Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ثم دخلت سنة خمس وستين

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 4568, entry [1643]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: ثم دخلت سنة خمس وستين
page 4568, entry [1643]Open original source
ثم دخلت سنة خمس وستين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأَحداث الجليلة. فمن ذلك ما كان من التوَّابين وشخوصِهم للطلب بدم الحسين بن عليّ إلى عبيد الله بن زياد. قال هشام: قال أبو مخنف: حدّثني أبو يوسف، عن عبد الله بن عوف الأحمريّ، قال: بعث سليمان بن صُرَد إلى وجوه أصحابه حين أراد الشخوص وذلك في سنة خمس وستين، فأتوه، فلما استهلّ الهلال هلالُ شهر ربيع الآخر، خرج في وجوه أصحابه، وقد كان واعَدَ أصحابه عامّة للخروج في تلك الليلة للمعسكر بالنُّخَيلَة فخرج حتى أتى عسكرَه، فدار في الناس ووجوه أصحابِه، فلم يعجبه عدّة الناسَ، فبعث حكيم بن مُنقِذ الكنديّ في خيل، وبعث الوليد بن غُصَيْن الكنانيّ في خيل، وقال: اذهبا حتى تدخلا الكوفة فناديا:يا لَثأراتِ الحسين! وابلُغا المسجد الأعظم فنادِيَا بذلك، فخرجا، وكانا أوّل خلق الله دَعَوا: يا لَثأراتِ الحسين! قال: فأقبل حكيم بن منقذ الكنديّ في خيل والوليد بن غُصين في خيل، حتى مرّا ببني كثير، وإنّ رجلًا من بني كثير من الأزْد يقال له عبد الله بن خازم مع امرأته سَهْلة بنت سبرة بن عمرو من بني كثير، وكانتْ من أجمل الناس وأحبِّهم إليه، سمع الصوت: يا لَثأرات الحسين! وما هو ممن كان يأتِيهِم، ولا استجابَ لهم. فوثب إلى ثيابه فلبسها، ودعا بسلاحه، وأمر بإسراج فَرَسه، فقالت له امرأته: ويحك! أَجُنِنت! قال: لا والله، ولكنّي سمعتُ داعيَ الله، فأنا مُجيبه، أنا طالبٌ بدم هذا الرجل حتّى أموت، أو يقضيَ الله من أمري ما هو أحبّ إليه، فقالت له: إلى مَن تدعُ بُنَيَّك هذا؟ قال: إلى الله وحدَه لا شريك له؛ اللهمّ إني أستودِعُك أهلي وَوَلَدي، اللهمَّ احفظني فيهم، وكان ابنه ذلك يُدعى عَزْرة، فبقي حتى قتل بعدُ مع مصعب بن الزبير؛ وخرج حتى لحق بهم، فقعدت امرأته تبكيه واجتمع إليها نساؤها، ومضى مع القوم، وطافت تلك الليلة الخيل بالكوفة، حتى جاؤوا المسجدَ بعد العتمَة، وفيه ناسٌ كثير يصلُّون، فنادوا: يا لثأرات الحسين! وفيهم أبو عزَّة القابضيّ وكرب بن نِمْران يصلّي، فقال: يا لثأرات الحسين! أين جماعة القوم؟ قيل: بالنُّخَيلة، فخرج حتى أتى أهله، فأخذ سلاحه، ودعا بفرسه ليركبه، فجاءته ابنتُه الرُّواع - وكانت تحت ثُبَيت بن مرثد القابضيّ. فقالت: يا أبتِ، ما لي أراك قد تقلدت سيفَك، ولبستَ سلاحك! فقال لها: يا بنيّة، إن أباك يفرّ من ذنبه إلى ربّه، فأخذتْ تَنتحِب وتبكي، وجاءه أصهارُه وبنو عمه، فودَّعهم، ثم خرج فلحق بالقوم؛ قال: فلم يصبح سليمان بن صُرَد حتى أتاه نحوٌ ممّن كان في عسكره حين دخله؛ قال: ثمّ دعا بديوانه لينظر فيه إلى عدّة من بايعه حين أصبح، فوجدهم ستة عشر ألفًا، فقال: سبحان الله! ما وافانا إلا أربعة آلاف من ستة عشر ألفًا (١). (٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤). قال أبو مخنف: عن عطية بن الحارث، عن حميد بن مسلم، قال: قلت لسليمان بن صُرَد: إنّ المختار والله يثبّط الناسَ عنك، إنّي كنت عنده أوَّل ثلاث، فسمعتُ نفرًا من أصحابه يقولون: قد كمُلنا ألفَي رجل؛ فقال: وهَبْ أنّذلك كان؛ فأقام عنّا عشرة آلاف، أمَا هؤلاء بمؤمنين! أمَا يخافون الله! أمَا يذكرون الله، وما أعطَوْنا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليُجاهدُنّ وليُنصرُنّ! فأقام بالنُّخَيْلة ثلاثًا يبعث ثِقاتِه من أصحابه إلى مَنْ تخلّف عنه يذكِّرهم اللهَ وما أعطَوْه من أنفسهم، فخرج إليه نحوٌ من ألف رجل، فقام المسَيّب بن نجَبَة إلى سليمان بن صُرَد، فقال: رحمك الله، إنه لا ينفعك الكارهُ، ولا يقاتل معك إلا مَن أخرجَتْهُ النيّة، فلا ننتظرنّ أحدًا، واكمُشْ في أمرك. قال: فإنك والله لنِعمَّا رأيت! فقام سليمان بن صُرَد في الناس متوكِّئًا على قوس له عربيَّة. فقال: أيها الناس، مَنْ كان إنما أخرجتْه إرادةُ وجهِ الله وثوابِ الآخرة فذلك منّا ونحن منه، فرحمة الله عليه حيًّا وميتًا، ومَنْ كان إنما يريد الدنيا وحَرْثَهَا فوالله ما نأتي فيئًا نستفيئه، ولا غنيمةً نغنَمُها، ما خلا رضوان اللهَ رَبّ العالمين، وما معنا من ذهب ولا فضّة، ولا خَزّ ولا حرير، وما هي إلا سيوفنا في عواتقنا، ورماحنا في أكفّنا، وزادٌ قدر البُلْغة إلى لقاء عدوّنا، فمن كان غيرَ هذا ينوي فلا يصحبْنا. فقام صُخَير بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنيّ، فقال: آتاك الله رشدَك، ولقّاك حُجَّتك؛ والله الذي لا إله غيره ما لنا خيرٌ في صحبةِ مَنِ الدنيا همَّتُهُ ونيَّته. أيّها الناس، إنما أخرجتْنا التوبةُ من ذنبنا، والطلبَ بدمٍ من نبيِّنا، ﷺ ليس معنا دينارٌ ولا درهم، إنما نقدَمُ على حدّ السيوف وأطراف الرّماح؛ فتنادَى الناسُ من كلّ جانب: إنَّا لا نطلب الدنيا، وليس لها خرجْنا (١). (٥/ ٥٨٤ - ٥٨٥). قال أبو مخنف: عن إسماعيل بن يزيد الأزديّ، عن السّريّ بن كعب الأزديّ، قال: أتينا صاحبَنا عبد الله بن سعد بن نفيل نودّعه، قال: فقام فقمنا معه، فدخل على سليمان ودخلنا معه، وقد أجمع سليمان بالمسير، فأشار عليه عبد الله بن سعد بن نُفَيل أن يسيرَ إلى عبيد الله بن زياد، فقال هو رؤوس أصحابه: الرّأي ما أشار به عبد الله بن سعد بن نُفَيل أن نسير إلى عبيد الله بن زياد قاتِل صاحبِنا، ومِن قِبَلِه أُتِينا، فقال له عبد الله بن سعد وعنده رؤوس أصحابه جلوس حوله: إنّي قد رأيت رأيًا إن يكُن صوابًا فالله وفَّق، وإن يكن ليس بصواب فمِن قِبَلي، فإني ما آلوكم ونفسي نصحًا؛ خطأ كان أم صوابًا، إنما خرجنا نطلببدم الحسين، وقَتَلة الحسين كلهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص، ورؤوس الأرباع وأشراف القبائل، فأنّى نذهب ها هنا وندع الأقتال والأوتار! فقال سليمان بن صُرَد: فماذا ترون؟ فقالوا: والله لقد جاء برأيٍ، وإنّ ما ذكر لكما ذكر، والله ما نلقى من قتَلةِ الحسين إن نحن مضينا نحو الشام غيرَ ابن زياد، وما طِلبَتُنا إلا ها هنا بالمِصْر؛ فقال سليمان بن صُرَد: لكن أنا ما أرى ذلك لكم، إنّ الذي قتل صاحبكم، وعَبّأ الجنودَ إليه، وقال: لا أمانَ له عندي دون أن يستسلم فأمضِي فيه حُكمي هذا الفاسق ابن الفاسق ابن مَرْجانة، عبيد الله بن زياد؛ فسيروا إلى عدوّكم على اسم الله؛ فإن يُظهركم الله عليه رجَوْنا أن يكون مَن بعده أهونَ شوكةً منه، ورجونا أن يدين لكم مَن وراءكم من أهل مَصْركم في عافية، فتنظرون إلى كل مَن شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا، وإن تُستشهُدوا فإنما قاتلتم المحلِّين، وما عندَ اللهِ خيرٌ لِلأَبْرارِ والصدّيقين؛ إني لأحبّ أن تجعلوا حدَّكم وشوكتَكم بأوّل المحلِّين القاسطين. والله لو قاتلتم غدًا أهلَ مصركم ما عدم رجلٌ أن يرى رجلًا قد قتل أخاه وأباه وحميمَه، أو رجلًا لم يكن يريد قتله؛ فاستخيروا الله وسيروا. فتهيَّأ الناس للشخوص. قال: وبلغ عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة خروجُ ابن صُرَد وأصحابه، فنظروا في أمرهما، فرأيا أن يأتياهم فيَعرِضا عليهم الإقامة، وأن تكون أيديهم واحدةً، فإن أبوْا إلا الشخوص سألوهم النّظِرَةَ حتى يعبّوا معهم جيشًا فيقاتلوا عدوّهم بكثفٍ وحدٍّ؛ فبعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة سويدَ بن عبد الرحمن إلى سليمان بن صُرَد، فقال له: إنّ عبد الله وإبراهيم يقولان: إنَّا نريد أن نجيئك الآن لأمر عسى الله أن يَجعل لنا ولك فيه صلاحًا؛ فقال: قل لهما فليأتيانا، وقال سليمان لرِفاعة بن شدّاد البَجَليّ: قمْ أنت فأحسِن تَعبئةَ الناس؛ فإنّ هذين الرجلين قد بعثا بكَيتَ وكَيتَ، فدعا رؤوس أصحابه فجلسوا حولَه فلم يمكثوا إلا ساعةً حتى جاء عبد الله بن يزيدَ في أشراف أهل الكوفة والشُّرَط وكثير من المقاتِلة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة في جماعة من أصحابه، فقال عبد الله بن يزيد لكلّ رجل معروف قد علم أنه قد شَرّك في دم الحسين: لا تصحبنِّي إليهم مخافة أن ينظروا إليه فيَعدُوا عليه؛ وكان عمر بن سعد تلك الأيام التي كان سليمان معسكِرًا فيها بالنُّخيلة لا يبيت إلا في قصر الإمارة مع عبد الله بن يزيد مخافة أن يَأيتَه القوم في داره، ويذمُروا عليه في بيته وهو فاعللا يعلم فيقتَل. وقال عبد الله بن يزيد: يا عمرو بن حريث، إن أنا أبطأتُ عنك فصلِّ بالناس الظهر. فلما انتهى عبد الله بن يزيدَ وإبراهيم بن محمد إلى سليمان بن صُرَد دخلا عليه، فحَمِد الله عبد الله بن يزيد وأثنَى عليه ثمّ قال: إن المسلم أخو المسلم لا يخونه، ولا يغشّهُ، وأنتم إخوانُنا، وأهلُ بلدنا، وأحبّ أهلِ مصْر خلَقَهُ الله إلينا، فلا تفجعونا بأنفسكم، ولا تستَبِدّوا علينا برأيكم، ولا تنقصوا عدَدنا بخروجكم من جماعتنا؛ أقيموا معنا حتى نتيسّر ونتهيأ، فإذا علمنا أن عدونا قد شارف بلدنا خرجْنا إليهم بجماعتنا فقاتلْنَاهم. وتكلم إبراهيم بن محمد بنحو من هذا الكلام. قال: فحمِد الله سليمانُ بن صُرَد وأثنى عليه ثم قال لهما: إنّي قد علمت أنكما قد مَحَضْتما في النصيحة، واجتهدتما في المشورة، فنحن بالله وله، وقد خرجنا لأمر، ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لأصوَبه، ولا نرانا إلا شاخصين إن شاء الله ذلك. فقال عبد الله بن يزيد: فأقيموا حتى نُعبِّئَ معكم جيشًا كثيفًا، فتلقوا عدوكم بكثف وجمع وحدٍّ. فقال سليمان: تنصرفون، ونرى فيما بيننا، وسيأتيكم إن شاء الله رأيٌ (١). (٥/ ٥٨٥ - ٥٨٧). قال أبو مخنف: عن عبد الجبّار - يعني ابن عباس الهمدانيّ - عن عَوْن ابن أبي جُحَيفة السُّوَائيّ، قال: ثمّ إنّ عبد الله بن يزيدَ وإبراهيم بن محمد بن طلحة عَرَضا على سليمان أن يقيم معهما حتى يلقوا جموعَ أهل الشأم على أن يخصّاه وأصحابه بخراج جُوخَى خاصّة لهم دون الناس، فقال لهما سليمان: إنَّا ليس للدّنيا خرجنا؛ وإنما فعلا ذلك لما قد كان بلغهما من إقبال عُبيد الله بن زياد نحوَ العراق. وانصرف إبراهيم بن محمد وعبد الله بن يزيدَ إلى الكوفة. وأجمع القوم على الشخوص واستقبال ابن زياد، ونظروا فإذا شيعتُهم من أهل البَصرة لم يوافوهم لميعادهم ولا أهل المدائن، فأقبل ناس من أصحابه يلزمونهم، فقال سليمان: لا تلزموهم فإني لا أراهم إلا سيُسرعون إليكم، لو قد انتهى إليهم خبركم وحينُ مسيركم، ولا أراهم خلّفهم ولا أقعدَهم إلا قلّةُ النفقة وسوءُ العُدّة، فأقيموا ليتيسّروا ويتجهّزوا ويلحقوا بكم وبهم قوّة، وما أسرعَ القوم فيآثاركم. قال: ثمّ إنّ سليمان بن صُرَد قام في الناس خطيبًا، فحمد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيّها الناس، فإنّ الله قد علم ما تنوُون، وما خرجتم تَطلُبون، وإن للدّنيا تجّارًا، وللآخرة تجّارًا، فأما تاجر الآخرة فساع إليها، متنصّب بتَطْلابها، لا يشتري بها ثمنًا، لا يُرى إلا قائمًا وقاعدًا، وراكعًا وساجدًا، لا يطلب ذهبًا ولا فضّة، ولا دنيا ولا لذّة، وأمّا تاجر الدّنيا فمُكبٌّ عليها، راتع فيها، لا يبتغي بها بدلًا؛ فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيرًا على كلّ حال، وتقرّبوا إلى الله جلّ ذكره بكل خير قدرتم عليه، حتى تلقَوا هذا العدوّ والمُحلّ القاسط فتجاهدوه. فإنّ تتوسّلوا إلى ربّكم بشيء هو أعظم عنده ثوابًا من الجهاد والصلاة؛ فإنْ الجهاد سَنامُ العمل. جعلنَا الله وإيّاكم من العباد الصالحين، والمجاهدين الصابرين على الَّلأواء! وإنا مُدْلجون الليلة من منزلنا هذا إن شاء الله فادّلجوا. فادّلج عشيّة الجمعة لخمس مضَيْن من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين للهجرة. قال: فلما خرج سليمان وأصحابُه من النُّخْيلة دعا سليمان بن صُرَد حكيم بن منقذ فنادى في الناس: ألا لا يبيتَنّ رجل منكم دون ديَرْ الأعور. فبات الناس بدير الأعور، وتخلّف عنه ناسٌ كثير، ثمّ سار حتى نزل الأقساس؛ أقساس مالك على شاطئ الفرات، فعرض الناس، فسقط منهم نحوٌ من ألف رجل، فقال ابن صُرد: ما أحبّ أن مَن تخلّف عنكم معكم، ولو خرجوا معكم ما زادوكم إلا خبالا؛ إنّ الله ﷿ كره انبعاثهم فثبطهم، وخصّكم بفضلِ ذلك، فاحمدوا ربّكم، ثم خرج من منزله ذلك دُلْجةً، فصبّحوا قبرَ الحسين، فأقاموا به ليلةً ويومًا يصلون عليه، ويستغفرون له؛ قال: فلما انتهى الناسُ إلى قبر الحسين صاحوا صيحةً واحدة، وبكَوا؛ فما رُئي يومٌ كان أكثرَ باكيًا منه (١). (٥/ ٥٨٨ - ٥٨٩). قال أبو مخنف: وقد حدّث عبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن بنغزيّة، قال: لما انتهينا إلى قبر الحسين ﵇ بكَى الناس بأجمعهم، وسمعتُ جُلّ الناس يتمنَّون أنهم كانوا أصيبوا معه؛ فقال سليمان: اللهمّ ارحم حسينًا الشهيدَ ابنَ الشهيد، المهديّ ابنَ المهديّ، الصدّيقَ ابن الصدّيق، اللهمّ إنا نُشهدك أنا على دينهم وسبيلهم، وأعداء قاتليهم، وأولياء محبِّيهم، ثمّ انصرف ونزل، ونزل أصحابُه (١). (٥/ ٥٨٩). قال أبو مخنف: حدّثنا الأعمش، قال: حدّثنا سلمة بن كُهَيْل، عن أبي صادق، قال: لما انتهى سليمان بن صُرَد وأصحابه إلى قبر الحسين نادَوْا صيحةً واحدةً: يا ربّ إنا قد خَذَلْنا ابْنَ بنت نبيّنا، فاغفر لنا ما مضى منّا، وتب علينا إنك أنت التّواب الرّحيم، وارْحم حسينًا وأصحابه الشهداء الصدِّيقين، وإنا نُشهدك ياربّ أنا على مثل ما قُتلوا عليه، فإن لم تَغفر لنا وترحمْنا لنكوننّ من الخاسرين: قال: فأقاموا عنده يومًا وليلة يصلّون عليه ويبكون ويتضرّعون؛ فما انفكّ الناس من يومهم ذلك يترحّمون عليه وعلى أصحابه، حتى صلّوا الغداة من الغَدِ عند قبره، وزادهم ذلك حَنَقا، ثمّ ركبوا، فأمر سليمانُ الناسَ بالمسير، فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتيَ قبر الحسين فيقوم عليه، فيترحّم عليه، ويستغفر له، قال: فوالله لرَأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحَجر الأسودَ. قال: ووقف سليمان عند قبره، فكلما دعا له قوم وترحّموا عليه قال لهم المسيّب بن نَجَبة وسليمان بن صُرَد: الحقوا