:فقال: إن أمكنني شيء فسيأتيك، قال يَحْيَى: فانصرفتُ وأنا أقول في نفسي: لعن الله كلَّ شيء يأتي من تِيهك وعُجْبك وكبرك! وصرت إلى أبي، فأخبرته الخبر، ثم قلت له: وأراك تثق من عُمارة بن حمزة بما لا يوثق به! قال: فوالله إنِّي لكذلك؛ إذ طلع رسولُ عُمارة بن حمزة بالمائة ألف. قال: فجمعنا في يومين ألفيْ ألف وسبعمائة ألف، وبقيت ثلثمائة ألف بوجودها يتمّ ما سعينا له، وبتعذّرها يبطل. قال: فوالله إنِّي لعلى الجسر ببغداد مارًّا مهمومًا مغمومًا؛ إذ وثب إليّ زاجر، فقال: فرخ الطائر أخبرك! قال: فطويتُه مشغول القلب عنه، فلحقني وتعلَّق بلجامي، وقال لي: أنت والله مهموم، ووالله ليُفرِجَنّ الله همّك، ولتمرّنّ غدًا في هذا الموضع واللواء بين يديك. قال: فأقبلتُ أعجب من قوله. قال: فقال لي: إن كان ذلك فلِي عليك خمسة آلاف درهم؟ قلت: نعم - ولو قال خمسون ألفًا لقلت نعم، لبعد ذلك عندي من أن يكون - قال: ومضيتُ. وورد على المنصور انتقاضُ الموصل وانتشارُ الأكراد بها، فقال مَنْ لها؟ فقال له المسيّب بن زهير - وكان صديقًا لخالد بن برمك: عندي يا أمير المؤمنين رأي، أرى أنك لا تنتصحه؛ وأنك ستلقاني بالردّ، ولكني لا أدَع نصحَك فيه والمشورة عليك به، قال: قل، فلا أستغشّك، قلت: يا أمير المؤمنين ما رميتَها بمثل خالد، قال: ويحك! فيصلح لنا بعد ما أتينا إليه! قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ إنَّما قوَّمتَه بذلك وأنا الضامن عليه، قال: فهو لها والله، فليحضرني غدًا. فأحضِر، فصفح له عن الثلثمائة ألف الباقية، وعقد له. قال يَحْيَى: ثم مررتُ بالزاجر، فلما رآني قال: أنا ها هنا أنتظرك منذ غُدوة، قلت: امض معي، فمضي معي، فدفعتُ إليه الخمسة الآلاف. قال: وقال لي أي: أي بُنيّ؛ إنّ عُمارة تلزمه حقوق، وتنوبه نوائب فأتِه، فأقرئه السَّلام، وقل له: إن الله قد وهب لنا رأيَ أمير المؤمنين، وصفح لنا عما بقي علينا، وولّاني الموصل؛ وقد أمر بردّ ما استسلفت منك. قال: فأتيته فوجدته على مثل الحال التي لقيتُه عليه، فسلمت فما ردّ السَّلام عليّ، ولا زادني على أنَّ قال: كيف أبوك؟ قلت: بخير، يقول كذا وكذا، قال: فاستوى جالسًا، ثم قال لي: ما كنتُ إلَّا قسطارًا لأبيك؛ يأخذ مني إذا شاء ويردّ إذا شاء! قمْ عنيلا قمتَ! قال: فرجعتُ إلى أبي فأعلمته، فقال لي أي: يابنيّ، هو عُمارة ومَنْ لا يعترض عليه (١). قال: فلم يزل خالد على الموصل إلى أن توفِّي المنصور ويحيى على أذرَبيجان، فذكر عن أحمد بن محمَّد بن سوار الموصليّ أنَّه قال: ما هِبْنا قطّ أميرًا هيبتنَا خالد بن برمك من غير أن تشتدّ عقوبتُه، ولا نرى منه جَبَرِيّة؛ ولكن هيبة كانت له في صدورنا. وذكر أحمد بن معاوية بن بكْر الباهليّ، عن