Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

خبر دخول شبيب الكوفه وما كان من امره مع الحجاج

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 4775, entry [1685]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: خبر دخول شبيب الكوفه وما كان من امره مع الحجاج
page 4775, entry [1685]Open original source
خبر دخول شبيب الكوفة وما كان من أمره مع الحجّاج وفي هذه السنة دخل شبيب الكوفةَ ومعه زوجتُه غزَالة. * ذكر الخبر عن دخوله الكوفة وما كان من أمرِه وأمرِ الحجَّاج بها والسبب الَّذي دعا شبيبًا إلى ذلك: وكان السبب في ذلك - فيما ذَكر هشام، عن أبي مِخنَف، عن عبد الله بن علقمة، عن قبيصة بن عبد الرحمن الخَثْعمي - أنّ شبيبًا لمَّا قُتِل صالحُ بنُ مسرّح بالمدبَّج وبايعه أصحابُ صالح، ارتفع إلى أرض الموْصل فلقَي سلامة بن سيَّار بن المضاء التَّيْميّ تَيْم شيبان، فدعاه إلى الخروج معه، وكان يَعرفه قبل ذلك إذ كانا في الدّيوان والمَغَازي، فاشتَرَط عليه سلامةُ أن يَنتخِب ثلاثين فارسًا، ثم لا يغيب عنه إلا ثلاثَ ليال عددًا. ففعل فانتَخب ثلاثين فارسًا، فانْطلق بهم نحو عَنَزة، وإنَّما أرادهم ليَشفي نفسَه منهم لقتلِهم أخاه فَضالة، وذلك أنّ فضالة كان خرج قبل ذلك في ثمانية عشر نَفْسًا حتَّى نزل ماءً يقال له الشَّجرَة من أرضِ الجبال، عليه أثَلة عظيمة، وعليه عَنَزة، فلمَّا رأتْه عَنَزة قال بعضهم لبعض: نقتلهم ثمّ نغدو بهم إلى الأمير فنُعطى ونُحبَى، فأجمعوا على ذلك، فقال بنو نصر أخوالُه: لَعَمر الله لا نساعدكم على قتل وَلَدنا، فنهضت عنَزَةُ إليهم فقاتَلوهم فقَتَلوهم، وأتَوا برؤوسهم عبدَ الملك بنَ مروان، فلذلك أنْزَلهم بانِقيَا، وفرض لهم، ولم تكن فرائضُ قبلَ ذلك إلا قليلة، فقال سلامة بنُ سيَّار، أخو فضالة يَذكُر قتل أخيه وخِذلان أخوالِه إيَّاه: وما خِلْتُ أخْوَالَ الفَتَى يُسلمونَهُ ... لِوَقْع السلاح قبلَ ما فَعَلتْ نَصْرُ قال: وكان خروج أخيه فَضالَة قبل خروج صالح بنِ مسرّح وشبَيب. فلمَّا بايع سلامةُ شبيبًا اشترط عليه هذا الشرط، فخرج في ثلاثين فارسًا حتَّى انتهى إلى عَنزة، فجعل تقتل المحلَّة منهم بعد المحلة حتَّى انتهى إلى فريق منهمفيهم خالته، وقد أكبَّت على ابني لها وهو غلام حين احتلم، فقالت وأخرجت ثديَها إليه: أنشدك برَحم هذا يا سلامة! فقال: لا والله، ما رأيتُ فضالة مذ أناخ بعُمْر الشَّجرة - يعني أخاه - لتقومِنّ عنه، أو لأجْمعَنّ حافتكِ بالرّمح، فقامت عن ابنها عند ذلك فقتَله (١). (٦/ ٢٢٤ - ٢٢٥). قال أبو مخنفَ: فحدّثني المفضّل بن بكر من بني تَيْم بن شيبان أنّ شبيبًا أقبل في أصحابه نحو رَاذانَ، فلمَّا سمعتْ به طائفة من بني تَيم بنِ شيبانَ خرجوا هُرّابًا منه، ومعهم ناس من غيرهم قليل، فأقبلوا حتى نزلوا دَير خرّزاد إلى جنب حَوْلايا، وهم نحو من ثلاثةِ آلاف، وشبيب في نحو من سبعين رجلًا أَو يزيدون قليلًا، فنزل بهم؛ فهابوه وتحصّنوا منه، . ثمّ إنّ شبيبًا سَرَى في اثني عشرَ فارسًا من أصحابه إلى أمه، وكانت في سَفْحِ ساتيدَما نازِلةً فَي مَظلّة من مَظالّ الأعراب: فقال: لآتينّ بأمّي فلأجعلنّها في عسكري فلا تفارقني أبدًا حتَّى أموتَ أو تموت، وخرج رجلان من بني تَيم بن شيبانَ تخوَّفَا على أنفسِهما فنزلا من الدّير، فلَحِقا بجماعة من قومهما وهم نُزول بالجبالِ منهم على مسيرةِ ساعة من النهار، وخرج شبيبٌ، في أولئك الرّهط في أوّلهم وهم اثنا عشر، يريد أمَّه بالسفح، فإذا هو بجماعة من بني تَيْم بن شيبان غارّين في أموالهم مقيمين، لا يرَوْن أنّ شبيبَّا يَمرّ بهم لمكانِهم الّذي هم به، ولا يشعر بهم، فحمل عليهم في فَرسانه تلك، فقتل منهم ثلاثين شيخًا؛ فيهم حَوْثرةُ بنُ أسَد ووَبرة بن عاصم اللّذان كانا نزَلا من الدَّير، فلحقا بالجبال، ومَضى شبيب إلى أمه فحمَلَها من السَّفح، فأقبل بها، وأشرف رجلٌ من أصحاب الدّير من بكرِ بن وائل على أصحاب شبيب، وقد استَخلف شبيب أخاه على أصحابه مصاد بن يزيد، ويقال لذلكَ الرّجل الَّذي أشرف عليهم سلّامُ بن حيان، فقال لهم: يا قوم، القرآن بيننا وبينكم، ألم تسمعوا قولُ الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. قالوا: بلى، قال لهم: فكفّوا عنَّا حتَّى نُصبح، ثمّ نخرج إليكم على أمان لنا منكم، لكيلا تَعرِضوا لنا بشيء نكرهه حتَّى تَعرضوا علينا أمركم هذا، فإن نحنقَبلناه حرُمتْ عليكم أموالنا ودماؤنا، وكنَّا لكم إخوانًا، وإن نحن لم نقبَلْه رددْتمونا إلى مأمَننا، ثمّ رأيتم رأيكم فيما بيننا وبينكم، قالوا لهم: فهذا لكم، فلما أصبحوا خرجوا إليهم، فعَرَض عليهم أصحابُ شبيب قولَهم، ووصفوا لهم أمرَهم، فقَبِلوا ذلك كلَّه، وخالطوهم، ونَزلوا إليهم، فدخل بعضهم إلى بعض، وجاء شبيب قد اصطلحوا، فأخبرَه أصحابُه خبرَهم، فقال: أصَبتم ووُفّقتم وأحَسنتُم. ثمّ إن شبيبًا ارتحل فخرجت معه طائفة وأقامتْ طائفةٌ جانحة، وخرج يومئذ معه إبراهيمُ بن حَجَر المحلَّمي أو الصُّقَير كان مع بني تَيْم بنِ شيبان نازلًا فيهم، ومضى شبيب في أداني أرض المَوْصل وتخُوم أرض جُوخى، ثم ارتفع نحو أذرَبِيجانَ، وأقبل سفيان بن أبي العالية الخَثْعميّ، في خيل قد كان أمر أن يدخل بها طَبَرسْتان، فأمِر بالقُفولِ، فأقبلَ راجعًا في نحو من ألف فارس، فصالح صاحب طَبَرَستانَ (١). (٦/ ٢٢٥ - ٢٢٦). قال أبو مخنف: فحدّثني عبدُ الله بن علقمة عن سفيان بن أبي العالية الخثعميّ أنّ كتاب الحجَّاج أتاه: أما بعد، فسرْ حتَّى تنزل الدسْكرة فيمن معك، ثمّ أقِم حتَّى يأتيَك جيشُ الحارث بن عميرة الهَمْدانيّ بن ذي المِشعار، وهو الَّذي قتَل صالحَ بن مسرّح وخيل المناظر، ثمّ سِرْ إلى شبيب حتَّى تُناجزَه، فلمَّا أتاه الكِتاب أقبَل حتَّى نزل الدّسْكرة، ونُوديَ في جيش الحارثِ بن عميرة بالكوفة والمَدائن: أنْ بَرِئت الذّمَّة من رجل من جيش الحارث بنِ عميرة لم يُواف سُفيان بن أبي العالية بالدّسْكرة. قال: فخرجوا حتَّى أتوه، وأتته خيلُ المناظر، وكانوا خمسمئة، عليهم سَوْرة بن أبْجَر التميميّ من بني أبَان بنِ دارم، فوافَوْه إلا نحوًا من خمسين رجلًا تخلَّفوا عنه، وبعث إلى سُفيان بن أبي العالية ألّا تبرح العسكَر حتَّى آتيَك، فعَجل سفيانُ فارتحل في طلب شبيب، فلَحِقه بخانِقِين في سَفْحِ جبل على ميمنته خازمُ بن سُفيان الخثعميّ من بني عمرو بن شَهْران، وعلى ميسرته عديّ بن عميرة الشَّيبانيّ، وأصحَرَ لهم شبيب، ثم ارتفع عنهم حتَّى كأنَّه يكره لقاءَه، وقد أكمنله أخاه مصادًا معه خمسون في هَزْم من الأرض. فلمَّا رأوْه جَمَع أصحابَه ثمَّ مضى في سفح الجبل مُشْرقًا فقالوا: هرب عدوّ الله فاتَّبعوه، فقال لهم عديّ بن عميرة الشَّيبانيّ: أيّها الناس، لا تعجلوا عليهم حتَّى نَضرب في الأرض ونسير بها، فإن يكونوا قد أكمنوا لنا كميِنًا كنّا قد حَذرْناه وإلا فإنّ طلبهم لن يفوتنا، فلم يسمع منه الناس، وأسرعوا في آثارهم، فلمَّا رأى شبيب أنَّهم قد جازوا الكَمِينَ عَطَف عليهم. ولما رأى الكَمينُ أن قد جاوَزُوهم خرجَوا إليهم، فحمل عليهم شبيب من أمامِهم، وصاح بهم الكمين من ورائهم، فلم يقاتلهم أحد، وكانت الهزيمة، فثبت ابنُ أبي العالية، في نحو من مئتي رجل، فقاتلهم قتالًا شديدًا حسنًا؛ حتَّى ظنّ أنَّه انتصف من شبيب وأصحابه، فقال سُويد بن سُليم لأصحابه: أمِنْكم أحد يَعرف أميرَ القوم ابنَ أبي العالية؟ فوالله لئن عَرَفْتُه لأجهدَنّ نفسي في قتْلِه، فقال شبيبٌ: أنا مِن أعرَف الناس به، أما تَرَى صاحب الفرس الأغرّ الَّذي دونَه المُرامية! فإنَّه ذلك، فإن كنت تريدُه فأمهِلْه قليلًا ثمّ قال: يا قعنب، اخرج في عشرين فائتِهم من ورائهم، فخرج قعنب في عشرين فارتفع عليهم. فلمَّا رأوه يريدُ أن يأتيَهم من ورائهم جعلوا ينتقضون ويتسلَّلون، وحمل سُوَيد بنُ سُليم على سُفيان بن أبي العالية فطاعنه، فلم تصنع رُمْحاهما شيئًا، ثم اضطربا بِسَيْفيهما ثمَّ اعتنق كل منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض يعتركان؛ ثم تحاجزوا وحَمَل عليهم شبيب فانكشفوا، وأتى سُفيان غلامٌ له يقال له غَزْوان، فنزل عن بِرْذَونه، وقال: اركبْ يا مولاي، فرَكب سفيان، وأحاط به أصحاب شبيب، فقاتَل دونَه غَزْوان فقُتل، وكانت معه رايتُه، وأقبل سُفيانُ بن أبي العالية حتَّى انتهى إلى بابل مَهُرُوذ، فنزل بها، وكتب إلى الحجَّاج: أمَّا بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلَحه الله أني اتَّبعت هذه المارقةَ حتَّى لِحقتُهم بخانِقين فقاتلتهم، فضَربَ الله وجوههم، ونصرنا عليهم، فبينا نحن كذلك إذْ أتاهم قوم كانوا غُيَّبًا عنهم، فَحَملوا على الناس فهزموهم، فنزلتُ في رجال من أهل الدّين والصبر فقاتلتهم، حتَى خررتُ بين القتلى، فحُمِلت مرتثًّا، فأتيَ بي بابل مهروذ، فهأنذا بها والجند الَّذين وجَّههم إليّ الأمير وافَوا إلا سَوْرةَ بن أبْجَر فإنه لم يأتني ولم يشهد معى حتّى إذا ما نزلت بابل مَهْروذ أتاني يقولما لا أعرفُ، ويَعتذر بغير العُذر، والسلام. فلمَّا قرأ الحجَّاجُ الكتاب قال: مَنْ صنع كما صنع هذا، وأبلى كما أبلى فقد أحسن، ثم كتب إليه: أمَّا بعد، فقد أحسَنْتَ البلاء، وقضيتَ الَّذي عليك، فإذا خَفّ عنك الوجع فأقبِل مأجورًا إلى أهْلِك، والسلام. وكتب إلى سَوْرة بن أبجَر: أمَّا بعد فيا بن أمّ سَوْرة، ما كنتَ خليقًا أن تجتَرئ على ترك عهدي وخذلان جُندي، فإذا أتاك كتابي فابعث رَجُلًا ممَّن معك صَليبًا إلى الخيل الَّتي بالمدائن، فَلينتخِب منهم خمسمئة رجلٍ، ثمّ ليُقدم بهم عليك، ثمّ سِرْ بهم حتَّى تَلَقى هذه المارقة، واحزمْ في أمرك، وكدْ عدوّك فإنْ أفضل أمر الحرب حسن المكيدة. والسلام. فلمَّا أتى سَوْرةَ كتابُ الحجَاج بعث عديّ بن عميرة إلى المدائن، وكان بها ألفُ فارس، فانتَخب منهم خَمسمئة ثمّ دخل على عبد الله بن أبي عُصَيْفِير - وهو أميرُ المدائن في إمارته الأولى - فسلَّم عليه، فأجازه بألف درْهم، وحمله على فرس، وكساه أثوابًا، ثم إنَّه خرج من عنده، فأقبل بأصحابه حتَّى قدم بهم على سَورة بن أبجر ببابل مَهْروذ، فخرج في طلب شبيب، وشبيب يَجُول في جُوخَى وسَوْرة في طَلبه، فجاء شبيب حتَّى انتهى إلى المَدائن، فتحصَّن منه أهلُ المدائن وتحرّزوا، وهي أبْنية المدائن الأولى، فدخل المدائن، فأصاب بها دوابَّ جندٍ كثيرة، فقتل مَنْ ظهر له ولم يَدخلُوا البيوت، فأتِيَ فقيل له: هذا سَوْرة بنُ أبجر قد أقبلَ إليك، فخرج في أصحابه حتَّى انتهى إلى النَهرَوان فنزلوا به وتوضّؤوا وصلُّوا، ثمّ أتَوْا مصارعَ إخوانهم الذين قتَلهم عليّ بنُ أبي طالب ﵇، فاستغفروا لإخوانِهم، وتبرّؤوا من عليّ وأصحابِه، وبَكوْا فأطالوا البكاءَ، ثم خرجوا فقطعوا جِسْرَ النَّهرَوان، فنزلوا من جانِبه الشرقي، وجاء سَوْرة حتَّى نزل بقطراثا، وجاءته عُيونه فأخبرتْه بمنزل شبيب بالنَّهروان، فدعا رؤوس أصحابه فقال: إنَّهم قلَّما يُلْقَون مُصحِرين أو على ظَهر إلّا انتصفوا منكم، وظهروا عليكم، وقد حُدّثت أنَّهم لا يزيدون على مئة رجل إلا قليلًا، وقد رأيتُ أن أنتخبكم فأسيرَ في ثلاثمئة رجل منكم من أقويائكم، وشُجْعانِكم، فآتيِهم الآن إذْهم آمنون لبَياتِكم؛ فوالله إني لأرجو أن يصرعهم الله مصارع إخوانهم الَّذين صُرعوا منهم بالنَّهروان من قبلُ. فقالوا: اصْنع ما أحببتَ، فاستعمل على عسكره حازم بن قُدامة الخثعميّ، وانتخب من أصحابه ثلاثمئة رجل من أهل القوّة والجَلَد والشَّجاعة، ثمّ أقبَل بهم نحو النَّهروان، وبات شبيب وقد أذكى الحَرَس، فلمَّا دنا أصحابُ سَوْرة منهم نَذِروا بهم، فاستَووا على خُيولهم وتعبَّوا تعبيتهم. فلمَّا انتهى إليهمْ سَوْرة وأصحابُه أصابوهم قد حَذَروا واستعدّوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم، وضارَبوهم حتَّى صدّ عنهم سَوْرة وأصحابه، ثمّ صاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتَّى تركوا له العرصة، وحَمَلوا عليهم معه، وجَعَل شبيب يَضرب ويقول: من يَنِكِ العَيْرَ يَنِكْ نَيَاكَا ... جَنْدلَتانِ اصطَكَّتا اصطِكَاكَا فرجع سَورة إلى عسكره وقد هُزم الفُرْسان وأهلُ القَوّة، فتحمَّل بهِم حتَّى أقبل بهم نحوَ المدائن، فدفع إليهم وقد تحمَّل وتعدَّى الطريق الذي فيه شبيب، واتبعه شبيب وهو يرجو أن يَلحقه فيُصيب عسكره، ويصيب بهزيمته أهل العسكر، فأغَذَّ السير في طلبهم، فانتَهوْا إلى المدائن فَدخلوها، وجاء شبيب حتَّى انتهى إلى بيُوت المدائن، فدفع إليهم وقد دخل الناس، وخرج ابنُ أبي عُصَيْفِير في أهل المَدائن فرماهم الناس بالنَّبْل، ورُمُوا من فوق البيوت بالحجارة، فارتفع شبيب بأصحابه عن المدائن. فمرّ على كِلوَاذَا فأصاب بها دوابّ كثيرةً للحجّاج فأخَذَها، ثمّ خرج يسيرُ في أرض جُوخَى، ثم مضى نحو تَكْريت، فبينا ذلك الْجُنْد في المدائن إذا أرجفَ الناسُ بينهم، فقالوا: هذا شبيب قد دَنَا، وهو يريد أن يبيِّت أهلَ المدائن اللَّيلة، فارتَحَل عامَّة الجُنْدِ، فَلحِقوا بالكوفة (١). (٦/ ٢٢٦ - ٢٣٠). قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الله بن عَلْقمة الخثْعميّ، قال: والله لقد هربوا من المدائن وقالوا: نُبيَّتُ اللَّيلة، وإنْ شبيبًا لَبِتَكريتَ، قال: ولمَّا قَدم الفَلّ علىالحَجَّاج سرَّح الجَزْل بن سعيد بن شُرَحبيل بن عَمرو الكنديّ (١). (٦/ ٢٣٠). قال أبو مخنف: حدّثنا النّضر بنُ صالح العَبْسيّ وفُضيلُ بنُ خديج الكنديّ أنّ الحجَّاج لمَّا أتاه الفَلّ قال: قبح الله سَوْرة! ضَيَّع العسكر والجُنْد، وخرج يبيِّت الخَوارج، أمَّا والله لأسوْءنَّه، وكان بعدُ قد حَبَسَه ثمّ عَفَا عنه (٢). (٦/ ٢٣٠). قال أبو مخنف: وحدّثني فضيل بن خديج أنّ الحجَّاج دعا الجزْل - وهو عثمان بن سعيد - فقال له: تيسّر للخروج إلى هذه المارقة، فإذا لقيتَهم فلا تعجلْ عجلةَ الخَرِق، ولا تُحجِم إحجامَ الواني الفَرِق، هل فهمتَ؟ لله أنتَ يا أخا بني عمرو بن معاوية! فقال: نعم أصلح الله الأمير قد فهمت، قال له: فاخرج فعسْكِر بديْر عبد الرحمن حتَّى يخرج إليك الناس، فقال: أصلَحَ الله الأمير! لا تبعثنَّ معي أحدًا من أهل هذا الجُنْد المفلول المهزوم، فإنَّ الرعب قد دخل قلوبَهم، وقد خشيتُ ألّا ينفعك والمسلمين منهم أحد؛ قال له: فإنْ ذلك لك، ولا أراك إلّا قد أحسنْتَ الرأي ووُفِّقتَ، ثمّ دعا أصحابَ الدّواوين فقال: اضربوا على الناس البعث، فأخرجوا أربعة آلاف من الناس، من كلّ ربع ألف رجل، وعجّلوا ذلك، فجُمعت العُرفاء، وجلس أصحابُ الدّواوين، وضَربوا البعث فأخرجوا أربعة آلاف، فأمرهم بالعسكر فعَسْكروا، ثمَّ نودي فيهم بالرّحيل، ثم ارتحلوا ونادى منادي الحجَّاج: أن برئت الذّمة من رجل أصبْناه من هذا البعث متخلّفًا؛ قال فمضى الجَزْل بنُ سعيد، وقد قدم بين يديه عياض بن أبي لينة الكِنْديّ على مُقدّمته، فخرج حتَّى أتى المدائنَ، فأقام بها ثلاثًا، وبعث إليه ابنُ أبي عُصَيْفير بفرس وبِرْذَوْن وبغلين وألفيْ درهم، ووضع للناس من الجزر والعلف ما كفاهم ثلاثة أيام حتّى ارتحلوا، فأصاب الناس ما شاؤوا من تلك الجزر والعَلَف الَّذي وَضَع لهم ابْنُ أبي عُصيْفير، ثمَّ إنّ الجزل بنَ سعيد خرج بالناس في أثر شبيب، فطَلَبه في أرض جُوخَى، فجعل شبيب يُريه الهيبة، فيَخرج من رُسْتاق إلى رُسْتاق، ومن طَسّوج إلى طَسّوج، ولا يقيم له إرادة أن يفرّق الجزل أصحابه، ويتعجَّل إليه فيلقاه في يسير من الناس على غير تعبية، فجعل الجَزل لا يسير إلّا على تعبية، ولا ينزل إلا خندق على نفسه خندقًا، فلمَّاطال ذلك على شبيب أمرَ أصحابه ذات ليلة فسرَوْا (١). (٦/ ٢٣٠ - ٢٣١). قال أبو مخنف: فحدّثني فروة بنُ لَقيط أنّ شبيبًا دعانا ونحن بدير بيرما ستون ومئة رجل، فجعل على كلّ أربعين من أصحابه رجلًا، وهو في أربعين، وجعل أخاه مصادًا في أربعين، وبعث سُوَيد بن سُليم في أربعين، وبعث المحلَّل بن وائل في أربعين، وقد أتتْه عيونُه فأخبرتْه أنّ الجزل بن سعيد قد نزل ديرَ يزدَجِرْد، قال: فدعانا عند ذلك فعبَّانا هذه التعبية، وأمرنا فعلَّقْنا على دوابنا، وقال لنا: تيسَّروا فإذا قضمتْ دوابُّكم فاركبوا، ولْيسر كلّ امرئ منكم مع أميره الَّذي أمَّرناه عليه، ولْينظر كل امرئ منكم ما يأمرُه أميرُه فليتَبعه، ودعا أمراءنا فقال لهم: إني أريد أن أبيِّت هذا العسكرَ اللَّيلة، ثم قال لأخيه مصاد: إيتهم فارتفعْ من فوقهم حتَّى تأتيَهم من ورائهم من قِبَل حُلوان، وسآتيهم أنا من أمامي من قِبل الكوفة، وائْتِهم أنتَ يا سويد من قِبَل المشرق، وائْتِهم أنتَ يا محلّل من قِبَل المغرب، ولْيَلِج كلّ امرئ منكم على الجانب الَّذي يَحمِل عليه، ولا تُقلِعوا عنهم، تَحمِلون وتكرّون عليهم، وتصيحون بهم حتَّى يأتيَكم أمري، فلم نزل على تلك التعبية، وكنتُ أنا في الأربعين الَّذين كانوا معه، حتى إذا قَضمتْ دوابُّنا - وذلك أوّل اللَّيلِ أوّل ما هدأت العيون - خرجْنا حتى انتَهينا إلى دَيْر الخرّارة، فإذا للقوم مَسلحة، عليهم عِياض بن أبي لينة، فما هو إلا أن انتهَينا إليهم، فحَمَل عليهم مصاد أخو شبيب في أربعين رجلًا، وكان أمام