بإخوانِكم رحمكم الله! فما زال كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه، فأحاط سليمانُ بالقبر هو وأصحابه، فقال سليمان: الحمد لله الذي لو شاء أكرمَنَا بالشَّهادة مع الحسين، اللهمّ إذا حرمتَناها معه فلا تحرِمْناها فيه بعَده. وقال عبد الله بن وال: أما والله إني لأظنّ حسينًا وأباه وأخاه أفضل أمة محمد ﷺ وسيلةً عند الله يوم القيامة، أفما عجبتم لما ابتليتْ به هذه الأمة منهم! إنهم قتلوا اثنين وأشفَوْا بالثالث على القتل؛ قال: يقول المسيب بن نَجَبة: فأنا مِن قتَلتِهم ومن كان على رأيهم بريءٌ إيّاهم أعادي وأقاتل. قال: فأحسن الرؤوسكلُّهم المنطق، وكان المثنَّى بن مخرّبة صاحب أحد الرؤوس والأشراف، فساءني حيث لم أسمعه تكلَّم مع القوم بنحو ما تكلموا به؛ قال: فوالله ما لبث أن تكلّم بكلمات ما كنّ بدون كلام أحد من القوم، فقال: إنّ الله جعل هؤلاء الذين ذكرتم بمكانهم من نبيِّهم ﷺ أفضل ممن هو دون نبيِّهم، وقد قتلهم قوم نحن لهم أعداء، ومنهم براء، وقد خرجْنا من الديار والأهلين والأموال إرادةَ استئصال من قتلهم؛ فوالله لو أنّ القتال فيهم بمَغرِب الشمس أو بمنقَطع التراب يحقّ علينا طلبُه حتى نناله، فإنّ ذلك هو الغُنْم، وهي الشهادة التي ثوابها الجنّة، فقلنا له: صدقتَ وأصبتَ ووُفِّقت. قال: ثمّ إنّ سليمان بن صُرَد سار من موضع قبر الحسين وسرْنا معه، فأخذنا على الحَصّاصة، ثمّ على الأنبار، ثمّ على الصدود، ثمّ على القيَّادة. قال أبو مخنف: عن الحارث بن حَصِيرة وغيره: إنّ سليمان بعث على مقدّمته كُريْبَ بن يزيد الحميريّ (١). (٥/ ٥٨٩ - ٥٩١). قال أبو مخنف: حدّثني الحصين بن يزيد، عن السريّ بن كعب، قال: خرجْنا مع رجال الحيّ نشيِّعهم، فلما انهينا إلى قبر الحسين وانصرف سليمان بن صُرَد وأصحابه عن القبر، ولزموا الطريقَ، استقدَمَهم عبدُ الله بن عوف بن الأحمر على فرس له مهلوب كُمَيْت مربوع يتأكّل تأكَلًا، وهو يرتجز ويقول: خَرجْنَ يَلْمَعْنَ بنا أَرْسَالا ... عوابِسًا يَحْملنَنَا أَبْطَالَا نُرِيدُ أَنْ نَلقى به الأَقْتَالا ... القَاسِطِينَ الغُدُرَ الضُّلَّالَا وقد رَفَضْنا الأَهْلَ والأَمْوَالا ... والخَفِراتِ البِيضَ والحِجالَا نُرْضي به ذا النِّعَم المِفْضَالا (٢) (٥/ ٥٩١). قال أبو مخنف: عن سعد بن مجاهد الطائيّ، عن المُحلّ بن خليفة الطائيّ، أنّ عبد الله بن يزيد كتب إلى سليمان بن صُرَد، أحسبه قال: بعثني به، فلحقته بالقيّارة، واستقدم أصحابه حتى ظنّ أنْ قد سبقهم، قال: فوقف وأشار إلىالناس، فوقفوا عليه، ثم أقرأهم كتابه، فإذا فيه: بسم الله الرّحمن الرّحيم، من عبد الله بن يزيدَ إلى سليمان بن صُرَد ومَنْ معه من المسلمين، سلامٌ عليكم، أما بعد فإنّ كتابي هذا إليكم كتابُ ناصح ذي إرعاء، وكم من ناصح مستغَشّ، وكم من غاش مستَنصَح مُحَبّ، إنه بلغني أنكم تريدون المسير بالعَدَد اليسير إلى الجمع الكثير، وإنه مَن يُرد أن ينقل الجبال عن مراتبها تكلّ معاوِلُه، وينزع وهو مذمومُ العقل والفعل. يا قومنا لا تُطمِعوا عدوّكم في أهل بلادكم، فإنكم خيارٌ كلكم، ومتى ما يُصِبْكم عدوّكم يعلموا أنكم أعلامُ مصركم، فيُطمعهم ذلك فيمن وراءكم يا قومنا، ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ يا قوم، إن أيدينا وأيديكم اليوم واحدة، وإن عدوّنا وعدوَّكم واحد، ومتى تجتمع كلمتُنا نَظهرَ على عدوّنا، ومتى تختلف تهُنْ شوكتُنا عمَّن خالفنا؛ يا قومَنا لاتستغشوا نصحى، ولا تخالِفوا أمري، وأقبِلوا حين يُقرأ عليكم كتابي، أقبلَ الله بكم إلى طاعته، وأدبرَ بكم عن معصيته، والسَلام. قال: فلما قرئ الكتاب على ابن صرد وأصحابه قال للناس: ما ترون؟ قالوا: ماذا ترى؟ قد أبيْنا هذا عليكم وعليهم، ونحن في مصرنا وأهلنا، فالآن خرجنا ووطَّنَا أنفسَنا على الجهاد، ودنوْنا من أرض عدوّنا! ما هذا برأي، ثمّ نادوه أن أخبرْنا برأيك، قال: رأيي واللهِ أنكم لم تكونوا قطّ أقربَ من إحدى الحسنَيَيْن منكم يومَكم هذا؛ الشهادة والفتح، ولا أرى أن تنصرفوا عما جمَعكم الله عليه من الحقّ، وأردتم به من الفضل؛ إنا وهؤلاء مختلفون؛ إنّ هؤلاء لو ظهروا دعَونا إلى الجهاد مع ابن الزبير، ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير إلا ضلالا، وإنا إن نحن ظهَرنا ردَدْنا هذا الأمرَ إلى أهله، وإن أصِبْنا فعلى نيّاتنا، تائبين من ذنوبنا، إنّ لنا شكلًا وإن لابن الزبير شكلا؛ إنا وإيّاهم كما قال أخو بني كنانة: أرى لكِ شَكْلًا غيرَ شَكلِي فأقْصِري ... عَنِ اللَّوْمِ إِذ بُدّلتِ واختلف الشكلُ قال: فانصرف الناس معه حتى نزل هيتَ، فكتب سليمان: بسم الله الرحمن الرحيم، للأمير عبد الله بن يزيد، من سليمان بن صُرَد ومن معه من المؤمنين، سلامٌ عليك، أما بعد، فقد قرأنا كتابك، وفهمنا ما نويتَ، فنعم والله الوالي، ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة، أنت والله من نأمنهبالغيب، ونستنصحه في المشورة، ونحمده على كلّ حال؛ إنا سمعنا الله ﷿ يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ - إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. إن القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوا، إنهم قد تابوا من عظيم جُرْمهم، وقد توجَّهوا إلى الله، وتوكَّلوا عليه ورَضُوا بما قضى الله، ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، والسلام عليك. فلما أتاه هذا الكتاب قال: استمات القومُ، أوّل خبر يأتيكم عنهم قتْلُهم، وايم الله ليُقتلُنّ كرامًا مسلمين، ولا والذي هو ربّهم لا يقتلهم عدوّهم حتى تشتدّ شوكتُهم، وتكثرَ القتلى فيما بينهم (١). (٥/ ٥٩١ - ٥٩٣). قال أبو مخنف: فحدّثني يوسف بن يزيد، عن عبد الله بن عوف بن الأحمر، وعبد الرحمن بن جندب، عن عبد الرحمن بن غزيّة، قالا: خرجْنا من هيتَ حتى انتهينا إلى قَرقِيسيَا، فلما دنونا منها وقف سليمان بِن صرد فعبَّأنا تعبيةً حسنة حتى مررنا بجانب قرقيسيا، فنزلنا قريبًا منها، وبها زُفر بن الحارث الكلابيّ قد تحصّن بها من القوم، ولم يخرج إليهم، فبعث سليمان المسيّب بن نجَبة، فقال: ائت ابنَ عمك هذا فقل له: فليخرج إلينا سَوْقًا، فإنا لسنا إياه نريد، إنما صَمْدُنا لهؤلاء المُحِلّين، فخرج المسيّب بن نَجبَة حتى انتهى إلى باب قرقيسيا، فقال: افتَحوا، ممن تحصَّنون؟ فقالوا: من أنت؟ قال: أنا المسيّب بن نَجبة، فأتى الهذيلُ بن زفر أباه فقال: هذا رجلٌ حسنُ الهيئة، يستأذن عليك، وسألناه من هو؟ فقال: المسيّب بن نجبة - قال: وأنا إذ ذاك لا علمَ لي بالناس، ولا أعلم أيّ الناس هو - فقال لي أبي: أمَا تدري أي بُنيّ من هذا؟ هذا فارسُ مُضَر الحمراء كلها، وإذا عُدّ من أشرافها عشرة كان أحدَهم، وهو بعدُ رجلٌ ناسكٌ له دين، ائذنَ له. فأذنتُ له، فأجلَسَه أبي إلى جانبه، وساءلَه وألطفه في المسألة، فقال المسيّب بن نَجَبة: ممن تتحصّن؟ إنا والله ما إياكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلا أن تُعينَنَا على هؤلاء القوم الظَّلمَة المُحِلين، فاخرج لنا سوقًا، فإنا لا نقيم بساحتكم إلا يومًا أو بعض يوم، فقال له زُفر بن الحارث: إنا لم نُغلق أبوابَ هذهالمدينة إلا لنعلم إيانا اعتريتم أم غيرَنَا! إنَّا واللهِ ما بنا عجزٌ عن الناس ما لم تدهَمْنا حِيلة، وما نحبّ أنا بُلينا بقتالكم؛ وقد بلَغَنا عنكم صلاح، وسِيرةٌ حسنة جميلة. ثم دعا ابنه فأمره أن يضع لهم سوقًا، وأمر للمسيّب بألف درهم وفرس، فقال له المسيّب: أما المال فلا حاجةَ لي فيه، والله ما له خرجْنا، ولا إياه طلبْنا، وأما الفرس فإني أقبله لعلي أحتاج إليه إنْ ظَلَع فرسي، أو غَمَزَ تحتي، فخرج به حتى أتى أصحابَه وأخرِجتْ لهم السوقُ، فتسوقوا، وبعث زُفَر بن الحارث إلى المسيّب بن نَجَبة بعد إخراج الأسواق والأعلاف والطعام الكثير بعشرين جَزورًا، وبعث إلى سليمان بن صُرَد مثلَ ذلك، وقد كان زُفَر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسُمّىَ له عبد الله بن سعد بن نُفَيل وعبد الله بن والٍ ورفاعة بن شدّاد، وسُمّى له أمراء الأرباع. فبعث إلى هؤلاء الرؤوس الثلاثة بعشر جزائر عشر جزائر، وعلف كثير وطعام، وأخرج للعسكر عِيرًا عظيمةً وشعيرًا كثيرًا، فقال غلمان زُفَر: هذه عِير فاجتَزِروا منها ما أحببتم، وهذا شعير فاحتمِلوا منه ما أردتم، وهذا دقيق فتزّودوا منه ما أطقْتم، فظلّ القومُ يومَهم ذلك مُخصِبين لم يَحتاجوا إلى شراء شيء من هذه الأسواق التي وضعت، وقد كُفُوا اللحم والدقيق والشعيرَ إلا أن يشتريَ الرجلُ ثوبًا أو سوطًا، ثمّ ارتحلوا من الغد، وبعث إليهم زُفَر: إني خارج إليكم فمشيِّعكم؛ فأتاهم وقد خرجوا على تعبيَةٍ حسنة، فسايرَهم، فقال زفر لسليمان: إنه قد بعث خمسة أمراء قد فصلوا من الرّقّة فيهم الحصين بن نمير السَّكُونيّ، وشُرَحْبِيل بن ذي كَلاع، وأدهم بن محرِز الباهليّ وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغَنَويّ، وجَبَلَة بن عبد الله الخثعميّ؛ وقد جاؤوكم في مثل الشوك والشجر، أتاكم عدد كثير، وحدٌّ حديد، وايم الله لقلّ ما رأيتُ رجالًا هم أحسن هيئةً ولا عُدّةً، ولا أخلق لكلّ خير من رجال أراهم معك؛ ولكنه قد بلغني أنه قد أقبلتْ إليكم عدّة لا تحصى؛ فقال ابن صُرَد: على الله توكّلْنا، وعليه فليتوكّل المتوكلون، ثم قال زفر: فهل لكم في أمر أعرِضه عليكم؛ لعلّ الله أن يجعَل لنا ولكم فيه خيرًا؟ إن شئتم فتحْنا لكم مدينتنا فدخلتموها فكان أمرُنا واحدًا وأيدينا واحدةً، وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا، وخرجنا فعسَكرْنا إلى جانبكم، فإذا جاءنا هذا العدوّ قاتلْناهم جميعًا. فقالسليمان لزفَر: قد أرادنا أهلُ مصرنا على مثل ما أردتنا عليه وذكروا مثلَ الذي ذكرت، وكتبوا إلينا به بعدما فصَلْنا، فلم يوافقنا ذلك، فلسنا فاعلين؛ فقال زفر: فانظروا ما أشير به عليكم فاقبَلوه، وخذوا به، فإنِّي للقوم عدوّ، وأحبُّ أن يجعل الله عليهم الدائرةَ، وأنا لكم وادٌّ، أحِبّ أن يحوطكم الله بالعافية؛ إنّ القوم قد فصلوا من الرّقّة، فبادِروهم إلى عين الوَرْدَة، فاجعلوا المدينةَ في ظهوركم، ويكون الرّستاق والماء والمادّ في أيديكم، وما بين مدينتنا ومدينتكم فأنتم له آمنون، والله لو أن خيولي كرجالي لأمددتُكم، اطوُوا المنازلَ الساعة إلى عين الوردة؛ فإنّ القوم يسيرون سيرَ العساكر، وأنتم على خيول، والله لقلّ ما رأيتُ جماعةَ خيل قطّ أكرمَ منها؛ تأهّبوا لها من يومكم هذا فإني أرجو أن تسبقوهم إليها، وإن بدرتموهم إلى عين الوردة فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتُطاعنونهم، فإنهم أكثر منكم فلا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم ترامونهم وتُطاعنُونهم، فإنه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لهم لم يُلبثوكم أن يَصرَعوكم، ولا تصفّوا لهم حين تلقونهم، فإني لا أرى معكم رجَّالةً، ولا أراكم كلكم إلا فرسانًا، والقومُ لا قُومكم بالرجال والفُرسان؛ فالفُرسان تحمي رجالها، والرجال تَحمي فرسانها، وأنتم ليس لكم رجال تَحمى فرسانكم، فالقوهم في الكتائب والمقانب، ثمّ بثّوها ما بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كلّ كتيبة كتيبةً إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتَين ترجَّلَت الأخرى فنفّستْ عنها الخيلُ والرجال، ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى ما شاءت كتيبة انحطَّت، ولو كنتم في صفّ واحد فزحفتْ إليكم الرجال فدفعتم عن الصفّ انتقض وكانت الهزيمة؛ تم وقف فودَّعهم، وسأل الله أن يصحبهم وينصرَهم، فأثنَى الناسُ عليه، ودَعَوا له، فقال له سليمان بن صرد: نعم المَنْزول به أنت! أكرمت النزول، وأحسنتَ الضيافةَ، ونصحتَ في المَشورة، ثمّ إنّ القوم جدّوا في المسير، فجعلوا يجعلون كلّ مرحلتين مرحلة؛ قال: فمررنا بالمدن حتى بلغنا ساعا، ثمّ إنّ سليمان بن صُرّد عبّى الكتائبَ كما أمره زُفَر، ثمّ أقبل حتى انتهى إلى عين الوردة فنزل في غربيِّها، وسبق القومَ إليها، فعسكروا، وأقام بها خمسًا لا يبرح، واستراحوا واطمأنّوا، وأراحوا خيلَهم (١). (٥/ ٥٩٣ - ٥٩٦).قال هشام: قال أبو مخنف، عن عطيَّة بن الحارث، عن عبد الله بن غَزِيّة، قال: أقبل أهل الشام في عساكرهم حتى كانوا من عَيْن الوَرْدة على مسيرة يوم وليلة، قال عبد الله بن غزيّة: فقام فينا سليمان فحَمِد الله فأطال، وأثنى عليه فأطنَب، ثم ذكر السماء والأرضَ، والجبالَ والبحارَ وما فيهنَّ من الآيات، وذكر آلاءَ الله ونعمَه، وذكر الدنيا فزهَّد فيها، وذكر الآخرة فرغَّب فيها، فذكر من هذا ما لم أحصه، ولم أقدر على حفظه، ثم قال: أما بعد، فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير إليه آناء الليل والنهار، تريدون فيما تظهرون التوبة النَّصُوح، ولقاءَ الله مُعذِرين فقد جاؤوكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيِّزِهم، فإذا لقيتموهم فاصدُقوهم، واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا يولِّينّهم امرؤٌ دُبره إلّا متحرّفًا لقتال أو متحيّزًا إلى فئة، لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرًا من أهل دعوتكم، إلا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه، أو يكون من قتَلةِ إخواننا بالطفّ رحمة الله عليهم؛ فإنّ هذه كانت سيرة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في أهل هذه الدعوة، ثم قال سليمان: إن أنا قُتلتُ فأميرُ الناس المسيَّب بن نَجَبة فإن أصيبَ المسيَّب فأميرُ الناس عبدُ الله بن سعد بن نفيل، فإن قُتل عبد الله بن سعد، فأميرُ الناس عبدُ الله بن والٍ، فإن قُتل عبد الله بن وال فأميرُ الناس رفاعة بن شدّاد، رحم الله امرأً صَدقَ ما عَاهَد الله عليه! ثمّ بعث المسيّب بن نَجَبة في أربعمئة فارس، ثم قال: سرْ حتى تلقى أوّل عسكر من عساكرهم فشُنّ فيهم الغارة، فإذا رأيت ما تحبُّه وإلا انصرفتَ إليّ في أصحابك؛ وإيّاك أن تنزل أو تَدَع أحدًا من أصحابك أن ينزِل، أو يستقبل آخر ذلك، حتى لا تجدَ منه بدًّا (١). (٥/ ٥٩٦). قال أبو مخنف: فحدّثني أبي عن حُمَيْد بن مسلم أنه قال: أشهد أني في خيل المسيِّب بن نَجبَة تلك، إذا أقبلنا نسير آخرَ يومنا كلّه وليلتنا، حتى إذا كان في آخر السَّحر نزلْنا فعلَّقنا على دوابنا مَخالِيَها، ثمّ هومْنا تهويمةً بمقدار تكون مقدار قضْمِها ثم ركبناها، حتى إذا انبلج لنا الصبح نزلْنا فصلّينا، ثمّ رَكب فركبنا، فبعث أبا الجُوَيْرية العبديّ بن الأحمر في مئة من أصحابه، وعبد الله بن عوف بنالأحمر في مئة وعشرين، وحنش بن ربيعة أبا المعتمر الكنانيّ في مثلها، وبقيَ هو في مئة؛ ثم قال: انظُروا أوّل من تلقَون فأتُوني به، فكان أوَّلَ من لقينا أعرابيّ يطرُد أحمِرةً وهو يقول: يا مالِ لا تَعجلْ إلى صحْبِي ... وأسرحْ فإِنّك آمِنُ السِّرْبِ قال: يقول عبد الله بن عوف بن الأحمر: يا حَميْد بن مُسلم، أبشر بُشرَى وربِّ الكعبة، فقال له ابن عوف بن الأحمر: ممّن أنت يا أعرابيّ؟ قال: أنا من بني تغْلبٍ؛ قال: غلبتم وربّ الكعبة إن شاء الله، فانتهى إلينا المسيّب بن نجبة، فأخبرناه بالذي سمعْنا من الأعرابيّ وأتيناه به، فقال المسيّب بن نَجَبة، أما لقد سُررتُ بقولك: أبشِر، وبقولك: يا حميد بن مسلم، وإني لأرجو أن تبشروا بما يسرّكم، وإنّما سرّكم أن تحمدوا أمرَكم، وأن تَسلَموا من عدوّكم، وإنّ هذا الفأل لهو الفأل الحسن، وقد كان رسولُ ﷺ يعجبُه الفأل، ثم قال المسيّب بن نجبَة للأعرابيّ: كم بيننا وبين أدنى هؤلاء القوم منّا؟ قال: أدنى عسكر من عساكرهم منك عسكرُ ابن ذي الكلاع، وكان بينه وبين الحصين اختلاف، ادّعى الحصين أنه على جماعة الناس، وقال ابن ذي الكلاع: ما كنتَ لتولَّى عليّ، وقد تكاتبا إلى عبيد الله بن زياد، فهما ينتظران أمره، فهذا عسكر ابن ذي الكلاع منكم على رأس ميل؛ قال: فتركْنا الرجل، فخرجنا نحوَهم مُسرِعين، فوالله ما شعروا حتى أشرفْنا عليهم وهم غارّون، فحملْنا في جانب عسكرهم، فوالله ما قاتلوا كثيرَ قتال حتى انهزموا، فأصبنا منهم رجالًا، وجَرحنْا فيهم فأكثَرْنا الجراح، وأصبنا لهم دوابّ، وخرجوا عن عسكرهم وخلّوه لنا، فأخذنا منه ما خفّ علينا، فصاح المسيّب فينا: الرجعة، إنكم قد نُصِرتم، وغَنِمتم وسَلمِتم، فانصرِفوا، فانصرَفْنا حتى أتينا سليمان. قال: فأتى الخبرُ عبيد الله بن زياد، فسرّح إلينا الحُصَين بن نمير مسرعًا حتى نزل في اثني عشر ألفًا، فخرجْنا إليهم يومَ الأربعاء لثمانٍ بقين من جُمادى الأولى؛ فجعل سليمانُ بن صُرَد عبد الله بن سعد بن نفيل على ميمنته، وعلى ميسرته المسيّب بن نَجَبة، ووقف هو في القلب، وجاء حصين بن نمير وقد عبّأ لنا جُندَه، فجعل على ميمنته جبلة بن عبد الله، وعلى ميسرته ربيعة بن المخارق الغَنَويّ، ثم زحفوا إلينا، فلما دَنوْا دعونا إلى الجماعة على عبد الملك بن مروانوإلى الدخول في طاعته، ودَعوناهم إلى أن يدفعوا إلينا عُبيد الله بن زَياد فنقتلهَ ببعض من قتل من إخواننا، وأن يَخلعوا عبد الملك بن مروان، وإلى أن يُخْرَجَ مَن ببلادنا من آل ابن الزبير، ثم نردّ هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّنا الذين آتانا الله من قلبهم بالنعمة والكرامة، فأبى القوم وأبينا. قال حميد بن مسلم: فحملتْ ميمنتُنا على ميسرتهم وهزمتهم، . وحملتْ ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فهزَمنْاهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم. فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليلُ بيننا وبينهم، ثمّ انصرفْنا عنهم وقد حجزناهم في عسكرهم، فلما كان الغد صبَّحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف، أمدّهم بهم عبيد الله بن زياد، وبعث إليه يشتمه، ويقع فيه، ويقول: إنما عملتَ عَملَ الأغمار، تُضيع عسكرك ومسالحكَ! سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيَه وهو على الناس. فجاءَه، فغدوا علينا وغادَيناهم، فقاتلناهم قتالًا لم يَرَ الشِّيبُ والمُرْدُ مِثلَه قطّ يومنا كلَّه، لا يحجز بيننا وبين القتال إلا الصلاة حتى أمسَيْنا فتحاجزنا، وقد والله أكثروا فينا الجراحَ، وأفشيناها فيهم؛ قال: وكان فينا قُصّاصُ ثلاثة: رفاعة بن شدّاد البَجَليّ، وصُحَير بن حذيفة بن هلال بن مالك المرّيّ، وأبو الجُوَيْرِية العبديّ، فكان رفاعة يقصّ ويُحضّض الناس في الميمنة، لا يبرَحُها، وجُرح أبو الجويرية اليوم الثاني في أوَّل النهار، فلزم الرّحال، وكان صُحَير ليلتَه كلها يدور فينا ويقول: أبشروا عباد الله بكرامة الله ورضوانه، فحقّ والله لمَنْ ليس بينه وبين لقاء الأحبّة ودخول الجنة والراحة من إبرام الدنيا وأذاها إلا فراقُ هذه النفس الأمّارة بالسوء أن يكون بفراقها سَخِيًّا، وبلقاءِ ربه مسرورًا، فمكثْنا كذلك حتى أصبحنا، وأصبح ابن نمير وأدهم بن محرز الباهليّ في نحو من عشرة آلاف، فخرجوا إلينا، فاقتتلنا اليومَ الثالثَ يومَ الجمعة قتالًا شديدًا إلى ارتفاع الضّحى، ثمّ إنّ أهل الشام كَثرونا وتعطّفوا علينا من كلّ جانب، ورأى سليمانُ بن صُرد ما لقى أصحابُه، فنزل فنادى: عبادَ الله، من أراد البُكور إلى ربّه، والتوبة من ذنبه، والوفاء بعهده، فإليَّ؛ ثم كسر جفنَ سيفِه، ونزل معه ناسٌ كثير، فكسروا جفونَ سيوفهم، ومشَوْا معه، وانزوت خيلُهم حتى اختلطت مع الرّجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتدّ مُصلتةً بالسيوف، وقد كسروا الجفون، فحمل الفرسانُعلى الخيل ولا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلةً عظيمةً، وجرحوا فيهم فأكثروا الجِراح، فلما رأى الحصين بن نمير صَبْرَ القوم وبأسَهم، بعث الرجالَ ترميهم بالنّبل، واكتنفتْهم الخيل والرجال، فقُتِل سليمان بن صُرَد ﵀، رماه يزيد بن الحصين بسهم فوقع، ثمّ وثب ثم وقع؛ قال: فلما قتل سليمان بن صُرَد أخذ الراية المسيّب بن نَجَبة، وقال لسليمان بن صُرَد: رحمك الله يا أخي! فقد صدقت ووفَيت بما عليك، وبقي ما علينا، ثمّ أخذ الراية فشدَّ بها، فقاتل ساعةً ثمّ رجع، ثم شدَّ بها فقاتل ثمّ رجع، ففعل ذلك مرارًا يشدّ ثم يرجع، ثم قُتل ﵀ (١). (٥/ ٥٩٧ - ٥٩٩). قال أبو مخنف: وحدَّثنا فروة بن لقيط، عن مولىً للمسيّب بن نجَبَة الفزاريّ، قال: لقيته بالمدائن وهو مع شبيب بن يزيد الخارجيّ، فجرى الحديثُ حتى ذكرْنا أهلَ عين الوردة (٢). (٥/ ٥٩٩). قال هشام عن أبي مخنف: قال: حدّثنا هذا الشيخ، عن المسيّب بن نَجَبة، قال: والله ما رأيت أشجعَ منه إنسانًا قطّ ولا من العصابة التي كان فيهم، ولقد رأيتُه يومَ عين الوردة يقاتل قتالًا شديدًا، ما ظننتُ أنّ رجلًا واحدًا يقدر أن يُبلي مِثلَ ما أبلَى، ولا ينكأ في عدوِّه مثلَ ما نكَأ، لقد قتل رجالًا، قال: وسمعتُه يقول قبل أن يُقتَل وهو يقاتلهم: قد علمتْ مَيالةُ الذَّوائبِ ... واضِحة اللَّبابِ والتَّرائبِ أنِّى غَداةَ الرَّوعِ والتَّغَالُبِ ... أشْجَعُ مِنْ ذي لِبَدٍ مُوَاثِبِ قطَّاعُ أقرانٍ مَخُوفُ الجانِبِ (٣) (٥/ ٥٩٩ - ٦٠٠) قال أبو مخنف: حدّثني أبي وخالي، عن حُميد بن مسلم وعبد الله بن غزيّة، قال أبو مخنف: وحدثني يوسف بن يزيدَ، عن عبد الله بن عوف، قال: لما قتل المسيّب بن نَجَبة أخذ الراية عبدُ الله بن سعد بن نُفيْل، ثم قال ﵀: أخَويَّمنهمْ مَن قَضى نحبه، ومنهم من يَنتظر وما بَدَّلوا تبديلًا، وأقبل