Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 340511

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 4557, entry [1642]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

page 4557, entry [1642]Open original source
ذكر الخبر عن سبب مقدمه إليها: قال هشام بن محمد الكلبيّ: قال أبو مخنف: قال النضر بن صالح: كانت الشيعة تَشتُم المختار وتُعتِبه لِما كان منه في أمر الحسن بن عليّ يوم طُعن في مُظلِم ساباط، فحُمل إلى أبيَض المدائن، حتى إذا كان زمنَ الحسين، وبعث الحسينُ مسلمَ بن عقيل إلى الكوفة، نزل دارَ المختار، وهي اليوم دارُ سَلْم بن المسيّب، فبايعه المختار بن أبي عُبيد فيمن بايعه من أهل الكوفة، وناصَحه ودعا إليه من أطاعه، حتى خرج ابن عقيل يوم خرج والمختار في قرية له بخُطَرْنِيَة تُدعَى لقفا، فجاءَه خبرُ ابن عقيل عند الظهر أنه قد ظهر بالكوفة، فلم يكن خروجُه يومَ خرج على ميعاد من أصحابه، إنما خرج حين قيل له: إنّ هانئ بن عروة المراديّ قد ضُرِبَ وحُبِس، فأقبل المختار في موالٍ له حتى انتهى إلى باب الفيل بعد الغروب، وقد عَقَد عبيد الله بن زياد لعمرو بن حُريث راية على جميع الناس، وأمره أن يقعد لهم في المسجد، فلما كان المختار واقفًا على باب الفيل مرّ به هانئ بن أبي حيّة الوادعيّ، فقال للمختار: ما وقوفُك ها هنا! لا أنت مع الناس، ولا أنت في رَحْلك؛ قال: أصبح رأيي مرتجًّا لعُظْم خطيئتكم؛ فقال له: أظنك والله قاتلًا نفسَك، ثمّ دخل على عمرو بن حُريث فأخبرَه بما قال للمختار وما ردّ عليه المختار (١). (٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠). قال أبو مخنف: فأخبَرَني النضر بن صالح، عن عبد الرحمن بن أبي عمير الثّقفيّ؛ قال: كنت جالسًا عند عمرو بن حريث حين بلّغه هانئ بن أبي حيّة عن المختار هذه المقالة، فقال لي: قم إلى ابن عمك فأخبره أن صاحبه لا يدري أين هو! فلا يجعلنَّ على نفسه سبيلًا، فقمت لآتيه، وثب إليه زائدة بن قدامة بن مسعود، قال له: يأتيك على أنه آمِن؟ فقال له عمرو بن حُرَيث: أمّا منِّي فهوآمن، وإن رُقّى إلى الأمير عبيد الله بن زياد شيء من أمره أقمتُ له بمحضره الشهادة، وشَفَعت له أحسنَ الشفاعة، فقال له زائدة بن قدامة: لا يكوننّ مع هذا إن شاء الله إلا خيرٌ. قال عبد الرحمن: فخرجتُ، وخرج معي زائدة إلى المختار، فأخبرناه بمقالة ابن أبي حيّة، وبمقالة عمرو بن حُرَيث، وناشدناه بالله ألا يجعل على نفسه سبيلا، فنزل إلى ابن حريث، فسلّم عليه، وجلس تحت رايته حتى أصبح، وتذاكرَ الناس أمرَ المختار وفعلَه، فمشى عُمارة بن عقبة بن أبي مُعيط بذلك إلى عبيد الله بن زياد، فذكر له، فلما ارتفع النهار فُتِح بابُ عبيد الله بن زياد وأذِن للناس، فدخل المختار فيمن دخل، فدعاه عبيد الله، فقال له: أنت المقبلُ في الجموع لتنصُر ابن عَقِيل! فقال له: لم أفعل، ولكني أقبلت ونزلت تحتَ راية عمرو بن حُرَيث، وبتّ معه وأصبحت، فقال له عمرو: صدق أصلَحَك الله! قال: فرفع القضيبَ، فاعترض به وجهَ المختار فخبط به عينَه فشَتَرها، وقال: أوْلَى لك! أمَا والله لولا شهادةُ عمرو لك لضربتُ عنقك؛ انطلقوا به إلى السجن فانطلقوا به إلى السجن فحُبس فيه فلم يزل في السجن حتى قُتل الحسين، ثمّ إنّ المختار بعث إلى زائدة بن قدامة، فسأله أن يسير إلى عبد الله بن عمرَ بالمدينة فيسألَه أن يكتبَ له إلى يزيد بن معاوية، فيكتب إلى عبيد الله بن زياد بتخلية سبيله، فركب زائدةُ إلى عبد الله بن عمر فقَدِم عليه، فبلَّغه رسالةَ المختار، وعلمتْ صفيَّة أختُ المختار بمَحبِس أخيها وهي تحت عبد الله بن عمر، فبكت وجزعت، فلما رأى ذلك عبد الله بن عمَر كتب مع زائدة إلى يزيدَ بن معاوية: أمَّا بعد، فإنّ عبيد الله بن زياد حبس المختار، وهو صهري، وأنا أحبّ أن يعافَى ويُصلَح من حاله، فإن رأيتَ - رحمنا الله وإيَّاك - أن تكتب إلى ابن زياد فتأمرَه بتخليته فعلتَ. والسلام عليك. فمضى زائدة على رواحله بالكتاب حتى قدم به على يزيدَ بالشام، فلما قرأه ضحك ثم قال: يشفّع أبو عبد الرحمن، وأهلُ ذلك هو! فكتب له إلى ابن زياد: أما بعد، فخلّ سبيلَ المختار بن أبي عُبيد حين تنظرُ في كتابي، والسلام عليك. فأقبَل به زائدة حتى دفعه، فدعا ابن زياد بالمختار، فأخرجه، ثم قال له قد أجَّلتُك ثلاثًا، فإن أدركتُك بالكوفة بعدَها قد برئتْ منك الذّمَّةُ.فخرج إلى رحله، وقال ابن زياد: والله لقد اجترأ عليّ زائدة حين يرحل إلى أمير المؤمنين حتى يأتيني بالكتاب في تخلية رجل قد كان من شأني أن أطيل حبسَه، عليّ به، فمرّ به عمرو بن نافع أبو عثمان - كاتبٌ لابن زياد - وهو يُطلَب، وقال له: النَّجاءَ بنفسك، واذكرها يدًا لي عِندَك. قال: فخرج زائدة، فتوارى يومَه ذلك، ثمّ إنه خرج في أناس من قومه حتى أتى القعقاعَ بن شَوْر الذّهليّ، ومسلم بن عمرو الباهليّ، فأخذا له من ابن زياد الأمان (١). (٥/ ٥٧٠ - ٥٧١). قال هشام: قال أبو مخنف: ولما كان اليوم الثالث خرج المختار إلى الحجاز، قال: فحدّثني الصقعب بن زهير، عن ابن العِرْق، مولىً لثقيف. قال: أقبلتُ من الحجاز حتى إذا كنت بالبَسِيطةِ مِنْ وراء واقِصَة استقبلتُ المختارَ بن أبي عُبيد خارجًا يريد الحجاز حين خَلَّى سبيلَه ابنُ زياد، فلما استقبلتُه رحَّبت به، وعطفتُ إليه، فلما رأيت شتَرَ عينه استرجعتُ له، وقلتُ له بعدما توجّعت له: ما بالُ عينِك، صرف الله عنك السوءَ! فقال: خَبَط عيني ابن الزانية بالقَضيب خبطةً صارت إلى ما ترى، فقلتُ له: ما لَه شلّت أنامِلُهُ! فقال المختار: قتلني الله إن لم أقطع أنامِلَه وأباجلَه وأعضاءَه إرْبًا إرْبًا؛ قال: فعجبتُ لمقالته، فقلت له: ما علمُك بذلك رحمك الله؛ فقال لي: ما أقول لك فاحفظْه عنّي حتى ترى مصداقَه. قال؛ ثمّ طَفِق يسألني عن عبد الله بن الزبير، فقلت له: لجأ إلى البيت، فقال: إنما أنا عائذٌ بربّ هذه البنيّة، والناس يتحدّثون أنه يبايع سرًّا، ولا أراه إلا لو قد اشتدّت شوكته واستكثف من الرجال إلا سيُظهر الخلافَ؛ قال: أجَل، لا شكّ في ذلك، أمَا إنه رجلُ العرب اليومَ، أما إنه إنْ يخطُطْ في أثرى، ويسمعْ قولي أكفِه أمرَ الناس، وإلا يفعلَ فوالله ما أنا بدون أحد من العرب، يا بنَ العِرْق، إنّ الفتنة قد أرعدتْ وأبرقتْ، وكأنْ قد انبعثتْ فوطئت في خطامها، فإذا رأيتَ ذلك