شبيب، وقد كان أراد أن يَسبِق شبيبًا حتَّى يرتفع عليهم ويأتيهم من ورائهم كما أمره، فلمَّا لقيَ هؤلاء قاتَلهم فصبروا ساعةً، وقاتلوهم، ثمّ إنّا دفعنا إليهم جميعًا، فحَمَلْنا عليهم فهزمناهم، وأخذوا الطريق الأعظم وليس بينهم وبين عسكرهم بدَيْر يَزْدَجرد إلا قَريب من ميل، فقال لنا شبيب: اركبوا معاشر المسلمين أكتافهم حتَّى تدخُلوا معهم عسكرَهم إن استطعتم؛ فاتّبعناهم والله مُلِظِّين بهم، ملحِّين عليهم، ما نرفّه عنهم وهم منهزمون، ما لهم همّة إلا عسكرهم، فانتهوا إلى عسكرهم، ومنعهم أصحابُهم أن يدخلُوا عليهم، ورَشَقونا بالنَّبْل، وكانت عيون لهم قد أتتْهم فأخبرتْهم بمكاننا، وكان الجَزْل قد خندق عليه، وتحرّز ووضع هذه المسلحة الَّذين لقِيناهم بدَيْر الخرّارة، ووَضَع مسلحةً أخرى ممَّا يلي حُلوان علىالطريق، فلمَّا أن دفعنا إلى هذه المسلَحة التي كانت بدَير الخرّارة فألحقْناهم بعسكر جماعتهم ورجعت المسالح الأخر حتى اجتمعت، منعها أهل العسكر دخول العسكر وقالوا لهم: قاتِلوا، وانضحوا عنكم بالنَّبل (١). (٦/ ٢٣١ - ٢٣٢). قال أبو مخنف: وحدّثني جَرير بن الحسين الكنديّ، قال: كان على المَسلحَتيْن الأخْريَيْن عاصمُ بنُ حجر على الَّتي تلي حُلْوان، وواصلُ بن الحارث السَّكونيّ على الأخرى، فلمَّا أن اجتمعتْ المَسالحُ جَعل شبيبُ يَحْمل عليها حتَّى اضطرّها إلى الخندَق، ورَشَقَهم أهلُ العسكر بالنبل حتَّى ردّوهم عنهم، فلمَّا رأى شبيب أنَّه لا يصل إليهم قال لأصحابه: سِيروا ودَعُوهم، فمضى على الطريق نحو حُلْوان حتَّى إذا كان قريبًا من موضع قِباب حسين بن زُفر من بني بَدْر بن فزارة - وإنَّما كانت قبابُ حسين بن زُفَر بعد ذلك - قال: لأصحابه: انزلوا فاقضِموا وأصلِحوا نَبلَكم، وتروّحوا وصَلّوا ركعتين، ثمّ اركبوا؛ فنزلوا ففعلوا ذلك، ثمَّ إنَّه أقبل بهم راجعًا إلى عسكر أهل الكوفة أيضًا، وقال: سيروا على تعبيَتِكم الَّتي عبَّأتكم عليها بدير بِيرما أوّل الليل، ثمّ أطِيفوا بعسكرهم كما أمرتكم، فأقبلوا قال: فأقبلنا معه وقد أدخل أهل العسكر مَسالِحهم إليهم، وقد أمَّنونا فما شعروا حتى سمعوا وَقع حَوافِر خيولنا قريبًا منهم، فانتهينا إليهم قُبيلَ الصّبح فأحَطْنا بعسكرهم، ثم صيّحنا بهم من كلّ جانب، فإذا هم يُقاتلوننا من كلّ جانب، ويرموننا بالنَّبل، ثم إنّ شبيبًا بعث إلى أخيه مصاد وهو يقاتلهم من نحو الكوفة، أنْ أقبِل إلينا وخلِّ لهم سبيل الطريق إلى الكُوفة، فأقبل إليه، وترك ذلك الوجه، وجعلنا نقاتلهم من تلك الوجوه الثلاثة؛ حتَّى أصبحْنا، فأصبحنا ولم نستفل منهم شيئًا، فسرنا وتركناهم، فجعلوا يصيحون بنا: أين يا كلاب النار! أينَ أيَّتها العِصابة المارقة! أصبِحوا نخرجْ إليكم، فارتفعنا عنهم نحوًا من مِيل ونصف، ثم نزلْنا فصلّينا الغَداةَ، ثمّ أخذْنا الطريق على يراز الرُّوذ، ثمّ مَضينا إلى جَرجَرايا وما يليها، فأقبلوا في طلبنا (٢). (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣). قال أبو مخنف: فحدّثني مولى لنا يُدعَى غاضرة أو قيصر، قال: كنت مع الناس تاجرًا وهم في طلب الحَرورّية، وعلينا الجَزْل بنُ سعيد، فجعل يتبعهمفلا يسير إلا على تعبية، ولا ينَزل إلا على خندق، وكان شبيبٌ يَدعه ويَضرب في أرض جُوخَى وغيرها يكسر الخَراج، وطال ذلك على الحجَّاج، فكتب إليه كتابًا، فقرئ على الناس: أما بعد، فإني بعثتُك في فرسان أهل المِصر ووجوه الناس، وأمرتُك باتباع هذه المارقة الضّالة المُضلَّة حتَّى تلقاها، فلا تُقلِع عنها حتَّى تقتلَها وتُفنيها؛ فوجدتَ التعريسَ في القُرَى والتَّخييمَ في الخَنادق أهوَن عليك من المُضيّ لما أمرتك به من مناهَضتهم ومناجَزتِهم، والسَّلام. فقرئ الكتابُ علينا ونحن بقطراثا ودَيْر أبي مَرْيم، فشَقّ ذلك على الجَزْل، وأمَر الناسَ بالسَّير، فخرجوا في طلب الخوارج جادّين، وأرجَفنا بأميرنا وقلنا: يُعزل (١). (٦/ ٢٣٣ - ٢٣٤). قال أبو مخنف: فحدّثني إسماعيلُ بن نعيم الهَمْدانيّ ثمّ البُرسميّ أنّ الحجَّاج بعثَ سعيد بنَ المجالد على ذلك الجيش، وعَهِد إليه إن لقيتَ المارقةَ فازحفْ إليهم ولا تُناظرْهم ولا تُطاولْهم وواقِفْهم واستَعِن بالله عليهم. ولا تصنع صنيع الجَزْل، واطلبهم طلبَ السَّبع، وحِدْ عنهم حَيَدان الضَّبع، وأقبلَ الجَزل في طلب شبيب حتَّى انتهوا إلى النَّهْرَوان فأدرَكوه فلزم عسكَره، وخندق عليه، وجاء إليه سعيدُ بن المجالد حتَّى دخل عسكرَ أهل الكوفة أميرًا، فقام فيهم خطيبًا فحمِد الله وأثْنَى عليه ثمّ قال: يا أهلَ الكوفة، إنَّكم قد عجزتم ووهَنتنم وأغضَبتم عليكم أمِيرَكم. أنتم في طلب هذه الأعاريب العُجْف منذ شهرين، وهم قد خرّبوا بلادكم، وكسروا خراجكم، وأنتم حافرون في جَوْف هذه الخنَادق لا تزايلونها إلا أن يَبلُغَكم أنَّهم قد ارتَحَلوا عنكم، ونزلوا بلدًا سوى بلدكم، فاخرجوا على اسم الله إليهم. فخرج وأخرج الناس معه، وجمع إليه خيول أهل العسكر، فقال له الجزل: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد أن أقدم على شبيب في هذه الخيل، فقال له الجَزْل:أقمْ أنت في جماعة الجيش؛ فارسَهم وراجلهم، وأصحِرْ له؛ فوالله ليقدمنّ عليك، فلا تُفرّق أصحابك؛ فإنّ ذلك شرّ لهم وخيرٌ لك. فقال له: قف أنت في الصّفّ، فقال: يا سعيد بن مجالد، ليس لي فيما صنعتَ رأي، أنا بريءٌ من رأيك هذا، سَمِع اللهُ ومَن حضر من المسلمين. فقال: هو رأيي إن أصبتُ؛ فالله وفَّقني له، وإن يكن غيرَ صواب فأنتم منه بُراء، قال: فوقف الجَزل في صفّ أهل الكوفة وقد أخرجهم من الخندق، وجعل على ميمنتهم، عياض بن أبي لينة الكِنْديّ، وعلى ميسرتِهم عبد الرحمن بن عوف أبا حُميد الرّواسيّ، ووَقف الجزل في جماعتهم واستقدم سعيد بن مجالد، فخرج وأخرج الناسَ معه، وقد أخذ شبيبٌ إلى بَرَاز الرُّوز، فنزل قَطُفتا، وأمر دهْقَانَها أن يشترَي لهم ما يُصلحهم، ويتّخذ لهم غَداءً، ففعل، ودخل مدينة قَطُفتا وأمر بالباب فأغلق، فلم يَفرغ من الغداء حتى أتاه سعيد بنُ مجالد في أهل ذلك العسكر، فصعد الدّهقان السور فنظر إلى الجُنْد مقبلين قد دنَوا من حِصْنه، فنزل وقد تغيَّر لونُه، فقال له شبيب: ما لي أراك متغيِّر اللون! فقال له الدّهقان: قد جاءتك الجنود من كلّ ناحية، قال: لا بأس، هل أدرَك غداؤنا؟ قال: نعم، قال: فقرّبْه، وقد أغلَق الباب، وأتِيَ بالغداء، فتغدَّى وتوضّأ وصلَّى ركعتين، ثمّ دعا ببغل له فركبه. ثمّ إنَّهم اجتمعوا على باب المدينة، فأمر بالباب فَفُتح، ثمّ خرج على بغله فحمَل عليهم، وقال: لا حكمَ إلا للحَكَم الحكيم، أنا أبو مدلّه، اثبتوا إن شئتم، وجعل سعيد يجمَع قومه وخيلَه، ويولفها في أثرَه ويقول: ما هؤلاء! إنَّما هم أكلَةُ رأس، فلمَّا رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشروا لفَّ خيله كلَّها، ثمّ جمعها، ثم قال: استعرضوهم استعراضًا، وانظروا إلى أميرهم، فوالله لأقتلنّه أو يقتلني، وحَمَل عليهم مستعرضًا لهم، فهَزَمهم وثبت سعيد بن المجالد، ثمّ نادى أصحابه: إليّ إليّ، أنا ابن ذي مُرّان! وأخذ قلَنْسُوتَه فوضعها على قَربوس سَرْجه، وحَمَل عليه شبيب فعمَّمه بالسيف، فخالط دماغَه، فخرّ ميتًا، وانهزم ذلك الجيش، وقتِلوا كلّ قِتْلة، حتَّى انتهوا إلى الجزَل، ونزل الجزل ونادَى: أيها الناس، إليّ. وناداهم عِياضُ بن أبي لينة: أيها الناس، إن كان أميركم القادم قد هَلَك فأميركم الميمونُالنَّقيبة المبارك حيّ لم يَمت، فقاتل الجزل قِتالًا شديدًا حتَّى حُمِل من بين القتلَى، فحُمل إلى المدائن مرْتثًّا، وقَدم فلّ أهل ذلك العسكر الكوفة، وكان من أشدّ الناس بلاءً يومئذ خالدُ بن نَهيك من بني ذُهْل بن معاوية وعياض بن أبي لِينة، حتى استنقذاه وهو مرتَثّ هذا حديثُ طائفة من الناس، والحديث الآخرُ قتالهم فيما بين دَيْر أبي مريم إلى بَراز الرّوز، ثمّ إنّ الجَزْل كتب إلى الحجاج. قال: وأقبَل شبيب حتَّى قَطع دجْلة عند الكَرْخ، وبعث إلى سوق بغداد فآمنهم، وذلك اليوم سُوقهم، وكان بلغه أنَّهم يخافونه، فأحَبّ أن يؤمِّنهم، وكان أصحابُه يريدون أن يشتروا من السوق دوابّ وثِيابًا وأشياءَ ليس لهم منها بُدّ، ثمّ أخذ بهم نحو الكوفة، وساروا أول الليل حتَّى نزلوا عُقْر المَلِك الَّذي يلي قصر ابن هُبيرة، ثمّ أغَذَّ السَّيرَ من الغد، فبات بين حمّام عمر بن سعد وبين قُبِّينَ، فلمَّا بلغ الحجَّاج مكانه بعث إلى سُويد بن عبد الرحمن السعديّ، فبعثه في ألفي فارس نقاوَة وقال له: اخرْج إلى شبيب فالقه، واجعل ميمنةً وميسَرة، ثمَّ انزل إليه في