أبيه، قال: كان أبو جعفر غضب على موسى بن كعب - وكان عامله على الجزيرة والموْصِل - فوجّه المهديّ إلى الرَّقة لبناء الرّافقة، وأظهر أنَّه يريد بيتَ المقدس، وأمره بالمرور والمضيّ على الموصل، فإذا صار بالبلَد أخذ موسى بن كعب فقيَّده، وولّى خالد بن بَرْمك الموصل مكانَه، ففعل المهديّ ذلك، وخلَّف خالدًا على الموصِل، وشخص معه أخَوا خالد: الحسن وسليمان ابنا برمك، وقد كان المنصور دعا قبل ذلك يَحْيَى بن خالد، فقال له: قد أردتك لأمر مهمّ من الأمور، واخترتُك لثغر من الثغور؛ فكن على أهبة؛ ولا يعلم بذلك أحد حتَّى أدعُوَ بك، فكتم أباه الخبر؛ وحضر الباب فيمن حضر؛ فخرج الرّبيع، فقال: يَحْيَى بن خالد! فقام فأخذ بيده، فأدخله على المنصور، فخرج على النَّاس وأبوه حاضر واللواء بين يديه على أذرَبيجان، فأمر النَّاسَ بالمضيّ معه، فمضوا في موكبه، وهنؤوه وهنؤوا أباه خالدًا بولايته، فاتَّصل عملهما. وقال أحمد بن معاوية: كان المنصور معجبًا بيحيى، وكان يقول: ولد النَّاس ابنًا وولد خالد أبًا (٢). * * * وفيها سخِط المنصور على المسيَّب بن زهير وعزلَه عن الشُّرطة، وأمر بحبسهوتقييده، وكان سبب ذلك أنَّه قتل أبان بن بشير الكاتي بالسِّياط، لأمرٍ كان وجَد عليه فيما كان من شركته لأخيه عمرو بن زهير في ولاية الكوفة وخراجِها، وولّى مكان المسيَّب الحكم بن يوسف صاحب الحرب، ثم كلَّم المهديّ أباه في المسيِّب، فرضي عنه بعد حبسه إيَّاه أيامًا، وأعاد إليه ما كان يلي من شُرَطه. وفيها وجَّه المنصور نصرَ بن حرب التيميّ واليًا على ثغر فارس. وفيها سقط المنصور عن دابَّته بجَرْجَرَايا، فانشجَّ ما بين حاجبيه؛ وذلك أنَّه كان خرج لمّا وجّه ابنه المهدي إلى الرّقة مشيِّعًا له، حتَّى بلغ موضعًا يقال له جُبّ سُمّاقا، ثم عدل إلى حَوْلايا، ثم أخذ على النَّهروانات فانتهى - فيما ذكر - إلى بَثق من النّهروانات يصبّ إلى نهر دَيَاليَ، فأقام على سَكْره ثمانية عشر يومًا، فأعياه، فمضى إلى جَرْجَرايا، فخرج منها للنظر إلى ضَيْعة كانت لعيسى بن عليّ هناك، فصُرع من يومه ذلك عن برذون له دَيْزج، فشُجَّ في وجهه، وقدم عليه وهو بجَرْجَرايا أسارى من ناحية عُمان من الهند، بعث بهم إليه تسنيم بن الحواري مع ابنه محمَّد، فهمّ بضرب أعناقهم، فساءلهم فأخبروه بما التبس به أمرهم عليه؛ فأمسك عن قتلهم وقسَّمهم بين قوّاده ونُوّابه. وفيها انصرف المهديّ إلى مدينة السَّلام من الرّقّة فدخلها في شهر رمضان. وفيها أمر المنصور بمرَمَّة القصر الأبيض، الذي كان كسرى بناه، وأمر أن يغرَّم كلّ مَنْ وُجد في داره شيء من الآجرّ الخُسروانيّ، مما نقضه من بناء الأكاسرة، وقال: هذا فيء المسلمين، فلم يتم ذلك ولا ما أمر به من مرمَّة القصر.