وسمعتَ به بمكان قد ظهرتُ فيه فقل: إن المختار في عصائبه من المسلمين، يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطّفّ، سيِّد المسلمين، وابنسيِّدها، الحسين بن عليّ، فوربِّك لأقتلنّ بقتله عِدّةَ القتلى التي قتلت على دم يَحيَى بن زكريا ﵇؛ قال: فقلت له: سبحان الله! وهذه أعجوبة مع الأحدوثة الأولى؛ فقال: هو ما أقول لك فاحفظه عنّي حتى ترى مصداقَه. ثمّ حرّك راحلته، فمضَى ومضيت معه ساعةً أدعو الله له بالسلامة، وحُسنِ الصحابة. قال: ثمّ إنّه وقف فأقسم عليّ لما انصرفتُ، فأخذتُ بيده! فودّعته، وسلمت عليه، وانصرفت عنه، فقلت في نفسي: هذا الذي يذكر لي هذا الإنسان - يعني المختار - مما يزعم أنه كائن، أشيءٌ حدّث به نفسه! فوالله ما أطلَع الله على الغيب أحدًا، وإنما هو شيءٌ يتمنَّاه فيرى أنه كائن، فهو يوجب رأيَه، فهذا والله الرأيُ الشعاع، فوالله ما كلّ ما يرى الإنسان أنه كائن يكون، قال: فوالله ما مُتّ حتى رأيتُ كلّ ما قاله، قال: فوالله لئن كان ذلك من علمٍ ألقيَ إليه لقد أثبِتَ له، ولئن كان ذلك رأيًا رآه، وشيئًا تمنّاه، لقد كان (١). (٥/ ٥٧١ - ٥٧٣). قال أبو مخنف: فحدّثني الصقعب بن زهير، عن ابن العِرْق، قال: فحدّثت بهذا الحديث الحجَّاج بن يوسف، فضحك ثم قال لي: إنه كان يقول أيضًا: ورافِعةٍ ذيلَهَا ... وداعِيَة وَيْلَها بِدِجْلَةَ أَوْ حَوْلَها فقلت له: أترى هذا شيئًا كان يخترعه، وتخرُّصًا يتخرّصُه، أم هو من علم كان أوتيَه؟ فقال: والله ما أدري ما هذا الذي تسألني عنه، ولكن لله دَرُّهُ! أيّ رجل دينًا، ومِسْعَرَ حرب، ومقارعَ أعداء كان! (٢) (٥/ ٥٧٣). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو سيف الأنصاريّ من بني الخزرج، عن عباس بن سهل بن سعد، قال: قدم المختار علينا مكة، فجاء إلى عبد الله بن الزبير وأنا جالسٌ عنده، فسلّم عليه، فردّ عليه ابن الزبير، ورحّب به، وأوسع له، ثم قال: حدِّثني عن حال الناس بالكوفة يا أبا إسحاق؛ قال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء، وفي السرّ أعداء؛ فقال له ابن الزبير: هذه صفة عَبيد السوء، إذا رأوا أربابَهم خدموهم وأطاعوهم، فإذا غابوا عنهم شَتَموهم ولعنوهم. قال: فجلسمعنا ساعةً، ثم إنه مال إلى ابن الزبير كأنه يُسارّه، فقال له: ما تنتظر! ابسُطْ يدك أبايعْك، وأعطِنا ما يُرضينا، وثب على الحجاز فإنّ أهل الحجاز كلهم معك. وقام المختار فخرج، فلم يُرَ حولًا؛ ثم إنِّي بينا أنا جالسٌ مع ابن الزبير إذ قال لي ابن الزبير: متى عهدُك بالمختار بن أبي عُبيد؟ فقلت له: ما لي به عهد منذ رأيتُه عندَك عامًا أوّل؛ فقال: أين تراه ذهب! لو كان بمكة، لقد رئيَ بها بعدُ، فقلت له: إني انصرفت إلى المدينة بعد إذ رأيتُه عندَك بشهر أو شهرين، فلبثتُ بالمدينة أشهرًا، ثمّ إني قدمتُ عليك، فسمعت نفرًا من أهل الطائف جاؤوا معتمرين يزعمون أنه قدم عليهم الطائف، وهو يزعم أنه صاحب الغضب، ومُبِير الجبّارين، قال: قاتله الله! لقد انبعث كذّابًا متكهِّنًا، إنّ الله إنْ يُهلِك الجبَّارين يكن المختار أحدهم، فوالله ما كان إلا ريث فراغنا من منطقنا حتى عنّ لنا في جانب المسجد، فقال ابن الزبير: اذكرْ غائبًا ترَهُ، أين تظُنُّه يهوِي؟ فقلت: أظنه يريد البيت فأتى البيت فاستقبل بالحجر، ثم طاف بالبيت أسبوعًا (١)، ثمّ صلى ركعتين عند الحِجرْ، ثمّ جلس، فما لبث أن مرّ به رجال من معارفه من أهل الطائف وغيرهم من أهل الحجاز، فجلسوا إليه، واستبطأ ابن الزبير قيامَه إليه، فقال: ما ترى شأنه لا يأتينا! قلت: لا أدري، وسأعلم لك علمه، فقال: ما شئتَ، وكأن ذلك أعجبه. قال: فقمتُ فمررتُ به كأنيّ أريد الخروجَ من المسجد، ثمّ التفتُّ إليه، فأقبلت نحوَه ثمّ سلّمت عليه، ثمّ جلست إليه، وأخذت بيده، فقلتُ له: أين كنت؟ وأين بلغت بعدي؟ أبالطائف كنت؟ فقال لي: كنتُ بالطائف وغير الطائف، وعمّس عليّ أمرَه، فملتُ إليه، فناجَيْته، فقلت له: مِثْلُك يغيب عن مِثلِ ما قد اجتمع عليه أهلُ الشرف وبيوتاتِ العرب من قريش والأنصار وثقيف! لم يبق أهلُ بيت ولا قبيلة إلا وقد جاء زعيمُهم وعميدُهم فبايع هذا الرجل، فعجبًا لك ولرأيك ألا تكون أتيتَه فبايعته، وأخذتَ بحظِّك من هذا الأمر! فقال لي: وما رأيتَني؟ أتيتُه العامَ الماضي، فأشرت عليه بالرأي، فطوى أمرَه دوني، وإني لما رأيته استغنى عنِّي أحببت أن أرِيَه أنِّي مستغن عنه، إنه والله لهو أحوجُ إليّ مني إليه؛ فقلت له: إنك كلمتَه بالذي كلمته وهو ظاهر في المسجد، وهذا الكلاملا ينبغي أن يكون إلا والستور دونه مُرخاة والأبواب دونه مُغلَّقة، اِلقَه الليلةَ إن شئتَ وأنا معك؛ فقال لي: فإنّي فاعل إذا صلَّينا العَتَمة أتيناه، واتَّعدْنا الحِجْر. قال: فنهضتُ من عنده، فخرجت ثم رجعتُ إلى ابن الزبير، فأخبرتُه بما كان من قولي وقوله، فسّر بذلك، فلما صلينا العتَمة، التقَيْنا بالحِجْر، ثمّ خرجنا حتى أتينا منزلَ ابن الزبير، فاستأذَنَّا عليه، فأذن لنا، فقلت: أخلِّيكما؟ فقالا جميعًا: لا سِرَّ دونك، فجلستُ، فإذا ابن الزبير قد أخذ بيَدِه، فصافَحه ورحّب به، فسأله عن حاله وأهل بيته، وسكَتَا جميعًا غيَر طويل. فقال له المختار وأنا أسمع بعد أن تبدَأ في أوّل منطقه، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: إنه لا خيرَ في الإكثار من المنطق، ولا في التقصير عن الحاجة، إني قد جئتك لأبايعَك على ألّا تقضيَ الأمورَ دوني، وعلى أن أكونَ في أوّل مَنْ تأذَن له، وإذا ظهرت استعنتَ بي على أفضل عملك، فقال له ابن الزبير: أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيَّه ﷺ؛ فقال: وشرّ غلماني أنت مبايعه على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، مالي في هذا الأمر من الحظّ ما ليس لأقصى الخلق منك؛ لا والله لا أبايعك أبدًا إلا على هذه الخصال. قال عبَّاس بن سهل: فالتقمتُ أذنَ ابن الزبير، فقلت له: اشترِ منه دينَه حتى ترى من رأيك؛ فقال له ابن الزبير: فإنّ لك ما سألتَه، فبسط يدَه فبايعه، ومَكث معه حتى شاهد الحِصارَ الأوّل حين قدم الحصين بن نمير السَّكونيّ مكة؛ فقاتل في ذلك اليوم، فكان من أحسن الناس يومئذ بلاءً، وأعظمهم غَناءً، فلما قُتل المنذر بن الزبير والمسور بن مَخْرَمة ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، نادى المختار: يا