الرّجال فإن استطرد ذلك فدعه ولا تتبعه، فخرج فعسكر بالسَّبْخة، فبلغه أنّ شبيبًا قد أقبل، فأقبل نحوه وكأنَّما يساقُون إلى الموت، وأمر الحجَّاج عثمان بن قَطن فعسكَر بالناس بالسَّبَخة، ونادى: ألا بَرئت الذمّة من رجل من هذا الجند باتَ اللَّيلة بالكوفة لم يخرُج إلى عثمانَ بن قَطَن بالسَّبَخة! وأمر سُوَيد بن عبد الرحمن أن يسيرَ في الألفين اللَّذين معه حتَّى يلقى شبيبًا فعبَر بأصحابه إلى زُرَارة وهو يعبِّئهم ويحرّضهم إذ قيل له: قد غشيَك شبيب، فنزل ونزل معه جُلُّ أصحابه، وقدَّم رايتَه ومضى إلى أقصى زُرارة، فأخبِر أن شبيبًا قد أخبر بمكانك فتركك، ووجد مخاضةً فعبر الفُرات وهو يريد الكوفة من غير الوجه الَّذي أنت به، ثم قيل له: أما تراهم! فنادى: في أصحابه، فركبوا في آثارهم. وإنْ شبيبًا أتى دارَ الرّزق، فنزَلها، فقيل: إن أهل الكوفة بأجمعهم معسكرون بالسَّبَخة، فلمَّا بلغهم مكانَ شبيب صاح بعضهم ببعض وجالوا، وهَمّوا أن يَدخلوا الكوفة حتَّى قيل لهم: إنّ سويد بن عبد الرحمن في آثارهم قدلحقهم وهو يقاتِلُهم في الخيل (١). (٦/ ٢٣٤ - ٢٣٧). قال هشام: وأخبرَني عمرُ بنُ بشير، قال: لمَّا نزل شبيب الدّير أمر بغَنم تُهيَّأ له، فصَعِد الدّهقان، ثمّ نزل وقد تغيَّر لونُه، فقال: مالك! قال: قد والله جاءك جمعٌ كثير؛ قال: أبلغ الشِّواءُ بعدُ؟ قال: لا، قال: دَعْه. قال: ثم أشرف إشرافةً أخرى، فقال: قد والله أحاطُوا بالجُوْسق قال: هات شِواءَك، فجعل يأكل غير مكترِث لهم، فلما فرغ توضّأ وصلَّى بأصحابه الأولى، ثمّ تقلَّد سَيفين بعدما لبس درْعه، وأخذ عمود حديد ثمّ قال: أسرجوا لي البغلة، فقال أخوه مصاد: أفي هذا اليوم تُسرَج بغلة! قال: نعم أسرِجوها، فرَكبها، ثم قال: يا فلان، أنت على المَيْمنَة وأنت يا فلان على الميسرة، وقال لمصاد: أنت في القلب، وأمر الدّهقان ففتح الباب في وجوههم، قال: فخرج إليهم وهو يحكّم، فجعل سعيد وأصحابه يرجِعون القَهقَري حتَّى صار بينهم وبين الدَّير نحوٌ من ميل. قال: وجعل سعيد يقول: يا معشر هَمْدان، أنا ابن ذي مُرّان، إليّ إليّ. ووجَّه سِرْبًا مع ابنه وقد أحسَّ أنَّها تكون عليه، فنظَر شبيب إلى مصاد فقال: أثكَلَنِيك الله إنْ لم أثكله ولَده، قال: ثمّ علاه بالعَمود، فَسَقَط ميتًا، وانهزم أصحابُه وما قُتِل بينهم يومئذ إلا قتيل واحد، قال: وانكشف أصحابُ سعيد بن مجالد حتَّى أتَوا الجَزْل، فناداهم الجزل: أيها الناس، إليّ إليّ، وناداهم عِياض بنُ ابي لينة: أيها الناس، إنْ يكن أميرُكم هذا القادمُ قد هلك فهذا أميرُكم الميمون النقيبة، أقبِلوا إليه، وقَاتِلوا معه؛ فمنهم من أقبل إليه، ومنهم من ركب رأسَه منهزمًا، وقاتل الجَزْلُ قتالًا شديدًا حتَّى صرع، وقاتل عنه خالدُ بن نهيك وعياض بن أبي لِينة حتَّى استنقَذاه وهو مُرْتَثّ، وأقبَل الناسُ منهزمين حتَّى دخلوا الكوفة، فأتِيَ بالجَزْل حتى أدخِل المدائن، وكُتب إلى الحجَّاج بن يوسف (٢). (٦/ ٢٣٧). قال أبو مِخنف: حدّثني بذلك ثابتٌ مولى زُهير: أمَّا بعد، فإني أخبر الأمير أصلَحه الله أني خرجت فيمن قبَلي من الجند الَّذيوجَّهني إلى عدوّه، وقد كنت حفظتُ عهدَ الأمير إليّ فيهم ورأيَه، فكنتُ أخرجُ إليهم إذا رأيت الفُرْصة، وأحبِس الناس عنهم إذا خشيت الوَرْطة، فلم أزل كذلك، ولقد أرادني العدوّ بكلّ رِيدة فلم يُصب منِّي غِرّةً، حتَّى قدم عليّ سعيدُ بن مجالد رحمة الله عليه، ولقد أمرته بالتؤدَة، ونهيته عن العَجلة، وأمرتُه ألّا يقاتلهم إلّا في جماعة الناس عامَّةً فعصاني، وتعجَّل إليهم في الخيل، فأشهدتُ عليه أهل المِصْرَيْن أنِّي بريء من رأيه الَّذي رأى، وأني لا أهوى ما صَنع، فمضى فأصيب تجاوز الله عنه، ودُفِع الناسُ إليّ، فنزلتُ ودعوتهم إليّ، ورفعتُ لهم رايَتي، وقاتلتُ حتَّى صُرعتُ، فحملني أصحابي من بين القَتلى، فما أفقت إلا وأنا على أيديهم على رأسِ ميل من المعركة، فأنا اليومَ بالمدائن في جراحة قد يموت الرجلُ من دونِها ويُعافَى من مثلها، فليسأل الأمير أصلحه الله عن نصيحتي له ولجنده، وعن مكايدتي عدوّه، وعن موقفي يومَ البأس، فإنه يستبين له عند ذلك أنى قد صَدقتهُ ونصحتُ له، والسلام. فكتب إليه الحجَّاج: أمَّا بعد، فقد أتاني كتابُك وقرأته، وفهمتُ كلَّ ما ذكرتَ فيه، وقد صدّقتُك في كلّ ما وصفتَ به نفسَك من نصيحتك لأميرك، وحيْطتك على أهلِ مصْرك، وشدّتك على عدوّك، وقد فهمتُ ما ذكرتَ من أمر سعيد وعجلته إلى عدوّه، فقد رضيتُ عَجلتَه وتُؤَدَتك، فأمَّا عجلته فإنَّها أفضت به إلى الجنَّة، وأمَّا تُؤَدَتُك فإنَّها لم تَدَع الفرصة إذا أمكنتْ، وترْك الفرصة إذا لم تُمكِن حَزْمٌ وقد أصبتَ وأحسنتَ البلاء، وأجِرْتَ، وأنتَ عندي من أهل السمع والطاعة والنَّصيحة، وقد أشخصتُ إليك حيَّان بن أبجر ليداوِيك ويعالجَ جراحتَك، وبعثتُ إليك بألفَي درهم فأنفِقْها في حاجتك وما ينوبُكَ، والسلام. فقدِم عليه حَيَّان بنُ أبجر الكنانيّ من بني فراس - وهم يعالجون الكَيِّ وغيرِه - فكان يداويه، وبحث إليه عبد الله بن أبي عُصَيفير بألف درهم، وكان يعوده ويتعاهدُه باللَّطَف والهديّة. قال: وأقبل شبيب نحوَ المدائنِ. فعلم أنَّه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتَّى انتهَى إلى الكرْخ، فعبر دِجلة إليه، وبعث إلى أهل سُوق بَغْداد وهو بالكَرْخِ أن اثبتُوا في سُوقكم فلا بأس عليكم - وكان ذلك يوم سوقهم - وقد كان بلغه أنَّهم يخافونه.قال: ويخرجُ سُويد حتَّى جعل بيوتَ مُزَينة وبني سُلَيم في ظهره وظهور أصحابه، وحمل عليهم شبيب حملةً منكرة، وذلك عند المساء، فلم يقدِر منهم على شيء، فأخذ على بيوتِ الكُوفة نحو الحِيرة، وأتبعه سُويد لا يفارقه حتى قطع بيوتَ الكوفة كلّها إلى الحيرة، وأتبعه سوَيد حتى انتهى إلى الحيرة، فيَجِده قد قَطَع قنطرةَ الحيرة ذاهبًا، فتَركه وأقام حتى أصبح. وبعث إليه الحجَّاج أن أتبعه فأتبعه، ومضَى شبيب حتَّى أغار في أسفل الفُرات على من وجد من قوْمه، وارتفع في البرّ من وراء خَفَّان في أرض يقال لها الغلظة، فيصيب رجالًا من بني الوِرْثة، فَحَمل عليهم، فاضطرّهم إلى جَدد من الأرض، فجعلوا يَرْمونه وأصحابَه بالحجارة من حجارة الأرحاء كانت حولَهم، فلَمَّا نَفِدَت وصل إليهم فقتل منهم ثلاثةَ عشر رجلًا، منهم حنظلة بن مالك ومالكَ بن حنظلة وحمران بن مالك، كلّهم من بني الورْثة (١). (٦/ ٢٣٧ - ٢٣٩). قال أبو مخنف: حدّثني بذلك عطاءُ بنُ عَرْفَجة بن زياد بن عبد الله الورثيَّ، ومضى شبيب حتَّى يأتي بني أبيه على اللصف (ماءٌ لرَهْطه) وعلى ذلك الماء الفِزْر بنُ الأسود، وهو أحد بني الصَّلْت، وهو الَّذي كان يَنهَى شبيبًا عن رأيه، وأن يُفسِد بني عمه وقومه، فكان شبيب يقول: والله لئن ملكتُ سبعةَ أعنَّة لأغزُوَنّ الفِزْر، فلمَّا غشيَهم شبيب في الخيل سأل عن الفِزْر فاتَّقاه الفِزْر، فخرج على فرس لا تُجارَى من وراء البيوت، فذهب عليها في الأرض، وهرب منه الرجال، ورجع وقد أخاف أهلَ البادية حتَّى أخذ على القُطقُطانة؛ ثمّ على قصر مُقاتِل، ثمّ أخذ على شاطيء الفُرات حتَّى أخذ على الحَصّاصة، ثم على الأنبار، ثم مضى حتى دخلَ دقُوقاء، ثمّ ارتفع إلى أداني أذْربيجان، فترَكه الحجَّاج وخرج إلى البَصْرة، واستخلَف على الكوفة عروة بن المغيرة بن شعبة، فما شعر الناس بشيء حتَّى جاء كتابٌ من ماذرواسب دِهْقان بابل مَهْرُوذ وعظيمها إلى عُروَة بن المغيرة بن شُعْبة أنّ تاجرًا من تجَّار الأنْبار من أهل بلادي أتاني فَذَكر أنّ شبيبًا يريد أن يدخُل الكوفة في أول هذا الشهر المستقبل، أحببتُ إعلامَك ذلك لتَرى رأيك، ثمّ لم ألبث إلا ساعةً حتَّى جاءني جابيان من جُباتي فحدّثاني أنّه قد نزلخانِيجار، فأخذ عروة كتابَه فأدْرَجَه وسرّح به إلى الحجَّاج بالبصرة، فلمَّا قرأه الحجَّاج أقبل جوادًا إلى الكُوفة، وأقبَل شبيب يسيرُ حتَّى انتهى إلى قرية يقال لها حَرْبى على شاطيء دِجْلة فعبر منها، فقال: ما اسمُ هذه القرية؟ فقالوا: حَرْبَى؛ فقال: حرْب يَصْلى بها عدوّكم، وحَرب تُدخِلونه بُيوتهم، إنَّما يتطيَّر من تقُوف ويَعِيف، ثم ضرب رايتَه وقال لأصحابه: سيروا؛ فأقبَل حتَّى نزل عَقْرقُوفَا، فقال له سُويد بن سُليم: يا أميرَ المؤمنين، لو تحوّلتَ بنا من هذه القرية المشؤومة الاسم! قال: وقد تطيَّرتَ أيضًا! والله لا أتحوّل عنها حتَّى أسيرَ إلى عدوّي منها، إنَّما شؤمُها إن شاء الله على عدوِّكم تَحمِلون عليهم فيها، فالعَقْر لهم. ثمّ قال لأصحابه: يا هؤلاء، إنّ الحجّاج ليس بالكوفة، وليس دون الكوفة إن شاء الله شيءٌ، فسيروا بنا. فخرج يُبادِر الحجَّاج إلى الكوفة، وكتب عُروةُ إلى الحجَّاج أنّ شبيبًا قد أقبل مسرعًا يريد الكوفة، فالعجلَ العجلَ، فطوى الحجّاج المنازل، واستبَقا إلى الكوفة، ونزلها الحجّاج صلاةَ الظهر، ونزل شبيبٌ السَّبَخة صلاةَ المغرب، فصلَّى المغرب والعِشاء، ثمّ أصاب هو وأصحابه من الطعام شيئًا يسيرًا، ثمّ ركبوا خيولهم فدخلوا الكوفة، فجاء شبيبٌ حتَّى انتهى إلى السوق، ثمّ شذ حتى ضربَ بابَ القصر بعموده. قال أبو المنذر: رأيت ضربَةَ شبيب بباب القصر قد أثَّرتْ أثَرًا عظيمًا، ثمّ أقبل حتَّى وقف عند المَصْطبة، ثم قال: وكأنَّ حافِرَهَا بكلِّ خَمِيلَةٍ ... كَيْلٌ يَكِيلُ به شَحِيحٌ مُعْدِمُ عَبْدٌ دَعِيٌّ من ثمودٍ أصلُه ... لابل يُقال أبُو أَبيهمْ تقْدُمُ ثمّ اقتحموا المسجد الأعظم وكان كبيرًا لا يفارقه قومٌ يصلون فيه، فقَتل عقيلَ بن مصعب الوادعيّ وعديّ بن عمرو الثَّقفيّ وأبا لَيْث بن أبي سُلَيم مولى عَنْبسة بن أبي سُفيان، وقتلوا أزهرَ بن عبد الله العامريّ، ومَرّوا بدار حَوْشب هو على الشُّرَط فوقفوا على بابه وقالوا: إنّ الأمير يدعو حَوْشبًا، فأخرج ميمون غلامه بِرْذَونَ حَوْشب ليركبه حَوْشب، فكأنَّه أنكرهم فظنُّوا أنه قد اتَّهمهم، فأراد أن يدخل، فقالوا له: كما أنت، حتَّى يَخرجُ صاحبُك، فسمع حوْشب الكلامَ، فأنكرَ القوم، فخرج إليهم فلمَّا رأى جماعتَهم أنكرَهم، وذهب لينصرِف، فعجَّلوا نحوه، ودخل وأغلَق الباب، وقتلوا غلامَه ميمونًا، وأخذوا بِرْذَوْنهومَضوا حتى مرّوا بالجحَّاف بن نبيط الشَّيْبانيّ من رَهْط حَوْشب، فقال له سويد: انزلْ إلينا، فقال له: ما تَصنع بنُزولي! قال له سويد: أقضِيك ثمنَ البكرةِ الَّتي كنتُ ابتعتُ منك بالبادية، فقال له الجحّاف: بئس ساعةُ القضاء هذه الساعة، وبئس قَضاءُ الدَّين هذا المكان! أما ذكرتَ أمانتَك إلا واللَّيل مظلم، وأنت على ظهر فرسِك! قبَّح الله يا سويد دينًا لا يَصلُح ولا يتمّ إلا بقتل ذوي القَرابة وسفك دماء هذه الأمَّة. قال: ثمّ مضوا فمرّوا بمسجد بني ذُهْل فلقوا ذُهَل بن الحارث، وكان يصلِّي في مسجد قومه فيُطيلُ الصلاة، فصادفوه منصرفًا إلى منزله، فشدّوا عليه ليقتلُوه، فقال: اللهمَّ إني أشكو إليك هؤلاء وظلمَهم وجهلَهم. اللَّهمَّ إني عنهم ضعيف، فانتصرْ لي منهم! فضربوه حتَّى قتلوه، ثمَّ مضَوا حتَّى خرجوا من الكوفة متوجّهين نحو المردَمة (١). (٦/ ٢٣٩ - ٢٤١). قال هِشام: قال أبو بكر بنُ عيَّاش: واستقبله النَّضرُ بنُ قَعقَاع بن شوْر الذّهْليّ، وأمّه ناجية بنت هانيء بن قَبيصة بن هانيء الشَّيبانيّ فأبطَره حين نظر إليه - قال: يعني بقوله: "أبطَرَه" أفزعه - فقال: السلام عليكَ أيّها الأمير ورحمة الله؛ قال له سويد مبادرًا: أميرَ المؤمنين، وَيْلكَ! فقال: أمير المؤمنين، حتَّى خرجوا من الكوفة متوجِّهين نحو المردمة، وأمر الحجّاج المناديَ فنادَى: يا خيلَ الله ارْكبي وأبْشِري، وهو فوق بابِ القَصْر، وثَمَّ مصباحٌ مع غلام له قائم، فكان أوّل من جاء إليه من الناس عثمان بن قَطَن بن عبد الله بن الحصين ذي الغُصّة، ومعه مواليه، وناس من أهله، فقال: أنا عثمان بن قَطَن، أعلموا الأمير مكاني، فليأمر بأمره، فقال له ذلك الغلام: قفْ مكانك حتَّى يأتيَك أمرُ الأمير، وجاء الناسُ من كلّ جانب، وبات عثمانُ فيمن اجتمع إليه من الناس حتَّى أصبح. ثمّ إن الحجَّاج بعث بُسْرَ بن غالب الأسَديّ من بني والبة في ألفي رجل، وزائدة بن قدامةَ الثقفيَّ في ألفَيْ رجل، وأبا الضريس، مولى بني تميم في ألف من الموالي، وأعيَن - صاحب حمَّام أعيَن مَولى بِشْر بن مروان - في ألف رجل،وكان عبد الملك بن مروان قد بعث محمَّد بن موسى بن طلحة على سِجِسْتان، وكتب له عليها عهده، وكتب إلى الحجَّاج: أمَّا بعد، فإذا قدم عليك محمد بن موسى فجهِّز معه ألفَيْ رجل إلى سِجْستان، وعجِّلْ سرَاحه، وأمَر عبد الملك محمَّد بن موسى بمكاتبة الحجَّاج، فلمَّا قدم محمَّد بنُ موسى جعل يتحبَّس في الجَهاز، فقال له نصحاؤه، تعجَّل أيّها الأمير إلى عَمَلك؛ فإنَّك لا تدري ما يكون من أمر الحَجَّاج! وما يبدو له. فأقام على حالِه، وحدَث من أمر شبيب ما حدثَ، فقال الحجَّاج لمحمَّد بن موسى بن طلحة بن عبيد الله: تلقى شبيبًا وهذه الخارجةَ فتجاهِدْهم ثمّ تَمضِي إلى عملك، وبعث الحجَّاج مع هؤلاء الأمَراء أيضًا عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز القُرشيّ وزياد بن عمرو العتكيّ، وخرج شبيبٌ حيث خرج من الكوفة، فأتى المردمة وبها رجل من حضرَموت على العُشور يقال له ناجية بن مَرْثد الحضرمي، فدخل الحمَّام ودخل عليه شبيب فاستخرجه فضرب عنقه، واستقبل شبيب النضّر بن القَعْقَاع بن شَوْر - وكان مع الحجاج حين أقبلَ من البصرة، فلمَّا طوى الحجَّاجُ المنازل خلّفه وراءه - فلما رآه شبيب ومعه أصحابه عرفه، فقال له شبيب: يا نضر بن القَعْقَاع، لا حُكم إلا لله - وإنَّما أراد شبيب بمقالته له تَلقِينَه، فلم يفهم النَّضر - فقال: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فقال أصحاب شبيب: يا أمير المؤمنين، كأنَّك إنَّما تريد بمقالتك أن تلقِّنَه، فشَدّوا على نضر فقتَلوه. قال: واجتمعتْ تلك الأمراء في أسفل الفرات، فترك شبيب الوجهَ الذي فيه جماعةُ أولئك القواد، وأخذ نحو القادسيَّة، ووجَّه الحجَّاج زَحْر بن قيس في جَريدة خيل نقاوة ألف وثمانمئة فارس، وقال له: أتْبع شبيبًا حتى تواقعَه حيثما أدركْتَه، إلا أن يكون منطلقًا ذاهبًا فاتركه ما لم يعطف عليك أو ينزل فيقيم لك، فلا تبرحْ إن هو أقام حتَّى تواقعه، فخرج زَحْر حتى انتهى إلى السَّيْلحِين، وبلغ شبيبًا مَسيرُه إليه، فأقبل نحوه فالتقَيَا، فجَعل زَحْر على ميمنته عبد الله بن كنَاز النَّهديّ، وكان شجاعًا وعلى ميسرته عديَّ بن عديّ بن عميرة الكنديّ الشيبانيّ، وجمع شبيب خيلَه كلّها كَبْكَبةً واحدة، ثمّ اعترض بها الصفّ، فوجف وجيفًا، واضطرب حتَّى انتهى إلى زَحْر بن قيس، فنزل زَحْر بن قيس، فقاتل زَحْر حتَّىصُرع، وانهزم أصحابُه، وَظنّ القومُ أنَّهم قد قتلوه، فلما كان في السَّحَر وأصابَه البرد قام يتمشّى حتَّى دخل قريةً فبات بها، وحُمل منها إلى الكوفة وبوَجْهه ورأسه بضع عشرة جراحة ما بين ضربة وطعنة، فمكث أيَّامًا، ثمّ أتى الحجَّاج وعلى وجْهه وجراحه القُطن، فأجْلسه الحجَّاج معه على السَّرير، وقال لمن حوله: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنَّة يمشي بين الناس وهو شَهِيد فلينظرْ إلى هذا، وقال أصحابُ شبيب لشبيب وهم يظنّون أنَّهم قد قتلوا زَحْرًا: قد هزمنا لهم جُنْدًا، وقَتلَنا لهم أميرًا من أمرائهم عظيمًا، انصرِفْ بنا الآن وافرين، فقال لهم: إنْ قتلنا هذا الرجل، وهزيمتنا هذا الجند، قد أرْعبتْ هذه الأمراء والجنود التي بُعثَتْ في طلبكم، فاقصِدوا بنا قصْدَهم، فوالله لئن نحن قتلناهم ما دون الحجَّاج من شيء وأخْذ الكوفة إن شاء الله، فقالوا: نحن لرأيك سمع تَبع، ونحن طوع يديك. قال: فانقضّ بهم جوادًا، حتى يأتي نَجْران - وهي نَجْران الكوفة ناحية عَيْن التَّمر - ثمّ سأل عن جماعة القوم فخُبّر باجتماعهم برُوذبار في أسفل الفُرات في بِهْقُباذ الأسفل على رأس أربعة وعشرين فرسخًا من الكُوفة، فبلغ الحجَّاجَ مسيره إليهم، فبعث إليهم عبد الرحمن بن الغَرِق مولى ابن أبي عَقِيل - وكان على الحجَّاج كريمًا - فقال له: اِلحَق بجماعتهم - يَعنِي جماعةَ الأمراء - فأعلمْهم بمسير المارقة إليهم، وقل لهم: إنْ جمعكم قِتالٌ فأميرُ الناس زائدة بن قدامة، فأتاهم ابن الغرِق فأعْلمهم ذلك، وانصرَف عنه. (٦/ ٢٤٢ - ٢٤٤). قال أبو مِخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جُنْدب قال: انتهى إلينا شَبيب وفينا سَبعة أمراء على جماعتهم زائدةُ بن قدامة، وقد عبَّى كلّ أمير أصحابه على حِدَة، ففي ميمنتنا زيادُ بن عمرو العتكيّ، وفي ميسرتنا بشر بن غالب الأسديّ، وكلّ أمير واقف في أصحابه، فأقبل شبيبٌ حتَّى وقف على تَلّ، فأشرف على الناس وهو على فرس له كُمَيت أغرّ، فنظر إلى تعبيتهم، ثئم رجع إلى أصحابه، فأقبل في ثلاثِ كتائب يوجفون، حتى إذا دنا من الناس مضتْ كتيبةٌ فيها سُوَيد بن سُليم، فتقف في ميمنتنا، ومضت كتيبة فيها مَصاد أخو شبيب، فوقفتْ على ميسرتنا، وجاء شبيبٌ في كتيبة حتَّى وقف مُقابِل القلب، قال: وخرج زائدةُ بنُ قدامة يسيرُ في الناس فيما بين ميمنتهم إلى ميسرتهم، يحرّض الناس ويقول:يا عبادَ الله، أنتم الكثيرون الطيّبون، وقد نزل بكم القليلون