page 4818, entry [1689]Open original source
ذكر الخبر عن مهلك شبيب وفي هذه السنة هلك شبيبٌ في قولِ هشامِ بن محمَّد، وفي قول غيرِه كان هلاكُه سنة ثمان وسبعين.* ذكر سبب هلاكه: قال هشام، عن أبي مِخنَف: قال: حدّثني أبو يزيدَ السَّكْسَكيّ، قال: أقفَلنا الحَجّاج إليه - يعني إلى شبيب - فقسَّم فينا مالًا عظيمًا، وأعطى كل جريح منا وكل ذي بلاء، ثمّ أمر سفيان بن الأبرد أن يسير إلى شبيب، فتجهّز سُفيان، فشقّ ذلك على حبيب بن عبد الرحمن الحكميّ، وقال: تبعث سُفْيان إلى رجل قد فللته وقتلت فُرسانَ أصحابِه! فأمضى سفيان بعدَ شهرين، وأقام شبيب بكِرْمان، حتَّى إذا انجبر واستراش هو وأصحابُه أقبل راجعًا، فيستقبله سُفْيان بجِسْر دُجيل الأهواز، وقد كان الحجَّاج كتب إلى الحَكَم بن أيّوب بن الحكَم بن أبي عَقيل، وهو زوج ابنة الحجَّاج وعامله على البَصْرة. أما بعد، فابعثْ رجلًا شَجاعًا شريفًا من أهل البصْرة في أربعة آلاف إلى شبيب، ومُرْه فلْيَلْحق بسُفْيان بن الأبرد، وليَسْمع له وليُطعْ. فبعث إليه زياد بن عمرو العَتكيّ في أربعة آلاف، فلم ينته إلى سُفيان حتى التقى سُفْيان وشبيب، ولمَّا أن التقيا بجِسْر دجيل عبر شبيب إلى سُفيان فوجد سُفْيان قد نزَل في الرجال، وبعث مُهاصِر بن صيفيّ العُذريّ على الخيل، وبعث على ميمنته بشر بن حسان الفِهريّ، وبعث على ميسرته عمر بن هُبيرة الفزاريّ، فأقبل شبيب في ثلاثة كراديسَ من أصحابه، هو في كتيبة وسُوَيد في كتيبة، وقَعنَب المُحلّميّ في كتيبة، وخلَّف المحلَّل بن وائل في عسكره، قال: فلمَّا حمل سُويد وهو في ميمنته على ميسرة سُفْيانَ، وقعنسب وهو في ميسرته على ميمنته حَمَل هو على سُفْيان، فاضْطَرَبْنا طويلًا من النهار، حتَّى انحازوا فرجعوا إلى المكان الَّذي كانوا فيه، فكرّ علينا هو وأصحابه أكثرَ من ثلاثين كَرّة، كلّ ذلك لا نزول من صَفّنا، وقال لنا سُفْيان بنُ الأبرد: لا تتفرّقوا، ولكن لِتزحَف الرجالُ إليهم زحفًا، فوالله ما زلْنا نطاعِنُهم ونضاربهم حتَّى اضطررناهم إلى الجِسْر، فلما انتهى شبيب إلى الجِسْر نزل ونزل معه نحو من مئة رجل، فقاتَلْناهم حتى المساء أشدّ قتال قاتله قومٌ قطّ، فما هو إلا أن نزلوا فأوقعوا لنا من الطعن والضّرب شيئًا ما رأينا مِثلَه من قوم قطّ، فلمَّا رأى سفيانُ أنَّه لا تقدِر عليهم، ولا يأمن مع ذلك ظفرهم، دعا الرّماةَ فقال: ارشقُوهم بالنَّبل، وذلك عند المساء، وكان التقاؤهم نصفَ النهار، فرماهم أصحابُ النَّبل بالنَّبل عندالمساء، وقد صفَّهم سُفْيان بن الأبرد على حِدَة، وبعث على المُرامِية رجلًا، فلمَّا رشقوهم بالنَّبل ساعةً شدّوا عليهم، فلمَّا شدّوا على رُماتنا شدَدْنا عليهم، فشغَلْناهم عنهم، فلما رموا بالنَّبل ساعةً ركب شبيب وأصحابُه ثمّ كَرُّوا على أصحاب النَّبل كرّةً صُرع منهم أكثرُ من ثلاثين رجلًا، ثمّ عطف بخَيْله علينا، فمشى عامدًا نحونا؛ فطاعَنَّاه حَتَّى اختَلط الظلام، ثمّ انصَرَف عنا، فقال سُفيان لأصحابه: أيُّها الناس، دَعُوهم لا تتَّبعوهم حتى نُصبِّحهم غُدْوة، قال: فكَفَفنَا عنهم وليس شيء أحبّ إلينا من أن ينصرفوا عنّا (١). (٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠). قال أبو مخنف: فحدّثني فَروة بنُ لقيط، قال: فما هو إلّا أن انتهَينا إلى الجِسْر، فقال: اعبرُوا معاشرَ المسلمين، فإذا أصبَحْنَا