أهل الإسلام، إليّ إليّ! أنا ابن أبي عُبيد بن مسعود، وأنا ابن الكُرّار لا الفُرّار، أنا ابن المُقدِمين غير المُحجمين إليّ يا أهلَ الحِفاظ وحُماةَ الأوتار، فحمِيَ الناس يومئذ، وأبلى وقاتل قتالًا حسَنًا. ثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحِصار حتى كان يوم أحرِق البيت، فإنه أحرق يوم السبت لثلاث مضَين من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستين، فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحو من ثلاثمئة أحسنَ قتال قاتَله أحدٌ من الناس، إنْ كان ليقاتل حتى يتبلَّد، ثم يجلس ويحيط به أصحابه، فإذا استراح نهض فقاتل، فماكان يتوجَّه نحو طائفة من أهل الشام إلّا ضاربَهم حتى يكشفَهم (١). (٥/ ٥٧٣ - ٥٧٦). قال أبو مخنف: فحدّثني أبو يوسف محمد بن ثابط، عن عبّاس بن سهل بن سعد، قال: تولَّى قتالَ أهل الشام يوم تحريق الكعبة عبدُ الله بن مطيع وأنا والمختار، قال: فما كان فينا يومئذ رجلٌ أحسن بلاءً من المختار. قال: وقاتل قبل أن يطَّلع أهلُ الشام على موت يزيدَ بن معاوية بيوم قتالًا شديدًا، وذلك يوم الأحد لخمس عشرةَ ليلة مضتْ من ربيع الآخر سنة أربع وستين، وكان أهلُ الشام قد رَجوْا أن يَظفروا بنا، وأخذوا علينا سِكك مكَّة. قال: وخرج ابن الزبير، فبايَعه رجالٌ كثير على الموت؛ قال: فخرجتُ في عصابة معي أقاتل في جانب، والمختار في عصابة أخرى يقاتل في جُمِّيعةٍ من أهل اليمامة في جانب، وهم خوارج، وإنما قاتلوا ليدفعوا عن البيت، فهم في جانب، وعبد الله بن المطيع في جانب. قال: فشدَّ أهل الشام عليَّ، فحازوني في أصحابي حتى اجتمعتُ أنا والمختار وأصحابه في مكان واحد، فلم أكن أصنع شيئًا إلا صنع مثله، ولا يصنع شيئًا إلا تكلفتُ أن أصنع مِثلَه، فما رأيتُ أشدَّ منه قطّ؛ قال: فإنا لنقاتل إذ شدّت علينا رجال وخيل من خيل أهل الشام، فاضطّروني وإياه في نحو من سبعين رجلًا من أهل الصبر إلى جانب دار من دُور أهل مكة، فقاتلهم المختارُ يومئذ، وأخذ يقول رجل لرجل: لا وألتْ نفسُ امرئً يفرُّ قال: فخرج المختار، وخرجتُ معه، فقلت: ليخرجْ منكم إليّ رجل فخرج إليّ رجلٌ وإليه رجل آخر، فمشيت إلى صاحبي فأقتُله، ومشى المختار إلى صاحبه فقتله، ثم صِحْنا بأصحابنا، وشدَدْنا عليهم، فوالله لضَربناهم حتى أخرجناهم من السِّكك كلها؛ ثمّ رجعنا إلى صاحِبيْنا اللَّذَين قتلْنا. قال: فإذا الذي قتلتُ رجلٌ أحمرُ شديدُ الحمرة كأنه روميّ، وإذا الذي قتِل المختار رجل أسودُ شديدُ السواد، فقال لي المختار: تعلّمْ والله إنّي لأظنّ قتيلينا هذَيْن عبدَين؛ ولوأنّ هذين قَتلَانا لفُجع بنا عشائرنا ومن يرجونا، وما هذان وكلبان من الكلاب عندي إلا سواء، ولا أخرج بعد يومي هذا لرجل أبدًا إلا لرجل أعرفه، فقلت له: وأنا والله لا أخرج إلا لرجل أعرِفه. وأقام المختار مع ابن الزبير حتى هلك يزيدُ بن معاوية، وانقضى الحصار. ورجع أهلُ الشام إلى الشام، واصطَلَح أهل الكوفة على عامر بن مسعود، بعد ما هلك يزيد يصلى بهم حتى يجتمع الناس على إمام يرضَوْنه، فلم يلبث عامر إلا شهرًا حتى بعث بيعته وبَيعة أهل الكوفة إلى ابن الزبير، وأقام