الخبيثون، فاصبروا - جُعِلت لكم الفِداء - لكرّتَين أو ثلاث تكرّون عليهم، ثم هو النَّصر ليس بينه حاجز ولا دونه شيء، ألا تروْن إليهم والله ما يكونون مئتي رجل، إنَّما هم أكَلَة رأس إنَّما هم السّرّاق المُرّاق، إنَّما جاؤوكم ليُهَرِيقوا دماءكم، ويأخذوا فَيئَكم، فلا يكونوا على أخذه أقوَى منكم على مَنْعه، وهم قليل وأنتم كثير، وهم أهلُ فُرْقة وأنتم أهلُ جَماعة، غضوا الأبصار، واستقبلوهم بالأسِنَّة، ولا تَحملوا عليهم حتى آمركم، ثمّ انصرف إلى مَوْقفه. قال: ويَحْمِل سُوَيد بنُ سليم على زياد بن عمرو، فانكشف صَفُّهم، وثبَت زياد في نحو من نصف أصحابه، ثمّ ارتفع عنهم سُوَيد قليلًا، ثم كرّ عليهم ثانيةً، ثمّ اطَّعنوا ساعة (١). (٦/ ٢٤٤ - ٢٤٥). قال أبو مخنَف: فحدّثني فروة بن لقيط، قال: أنا والله فيهم يومئذ، قال: اطَّعَنَّا ساعةً وصبروا لنا حتَّى ظننتُ أنَّهم لن يزولوا، وقاتل زياد بنُ عمرو قتالًا شديدًا، وجعل ينادي: يا خيلي، ويشُدّ بالسيف فيقاتِل قتالًا شديدًا، فلقد رأيتُ سويدَ بن سليم يومئذ وإنَّه لأشجع العرب وأشدّه قتالًا، وما يُعرض له، قال: ثمّ إنا ارتفَعْنا عنهم آخِرًا فإذا هم يتقوّضون، فقال له أصحابه: ألا تراهم يتقوّضون! احْمِل عليهم، فقال لهم شبيب: خلّوهم حتَّى يَخِفّوا، فتركُوهم قليلًا، ثم حمل عليهم الثالثة فانهزموا، فنظرت إلى زياد بن عمرو وإنَّه ليُضَرب بالسيف، وما مِن سيف يُضْرَب به إلا نبا عنه وهو مجفَّف، ولقد رأيته اعتوره أكثرُ من عشرين سيفًا فما ضَرّه، من ذلك شيء، ثمّ إنه انهزم وقد جُرِح جراحةً يسيرة، وذلك عند المساء. قال: ثمّ شدَدْنا على عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر فهزمناه، وما قاتَلنَا كثيرَ قتال، وقد ضارب ساعةً، وقد بلغني أنه كان جُرح ثمّ لحق بزياد بن عمرو، فمضينا منهزمين حتى انتهينا إلى محمد بن موسى بن طلحة، عند المغرب، فقاتلنا قتالًا شديدًا وصبر لنا (٢). (٦/ ٢٤٥).ذكر هشامٌ عن أبي مِخنَف، قال: حدّثني عبد الرحمن بن جندَب وفروة بن لقيط، أن أخا شبيب مصادًا حمل على بِشْر بن غالب وهو في الميسرة؛ فأبْلَى وكرم والله وصبر، فنزل ونزل معه رجالٌ من أهل الصَّبر نحوٌ من خمسين، فضاربُوا بأسيافهم حتَّى قُتِلوا عن آخرِهم وكان فيهم عروةُ بن زهير بن ناجذ الأزديّ، وأمه زارة امرأة ولدتْ في الأزْد، فيقال لهم بنو زارة، فلمَّا قَتلوه وانهزم أصحابُه مالُوا فشدّوا على أبي الضُّرَيْس مولى بني تميم، وهو يلي بشِر بن غالب، فهزموه حتى انتهى إلى موقف أعْيَن، ثمّ شدوا عليه وعلى أعْيَن جميعًا فهزموهما حتى انتهوا بهما إلى زائدةَ بن قدامة، فلمَّا انتهَوا إليه نزل ونادى: يا أهل الإسلام، الأرض الأرض، إليّ إليّ! لا يكوثوا على كُفْرهم أصبر منكم على إيمانكم، فقاتلهم عامَّة الليل حتَّى كان السَّحَر، ثم إنّ شبيبًا شدّ عليه في جماعة من أصحابه فقتَله وأصحابه وتركهم رِبضة حوله من أهل الحفاظ (١) (٦/ ٢٤٦). قال أبو مخنف: وحدّثني عبد الرحمن بن جندب قال: سمعتُ زائدةَ بن قدامة ليلتئذ رافعًا صوتَه يقول: يا أيها الناس، اصبروا وصابِروا، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. ثمّ والله ما بَرح يقاتلُهم مقبلًا غيرَ مدبر حتَّى قُتِل (٢). (٦/ ٢٤٦). قال أبو مخنَف: وحدّثني فروة بنُ لَقيط أنّ أبا الصُّقَيْر الشَّيبانيّ ذكر أنه قَتَل زائدة بن قدامة، وقد حاجَّه في ذلك آخر يقال له الفَضل بن عامر، قال: ولمَّا قَتَل شبيبٌ زائدةَ بنَ قدامة دخل أبو الضُّرَيس وأعيَن جَوْسَقًا عظيمًا، وقال شبيب لأصحابه: ارفَعوا السيف عن الناس وادعوهم إلى البَيْعة، فدَعَوْهم إلى البيعة عند الفَجْر. قال عبدُ الرحمن بن جُنْدَب: فكنتُ فيمن قدم إليه فبايعه وهو واقفٌ على فرس وخيلَه واقِفة دونه، فكلّ من جاء ليبايِعه نُزع سيفُه عن عاتقِه، وأخِذ سلاحُه منه، ثم يُدْنَى من شبيب فيسلّم عليه بإمرة المؤمنين، ثم يخلَّى سبيله. قال: وإنَّالكذلك إذ انفجر الفَجْر ومحمَّد بن موسى بن طلحة بن عبيدالله في أقْصَى العسكر، معه عصابة من أصحابه قد صبروا، فلمَّا انفجر الفجر أمر مؤذِّنه فأذّن، فلمَّا سَمِع شبيب الأذان قال: ما هذا؟ فقال: هذا محمَّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله لم يَبَرح؛ فقال: قد ظننت أنّ حُمقه وخُيَلاءه سيحمله على هذا؛ نَحُّوا هؤلاء عَنَّا وانزلوا بنا فلنُصَلّ، قال: فنزل فأذّن هو، ثمّ استقدم فصلَّى بأصحابه، فقرأ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، و ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، ثم سلَّم، ثم رَكِبوا فَحَمَلَ عليهم فانكشف طائفة من أصحابه، وثبتتْ طائفة. قال فروة: فما أنسى قوَله وقد غَشينَاه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. قال: وضارب حتَّى قتل، قال: فسمعتُ أصحابي يقولون: إن شبيبًا هو الَّذي قتله، ثمّ إنّا نزلْنا فأخذنا ما كان في العسكر من شيء، وهرب الّذين كانوا بايعوا شبيبًا فلم يبق منهم أحد (١). (٦/ ٢٤٦ - ٢٤٧). وقد ذكر من أمر محمَّد بن موسى بن طلحة غيرُ أبي مِخنَف أمرًا غير الَّذي ذكرته عنه، والذي ذكر من ذلك أنّ عبدَ الملك بن مروان كان ولّى محمَّدَ بن موسى بن طلحة سِجِستان، فكتب إليه الحجَّاج: إنك عامل كلّ بلد مررت به، وهذا شبيب في طريقك، فعدل إليه محمَّد، فأرسل إليه شبيب: إنك امرؤ مخدوع، قد اتَّقى بك الحجَّاج، وأنا جارٌ لك حقّ، فانطَلِقْ لما أمِرتَ به ولك الله لا آذَيْتك، فأبى إلا محاربته، فواقفه شبيب، وأعاد إليه الرسول، فأبى إلّا قتاله، فدعا إلى البراز، فبرز إليه البطين ثم قعنب ثم سويد، فأبى إلا شبيبًا، فقالوا لشبيب: قد رغب عنا إليك، قال: فما ظنكم هذه الأشراف! فبرز إليه شبيب. وقال: إني أنشدُكَ اللهَ في دَمِكَ، فإنّ لك جِوارًا، فأبى إلا قِتَاله فحَمَل عليه شبيبٌ فضربه بعصا حديدٍ فيها اثنا عشر رطلًا بالشافي، فهشم بها بيضة عليه ورأسه فسقط، ثم كفَّنه ودفنه، وابتاع ما غنموا من عسكره، فبعث به إلى أهله، واعتذر إلى أصحابه وقال: هو جاري بالكوفة، ولي أن أهَبَ ما غنمتُ لأهل الرّدّة. (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨).قال عمرُ بنُ شَبَّة: قال أبو عبيدة: كان محمَّد بنُ موسى مع عمر بن عبيد الله بن معمر بفارس، وشهد معه قتال أبي فُدَيك وكان على ميمنته، وشُهِر بالنَّجْدة، وشدة البأس وزوّجه عمر بن عُبيد الله بن معمر ابنتَه أمّ عثمان وكانت أخته تحت عبد الملك بن مروان - فولاه سِجِسْتان، فمرَّ بالكوفة وبها الحجَّاج بن يوسف، فقيل للحجَّاج: إن صار هذا إلى سِجِسْتان، مع نجدته وصهْره لعبد الملك فلجأ إليه أحد ممَّن تطلب، مَنَعَك منه؛ قال فما الحيلة؟ قيل: تأتيه وتسلّم عليه، وتذكر نجدته وبأسه وأنّ شبيبًا في طريقه، وأنه قد أعياك، وأنَّك ترجو أن يريحَ الله منه على يده، فيكون له ذكر ذلك وشهرته، ففعل، فعدل إليه محمَّد بن موسى بن طلحة بن عُبيد الله، فواقعه شبيب، فقال له شبيب: إني قد علمتُ خِدَاعَ الحجَّاج، وإنَّما اغترّك وَوَقى بك نفسَه، وكأني بأصحابك لو قد التقَتْ حَلْقَتَا البطان قد أسلَموك، فُصرعتَ مَصرع أصحابِك؛ فأطِعْني وانطلِق لشأنِك، فإني أنفسُ بك عن الموت؛ فأبَى محمَّد بن موسى، فبارَزَه شبيب فقتله. (٦/ ٢٤٨). رجع الحديث إلى حديث أبي مِخنَف، قال عبدُ الرحمن: لقد كان فيمن بايَعه تلك الليلة أبو بُردَة بن أبي موسى الأشعريّ، فلمَّا بايعه قال له شبيب: ألَسْتَ أبا بردة! قال: بلى؛ قال شبيب لأصحابه: يا أخلّائي، أبو هذا أحد الحَكَمين، فقالوا: ألا نقتل هذا؟ فقال: إنّ هذا لا ذنبَ له فيما صنع أبوه؛ قالوا: أجل. قال: وأصبح شبيب، فأتى مُقِبلًا نحوَ القَصْر الَّذي فيه أبو الضَّريس وأعيَن فرَموه بالنَّبل، وتحصَّنا منه، فأقام ذلك اليوم عليهم، ثمّ شخص عنهم، فقال له أصحابُه: ما دون الكوفة أحد يمنعنا؛ فنظر فإذا أصحابُه قد جُرِحوا؛ فقال لهم: ما عليكم أكثر ممَّا قد فعلتم، فخرج بهم على نِفرَّ، ثمّ على الصَّراة، ثمّ على بغداد، ثم خرج إلى خانِيجَار فأقام بها. قال: ولمَّا بلغ الحجَّاجَ أن شبيبًا قد أخذ نحو نِفرَّ ظَنّ أنَّه يريد المدائن - وهي باب الكوفة، ومَن أخذ المدائن كان ما في يده من أرض الكوفة أكثر - فهال ذلك الحجَّاج، وبعث إلى عثمان بن قَطَن، ودعاه وسرّحه إلى المدائن، وولّاه منبَرها والصّلاة ومَعونة جُوخى كلَّها وخَراجَ الأسْتان. فخرج مسرعًا حتَّى نزل المدائن، وعزل الحجَّاجُ عبدَ الله بن أبي عُصيفير؛وكان بها الجَزْل مقيمًا أشهرًا يُداوِي جراحَتَه، وكان ابن أبي عصيفير يعوده ويكرمه، فلمَّا قدم عثمانُ بن قطن المدائن لم يَعُدْه، ولم يَكن يتَعاهده ولا يُلطِفه بشيء، فقال الجزل: اللَّهمّ زِد ابنَ عصيفير جودًا وكرمًا وفضلًا، وزد عثمان بن قطن ضِيقًا وبُخلًا، قال: ثم إن الحجَّاج دعا عبدَ الرَّحمن بن محمد بن الأشعث فقال: انتخِب الناس، واخرجْ في طلب هذا العدو، فأمره بنُخبة ستَّةِ آلاف، فانتخب فُرْسان الناس ووجوههم، وأخرج من قومِه ستَّمئة من كِنْدة وحَضْرَموت، واستحثَّه الحجّاجُ بالعسكر، فعسكر بدير عبد الرحمن، فلمَّا أراد الحجَّاج إشخاصهُم كتب إليهم: أما بعد، فقد اعتدتُم عادةَ الأذلّاء، وولَّيْتم الدُّبر يومَ الزَّحْف، وذلك دأب الكافِرين، وإني قد صفحتُ عنكم مرّة بعد مرّة، ومرّة بعد مرّة، وإني أقسِم لكم بالله قَسَمًا صادقًا لئن عدتم لذلك لأوقِعنّ بكم إيقاعًا أكون أشدَّ عليكم من هذا العدوّ الذي تَهرُبون منه في بطون الأودية والشِّعاب، وتَستترون منه بأثناء الأنْهار وألْواذ الجِبال، فخافَ من له مَعقولٌ على نفسِه، ولم يَجعل عليها سبيلًا، وقد أعَذَر من أنذَر. وقد أسمعتَ لَوْ نادَيتَ حَيًّا ... ولكنْ لا حياةَ لمن تُنادِي والسلامُ عليكم. قال: ثمّ سرّح ابن الأصمّ مؤذّنَه، فأتى عبدَ الرحمن بن محمَّد بن الأشعث عند طلوع الشمس، فقال له: ارتحِلْ الساعةَ ونادِ في الناس: أن برِئتِ الذّمَّةُ من رجل من هذا البَعْث وَجَدناه متخلفًا. فخرج عبدُ الرحمن بنُ محمد بن الأشعَث في الناس حتَّى مَرّ بالمدائن فنزل يومًا وليلةً، وتشَرّى أصحابه حوائجَهم، ثمّ نادَى في الناس بالرَّحيل، فارتحَلوا، ثمّ أقبلوا حتى دَخل على عثمان بن قطن، ثم أتى الجَزْلَ فسأله عن جراحَته، وسأله ساعةً وحدثه، ثم إنّ الجَزْل قال له: يا بن عمّ: إنَّك تسير إلى فُرْسان العَرَب وأبناءِ الحرب، وأحْلاس الخيل، واللهِ لكأنَّما خُلِقوا من ضُلوعها، ثم بُنوا على ظهورِها، ثم هم ألسْد الأجَم، الفارسُ منهم أشدّ من مئة، إن لم تبدأ به بدأ، وإن هُجهج أقدَم، فإني قد قاتلتُهم وبلَوْتُهم، فإذا أصحرتُ لهم انتَصفوا منّي، وكان لهم الفضل عليّ، وإذا خَندقت عليّ وقاتلتُهم في مَضِيق نلتُ منهم بعضَ ما أحِبّ، وكان لي عليهمالظَّفَر، فلا تلقهم وأنت تستطيع إلا في تعبيةٍ أو في خندق، ثمّ إنه ودّعه، فقال له الجَزْل: هذه فرَسي الفُسَيْفِساء، خُذْها فإنَّها لا تجارَى، فأخَذَها ثمّ خرج بالناس نحو شبيب، فلمَّا دنا منه ارتفع عنه شبيبٌ إلى دَقُوقاء وشَهْرَزُور، فخرج عبد الرحمن في طلبه، حتَّى إذا كان على التخوم أقام، وقال: إنَّما هو في أرض المَوْصِل، فليقاتِلوا عن بلادهم أو ليَدَعوه، فكتب إليه الحجَّاج بنُ يوسف: أمّا بعد، فاطلب شبيبًا واسلُكْ في أثَرِه أين سَلَك حتَّى تُدرِكَه فتقتله أو تَنفِيَه، فإنَّما السلطان سلطانُ أميرِ المؤمنين والجندُ جندُه، والسلام. فخرج عبدُ الرحمن حين قرأ كتابَ الحجَّاج في طلب شبيب، فكان شبيبٌ يدَعه حتى إذا دنا منه بيَّنه، فيجده قد خندق على نفسه وحَذِر، فيمضي ويَدَعُه، فيتبعه عبد الرحمن، فإذا بلغه أنَّه قد تحمّل وأنَّه يسير أقبل في الخيل، فإذا انتهى إليه وجَده قد صَفَّ الخيل والرّجال وأدنى المرامية، فلا يصيبُ له غِرّة ولا له عِلَّة، فيمضي ويدعه. قال: ولمَّا رأى شبيب أنَّه لا يصيب لعبد الرحمن غِرّةً ولا يصل إليه، جعل يَخرُج إذا دنا منه عبد الرحمن في خيله، فينزل على مسيرةِ عشرِين فرسخًا، ثمّ يقيم في أرض غليظة حَزْنة، فيجيء عبد الرحمن، فإذا دنا من شبيب ارتحل شبيب فسار خمسةَ عشرَ أو عشرين فرسخًا، فنزل منزلًا غليظًا خَشِنًا، ثم يقيم حتَّى يدنوَ عبد الرحمن (١). (٦/ ٢٤٨ - ٢٥١). قال أبو مخنف: فحدّثني عبد الرحمن بن جُندب أنّ شبيبًا كان قد عَذّب ذلك العسكرَ وشقّ عليهم، وأحفى دوابَّهم، ولَقُوا منه كل بلاء، فلم يزل عبد الرحمن يتَّبعه حتَّى مرّ به على خانِقين ثمّ على جلولاء ثم على تامرا، ثمّ أقبَل حتَّى نزل البتّ - قرية من قُرَى المَوْصل على تُخوم المَوْصِل، ليس بينها وبين سواد الكوفة إلّا نهر يسمَّى حَولايا - قال: وجاء عبدُ الرحمن بنُ محمَّد بن الأشعث حتَّى نزل في نهر حولايا وفي راذان الأعلى من أرض جُوخَى، ونزل عَواقيل من النَّهر، ونزلها عبدُ الرحمن حيث نزلها وهي تُعجِبه، يرى أنَّها مثل الخندق والحصن، قال: وأرسل شبيب إلى عبد الرحمن: إنّ هذه الأيام أيامُ عيدٍلنا ولكم، فإن رأيتم أن تُوادِعونا حتَّى تمضي هذه الأيَّام فافعلوا، فقال له عبدُ الرحمن: نعم، ولم يكن شيء أحبّ إلى عبدِ الرحمن من المطاولة والموادعة، قال: وكتب عثمان بنُ قَطَن إلى الحجَّاج: أمَّا بعد، فإني أخبِر الأميرَ أصلَحه الله أنّ عبد الرحمن بن محمَّد قد حفَر جُوخَى كلَّها خَندَقًا واحدًا، وخَلّى شبيبًا وكسر خراجها وهو يأكل أهلَها، والسلام. فكتب إليه الحجَّاج: أمَّا بعد، فقد فهمتُ ما ذكرتَ لي عن عبد الرحمن، وقد لَعَمري فعل ما ذكرت، فسِرْ إلى الناس فأنتَ أميرُهم، وعاجِل المارقةَ حتَّى تلقاهم، فإن الله - إن شاء الله - ناصِرُك عليهم والسلام. قال: وبعث الحجَّاج إلى المدائن مطرّف بن المغيرة بن شعبة، وخرج عثمان حتى قدِم على عبد الرحمن بن محمَّد ومَنْ معه من أهل الكوفة وهم مُعسكرون على نهر حَوْلايا قريبًا من البت، عشيَّة الثلاثاء، وذلك يوم التَّروية، فنادى الناس وهو على بغلة: أيّها الناس، اخرجوا إلى عدوّكم، فوثب إليه الناس، فقالوا: نُنْشِدك اللهَ، هذا المساءَ قد غُشينا، والناس لم يُوطِّنوا أنفسهم على القتال، فبت اللَّيلة ثمّ اخرج بالناس على تعبية. فجعل يقول: لأناجزَنَّهم، ولتكوننّ الفرصة لي أوْلهم، فأتاهم عبد الرحمن فأخذ بعنان دابَّته، وناشده الله لمّا نزل، وقال له عقيلُ بنُ شدّاد السَّلُوليّ: إن الَّذي تريد من مُناجَزتهم الساعةَ أنت فاعلُهُ غدًا، وهو غدًا خيرٌ لك وللناس، إن هذه ساعة ريح وغُبرة، وقد أمسيت فانزل، ثمّ أبكِرْ بنا إليهم غُدْوةً، فنزل، فَسفت عليه الريح، وشَقّ عليه الغُبارُ، ودعا صاحب الخراج العُلُوج فبَنوا له قُبَّةً فَبات فيها، ثمّ أصبح يومَ الأربعاء، فجاء أهلُ البتّ إلى شبيب - وكان قد نزل ببيعَتهم - فقالوا: أصلحَك الله! أنت ترحم الضعفاء وأهلَ الجِزْية، ويكلّمك مَنْ تلي عليه، ويَشكون إليك ما نزل بهم فتنظر لهم، وتكفّ عنهم، وإنّ هؤلاء القوم جبابرة لا يُكلّمون ولا تقْبَلون العُذْر، والله لئن بَلغهم أنَّك مقيم في بِيعتنا لَيقتلنّنا إن قُضي لك أن تَرتَحِل عنَا، فإن رأيتَ فانزل جانبَ القَرْية ولا تجعل لهم علينًا مقالًا، قال: فإني أفعل ذلك بكم، ثمّ خرج فنزل جانبَ القَرْية، قال: فباتَ عثمان ليلتَه كلَّهايحرّضهم؛ فلمّا أصبح - وذلك يومَ الأربعاء - خرج بالنَّاس فاستقبلتهم ريحٌ شديدة وغبرة، فصاحَ الناس إليه، فقالوا: نُنْشدُك الله أن تخرج بنا في هذا اليوم، فإنّ الريح علينا! فأقام بهمْ ذلك اليوم، وأراد شبيبٌ قتالهم، وخرجَ أصحابُه، فلمَّا رآهم لم يَخرجُوا إليه أقام، فلمَّا كان ليلة الخميس خرج عثمانُ فعبَّى الناسَ على أرباعِهم، فجعل كلّ رُبْع في جانب العسكر، وقال لهم: اخرُجوا على هذه التعبية، وسألهم: من كان على ميمنتكم؟ قالوا: خالدُ بن نَهيك بن قيس الكِنْديّ، وكان على ميسرتنا عَقِيل بنُ شدَّاد السَّلوليّ، فدعاهما فقال لهما: قفا مواقفكما الَّتي كنتما بها، فقد ولَّيتكما المجنَّبتين، فاثبتا ولا تَفِرّا، فوالله لا أزول حتَّى يزول نَخْل راذان عن أصوله، فقالا: ونحن واللهِ الَّذي لا إله إلا هو لا نَفِرّ حتَّى نظفر أو نُقتل، فقال لهما: جزاكما اللهُ خيرًا، ثمّ أقام حتَّى صلَّى بالناس الغداة، ثمّ خرج فجعل ربْع أهلِ المدينة تميم وَهمْدان نحوَ نهر حَوْلايا في الميسَرة، وجعل ربع كِندة وربيعة ومَذَحج وأسَد في الميمنة، ونزل يمشي في الرّجال، وخرج شبيب وهو يومئذ في مئة وأحد وثمانين رجلًا فقطع إليهم النَّهر، فكان هو في ميمنة أصحابه، وجعل على ميسرته سُوَيد بن سُليم، وجعل في القلب مصاد بن يزيدَ أخاه، وزحفوا وسما بعضُهم لبعض (١). (٦/ ٢٥١ - ٢٥٣). قال أبو مخنف: فحدّثني النّضر بنُ صالح العبسيّ أن عثمان كان يقول فيُكثر: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أين المحافظون على دينهم، المحامون عن فيئهم! فقال عَقيل بن شَدّاد بن حُبْشي السَّلُوليّ: لعلّي أن أكون أحدَهم قتِل أولئك يومَ رُوذْبار، ثم قال شبيب لأصحابه: إني حاملٌ على ميسرتهم ممَّا يلي النهر، فماذا هزمتُها فليحمِل صاحبُ ميسرتي على ميمنتهم، ولا يبرح صاحب القلب حتى يأتيَه أمري، وحمل في ميمنة أصحابه