باكَرْناهم إن شاء الله، فعَبرْنا أمامَه، وتخلَّف في أخرانا، فأقبل على فرسه، وكانت بين يديه فرس أنثى ماذيانة، فنزا فرسُه عليها وهو على الجسر فاضطربت الماذيانة، ونزل حافرُ رجل فرس شبيب على حرف السفينة، فَسَقط في الماء، فلمَّا سَقَط قال: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ فارتمس في الماء ثمّ ارتَفَع فقال: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٢). (٦/ ٢٨٥). قال أبو مخنَف: فحدثني أبو يزيد السَّكْسكيّ بهذا الحديث - وكان ممَّن يقاتله من أهل الشام، وحدّثني فروة بنُ لقيط، وكان ممَّن شهد مواطنَه - فأمَّا رجل من رهطه من بني مُرّة بن هَمَّام فإنَّه حدّثني أنه كان معه قومٌ يقاتلون من عشيرته، ولم يكن لهم تلك البصيرةُ النافذة، وكان قد قتل من عشائرهم رجالًا كثيرًا، فكأن ذلك قد أوجع قلوبَهم، وأوغَرَ صدورَهم؛ وكان رجلٌ يقال له مُقاتل من بني تيم بن شَيْبان من أصحاب شبيب، فلمَّا قتل شبيبٌ رجالًا من بني تَيم بن شيبانَ أغار هو على بني مُرّة بن هَمَّام فأصاب منهم رجلًا، فقال له شبيب: ما حَمَلك على قَتلِهم بغيرِ أمري! فقال له: أصلحك الله! قتلتُ كفَّار قومي، وقتلتَ كفَّار قومك، قال: وأنت الوالي عليّ حتَّى تقطع الأمور دُونِي! فقال: أصلَحك الله! أليس من دِيننا قتل مَنْ كان على غير رأينا، منَّا كان أو مِنْ غيرِنا! قال: بلى،قال: فإنَّما فعلت ما كان ينبغي، ولا والله يا أمير المؤمنين ما أصبت من رهطك عُشر ما أصبت من رهطي، وما يحلّ لك يا أمير المؤمنين أن تَجِد من قَتْل الكافرين؛ قال: إني لا أجد من ذلك، وكان معه رجال كثير قد أصاب من عشائرهم، فزعموا أنَّه لمَّا تخلَّف في أخْريات أصحابهِ قال بعَضهم لبعض: هل لكم أن نقطع به الجِسْر فندْركَ ثأرَنا الساعة! فقطعوا الجِسْر، فمالت السفُن، فَفزع الفرس ونفر، ووقع في الماء فغرِق (١). (٦/ ٢٨١). قال أبو مخنف: فحدّثني ذلك المُرّيّ بهذا الحديث، وناسٌ من رَهْط شبيب يَذْكرون هذا أيضًا؛ وأمَّا حديث العامَّة فالحديثُ الأوّل (٢). (٦/ ٢٨١). قال أبو مخنف: وحدّثني أبو يزيدَ السَّكْسَكيّ، قال: إنَّا واللهِ لنتهيَّأ للانصراف إذ جاء صاحبُ الجسر فقال: أين أميرُكم؟ قلنا: هو هذا، فجاءه فقال: أصلَحَك الله! إن رجلًا منهم وقع في الماء، فتنادَوا بينهم: غَرق أميرُ المؤمنين! ثمّ إنَّهم انصرفوا راجعين، وتركوا عسكرَهم ليس فيه أحد، فكبَّر سُفيانُ وكبَّرنا، ثمّ أقبل حتَّى انتهى إلى الجسر، وبعث مُهاصِر بن صَيفيّ فعبر إلى عسكرهم، فإذا ليس فيه منهم صافِرٌ ولا آثرِ، فنزل فيه، فإذا أكثُر عسكر خلق اللهِ خيرًا، وأصبَحْنا فطلبنا شبيبًا حتَّى استخرَجْناه وعليه الدّرْع، فسمعتُ النَّاس يزْعمون أنه شَقّ بطنَه فأخرج قلبَه، فكان مجتمِعا صُلْبًا كأنَّه صَخْرة، وإنَّه كان يَضرِب به الأرض فيثب قامةَ إنسان؛ فقال سفيان: احْمَدوا الله الَّذي أعانكم فأصبح عسكرهم في أيدينا (٣). (٦/ ٢٨١ - ٢٨٢). قال أبو زيد عُمر بنُ شَبَّة: حدّثني خلّاد بنُ يزيد الأرقط، قال: كان شبيب يُنْعَى لأمِّه فيقال: قتِل، فلا تَقبل قال: فقيل لها: إنَّه غرِق فَقبِلتْ وقالت: إني رأيتُ حين ولدتُه أنَّه خرج مِنّي شهاب نار، فعَلِمتُ أنه لا يُطفئِه إلّا الماء. (٦/ ٢٨٢). قال هِشام عن أبي مِخنَف: حدّثني فَرْوة بن لقَيط الأزديّ ثمّ الغامريّ أن يزيدا بن نُعْيم أبا شبيب كان