بمن كان معه من الأزْد، فحَفّوا برايته، فوالله إنا لكذلك إذ جاءنا فرسان ثلاثة: عبد الله بن الخضِل الطائيّ، وكثير بن عمرو المُزَنّي، وسعر بن أبي سعر الحنفيّ، كانوا خرجوا مع سعد بن حذيفة بن اليَمانِ في سبعين ومئة من أهل المدائن، فسرّحهم يومَ خرج في آثارنا على خيول مقلّمة مقدّحة، فقال لهم: اطوُوا المنازلَ حتى تلحقوا بإخواننا فتبشِّروهم بخروجنا إليهم لتشتدّ بذلك ظهورُهم، وتخبروهم بمجيء أهلِ البصرة أيضًا، كان المثنى بن مخرّبة العبديّ أقبل في ثلاثمئة من أهل البصرة، فجاء حتى نزل مدينة بَهرُسير بعد خروج سعد بن حُذَيفة من المدائن لخمس ليال، وكان خروجُه من البصرة قبل ذلك قد بلغ سعدَ بن حذيفة قبل أن يخرج من المدائن، فلما انتَهوا إلينا قالوا: أبشروا فقد جاءكم إخوانكم من أهل المدائن وأهل البصرة؛ فقال عبد الله بن سعد بن نُفَيل: ذلك لو جاؤونا ونحن أحياء؛ قال: فنظروا إلينا، فلما رأوا مصارعَ إخوانهم وما بنا من الجراح، بكى القومُ وقالوا: وقد بلغ منكم ما نَرَى! إنّا لله وإنا إليه راجعون! قال: فنظروا والله إلى ما ساء أعينَهمِ؛ فقال لهم عبد الله بن نُفَيل: إنا لهذا خرجْنا، ثمّ اقتتلنا فما اضطربنا إلا ساعةً حتى قتل المزنىّ، وطعِن الحنفيّ فوقع بين القتلى، ثم ارتُثّ بعد ذلك فنجا، وطعن الطائيّ فجزِم أنفُه، فقاتل قتالًا شديدًا، وكان فارسًا شاعرًا، فأخذ يقول: قد علِمتْ ذاتُ القَوام الرُّودِ ... أنْ لَسْتُ بالوانِي ولا الرِّعدِيدِ يومًا ولا بالفَرِقِ الحَيُودِ قال: فحمل علينا ربيعة بن المخارق حملةً منكرة، فاقتتلنا قتالًا شديدًا. ثمّ إنه اختلف هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ضربتين، فلم يصنع سيفاهما شيئًا، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه، فوقعا إلى الأرض، ثمّ قاما فاضطربا، ويحمل ابن أخي ربيعة بن المخارق على عبد الله بن سعد، فطعنه في ثُغْرة نحره، فقتله، ويحمل عبد الله بن عوف بن الأحمر على ربيعة بن المخارق، فطعنه فصرَعه، في يُصِب مَقتلًا؛ فقام فكرّ عليه الثانية، فطعنه أصحابُ ربيعة فصرَعوه؛ ثمّ إنّ أصحابَه استنقذوه، وقال خالد بن سعد بن نفيل: أرُوني قاتلَ أخي، فأرَيناه ابن أخي ربيعةَ بن المخارق؛ فحمل عليه فقنَّعه بالسيف واعتنقهالآخرُ فخرّ إلى الأرض، فحمل أصحابه وحملْنا، وكانوا أكثر منّا فاستنقذوا صاحبَهم، وقتلوا صاحبَنا، وبقيت الرّاية ليس عندها أحدٌ. قال: فنادينا عبد الله بن والٍ بعد قتلهم فرسانَنا، فإذا هو قد استلحم في عصابة معه إلى جانبنا، فحمل عليه رفاعة بن شدّاد، فكشَفَهم عنه، ثمّ أقبل إلى رايته وقد أمسكها عبد الله بن خازم الكثيريّ، فقال لابن وال: أمسك عني رايتك؛ قال: امسكْها عنِّي رحمك الله، فإنِّي بي مثلُ حالك فقال له: أمسك عني رايتك، فإنّي أريد أن أجاهد؛ قال: فإنّ هذا الذي أنت فيه جهاد وأجر؛ قال: فصِحنْا: يا أبا عزَّة، أطع أميرَك يرحَمُك الله! قال: فأمسكها قليلًا، ثمّ إنّ ابن وال أخذها منه (١). (٥/ ٦٠٠ - ٦٠١). قال أبو مخنف: قال أبو الصلت التيميّ الأعور: حدّثني شيخ للحيّ كان معه يومئذ، قال: قال لنا ابن وال: مَنْ أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نَصَبٌ، والسرورَ الذي ليس بعده حَزْنٌ، فليتقرّب إلى ربّه بجهاد هؤلاء المحلِّين، والرواحِ إلى الجنة رحِمكم الله! وذلك عند العصر؛ فشدّ عليهم، وشددْنا معه، فأصبنا والله منهم رجالًا، وكشفناهم طويلًا، ثمّ إنهم بعد ذلك تعطّفوا علينا من كلّ جانب، فحازونا حتى بلغوا بنا المكان الذي كنا فيه، وكنا بمكان لا يقدرون أن يأتونا فيه إلّا من وجه واحد، ووليَ قتالَنا عند المساء أدهم بن مُحرِز الباهليّ، فشدّ علينا في خيله ورجاله، فقتل عبد الله بن وال التيميّ (٢). (٥/ ٦٠١ - ٦٠٢). قال أبو مخنف: عن فروة بن لقيط، قال: سمعت أدهمَ بن محرز الباهليّ في إمارة الحجّاج بن يوسفَ وهو يحدّث ناسًا من أهل الشام، قال: دفعت إلى أحد أمراءِ العراق؛ رجل منهم يقولون له عبد الله بن وال وهو يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ ... ﴾ الآيات الثلاث، قال: فغاظني، فقلت في نفسي: هؤلاء يَعدّوننا بمنزلة أهل الشرك، يَرَون أنّ من قتلْنا منهم كان شهيدًا.فحملتُ عليه أضرب يده اليسرى فأطنَنْتها، وتنخّيت قريبًا، فقلت له: أما إني أراك وَدِدْتَ أنك في أهلك، فقال: بئسما رأيت! أما والله ما أحبّ أنها يدك الآن إلّا أن يكون لي فيها من الأجر مثل ما في يدي؛ قال: فقلت له: لم؟ قال: لكيما يجعل الله عليك وِزْرَها، ويُعظم لي أجرها؛ قال: فغاظني فجمعتُ خيلي ورجالي؛ ثمّ حملنا عليه وعلى أصحابه، فدفعتُ إليه فطعنتُه فقتلتُه، وإنه لمقبل إليّ ما يزول؛ فزعموا بعدُ أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يُكثرون الصوم والصلاة ويُفتُون الناس (١). (٥/ ٦٠٢). قال أبو مخنف: وحدّثني الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزيّة قال: لما هلك عبد الله بن والٍ نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شدّاد البَجَليّ، فقال له رجل من بني كنانة يقال له الوليد بن غضين: أمسك رايتَك؛ قال: لا أريدها؛ فقلت له: إنا لله! ما لَكَ! فقال: ارجعوا بنا لعلّ الله يجمعَنا ليوم شرّ لهم، فوثب عبد الله بن عوف بن الأحمر إليه، فقال: أهلكْتَنا، والله لئن انصرفت ليركبُنّ أكتافنا فلا نبلغ فرسخًا حتى نَهلِك من عند آخرِنا، فإن نجا منا ناج أخذه الأعراب وأهلُ القرى، فتقرّبوا إليهم به فيُقتل صبرًا، أنشدك الله أن تفعل، هذه الشمس قد طفلتْ للمغيب، وهذا الليلُ قد غشيَنا، فنقاتلهم على خيلنا هذه فإنا الآن ممتنعون، فإذا غَسَق الليل ركبنا خيولَنا أوّل الليل فرمينا بها، فكان ذلك الشأن حتى نُصبح ونسير ونحن على مَهَل، فيحمل الرجل منا جريحَه وينتظر صاحبَه، وتسير العَشَرة والعشرون معًا، ويعرف الناس الوجهَ الذي يأخذون، فيتبع فيه بعضهم بعضًا؛ ولو كان الذي ذكرت لم تقف أم على ولدها، ولم يعرف رجل وجهَه، ولا أين يسَقُط، ولا أين يَذهَب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور، فقال له رفاعة بن شدّاد: فإنك نعمَ ما رأيت؟ قال: ثمّ أقبل رفاعة على الكنانيّ فقال له: أتمسكها أم آخذُها منك؟ فقال له الكنانيّ: إني لا أريد ما تريد، إني أريد لقاء ربِّي، واللَّحاق بإخواني، والخروجَ من الدنيا إلى الآخرة، وأنت تريد ورقَ الدنيا، وتَهوَى البقاء، وتكره فراق الدنيا، أما والله إني لأحبُّ لك أن ترشد، ثمّ دفع إليه الراية، وذهبليستقدم، فقال له ابن أحمر: قاتل معنا ساعةً رحمك الله ولا تُلقِ بيدك إلى التَّهلُكة. فما زال به يناشده حتى احتبس عليه، وأخذ أهلُ الشام يتنادَوْن: إنّ الله قد أهلكهم؛ فأقدموا عليهم فافرُغوا منهم قبل الليل، فأخذوا يقدمون عليهم، فيقدمون على شوكة شديدة؛ ويقاتلون فُرسانًا شجعانًا ليس فيهم سَقَط رجل، وليسوا لهم بمضجرين فيتمكنوا منهم: فقاتلوهم حتى العشاء قتالًا شديدًا، وقتِل الكنانيّ قبل المساء، وخرج عبد الله بن عزيز الكنديّ ومعه ابنه محمد غلام صغير، فقال: يا أهل الشام، هل فيكم أحدٌ من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال، فقالوا: نَعَم، نحن هؤلاء. فقال لهم: دونكم أخوكم فابعثوا به إلى قومكم بالكُوفة، فأنا عبد الله بن عزيز الكنديّ، فقالوا له: أنت ابن عمّنا، فإنك آمن؛ فقال لهم: والله لا أرغب عن مَصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نورًا، وللأرض أوتادًا، وبمثلهم كان الله يُذكرَ؛ قال: فأخذ ابنُه يبكي في أثر أبيه، فقال: يا بنيّ، لو أن شيئًا كان آثَرَ عندي من طاعة ربِّي إذًا لكنتَ أنتَ، وناشَدَه قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره، وأرى الشاميون له ولابنه رِقَّة شديدة حتى جزعوا وبكَوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه، فشدّ على صفّهم عند المساء، فقاتلَ حتى قُتل (١). (٥/ ٦٠٢ - ٦٠٤). قال أبو مخنف: حدّثني فضيل بن خَدِيج، قال: حدّثني مسلم بن زَحْر الخَوْلانيّ، أنّ كريب بن زيد الحميريّ مشى إليهم عند المساء ومعه راية بَلْقاء في جماعة، قلّما تَنقُص من مئة رجل إنْ نقصَت، وقد كانوا تحدّثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لهم الحميريّ وجمع إليه رجالًا من حميَر وهَمْدان، فقال: يا عباد الله! رُوحوا إلى ربّكم، والله ما في شيء من الدنيا خَلَف من رضاء الله والتوبة إليه، إنه قد بلغني أنّ طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا إلى خطاياهم، فأمّا أنا فوالله لا أولّي هذا العدوّ ظهري حتى أرِدَ مَوارِد إخواني؛ فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك، ومضى برايته حتى دنا من القوم، فقال ابن ذي الكَلاع: والله إني لأرىهذه الراية حِمْيَريّة أو هَمْدانيّة، فدنا منهم فسألهم، فأخبروه، فقال لهم: إنكم آمنون، فقال له صاحبهم: إنه قد كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمانَ الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قُتلوا، ومشى صُخير بن حذيفة بن هلال بن مالك المُزَنّي في ثلاثين من مُزَينة، فقال لهم: لا تهابوا الموت في الله، فإنه لاقيكم، ولا ترجعوا إلى الدّنيا التي خرجتم منها إلى الله فإنها لا تَبقَى لكم، ولا تَزهَدوا فيما رغبتم فيه من ثواب الله فإنّ ما عند الله خير لكم؛ ثمّ مضَوا فقاتَلوا حتى قُتلوا، فلما أمسى الناسُ ورجع أهل الشام إلى معسكرهم، نظر رفاعة إلى كلّ رجل قد عُقر به، وإلى كل جريح لا يُعينُ على نفسه؛ فدفعه إلى قومه، ثمّ سار بالناس ليلتَه كلَّها حتى أصبح بالتُّنَيْنير فعَبَر الخابُور، وقطع المعابر، ثمّ مضى لا يمرّ بمعبر إلا قطعه، وأصبح الحصين بن نمير فبعث فوجدهم قد ذَهبَوا، فلم يبعث في آثارهم أحدًا، وسار بالناس فأسرَعَ، وخلَّف رفاعة وراءهم أبا الجُوَيْرية العبديّ في سبعين فارسًا يَستُرون الناس؛ فإذا مرّوا برجل قد سقط حمله، أو بمتاع قد سقط قَبَضَه حتى يعرفه، فإن طُلب أو ابتُغىَ بعث إليه فأعلمه، فلم يزالوا كذلك حتى مرّوا بقَرْقيسيا من جانب البرّ، فبعث إليهم زُفَر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرة الأولى، وأرسل إليهم الأطباء وقال: أقيموا عندنا ما أحببتم، فإنّ لكم الكرامة والمواساة؛ فأقاموا ثلاثًا، ثمّ زوّد كلَّ امرئ منهم ما أحبّ من الطعام والعَلَف؛ قال: وجاء سعد بن حُذَيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هِيتَ، فاستقبله الأعراب فأخبَروه بما لقى الناس، فانصرف، فتلقى المثنى بن مخرّبة العبديّ بصندوْداء، فأخبره، فأقاموا حتى جاءهم الخبر: إنّ رفاعة قد أظلّكم فخرجوا حين دنا من القرية، فاستقبلوه فسلم الناس بعضهم على بعض، وبكى بعضُهم إلى بعض، وتناعوْا إخوانَهم فأقاموا بها يومًا وليلة؛ فانصرف أهل المدائن إلى المدائن، وأهل البصرة إلى البصرة، وأقبل أهلُ الكوفة إلى الكوفة، فإذا المختار محبوس (١). (٥/ ٦٠٤ - ٦٠٥). قال هشام: قال أبو مخنف: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أدهم بن مُحرز الباهليّ، أنه أتي عبد الملك بن مروان ببشارة الفتح، قال: فصعد المنبر، فحمِد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أما بعد، فإنّ الله قد أهلك من رؤوسأهل العراق مُلقح فتنة، ورأسَ ضلالة سليمان بن صُرَد، ألا وإنّ السيوف تركتْ رأس المسيّب بن نجبَة خَذَاريف، ألا وقد قتل اللهُ من رؤوسهم رأسَين عظيمين ضالَّين مضلَّين: عبد الله بن سعد أخا الأزد، وعبد الله بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يَبقَ بعد هؤلاء أحدٌ عندَه دفاع ولا امتناع (١). (٥/ ٦٠٥). قال هشام، عن أبي مخنف: وحُدِّثت أن المختار مكث نحوًا من خمس عشرة ليلةً، ثمّ قال لأصحابه: عدّوا لغازيكم هذا أكثرَ من عشر، ودون الشهر، ثمّ يجيئكم نبأ هِتْر، من طعن نَتر، وضرب هبر، وقتل جمّ، وأمر رَجم. فمَنْ لها؟ أنا لها، لا تُكْذَبُنَّ، أَنا لَها (٢). (٥/ ٦٠٥ - ٦٠٦). قال أبو مخنف: حدّثنا الحصين بن يزيد عن أبان بن الوليد، قال: كتب المختار وهو في السجن إلى رفاعةَ بن شدّاد حين قَدِم من عين الوردة: أما بعد، فمرحبًا بالعَصَب الذي أعظَم الله لهم الأجر حينَ انصرفوا، ورضيَ انصرافَهم حين قَفَلُوا، أمّا وربّ البنيّة التي بَنَى ما خطا خاطٍ منكم خُطوةً، ولا رَتا رتْوة، إلا كان ثوابُ الله له أعظم من مُلْك الدنيا، إنّ سليمان قد قضى ما عليه، وتوفّاه الله فجعل روحَه مع أرواح الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تُنْصَرون إني أنا الأمير المأمور، والأمين المأمون، وأمير الجيش، وقاتل الجبّارين، والمنتقم من أعداء الدّين، والمقيد من الأوتار، فأعدّوا وأستعدّوا وأبشِروا واستبشروا؛ أدعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيِّه ﷺ، وإلى الطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضُّعفَاء، وجهاد المُحلِّين؛ والسلام (٣). (٥/ ٦٠٦). قال أبو مخنف: وحدّثني أبو زهير العبسيّ، أنّ الناس تحدّثوا بهذا مِنْ أمْر المختار، فبلغ ذلك عبدَ الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد، فخرجا في الناس حتى أتيَا المختار، فأخذاه (٤). (٥/ ٦٠٦).قال أبو مخنف: فحدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: لما تهيَّأنا للانصراف قام عبد الله بنِ غزيّة ووقف على القتلى فقال: يرحمكم الله، فقد صدقْتم وصَبرْتم، وكذبنا وَفرَرْنا؛ قال: فلما سرنا وأصبحنا إذا عبد الله بن غزيّة في نحو من عشرين قد أرادوا الرجوع إلى العدوّ والاستقتال، فجاء رفاعة وعبد الله بن عوف بن الأحمر وجماعة الناس فقالوا لهم: نَنْشدكم الله ألّا تزيدونا فُلولًا ونقصانًا، فإنا لا نزال بخير ما كان فينا مثلكم من ذوي النيّات، فلم يزالوا بهم كذلك يناشدونهم حتى ردّوهم غيرَ رجل من مزينة يقال له عُبيدة بن سُفيان، رحل مع الناس، حتى إذا غُفِل عنه انصرف حتى لقي أهل الشام، فشدّ بسيفه يضاربهم حتى قُتل (١). (٥/ ٦٠٦ - ٦٠٧). قال أبو مخنف: فحدّثني الحصين بن يزيد الأزديّ، عن حُميد بن مسلم الأزديّ، قال: كان ذلك المزنيّ صَدِيقًا لي، فلما ذهب لينصرفَ ناشدتُه الله، فقال: أما إنك لم تكن لتسألَني شيئًا من الدّنيا إلا رأيتُ لك من الحقّ عليّ إيتاءَكَهُ، وهذا الذي تسألني أريد اللهَ به، قال: ففارقني حتى لقي القومَ فقُتل؛ قال: فوالله ما كان شيء بأحبَّ إليَّ من أن ألقَى إنسانًا يحدّثني عنه كيف صَنَع حين لقيَ القوم! قال: فلقيتُ عبدَ الملك بن جزء بن الحِدْرِجان الأزديّ بمكة، فجرى حديث بيننا، جرى ذكرُ ذلك اليوم، فقال: أعَجب ما رأيتُ يومَ عَين الوردة بعد هلاك القوم أنّ رجلًا أقبل حتى شدّ عليّ بسيفه، فخرجنا نحوه، قال: فانتهى إليه وقد عُقِرَ بِهِ وهو يقول: إنِّي منَ اللهِ إلى اللهِ أَفِرْ ... رِضْوانَكَ اللَّهمّ أُبْدِي وأُسِرْ قال: فقلنا له: ممن أنت؟ قال: من بني آدم، قال: فقلنا: ممن؟ قال: لا أحبّ أن أعرِفَكم ولا أن تعرفوني يا مُخربي البيتَ الحرام؛ قال: فنزل إليه سليمانُ بن عمرو بن محصن الأزديّ من بني النجار؛ قال: وهو يومئذ من أشدّ الناس، قال: فكلاهما أثخَنَ صاحِبَه، قال: وشدّ الناسُ عليه من كلّ جانب، فقتلوه، قال: فوالله ما رأيتُ أحدًا قطّ هو أشدّ منه؛ قال: فلمّا ذُكر لي، وكنتُ أحبّ أن أعلم علمه، دمعتْ عيناي، فقال: أبيْنك وبينه قرابة؟ فقلت له: لا،ذلك رجل من مضَر كان لي وُدًّا وأخًا، فقال لي: أرقَأ الله دمعَك، أتبكي على رجل من مضَر قُتل على ضلالة! قال: قلتُ: لا، والله ما قُتل على ضلالة، ولكنه قتل على بيّنة من ربّه وهُدىً؛ فقال لي: أدخَلَك اللهُ مدخَله، قلتُ: آمين، وأدخَلَك الله مدخَل حصين بن نمير، ثم لا أرقأ الله لك عليه دمعًا؛ ثمّ قمت وقام. وكان مما قيل من الشعر في ذلك قولُ أعشى هَمْدانَ، وهي إحدى المكتَّمات، كنّ يُكتَّمن في ذلك الزمان: أَلمَّ خيالٌ منكِ يا أُمَّ غالبٍ ... فَحُيِّيتِ عنّا من حَبيبٍ مُجانبِ وما زِلت لي شَجْوًا وما زلتُ مُقصدًا ... لِهَمٍّ عَرانِي من فِراقِك ناصِبِ فما أنسَ لَا أَنْسَ انْفِتَالَكِ في الضُّحَى ... إلينا مع البيضِ الوِسام الخَراعِب تَرَاءَتْ لنا هَيْفَاءَ مَهْضُومَةَ الحَشا ... لطيفةَ طيِّ الكَشْح رَيَّا الحَقائِبِ مُبْتَلَّةً غَرَّاءَ، رُؤْدٌ شَبَابُها ... كشمسِ الضُّحَى تَنكلُّ بين السحائِب فلمّا تغَشَّاها السَّحابُ وحولَهُ ... بَدَا حاجبٌ منها وضنَّتْ بحاجبِ فتلك الهوى وَهْي الجَوَى ليَ والمُنَى ... فأحْبِبْ بها من خُلَّةٍ لم تُصاقِبِ ولا يُبْعِدِ اللهُ الشَّبَابَ وذِكرَهُ ... وحُبَّ تَصافي المعْصِرَات الكَواعبِ ويزدادُ ما أحببتُه من عِتَابِنَا ... لُعَابًا وسُقيًا للخَدين المُقَارِبِ فإِنّي وإنْ لم أنسَهُنَّ لذَاكرٌ ... رَزيئةَ مِخْباتٍ كريم المَناصبِ توَسَّلَ بالتَّقْوَى إلى اللهِ صادقًا ... وتَقْوى الإِلَهِ خيرُ تَكْسَابِ كاسِبِ وخَلَّى عن الدنيا فلم يلتبِسْ بها ... وتابَ إلى اللهِ الرَّفيعِ المَرَاتِب تخلَّى عن الدنيا وقال اطَّرَحتُها ... فلَستُ إليها ما حَيِيتُ بآيِبِ وما أنا فيما يُكبرُ الناسُ فَقدَهُ ... ويسعى له الساعُونَ فيها بِرَاغِبِ فوجَّهَهُ نحوَ الثَّوِيَّةِ سائرًا ... إلى ابنِ زيادٍ في الجموع الكباكبِ بقوم همُ أهلُ التَّقِيَّةِ والنُّهَى ... مَصَالِيتُ أنجادٌ سُرَاةُ مَنَاجِبِ مَضَوا تارِكي رأْي ابنِ طلحة حَسْبُهُ ... ولم يستجيبوا للأَمير المُخاطِبِ فساروا وهمْ من بين مُلتَمِسِ التُّقَى ... وآخرَ مما جرّ بالأَمسِ تائِبِ فلاقوا بعين الوردَةِ الجَيْشَ فاصِلا ... إليهمْ فحسُّوهم ببيضٍ قواضِبِ يَمانِيَةٍ تذْرِي الأَكفَّ وتارةً ... بخيلٍ عِتاقٍ مُقْرَباتٍ سَلاهِبفجاءَهُم جمعٌ من الشامِ بعده ... جُمُوعٌ كموج البحر من كلّب فما بَرِحوا حتى أُبِيدَتْ سُراتُهُمْ ... فلم ينجُ منهم ثَمَّ غيرُ عصائِب وغودِرَ أهلُ الصبر صرْعى فأَصبحوا ... تعاوِرُهم ريحُ الصّبَا والجنائبِ فأَضحَى الخُزاعيُّ الرئيسُ مُجَدَّلًا ... كأَن لم يقاتل مَرَّةً ويُحارِبِ ورأسُ بني شَمْخٍ وفارِسُ قومِهِ ... شنُوءَةَ والتَيميُّ هادِي الكتائِب وعمرو بنُ بشِرٍ والوليدُ وخالدٌ ... وزيدُ بنُ بكر والحُلَيسُ بن غالبٍ وضارِبُ من هَمَدانَ كلّ مُشَيعٍ ... إذا شدّ لم يَنْكلْ كريمُ المكاسبِ ومن كل قومٍ قد أُصِيبَ زعيمُهمْ ... وذو حَسَبٍ في ذِروَةِ المجد ثاقِبِ أَبَوْا غيرَ ضربٍ يَفلِقُ الهامَ وقعُهُ ... وطَعْنٍ بأَطرافِ الأَسِنَّةِ صائب وإنَّ سعيدًا يومَ يدْمُرُ عامِرًا ... لأشجَعُ من لَيثٍ بدُرنَى مُواثبِ فيا خيرَ جيش للعراقِ وأَهلِهِ ... سُقيتم رَوايا كلِّ أَسَحَم ساكِبِ فلا يبْعَدنْ فُرساننا وحُماتنا ... إذا البِيض أبدتْ عن خِدَامِ الكواعِبِ فإن يُقتَلوا فالقتلُ أكرَمُ مِيتة ... وكل فتىً يومًا لإحدى الشَّواعِبِ وما قُتِلُوا حتى أثَاروا عِصابةً ... مُحِلِّين ثَورًا كاللُّيُوثِ الضَّوارِبِ وقُتل سليمانُ بنُ صرَد ومن قُتل معه بعَين الوردة من التوابين في شهر ربيع الآخر (١). (٥/ ٦٠٧ - ٦٠٩).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    ثير، فكسروا جفونَ سيوفهم، ومشَوْا معه، وانزوت خيلُهم حتى اختلطت مع الرّجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتدّ مُصلتةً بالسيوف، وقد كسروا الجفون، فحمل الفرسانُعلى الخيل ولا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلةً عظيمةً، وجرحوا فيهم فأكثروا الجِراح، فلما رأى الحصين بن نمير صَبْرَ القوم وبأسَهم، بعث الرجالَ ترميهم بالنّبل، واكتنفتْهم الخيل وا

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MajhulMajhul

    مَهَل، فيحمل الرجل منا جريحَه وينتظر صاحبَه، وتسير العَشَرة والعشرون معًا، ويعرف الناس الوجهَ الذي يأخذون، فيتبع فيه بعضهم بعضًا؛ ولو كان الذي ذكرت لم تقف أم على ولدها، ولم يعرف رجل وجهَه، ولا أين يسَقُط، ولا أين يَذهَب! ولم نصبح إلا ونحن بين مقتول ومأسور، فقال له رفاعة بن شدّاد: فإنك نعمَ ما رأيت؟ قال: ثمّ أقبل رفاعة على الكنانيّ فقال له: أتمسك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • MatrukMatruk

    ا من آل ابن الزبير، ثم نردّ هذا الأمر إلى أهل بيت نبيِّنا الذين آتانا الله من قلبهم بالنعمة والكرامة، فأبى القوم وأبينا. قال حميد بن مسلم: فحملتْ ميمنتُنا على ميسرتهم وهزمتهم، . وحملتْ ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم، فهزَمنْاهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم. فما زال الظفر لنا عليهم حتى حجز الليلُ بيننا وبينهم، ثمّ انصرفْنا ع

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • ThiqaThiqa

    فطعنتُه فقتلتُه، وإنه لمقبل إليّ ما يزول؛ فزعموا بعدُ أنه كان من فقهاء أهل العراق الذين كانوا يُكثرون الصوم والصلاة ويُفتُون الناس (١). (٥/ ٦٠٢). قال أبو مخنف: وحدّثني الثقة، عن حميد بن مسلم وعبد الله بن غزيّة قال: لما هلك عبد الله بن والٍ نظرنا، فإذا عبد الله بن خازم قتيل إلى جنبه، ونحن نرى أنه رفاعة بن شدّاد البَجَليّ، فقال له رجل من بني ك

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
340512
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1643:918351
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate