Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 4768, entry [1684]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه
page 4768, entry [1684]Open original source
ذكر الخبر عنَ خروج صالح بن مسرّح وعن سبب خروجه وكان سببُ خروجه - فيما ذكرَ هشام، عن أبي مِخْنف، عن عبد الله بن علقمة، عن قَبيصة بن عبد الرّحمن الخَثْعميّ -: أنّ صالح بنَ مسرّح التميميَّ كان رجلًا ناسكًا مُخبِتًا مصفرّ الوجه، صاحب عبادة، وأنه كان بدَارا وأرض المَوْصل والجزيرة له أصحابٌ يُقرئهم القرآن ويفقِّههُم ويقصّ عليهم، فكان قبيصة بنُ عبد الرحمن حدّث أصحابنا أنّ قصص صالح بن مسرِّح عنده، وكان ممَّن يرى رأيَهم، فسألوه أن يبعث بالكتاب إليهم، ففعل. وكان قصصه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. اللهمَّ إنَّا لا نَعدل بك، ولا نحْفِد إلا إليك، ولا نعَبدُ إلا إيَّاك، لك الخَلْق والأمر، ومنك النَّفع والضرّ، وإليك المصير، ونَشهد أنّ محمَّدًا عبدُك الَّذي اصطفيتَه، ورسولُك الذي اخْتَرْتَه وارتضيْتَه لتبليغ رسالاتك، ونصيحةِ عبادك، ونَشهدُ أنَّه قد بلَّغ الرسالة، ونَصَح للأمَّة، ودعا إلى الحقِّ، وقام بالقِسْط، ونصر الدّين، وجاهد المشركين، حتَّى توفَّاه الله ﷺ، أوصيكم بتقوى الله والزّهدِ في الدنيا، والرّغبة في الآخرة، وكثرةِ ذكر الموت، وفراقِ الفاسقين، وحبِّ المؤمنين، فإنّ الزَّهادة في الدنيا تُرغِّب العبدَ فيما عند الله، وتُفرّغ بدنَه لطاعة الله، وإنّ كثرةَ ذِكر الموت يُخيف العبد من ربِّه حتى يَجأرَ إليه، ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله في كتابه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. وإن حُبّ المؤمنين للسّبب الَّذي تُنال به كرامة الله ورحمته وجنّته، جعلنا الله وإيَّاكم من الصادقين الصابرين، ألا إنّ من نعمة الله على المؤمنين أنْ بعث فيهم رسولا من أنفسِهم فعلَّمهم الكتابَ والحكمة وزَكَّاهم وطَهّرهم ووفّقهم في دينهم، وكان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، حتَّى قبضه الله، صلواتُ الله عليه، ثمّ وليَ الأمر من بعدِه التقيّ الصدّيق على الرّضا من المسلمين، فاقتدى بِهديه، واستن بسُنّته، حتى لحِق بالله ﵀ واستَخلف عمرَ، فولّاه الله أمر هذه الرعيّة، فعَمِل بكتاب الله، وأحيا سُنة رسولِ الله، ولم يُحنِقْ في الحقّ علىجِرّته، ولم يخفْ في الله لومة لائم، حتى لَحِقَ به رحمةُ الله عليه، ووليَ المسلمين من بعده عثمان، فاستأثر بالفَيء، وعَطّل الحدُود، وجارَ في الحُكْم، واستَذلَّ المؤمن، وعزَّز المجرِم، فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسولُه، وصالحُ المؤمنين؛ ووَلي أمر الناس من بعده عليّ بن أبي طالب، فلم ينشب أن حكّمَ في أمر الله الرّجال، وشكّ في أهل الضلال، وركن، وأدْهن، فنحن من عليّ وأشياعِه بُراء، فتيسّروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحَزّبة، وأئمة