ممَّا يلي النَّهر على ميسرة عثمانَ بن قَطن فانهزموا، ونزل عقيل بنُ شدّاد فقاتل حتَّى قُتِل، وقُتل يومئذ مالكُ بنُ عبد الله الهمْدانيّ ثمّ المُرْهبيّ، عمّ عيَّاش بن عبد الله بن عيَّاش المَنْتوف، وجعل يومئذ عَقيل بن شَدّاد يقول وهو يُجالِدهم: لأضْرِبَنّ بالحُسام الباتِر ... ضَرْبَ غُلَام مِنْ سَلُولٍ صابرودخل شبيب عسكرَهم، وحمل سُويد بن سليم في ميسَرة شبيب على ميمنة عثمان بن قَطَن فهزَمها، وعليها خالد بن نهيك بن قيس الكنديّ، فنزل خالد فقاتل قتالًا شديدًا، وحمل عليه شبيبٌ من ورائه وهو على ربْع كندة وربيعةَ يومئذ وهو صاحب الميمنة، فلم ينثنِ شبيبٌ حتى علاه بالسيف فقتله، ومضى عثمان بن قَطَن وقد نزلت معه العُرَفاء وأشرافُ الناس والفُرسان نحو القلب، وفيه أخو شبيب في نحو من ستين راجلًا، فلمَّا دنا منهم عثمانُ بن قطَن شدَّ عليهم في الأشراف وأهل الصبر فضاربوهم حتَّى فرّقوا بينهم، وحمل شبيب بالخيل من ورائهم، فما شعروا إلا والرّماح في أكتافهم تُكِبّهم لوجُوهِهم، وعطَف عليهم سُوَيد بنُ سليم أيضًا في خَيْله، ورجع مصاد وأصحابُه، وقد كان شبيب رَجَّلهم، فاضطربوا ساعة، وقاتل عثمان بن قَطن فأحسَنَ القتال، ثم إنَّهم شَدّوا عليهم فأحاطوا به، وحَمَل عليه مصاد أخو شَبيب فضربه ضربةً بالسيف استدارَ لها، ثمّ قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾، ثمّ إن الناس قتلوه، وقُتل يومئذ الأبْرَد بنُ ربيعة الكِنْديّ، وكان على تَلّ، فألقى سلاحه إلى غلامه وأعطاهُ فرسه، وقاتل حتى قُتِل، ووقع عبدُ الرحمن فرآه ابن أبي سَبْرة الجُعفيّ، وهو على بغلة فعَرَفه، فنزل إليه فناوَله الرّمح وقال له: اركب، فقال عبد الرحمن بن محمَّد: أيُّنا الرَّديف؟ قال ابنُ أبي سَبْرة: سبحانَ الله! أنت الأمير تكون المقدّم، فَركب وقال لابن أبي سَبْرة: ناد في الناس: الحَقوا بِدَيْر أبي مَرْيم: فنادَى، ثمّ انطلَقَا ذاهبَين، ورأى واصلُ بن الحارث السّكونيّ فرسَ عبدِ الرحمن الَّذي حمله عليه الجَزْلُ يَجُول في العسكر، فأخذها بعضُ أصحاب شبيب، فظَنَّ أنَّه قد هلك، فطلبه في القتلى فلم يجدْه، وسأل عنه فقيل له: قد رأيْنا رجلًا قد نزل عن دابَّته، فحمَله عليها، فما أخلقه أن يكون إيَّاه؛ وقد أخذ هاهنا آنفًا، فأتبعه واصلُ بنُ الحارث على بِرْذَوْنه ومع واصِل غلامُه على بَغْل، فلمَّا دَنوْا منهما قال محمَّد بن أبي سَبْرة لعبد الرحمن: قد واللهِ لَحِق بنا فارِسان، فقال عبدُ الرحمن: فهل غيرُ اثنين؟ فقال: لا، فقال عبد الرحمن: فلا يعجز اثنان عن اثنين. قال: وجعل يحدّث ابن أبي سَبْرة كأنَّه لا يكترث بهما، حتَّى لحقهما الرجلان، فقال له ابنُ أبي سَبْرة: رحمك الله! قد لِحقَنَا الرّجلان، فقال له: فانزل بنا، فنزلا فانتضيا سيفَيهما، ثمّ مضَيا إليهما، فلما رآهما واصِل عرَفهما،فقال لهما: إنَّكما قد تركتما النزول في موضعه، فلا تَنزلا الآن، ثمّ حسَر العمامةَ عن وجهه، فعرفاه فرحَّبا به، وقال لابنِ الأشعث: إني لمَّا رأيتُ فرسك يجول في العسكر ظننتُك راجلًا، فأتيتك ببِرْذوني هذا لتركَبَه، فترك لابن أبي سَبْرة بغلته، ورَكب البرْذَون، وانطلق عبدُ الرحمنُ بنُ الأشعث حتَّى نزل دَيْر اليعار، وأمرَ شبيبٌ أصحابَه فرفعوا عن الناس السَّيف، ودعاهم إلى البَيْعة، فأتاه من بقي من الرَّجَّالة فبايعوه، وقال له أبو الصُّقَيْر المحلَّميّ قتلت من الكوفيِّين سبعةً في جوف النَّهر كان آخرهم رجلًا تعلَّق بثوبي وصاح، ورهَّبني حتَّى رهبْتُه، ثمَّ إني أقدَمْت عليه فقتَلتُهُ، وقُتِل من كندة مئة وعشرون يومئذ وألفٌ من سائرِ الناس أو ستّمئة، وقُتِل عُظْم العُرَفاء يومئذ (١). (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٥). قال أبو مِخنَف: حدّثني قُدامة بن حازم بنِ سُفْيان الخَثْعميّ، أنَّه قَتَل منهم يومئذ جماعةً، وبات عبد الرحمن بنُ محمَّد تلك الليلة بدَير اليعار، فأتاه فارسان فصعِدا إليه فوق البيت، وقام آخرُ قريبًا منهما فخلا أحدُهما بعبد الرحمن طويلًا يناجيه، ثمّ نزل هو وأصحابُه، وقد كان الناسُ يتحدّثون أنّ ذلك كان شبيبًا، وأنَّه قد كان كاتبه، ثمّ خرج عبد الرحمن آخر الليل فسار حتى أتى دَيْرَ أبي مريم، فإذا هو بأصحاب الخيل قد وضع لهم محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرة صبَرَ الشَّعير وألقَتّ بعضهُ على بعض كأنه القُصور، ونحر لهم من الجزر ما شاؤوا، فأكلوا يومئذ وعَلفوا دوابَّهم، واجتمع الناسُ إلى عبد الرحمن بن محمَّد بن الأشعث فقالوا له: إنْ سمعَ شبيبٌ بمكانك أتَاك وكنتَ له غنيمة، قد ذهب الناس وتفرّقوا وقُتِل خيارهم فالحقْ أيها الرجل بالكوفة، فخرج إلى الكوفة ورجع الناس أيضًا، وجاء فاختبأ من الحجَّاج حتَّى أخَذ الأمانَ بعد ذلك (٢). (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    آهم شبيب قد تقطعوا وانتشروا لفَّ خيله كلَّها، ثمّ جمعها، ثم قال: استعرضوهم استعراضًا، وانظروا إلى أميرهم، فوالله لأقتلنّه أو يقتلني، وحَمَل عليهم مستعرضًا لهم، فهَزَمهم وثبت سعيد بن المجالد، ثمّ نادى أصحابه: إليّ إليّ، أنا ابن ذي مُرّان! وأخذ قلَنْسُوتَه فوضعها على قَربوس سَرْجه، وحَمَل عليه شبيب فعمَّمه بالسيف، فخالط دماغَه، فخرّ ميتًا، وان

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    ة. قال: وأقبل شبيب نحوَ المدائنِ. فعلم أنَّه لا سبيل له إلى أهلها مع المدينة، فأقبل حتَّى انتهَى إلى الكرْخ، فعبر دِجلة إليه، وبعث إلى أهل سُوق بَغْداد وهو بالكَرْخِ أن اثبتُوا في سُوقكم فلا بأس عليكم - وكان ذلك يوم سوقهم - وقد كان بلغه أنَّهم يخافونه.قال: ويخرجُ سُويد حتَّى جعل بيوتَ مُزَينة وبني سُلَيم في ظهره وظهور أصحابه، وحمل عليهم شبيب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    ستقدم فصلَّى بأصحابه، فقرأ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، و ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، ثم سلَّم، ثم رَكِبوا فَحَمَلَ عليهم فانكشف طائفة من أصحابه، وثبتتْ طائفة. قال فروة: فما أنسى قوَله وقد غَشينَاه وهو يقاتل بسيفه وهو يقول: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَل

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    م قد جازوا الكَمِينَ عَطَف عليهم. ولما رأى الكَمينُ أن قد جاوَزُوهم خرجَوا إليهم، فحمل عليهم شبيب من أمامِهم، وصاح بهم الكمين من ورائهم، فلم يقاتلهم أحد، وكانت الهزيمة، فثبت ابنُ أبي العالية، في نحو من مئتي رجل، فقاتلهم قتالًا شديدًا حسنًا؛ حتَّى ظنّ أنَّه انتصف من شبيب وأصحابه، فقال سُويد بن سُليم لأصحابه: أمِنْكم أحد يَعرف أميرَ القوم ابنَ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    مَّا دنا أصحابُ سَوْرة منهم نَذِروا بهم، فاستَووا على خُيولهم وتعبَّوا تعبيتهم. فلمَّا انتهى إليهمْ سَوْرة وأصحابُه أصابوهم قد حَذَروا واستعدّوا فحمل عليهم سورة وأصحابه فثبتوا لهم، وضارَبوهم حتَّى صدّ عنهم سَوْرة وأصحابه، ثمّ صاح شبيب بأصحابه، فحمل عليهم حتَّى تركوا له العرصة، وحَمَلوا عليهم معه، وجَعَل شبيب يَضرب ويقول: من يَنِكِ العَيْرَ ي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    ن الحارث، وكان يصلِّي في مسجد قومه فيُطيلُ الصلاة، فصادفوه منصرفًا إلى منزله، فشدّوا عليه ليقتلُوه، فقال: اللهمَّ إني أشكو إليك هؤلاء وظلمَهم وجهلَهم. اللَّهمَّ إني عنهم ضعيف، فانتصرْ لي منهم! فضربوه حتَّى قتلوه، ثمَّ مضَوا حتَّى خرجوا من الكوفة متوجّهين نحو المردَمة (١). (٦/ ٢٣٩ - ٢٤١). قال هِشام: قال أبو بكر بنُ عيَّاش: واستقبله النَّضرُ بن

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    ّى ركعتين، ثمّ دعا ببغل له فركبه. ثمّ إنَّهم اجتمعوا على باب المدينة، فأمر بالباب فَفُتح، ثمّ خرج على بغله فحمَل عليهم، وقال: لا حكمَ إلا للحَكَم الحكيم، أنا أبو مدلّه، اثبتوا إن شئتم، وجعل سعيد يجمَع قومه وخيلَه، ويولفها في أثرَه ويقول: ما هؤلاء! إنَّما هم أكلَةُ رأس، فلمَّا رآهم شبيب قد تقطعوا وانتشروا لفَّ خيله كلَّها، ثمّ جمعها، ثم قال

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340554
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1685:918393
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
خبر دخول شبيب الكوفه وما كان من امره مع الحجاج — shamela-145435 · Hadith Research Library