ممَّن دخل في جيش سَلْمان بن ربيعة إذ بعث به وبمنمعه الوليد بن عُقْبة عن أمرِ عثمانَ إيَّاه بذلك مَددًا لأهل الشام أرض الروم، فلمَّا قَفَل المسلمون أقيمَ السَّبى للبيع، فرأى يزيد بن نُعَيم أبو شبيب جاريةً حمراءَ، لا شَهْلَاء ولا زَرْقاء طويلةً جميلةً تأخُذُها العين، فابتَاعَها ثم أقبل بها، وذلك سنة خمس وعشرين أوّل السنة، فلمَّا أدخَلَها الكوفة قال: أسلِمي، فأبتْ عليه، فضربها فلم تزدَد إلا عصيانًا، فلمَّا رأى ذلك أمر بها فأصلِحت، ثمّ دعا بها فأدخِلَتْ عليه، فلما تغَشاها تَلَقَّتْ منه بحَمْل فولدتْ شبيبًا، وذلك سنة خمس وعشرين في ذي الحجَّة في يوم النَّحر يومَ السبت، وأحبَّت مولاها حُبًّا شديدًا - وكانت حَدثة - وقالت: إن شئت أجبتُك إلى ما سألتَني من الإسلام، فقال لها: شئتُ، فأسلَمَت وولدتْ شبيبًا وهي مُسْلمة، وقالت: إني رأيت فيما يَرَى النائم أنَّه خرج من قُبُلي شِهَابٌ فثَقب يسطع حتَّى بلغ السماءَ وبَلغ الآفاقَ كلَّها، فبينا هو كذلك إذ وقع في ماء كثير جارٍ فخبا، وقد ولدتُه في يومِكم هذا الَّذي تُهريقون فيه الدماء، وإني قد أوّلْتُ رؤيايَ هذه أني أرى ولدِي هذا غلامًا، أراه سيكون صاحب دماء يُهَرِيقها، وإني أرى أمره سيعلو ويعظم سريعًا، قال: فكان أبوه يختلف به وبأمّه إلى البادية إلى أرض قومه على ماء يُدعَى اللَّصَف (١). (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٢). قال أبو مِخنَف: وحدّثني موسى بنُ أبي سُويد بن رادي أنّ جُنْدَ أهل الشام الذين جاؤوا حملوا معهم الحَجَر فقالوا: لا نفرّ من شبيب حتَّى يفرّ هذا الحجر؛ فبلغ شبيبًا أمرُهم، فأراد أن يكيدهم، فدعا بأفراس أربعة، فربط في أذنابها ترَسة في ذَنَب كلّ فرس تُرْسَيْن، ثمّ ندب معه ثمانيةَ نفر من أصحابه، ومعه غلامٌ له يقال له حيَّان، وأمره أن يحمل معه إداوةً من ماء، ثم سار حتَّى يأتي ناحيةً من العسكر، فأمر أصحابه أن يكونوا في نواحي العسكر، وأن يجعلوا مع كلّ رجلين فرسًا، ثم يُمِسُّوها الحديدَ حتَّى تجد حرَّه ويخلّوها في العسكر، وواعدهم تلعةً قريبةً من العسكر، فقال: من نجا منكم فإنّ موعده هذه التَّلْعة؛ وكره أصحابُه الإقدامَ على ما أمرهم به، فنزل حيثُ رأى ذلك منهم حتى صنع بالخَيْل مِثلَ الَّذي أمرهم، ثمّ وغلتْ في العسكر: ودخل يَتْلوها مُحكّمًا فضرب الناسُ بعضهم بعضًا، فقام صاحبُهم الَّذي كان عليهم، وهو حبيب بن عبد الرحمن الحَكَميّ،فنادى: أيها الناس، إنّ هذه مكيدة، فالزَموا الأرض حتَّى يتبيَّن لكم الأمرُ، ففعلوا وبقي شبيب في عسكرهم، فلزم الأرض حيث رآهم قد سكنوا وقد أصابتُه ضربةُ عمود أوهنتْه، فلمَّا أن هدأ الناسُ ورجعوا إلى أبنيتهم خرج في غِمارهم حتَّى أتى التلعة، فإذا هو بحَيَّان، فقال: أفرغ يا حيَّان على رأسي من الماء، فلمَّا مدّ رأسه ليصبّ عليه من الماء همّ حيَّان أن يَضرِب عنقه، فقال لنفسه: لا أجد لي مكرُمةً ولا ذِكرًا أرفعَ مِن قتلي هذا، وهو أماني عند الحجَّاج، فاستقبلتْه الرّعدْة حيثُ هَمّ بما هَمَّ به، فلمَّا أبطأ بِحَل الإداوة قال: ما يُبطئك بحَلّها! فتناوَل السِّكين من مَوْزَجِه فخرَقها به، ثمّ ناولَها إياه، فأفرَغ عليه من الماء، فقال حيان: منعَني واللهِ الجُبْن وما أخَذَني من الرّعدة، أن أضرِب عُنقه بعد ما هممتُ به، ثمّ لَحِق شبيب بأصحابه في عسكره (١). (٦/ ٢٨٣ - ٢٨٤).