الضلال الظَّلمة وللخروج من دارِ الفناء إلى دار البقاء، واللَّحاق بإخواننا المؤمنين الموقِنين الذِين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالَهم التماس رضوان الله في العاقبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإنَّ القتل أيْسرُ من الموت، والموتُ نازِلٌ بكم غير ما ترجُم الظنون، فمفرّق بينكم وبين آبائكم وأبنائكم، وحلائِلِكم ودنياكم، وإن اشتدّ لذلك كُرْهكم وجزعكم، ألَا فبيِعوا الله أنفسَكم طائعين وأموالَكم تدخلوا الجنة آمنين، وتعانِقوا الحُور العين، جعلنا الله وإيَّاكم من الشاكرين الذاكرين، الذين يَهْدون بالحقّ وبه يَعدِلون (١). (٦/ ٢١٦ - ٢١٨). قال أبو مخنَف: فحدّثني عبدُ الله بنُ عَلْقمة، قال: بينا أصحابُ صالح يختلفون إليه إذ قال لهم ذاتَ يوم: ما أدرِي ما تنتظرون! حتّى متى أنتم مقيمون! هذا الجوْر قد فشا، وهذا العَدْل قد عفا، ولا تَزداد هذه الولاةُ على الناس إلّا غُلوًّا وعُتُوًّا، وتباعدًا عن الحقّ، وجُرأةً على الرّبّ؛ فاستعِدّوا وابعثوا إلى إخوانِكم الذين يريدون من إنكار الباطل والدعاء إلى الحقّ مِثلَ الذي تريدون، فيأتوكم فنلتقي وننظر فيما نحن صانعون، وفي أيّ وقت إنْ خرجْنا نحن خارجون. قال: فترَاسل أصحابُ صالح، وتلاقَوا في ذلك، فبَيْناهم في ذلك إذْ قَدِم عليهم المحَلل بن وائل اليَشْكُريّ بكتاب من شَبيب إلى صالح بن مسرّح: أما بعد: فقد علمتُ أنَّك كنت أردتَ الشخوص، وقد كنتَ دعوتَني إلى ذلك فاستجبْتُ لك، فإن كان ذلك اليوم من شأنك فأنتَ شيخُ المسلمين، ولن نَعدِلبك منّا أحدًا، وإن أردت تأخيرَ ذلك اليوم أعلَمْتني؛ فإنّ الآجال غادية ورائحة، ولا آمَن أن تختَرمَني المنيّةُ ولما أجاهِد الظالمين. فيا لَه غَبْنًا، ويا لَه فَضْلًا متروكًا! جَعَلَنا الله وإيّاك ممن يريد بعَملِه اللهَ ورضوانَه، والنظر إلى وجهه، ومرافقة الصالحين في دار السلام، والسلام عليك. قال: فلما قَدِم على صالح المحلّل بن وائل بذلك الكتابِ من شبيب كتب إليه صالح: أما بعد: فقد كان كتابُك وخبرُك أبطأ اعني حتى أهمَّني ذلك، ثمّ إنّ امرأً من المسلمين نبّأني بنبأ مُخرجِك ومقدَمك، فنَحمدُ الله على قضاء ربّنا، وقد قَدِم عليَّ رسولُك بكتابك، فكلّ ما فيه قد فهمتُه، ونحن في جهاز واستعداد للخروج، ولم يمنعْني من الخروج إلا انتظارك، فأقبِل إلينا، ثمّ اخرج بنا متى ما أحبَبْت، فإنك ممن لا يُستغنَى عن رأيه، ولا تُقَضى دونَه الأمور، والسلام عليك. فلما قَدِم على شبيب كتابُه بعث إلى نفر من أصحابه فجمعهم إليه، منهم أخوه مصاد بن يزيد بن نُعيم، والمحلل بن وائل اليَشْكُري، والصقر بن حاتم من بني تَيم بن شيبان، وإبراهيم بن حجر أبو الصُّقير من بني مُحْلَم، والفضل بنُ عامر من بني ذُهْل بن شَيْبان، ثمَّ خرج حتى قَدِم على صالح بن مسرّح بِدارَا، فلمّا لقَيه قال: اخرُج بنا رحمك الله! فواللهِ ما تزداد السنَّة إلا دُروسًا، ولا يَزداد المجرمون إلّا طُغْيانًا، فبثّ صالحٌ رسله في أصحابه، وواعدهم الخروج في هلال صفر ليلة الأربعاء سنة ستٍّ وسبعين، فاجتمع بعضُهم إلى بعض، وتهيَّؤوا وتيسروا للخروج في تلك اللَّيلة، واجتمعوا جميعًا عنده في تلك الليلة لِميعاده (١). (٦/ ٢١٨ - ٢١٩). قال أبو مخنف: فحدّثني فَرْوة بن لقيط الأزْديّ، قال: والله إني لَمَع شبيب بالمَدائن إذْ حدّثنا عن مخرجهم، قال: لما هممنا بالخروج اجتمعْنا إلى صالح بن مسرّح ليلة خرج، فكان رأيي استعراضُ الناس لِمَا رأيتُ من المنكر والعدوانوالفساد في الأرض، فقمتُ إليه فقلت: يا أميرَ المؤمنين، كيف تَرَى في السيرة في هؤلاء الظلَمة؟ أنقتلهم قبل الدّعاء، أم ندعوهم قبلَ القتال؟ وسأخبرك برأي فيهم قبل أن تُخبرَني فيهم برأيك؛ أمّا أنا فأرَى أن لقتُل كلّ من لا يرى رأيَنا قريبًا كان أو بعيدًا، فإنا نخرج على قوم غاوين طاغين باغِين قد تركوا أمر الله، واستحوذ عليهم الشيطان، فقال: لا بل ندعوهم، فلعمْري لا يُجيبك إلّا من يرى رأيك وليقاتِلنَّك مَنْ يزرِي عليك، والدعاءُ أقطع لحجَّتِهم، وأبلغ في الحجة عليهم، قال: فقلت له: فكيف ترى فيمن قاتَلَنا فظفرْنا به؟ ما تقول في دِمائهم وأموالهم؟ فقال: إن قتلنا وغنمنا فلنا، وإن تجاوزنا وعفونا فموسَع علينا ولنا، قال: فأحسن القول وأصابَ، رحمة الله عليه وعلينا (١) (٦/ ٢١٩). قال أبو مخنف: فحدّثني رجلٌ من بني محلّم أنّ صالحَ بنَ مسرح قال لأصحابه ليلَة خرج: اتَّقوا الله عبادَ الله، ولا تعجلوا إلى قتال أحد من الناس إلّا أن يكونوا قومًا يريدونكم، وينصِبون لكم، فإنكم إنَّما خرجتم غَضبًا لله حيث انتُهكتْ محارمه، وعُصِي في الأرض، فسُفكت الدماء بغير حِلِّها، وأخِذتْ الأموال بغير حقّها، فلا تَعيبوا على قوم أعمالًا ثمّ تعملوا بها، فإن كلّ ما أنتم عاملون أنتم عنه مسؤولون، وإنّ عُظْمَكم رجّالة، وهذه دوابّ لمحمّد بن مروان في هذا الرُّسْتاق، فابدَؤوا بها، فشُدّوا عليها، فاحمِلوا أراجِلَكم، وتقوّوا بها على عدُوّكم. فخرجوا فأخذوا تلك الليلة الدوابّ فحَمَلوا رَجّالتهم عليها، وصارت رجّالتُها فُرسانًا، وأقاموا بأرضِ دارا ثلاثَ عَشْرَة ليلة، وتَحصَّن منهم أهل دارا وأهلُ نَصِيبين وأهلُ سِنْجار، وخرج صالحٌ ليلةَ خرجَ في مئة وعشرين - وقيل في مئة وعشرة - قال: وبلغ مخرجهُم محمد بن مروان وهو يومئذ أميرُ الجزيرة، فاستخفّ بأمرهم، وبعث إليهم عديّ بن عديّ بن عُميرة من بني الحارث بن معاوية بن ثور في خَمسمئة، فقال له: أصَلح الله الأمير! أتَبعثني إلى رأس الخوارج منذ عشرين سنة! قد خرج من مئة فارس في خمسمئة رجل، قال له: فإني أزيدك خمسمئة أخرى، فسر إليهم في ألف، فسار من حرّان في ألفرجل، فكان أول جيش سار إلى صالح وسار إليه عديّ، وكأنَّما يساق إلى الموت، وكان عديّ رجلًا يتنسّك، فأقبَل حتى إذا نزل دوْغانَ نزل بالنَّاس وسرّح إلى صالح بنِ مسرّح رجلًا دَسَّهُ إليه من بني خالد من بني