المختار مع ابن الزبير خمسةَ أشهر بعد مَهلِك يزيدَ وأيّامًا (١). (٥/ ٥٧٦ - ٥٧٧). قال أبو مخنف: فحدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، قال: والله إني لمع عبد الله بن الزبير ومعه عبد الله بن صَفْوان بن أميّة بن خلف، ونحن نطوف بالبيت، إذ نظر ابن الزبير فإذا هو بالمختار، فقال لابن صفوان: انظر إليه؛ فوالله لَهو أحذَرُ من ذئب قد أطاقت به السباع؛ قال: فمضى ومضنيا معه، فلما قضينا طوافَنا وصلّينا الركعتين بعد الطواف لحقنا المختار، فقال لابن صفوان: ما الذي ذكرني به ابن الزبير؟ قال: فكَتمَه، وقال: لم يَذكُرك إلا بخير؛ قال: بلى وربّ هذه البنيّة إن كنتُ لمن شأنكما، أما والله ليخطّنّ في أثَرى أو لأقدَنّها عليه سَعْرًا، فأقام معه خمسةَ أشهر، فلما رآه لا يستعمله جعل لا يقدم عليه أحدٌ من الكوفة إلا سأله عن حال الناس وهيئتهم (٢). (٥/ ٥٧٧). قال أبو مخنف: فحدّثني عطية بن الحارث أبو رَوْق الهمدانيّ، أنّ هانئ بن أبي حيَّة الوادعي قدم مكة يريد عُمرَة رمضان، فسأله المختار عن حاله وحال الناس بالكوفة وهيئتهم؛ فأخبره عنهم بصلاح واتّساق على طاعة ابن الزبير، إلا أن طائفة من الناس إليهم عدد أهل المصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم أكل بهم الأرض إلى يومٍ ما؛ فقال له المختار: أنا أبو إسحاق أنا والله لهم! أنا أجمعهم على مَرّ الحقّ، وأنفي بهم ركبان الباطل، وأقتُل بهم كلّ جبَّار عنيد؛فقال له هانئ بن أبي حيّة: وَيْحك يا بن أبي عبيد! إن استطعتَ ألّا تُوضع في الضلال ليكن صاحبهم غيرك، فإنّ صاحب الفتنة أقربُ شيء أجلا، وأسوأ الناس عملًا؛ فقال له المختار: إني لا أدعو إلى الفتنة إنما أدعو إلى الهدى والجماعة، ثم وثب فخرج وركب رَواحلَه، فأقبل نحو الكوفة حتى إذا كان بالقَرْعاء لقيه سلمة بن مرثَد أخو بنت مرثد القابضيّ من هَمْدان - وكان من أشجع العرب، وكان ناسكًا - فلما التقيا تصافحا وتساءلا، فخبره المختار؛ ثم قال لسلمة بن مرثد: حدّثني عن الناس بالكوفة، قال: هم كغنمٍ ضلّ راعِيها؛ فقال المختار بن أبي عبيد: أنا الذي أحسِن رِعايتهَا، وأبلُغ نهايتَها؛ فقال له سلمة: اتق اللهَ واعلم أنك ميت ومبعوث، ومحاسب ومجزيٌّ بعَملك إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرّ، ثمّ افترقا، وأقبل المختار حتى انتهى إلى بحر الحِيرة يوم الجمعة، فنزل فاغتسل فيه، وادّهن دُهنًا يسيرًا، ولبس ثيابه واعتمّ، وتقلَّد سيفه، ثمّ ركب راحلتَه فمرّ بمسجد السَّكون وجبَّانة كِنْدة، لا يمرّ بمجلس إلا سلَّم على أهله، وقال: أبشروا بالنّصر والفلج، أتاكم ما تحبّون، وأقبل حتى مرّ بمسجد بني ذُهل وبني حُجْر، فلم يجد ثمَّ أحدًا، ووجد الناس قد راحوا إلى الجمعة، فأقبل حتى مرّ ببني بدّاء، فوجد عبيدة بن عمرو البَدّي من كِنْدة، فسلم عليه، ثم قال: أبشر بالنصر واليُسر والفلج، إنك أبا عمرو على رأي حَسَن، لن يَدَع الله لك معه مأثمًا إلا غفره، ولا ذنبًا إلا ستَره - قال: وكان عبيدة من أشجع الناس وأشعرهم، وأشدِّهم حبًّا لعليٍّ ﵁، وكان لا يصبر عن الشراب - فلما قال له المختار هذا القول قال له عبيدة: بشّرك الله بخير إنك قد بشّرتنا، فهل أنت مفسرٌ لنا؟ قال: فالقنِي في الرّحل الليلةَ ثمّ مضى (١). (٥/ ٥٧٧ - ٥٧٩). قال أبو مخنف: فحدّثني فُضَيل بن خَديج، عن عبيدة بن عمرو قال: قال لي المختار هذه المقالة، ثم قال لي: القني في الرَّحل، وبلِّغ أهلَ مسجِدكم هذا عنِّي أنهم قومٌ أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، يقتلون المُحلِّين، ويطلبون بدماء أولاد النبيّين، ويهديهم للنور المبين، ثم مضى فقال لي: كيف الطريق إلى بني هند؟ فقلت له: أنظرني أدلّك، فدعوتُ بفَرَسي وقد أسرِج لي فركبتُه؛ قال: ومضيت معه إلى بني هند، فقال: دُلّني على منزل إسماعيل بن كثير، قال: فمضيتُ بهإلى منزله، فاستخرجته، فحيّاه ورحّب به، وصافحه وبشَّره، وقال له: القَنِى أنتَ وأخوك الليلة وأبو عمرو فإني قد أتيتكم بكل ما تحبّون؛ قال: ثمّ مضى ومضينا معه حتى مرّ بمسجد جُهَينة الباطنة، ثم مضى إلى باب الفيل، فأناخ راحلتَه، ثم دخل المسجد واستَشرف له الناس، وقالوا: هذا المختار قد قَدِم، فقام المختار إلى جنب سارية من سواري المسجد، فصلَّى عندها حتى أقيمت الصلاة، فصلَّى مع الناس ثمّ ركد إلى سارية أخرى فصلّى ما بين الجمعة والعصر، فلما صلى العصر مع الناس انصرف (١). (٥/ ٥٧٩). قال أبو مخنف: فحدّثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشعبيّ، أن المختار مرّ على حلقة همدان وعليه ثياب السَّفَر، فقال: أبشروا، فإني قد قدمتُ عليكم بما يسرّكم، ومضى حتى نزل داره، وهي الدار التي تُدعى دار سلم بن المسيب. وكانت الشيعة تختلف إليها وإليه فيها (٢). (٥/ ٥٧٩). قال أبو مخنف: فحدّثني فُضَيل بن خَدِيج، عن عبيد بن عمرو، وإسماعيل بن كثير من بني هند، قالا: أتيناه من الليل، كما وعَدنا، فلما دخلنا عليه وجلسنا ساءَلنا عن أمر الناس وعن حال الشيعة، فقلنا له: إنّ الشيعة قد اجتمعت لسليمان بن صُرَد الخُزاعيّ، وإنه لن يلبثَ إلا يسيرًا حتى يخرج؛ قال: فحمِد الله وأثنَى عليه وصلّى على النبيّ ﷺ ثم قال: أما بعد، فإنّ المهديّ ابن الوصيّ، محمّد بن عليّ، بعثني إليكم أمينًا ووزيرًا ومنتخبًا وأميرًا، وأمرني بقتال الملحِدين، والطلب بدماء أهلِ بيته والدفع عن الضّعفاء (٣). (٥/ ٥٧٩ - ٥٨٠). قال أبو مخنف: قال فضيل بن خَدِيج: فحدّثني عبيدة بن عمرو وإسماعيل بن كثير، أنهما كانا أوّل خلق الله إجابةً وضربًا على يده، وبايعاه. قال: وأقبل المختار يبعث إلى الشيعة وقد اجتمعت عند سليمانَ بن صُرد، فيقول لهم: إني قد جئتكم من قبل وليّ الأمر، ومَعِدن الفْضل، ووصيِّ الوصيّوالإمام المهديّ، بأمر فيه الشفاء، وكشفُ الغطاء، وقتل الأعداء، وتمام النَّعماء: إنّ سليمان بن صُرد يرحمنا الله وإيّاه إنما هو عَشَمة من العَشم وحِفشٌ بالٍ، ليس بذي تجربة للأمور، ولا له علمٌ بالحروب؛ إنما يريد أن يُخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم، إني إنما أعمل على مثال قد مُثِّل لي، وأمرٍ قد بُيِّن لي، فيه عزّ وليّكم، وقتل عدوّكم، وشفاء صدوركم، فاسمعوا مني قولي، وأطيعوا أمري، ثمّ أبشِروا وتباشَروا؛ فإنّي لكم بكل ما تأملون خيرُ زعيم. قال: فوالله ما زال