الوِرْثة، يقال له: زِياد بن عبد الله، فقال: إنّ عديًّا بَعثَني إليك يسألُك أن تخرج من هذا البلد وتأتيَ بلدًا آخر فتُقاتِلَ أهلَه؛ فإنّ عديًّا للِقائك كاره، فقال له صالح: ارجع إليه، فقل له: إن كنتَ ترى رأينا فأرِنا من ذلك ما نَعرِف، ثمَّ نحن مُدلجون عنك من هذا البلد إلى غيره، وإن كنتَ على رأي الجبابرة وأئمة السَّوء رأيْنا رأينا، فإن شئنا بدأنا بك، وإن شئنا رحلنا إلى غيرِك. فانصرف إليه الرسولُ فأبلَغه ما أرسِل به، فقال له: ارجعْ إليه فقل له: إني واللهِ ما أنا على رأيك، ولكني أكره قتالَك، وقتال غيرك، فقاتِلْ غيري، فقال صالح لأصحابه: ارْكبوا فَرَكبوا وحَبَس الرجلَ عنده حتى خرجوا، ثمّ تركه ومضى بأصحابه حتى يأتيَ عديّ بن عديّ بن عميرة في سُوقِ دَوغان هو قائمٌ يصلّي الضّحى، فلم يَشعرُ إلّا والخيل طالعة عليهم، فلما بَصُروا بها تنادوا، وجعل صالحٌ شبيبًا في كَتِيبة في ميمنة أصحابه، وبعث سويد بن سليم الهنديّ، من بني شيبان في كتيبة في ميسرةِ أصحابه، ووقَف هو في كَتيبة في القَلْب، فلما دنا منهم رآهم على غير تعبِية، وبعضهم يجول في بعض، فأمرَ شبيبًا فحمل عليهم، ثمّ حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يُقاتلوا، وأتِيَ عديّ بن عديّ بدابَّته وهو يصلِّي فركبها ومضى على وجهِه، وجاء صالحُ بنُ مسرّح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه، وذهب فلُّ عَدِيّ وأوائلُ أصحابِه حتى دخلوا على محمَّد بن مروان، فغَضِبَ ثم دعا خالدَ بن جَزْء السُّلَمِيّ فبعثه في ألف وخمسمِئة، ودعا الحارث بنَ جَعْونَة من بني ربيعة بن عامر بن صعَصْعة فَبعثه في ألف وخمسمئة، ودعاهما، فقال: اُخرُجا إلى هذه الخارجة القليلة الخبيثة، وعجِّلا الخروج، وأغِذّا السيْر، فأيّكما سبق فهو الأمير على صاحبه؛ فخرجا من عنده فأغَذّا السير، وجعلَا يسألان عن صالح بن مسرّح فيقال لهما: إنّه توجّه نحو آمِدَ، فأتبعاه حتى انتهيا إليه، وقد نزل على أهل آمد، فنزلا ليلًا، فخندَقا وانتهيَا إليه وهما متساندانِ كلّ واحد منهما في أصحابه، على حدته، فوجّه صالح شَبيبًا إلى الحارث بن جَعْونة العامريّ في شطر أصحابه، وتوجّه هونحو خالد بن جَزْء السُّلَميّ (١). (٦/ ٢١٩ - ٢٢١). قال أبو مخنف: فحدّثني المُحَلّميّ، قال: انتهوا إلينا في أوّل وقت العصر، فصلّى بنا صالح العصر، ثمّ عبّانا لهم فاقتتلْنا كأشدِّ قتال اقتتله قومٌ قطّ، وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منّا على العشرة منهم فيهزمهم، وعلى العشرين فكذلك، وجعلتْ خيلهم لا تَثبت لخَيلنا. فلما رأى أميراهُم ذلك ترجّلا وأمرا جُلّ من معهما فترجّل، فعند ذلك جعلنا لا نَقدر منهم على الذِي نريد، إذا حَمَلْنا عليهم استقبلتْنا رجّالَتهم بالرّماح، ونضحتنا رماتُهم بالنَّبل، وخيلُهم تُطاردنا في خلال ذلك، فقاتلناهم إلى المَساء حتى حالَ الليلُ بيننا وبينهم، وقد أفشَوْا فينا الجراحة، وأفشيْناها فيهم، وقد قتلوا منا نحوًا من ثلاثين رجُلًا، وقتلْنا منهم أكثرَ من سبعين، ووالله ما أمسينا حتى كرهناهم وكرهونا، فوقفْنا مُقابِلَهم ما تقْدمون علينا وما نَقدُم عليهم، فلما أمسوا رجعوا إلى عسكرهم، ورجعْنا إلى عسكرنا فصلّينا وتروّحْنا وأكلنا من الكِسَر. ثمّ إنّ صالحًا دعا شبيبًا ورؤوسَ أصحابِه فقال: يا أخلّائي، ماذا ترون؟ فقال شبيب: أرَى أنَّا قد لقينا هؤلاء القومَ فقاتلناهم، وقد اعتَصموا بخندقهم، فلا أرى أن نقيم عليهم، فقال صالح: وأنا أرى ذلك، فخرجوا من تحت ليلتِهم سائرين، فمضوا حتى قطعوا أرض الجزيرة، ثمّ دخلوا أرضَ الموصِل فساروا فيها حتى قطعوها ومضَوا حتى قطعوا الدّسْكرةَ. فلما بلغ ذلك الحجّاج سرّح إليهم الحارث بنَ عميرة بن ذي المِشعار الهَمْدانيّ في ثلاثة آلاف رجل من أهل الكوفة، ألف من المقاتلة الأولى، وألفَين من الفَرْض الذي فرض لهم الحجّاج، فسار حتى إذا دنا من الدَّسْكرة خرج صالح بن مسرّح نحو جَلولاءَ وخانِقين، وأتبعه الحارثُ بن عميرةَ حتى انتهى إلى قرية يقال لها المدبّج من أرض الموصِل على تُخومِ ما بينها وبين أرض جُوخى، وصالح يومئذ في تسعين رجلًا، فعبّى الحارث بن عميرة، يومئذ أصحابه، وجعل على ميمنته أبا الرّوّاغ الشاكريّ، وعلى ميسرَته الزّبير بن الأروَحالتميميّ، ثم شدّ عليهم - وذلك بعد العصر - وقد جعل أصحابه ثلاثةَ كراديس؛ فهو في كُرْدوس، وشبيب في كُرْدوس في ميمَنته، وسُوَيد بن سليم في كرْدوس في الميسرة، في كلّ كُرْدوس منهم ثلاثون رجلًا. فلما شدّ عليهم الحارثُ بن عميرة في جماعة أصحابِه انكشف سُوَيد بن سليم، وثبت صالح بنُ مسرّح فقُتِل، وضارب شبيبٌ حتى صُرع، فوقع في رجّالة، فشدّ عليهم فانكشفوا، فجاء حتى انتَهى إلى موقف صالح بن مسرّح فأصابه قتيلًا، فنادى: إليّ يا معشر المسلمين؛ فلاذُوا به، فقال لأصحابه: ليَجْعَل كلّ واحد منكم ظهرَه إلى ظهر صاحبه، وليطاعِن عدوَّه إذا أقدَم عليه حتى ندخل هذا الحصن، ونرى رأينا؛ ففعلوا ذلك حتى دخلوا الحصن وهم سبعون رجلًا بشَبيب، وأحاط بهم الحارثُ بنُ عميرة مُمْسِيًا، وقال لأصحابه: احرقوا الباب، فإذا صار جَمْرا فدعوه فإنهم لا تقدرِون على أن يخرجوا منه حتَّى نصبّحهم فنقتلهم، ففعلوا ذلك بالباب، ثمّ انصرَفوا إلى عسكرهم، فأشرَف شبيب عليهم وطائفةٌ من أصحابه، فقال بعضُ أولئك الفَرْض: يا بني الزَّواني، ألم يُخزكم الله! فقالوا: يا فُسَّاق، نعم تقاتلوننا لقتالِنا إيَّاكم إذْ أعماكُم الله عن الحقّ الّذي نحن عليه، فما عُذْركم عند الله في الفَرْي على أمَّهاتِنا! فقال لهم حُلَماؤهم: إنَّما هذا من قول شباب فينا سُفهاء، والله ما يُعجِبنا قولهم ولا نستحلّه. وقال شبيب لأصحابه: يا هؤلاء، ما تَنتظِرون! فوالله لئن صبَّحكم هؤلاء غُدْوةً إنَّه لَهَلَاكُكم، فقالوا له: مرنا بأمرِك، فقال لهم: إنَّ اللَّيل أخَفى للوَيْل، بايعوني أو من شئتم منكم، ثم اخرجوا بنا حتَّى نشُدّ عليهم في عسكرهم، فإنَّهم لذلك منكم آمنون، وأنا أرجو أن ينصُرَكم الله عليهم، قالوا: فابسُطْ يدك فلنُبايعْك، فبايَعوه، ثمّ جاؤوا ليخرجوا، وقد صار بابُهم جمرًا، فأتوا باللُّبود فبلُوها بالماء، ثمَّ ألقَوْها على الجَمْر، ثمّ قطعوا عليها، فلمَ يشعرُ الحارث بن عميرة ولا أهلُ العسكر إلّا وشبيب وأصحابُه يضربونهم بالسيوف في جوفِ عسكرِهم، فضارب الحارث حتّى صُرع، واحتمَلَه أصحابُه وانهزموا، وخلَّوْا لهم العسكر وما فيه، ومضَوا حتى نزلوا المدائن، فكان ذلك الجيشُ أوّلَ جيشهزَمَه شبيب، وأصيب صالحُ بن مسرّح يوم الثلاثاء لثلاثَ عشرة بقيتْ من جُمادَى الأولى من سنته (١). (٦/ ٢٢١ - ٢٢٣).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    ا صالح العصر، ثمّ عبّانا لهم فاقتتلْنا كأشدِّ قتال اقتتله قومٌ قطّ، وجعلنا والله نرى الظفر يحمل الرجل منّا على العشرة منهم فيهزمهم، وعلى العشرين فكذلك، وجعلتْ خيلهم لا تَثبت لخَيلنا. فلما رأى أميراهُم ذلك ترجّلا وأمرا جُلّ من معهما فترجّل، فعند ذلك جعلنا لا نَقدر منهم على الذِي نريد، إذا حَمَلْنا عليهم استقبلتْنا رجّالَتهم بالرّماح، ونضحتنا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    يب في كُرْدوس في ميمَنته، وسُوَيد بن سليم في كرْدوس في الميسرة، في كلّ كُرْدوس منهم ثلاثون رجلًا. فلما شدّ عليهم الحارثُ بن عميرة في جماعة أصحابِه انكشف سُوَيد بن سليم، وثبت صالح بنُ مسرّح فقُتِل، وضارب شبيبٌ حتى صُرع، فوقع في رجّالة، فشدّ عليهم فانكشفوا، فجاء حتى انتَهى إلى موقف صالح بن مسرّح فأصابه قتيلًا، فنادى: إليّ يا معشر المسلمين؛ فلا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    بان في كتيبة في ميسرةِ أصحابه، ووقَف هو في كَتيبة في القَلْب، فلما دنا منهم رآهم على غير تعبِية، وبعضهم يجول في بعض، فأمرَ شبيبًا فحمل عليهم، ثمّ حمل سويد عليهم فكانت هزيمتهم ولم يُقاتلوا، وأتِيَ عديّ بن عديّ بدابَّته وهو يصلِّي فركبها ومضى على وجهِه، وجاء صالحُ بنُ مسرّح حتى نزل عسكره وحوى ما فيه، وذهب فلُّ عَدِيّ وأوائلُ أصحابِه حتى دخلوا ع

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    نَعدِلبك منّا أحدًا، وإن أردت تأخيرَ ذلك اليوم أعلَمْتني؛ فإنّ الآجال غادية ورائحة، ولا آمَن أن تختَرمَني المنيّةُ ولما أجاهِد الظالمين. فيا لَه غَبْنًا، ويا لَه فَضْلًا متروكًا! جَعَلَنا الله وإيّاك ممن يريد بعَملِه اللهَ ورضوانَه، والنظر إلى وجهه، ومرافقة الصالحين في دار السلام، والسلام عليك. قال: فلما قَدِم على صالح المحلّل بن وائل بذلك الك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340553
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1684:918392
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
الخبر عن خروج صالح بن مسرح وعن سبب خروجه — shamela-145435 · Hadith Research Library