بهذا القول ونحوه حتى استمالَ طائفةً من الشيعة، وكانوا يختلفون إليه ويعظِّمونه، وينظرون أمرَه، وعُظمُ الشيعة يومئذ ورؤساؤهم مع سليمان بن صرد، وهو شيخ الشيعة وأسنُّهم، فليس يَعدِلون به أحدًا؛ إلّا أنّ المختار قد استمال منهم طائفةً ليسوا بالكثير، فسليمان بن صُرَد أثقل خلق الله على المختار، وقد اجتمع لابن صُرَد يومئذ أمرُه، وهو يريد الخروج والمختار لا يريد أن يتحرّك، ولا أن يهيّج أمرًا حتَّى ينظر إلى ما يصير إليه أمرُ سليمان، رجاءَ أن يستجمع له أمرُ الشيعة، فيكون أقوَى له على دركِ ما يطلب، فلما خرج سليمان بن صُرَد ومضى نحو الجَزيرة قال عمر بن سعد بن أبي وقَّاص وشَبَث بن رِبْعيّ ويزيد بن الحارث بن رُويْم لعبد الله بن يزيد الخطميّ وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله: إنّ المختار أشدّ عليكم من سليمان بن صُرَد، إن سليمان إنما خرج يقاتل عدوّكم، ويذللهم لكم، وقد خرج عن بلادكم؛ وإنّ المختار إنما يريد أن يثبَ عليكم في مصركم، فسيروا إليه فأوثِقوه في الحديد، وخلِّدوه في السجن حتى يستقيمَ أمرُ الناس، فخرجوا إليه في الناس، فما شعر بشيء حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه، فلما رأى جماعتهم قال: ما بالُكم! فوالله بُعدَ ما ظفِرتْ أكفّكم! قال: فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله لعبد الله بن يزيد: شُدّه كتافًا، ومشّه حافيًا، فقال له عبد الله بن يزيد: سبحان الله! ما كنت لأمشّيه ولا لأحفيه ولا كنت لأفعلَ هذا برجل لم يُظهر لنا عداوةً ولا حربًا. وإنما أخذناه على الظنّ. فقال له إبراهيم بن محمد: ليس بعُشِّكِ فادْرُجي. ما أنت وما يبلغنا عنك يا بن أبي عبيد! فقال له: ما الذي بلغك عني إلا باطلٌ، وأعوذ بالله من غشٍّ كغِشّ أبيك وجدّك! . قال: قال فُضَيل: فوالله إني لأنظرُ إليه حين أخرج وأسمع هذا القول حين قالله، غير أنّي لا أدري أسمعه منه إبراهيم أم لم يسمعه؛ فسكت حين تكلم به؛ قال: وأتى المختار ببغلة دهماءَ يركبها، فقال إبراهيم لعبد الله بن يزيد: ألا تشدّ عليه القيود؟ فقال: كفى له بالسجن قيدًا (١). (٥/ ٥٨٠ - ٥٨١). قال أبو مخنف: وأما يحيى بن أبي عيسى فحدّثني أنه قال: دخلت إليه مع حميد بن مسلم الأزديّ نزوره ونتعاهده، فرأيته مقيّدًا؛ قال: فسمعتُه يقول: أما وربّ البحار، والنخيل والأشجار، والمَهامِه والقفار، والملائكة الأبرار، والمصطفَين الأخيار، لأقتلنّ كلَّ جبّار، بكلّ لَدْن خَطّار، ومهنَّدٍ بَتّار، في جُموع من الأنصار، ليسوا بِميل أغمار، ولا بُعْزل أشرار، حتى إذا أقمتُ عَمودَ الدين، ورأبْتُ شَعْب صَدْع المسلمين، وشفيتُ غليلَ صدور المؤمنين، وأدركتُ بثأر النبيِّين، ولم يكبُر عليّ زوال الدنيا ولم أحفل بالموت إذا أتى. قال: فكان إذا أتيناه وهو في السجن ردّد علينا هذا القول حتى خرج منه؛ قال: وكان يتشجَّع لأصحابه بعدما خرج ابن صُرَد (٢). (٥/ ٥٨١ - ٥٨٢).
Parsing and provenance details
Local passage ID
340511
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1642:918350
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain