page 4513, entry [1638]Open original source
ذكر الخبر عن وثوب السودان بالمدينة في هذه السنة والسبب الذي هيّج ذلك ذكر عمر بن شبة أنّ محمد بن يحيى حدثه، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: كان رياح بن عثمان استعمل أبا بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة على صَدَقة أسد وطيّئ فلما خرج محمد أقبل إليه أبو بكر بما كان جبا وشمّر معه، فلما استخلف عيسى كثير بن حصين على المدينة أخذ أبا بكر، فضربه سبعين سوطًا وحدّده وحبسه، ثم قدِم عبد الله بن الرّبيع واليًا من قِبَل أبي جعفر يوم السبت لخمس بقين من شوّال سنة خمس وأربعين ومئة، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فخرجت طائفة من التجار حتى جاؤوا دار مَرْوان، وفيها ابنُ الربيع، فشكوْا ذلك إليه، فنهرهم وشتمهم، وطمع فيهم الجند، فتزايدوا في سوء الرأي. قال: وحدثني عمر بن راشد، قال: انتهب الجند شيئًا من متاع السوق، وغدوْا على رجل من الصّرّافين يدعى عثمان بن زيد، فغالبوه على كيسه؛ فاستغاث، فخلّص مالَه منهم، فاجتمع رؤساء أهل المدينة فشكوْا ذلك إلىابن الربيع فلم ينكرْه ولم يغَيره، ثم جاء رجل من الجند فاشترى من جزّار لحمًا يومَ الجمعة، فأبى أن يعطيَه ثمنه، وشهر عليه السيف؛ فخرج عليه الجزّار من تحت الوَضَم بشَفْرة، فطعن بها خاصرتَه، فخرّ عن دابته، واعتوره الجزّارون فقتلوه، وتنادى السودان عن الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعُمُد في كلّ ناحية، فلم يزالوا على ذلك حتى أمسوْا؛ فلما كان الغد هربَ بن الربيع. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: نفخ السودان في بُوق لهم؛ فذكر لي بعضُ مَنْ كان في العالية وبعض مَنْ كان في السافلة، أنه كان يرى الأسود من سكّانهما في بعض عمله يسمع نفْخَ البوق، فيصغِي له حتى يتيقنه ثم يوحّش بما في يده، ويأتمّ الصوتَ حتى يأتيه، قال: وذلك يوم الجمعة لسبع بقين من ذي الحجة من سنة خمس وأربعين ومئة، ورؤساء السودان ثلاثة نفر: وثيق ويعقل ورمقة، قال: فغدوْا على ابن الربيع، والناس في الجمعة فأعجلوهم عن الصّلاة، وخرج إليهم فاستطردُوا له؛ حتى أتى السوق فمرَّ بمساكين خمسة يسألون في طريق المسجد، فحمل عليهم بمَنْ معه حتى قتلوهم، ثم مر بأصَيْبِيَة على طَنَف دار، فظنّ أن القوم منهم؛ فاستنزلهم واختدعهم وآمنهم، فلما نزلوا ضرب أعناقهم، ثم مضى ووقف عند الحنّاطين، وحمل عليه السودانُ، فأجلى هاربًا فاتّبعوه حتى صار إلى البَقِيع، ورهقوه فنثر لهم دراهم؛ فشغلهم بها، ومضى على وجهه حتى نزل ببطن نَخْل، عن ليلتين من المدينة. قال: وحدّثني عيسى قال: خرج السّودان على ابن الربيع، ورؤساؤهم: وثيق وحَدْيا وعُنقود وأبو قيس؛ فقاتلهم فهزموه، فخرج حتى أتى بطْن نَخْل فأقام بها. وحدّثني عمر بن راشد، قال: لما هربَ ابن الربيع وقع السودان في طعام لأبي جعفر من سَوِيق ودقيق وزيْت وقَسْب، فانتهبوه، فكان حِمْل الدّقيق بدرهمين، وراوية زيت بأربعة دراهم. وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: أغاروا على دار مَرْوان ودار يزيد؛ وفيهما طعام كان حُمل للجنْد في البحر، فلم يدَعوا فيهما شيئًا، قال: وشخص سليمان بن فُلَيح بن سليمان في ذلك اليوم إلى أبي جعفر، فقدم عليه فأخبره الخبر.قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: وقتل السودان نفرًا من الجُنْد، فهابهم الجند حتى أن كان الفارس ليلقى الأسود وما عليه إلا خِرْقتان على عَوْرته ودُرّاعة، فيولِّيه دُبُره احتقارًا له، ثم لم ينشب أن يشدّ عليه بعمود من عُمُد السوق فيقتله: فكانوا يقولون: ما هؤلاء السودان إلا سَحرة أو شياطين! [٧/ ٦٠٩ - ٦١١]. وحدّثني محمد بن الحسن بن زَبالة، قال: حدّثني الحسين بن مُصعب، قال: لما خرج السودان وهرب ابن الرّبيع، جئتُهم أنا وجماعة معي، وقد عسكروا في السوق، فسألناهم أن يتفرّقوا، وأخبرناهم أنّا وإياهم لا نقوى على ما نصبو له، قال: فقال لنا وثيق: إنّ الأمر قد وقع بما تروْن؛ وهو غير مبقٍ لنا ولا لكم، فدعونا نشفِكم ونشتفِ أنفسنا، فأبينا، ولم نزل بهم حتى تفرّقوا. وحدّثني عمر بن راشد، قال: كان رئيسهم وثيق وخليفته يعقل الجزّار. قال: فدخل عليه ابنُ عمران، قال: إلى مَنْ تعهد يا وثيق؟ قال: إلى أربعة من بني هاشم، وأربعة من قُريش، وأربعة من الأنصار، وأربعة من الموالي؛ ثم الأمر شورى بينهم، قال: أسأل الله إن ولاك شيئًا من أمرنا أن يرزقَنا عدلك، قال: قَدْ والله ولّانيه الله. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: حضر السوُّدان المسجد مع ابن أبي سَبْرة، فرَقِيَ المنبر في كَبْل حديد حتى استوَى في مجلس رسول الله ﷺ، وتبعه محمد بن عمران، فكان تحته، وتبعهم محمد بن عبد العزيز فكان تحتهما، وتبعهم سليمان بن عبد الله بن أبي سَبْرة، فكان تحتهم جميعًا؛ وجعل الناس يلغطون لغطًا شديدًا، وابن أبي سبرة جالسٌ صامتٌ، فقال ابن عمران: أنا ذاهبٌ إلى السوق، فانحدر وانحدر مَنْ دونه، وثبت ابن أبي سَبْرة فتكلَّم فحثّ على طاعة أمير المؤمنين؛ وذكر أمر محمد بن عبد الله فأبلغ. ومضى ابن عمران إلى السوق، فقام على بَلَاسٍ من بُلُس الحنطة، فتكلم هناك، فتراجع الناسُ، ولم يصلّ بالناس يومئذ إلا المؤذّن، فلما حضرت العشاء الآخرة وقد ثاب الناس، فاجتمع القرشيَون في المقصورة، أقام الصلاةمحمد بن عمار المؤذّن، الذي يلقب كساكس، فقال للقرشيين: مَنْ يصلِّي بكم؟ فلم يجبه أحدٌ، فقال: ألا تسمعون! فلم يجيبوه، فقال: يا بن عمران، ويا بن فلان، فلم يجبه أحدٌ، فقام الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فقال: أنا أصلي، فقام في المقام، فقال للناس: استووا، فلما استوت الصُّفوف أقبل عليهم بوجهِهِ، ونادى بأعلى صوته: ألا تسمعون! أنا الأصبغ بن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، أصلِّي بالناس على طاعة أبي جعفر، فردّد ذلك مرتين أو ثلاثًا، ثم كبّر فصلى، فلما أصبح الناس قال ابن أبي سبرة: إنه قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم؛ نهبتم ما في دار عاملكم وطعامَ جند أمير المؤمنين، فلا يبقينّ عند أحد منكم شيء إلا ردّه، فقد أقعدتُ لكم الحكم، عبد الله بن المغيرة بن موهب؛ فرفع الناسُ إليه ما انتهبُوا، فقيل: إنه أصاب قيمة ألف دينار. وحدّثني عُثامة بن عمرو، قال: حدثني المسور بن عبد الملك، قال: ائتمر القرشيّون أن يدعوا ابن الربيع يخرج ثم يكلموه في استخلاف ابن أبي سَبْرة على المدينة، ليتحلّل ما في نفس أمير المؤمنين عليه؛ فلما أخرجه السودان، قال له ابن عبد العزيز: أتخرج بغير والٍ استُخلف! ولّها رجلًا، قال: مَنْ؟ قال: قدامة بن موسى، قال: فصيح بقدامة، فدخل فجلس بين ابن الربيع وبين ابن عبد العزيز، فقال: ارجع يا قدامة، فقد وليتك المدينة وأعمالها، قال: والله ما قال لك هذا مَنْ نصحك، ولا نَظَر لمن وراءه، ولا أراد إلّا الفساد، ولأحقّ بهذا مني ومنه مَنْ قام بأمر الناس وهو جالسٌ في بيته - يعني ابن أبي سبرة - ارجع أيها الرجل؛ فوالله ما لك عذر في الخروج، فرجع اين الربيع. قال: وحدّثني محمد بن يحيى، قال: حدّثني الحارث بن إسحاق، قال: ركب ابن عبد العزيز في نفر من قريش إلى ابن الربيع، فناشدوه وهو ببطْن نخل إلّا رجع إلى عمله، فتأبَّى، قال: فخلا به ابن عبد العزيز، فلم يزل به حتى رجع وسكن الناس وهدؤوا. قال: وحدّثني عمر بن راشد، قال: ركب إليه ابن عمران وغيرُه وقد نزل الأعْوَص، فكلّموه فرجع، فقطع يد وثيق وأبي النار ويعقل ومِسْعر. [٧/ ٦١٢ - ٦١٤].وكان سبب ذلك أنّ أبا جعفر المنصور بني - فيما ذكر - حين أفضى الأمر إليه الهاشميّة، قبالَة مدينة ابن هُبيرة، بينها عَرْض الطريق، وكانت مدينة ابن هبيرة التي بحيالها مدينة أبي جعفر الهاشميّة، إلى جانب الكوفة. وبني المنصور أيضًا مدينة بظهر الكوفة سماها الرُّصافة، فلما ثارت الرّاوندية بأبي جعفر في مدينته التي تسمى الهاشمية، وهي التي بحيال مدينة ابن هبيرة، كره سُكناها لاضطراب من اضطرب أمرُه عليه من الرّاوندية، مع قرب جواره من الكوفة، ولم يأمن أهلها على نفسه، فأراد أن يبعُد من جوارهم؛ فذكر أنه خرج بنفسه يرتاد لها موضعًا يتخذه مسكنًا لنفسه وجنده، ويبتني به مدينة، فبدأ فانحدر إلى جَرْجَرَايا ثم صار إلى بغداد، ثم مضى إلى الموصل، ثم عاد إلى بغداد، فقال: هذا موضع معسكر صالِحٌ، هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كلّ ما في البحر، وتأتينا المِيرة من الجزيرة وأرمينيَة وما حول ذلك، وهذا الفُرات يجيء فيه كلّ شيء من الشأم والرّقّة وما حول ذلك، فنزل وضرب عسكره على الصّراة، وخطّ المدينة، ووكل بكل رُبْع قائدًا. وذكر عن الهيثم بن عديّ، عن ابن عياش، قال: لمّا أراد أبو جعفر الانتقال من الهاشمية بعث روّادًا يرتادون له موضعًا ينزله واسطًا، رافقًا بالعامة والجُنْد، فنُعت له موضع قريب من بارِمّا، وذُكِر له عنه غذاء طيّب، فخرج إليه بنفسه حتى ينظر إليه، وبات فيه، وكرّر نظره فيه، فرآه موضعًا طيبًا، فقال لجماعة من أصحابه؛ منهم سليمان بن مجالد وأبو أيوب الخوزيّ وعبد الملك بن حميد الكاتب وغيرهم: ما رأيُكم في هذا الموضع؟ قالوا: ما رأينا مثله، هو طيّب صالحٌ موافقٌ، قال: صدقتم؛ هو هكذا، ولكنه لا يحمل الجندَ والناس والجماعات، وإنما أريد موضعًا يرتفِق الناس به ويوافقهم مع موافقته لي، ولا تغلو عليهم فيه الأسعارُ، ولا تشتدّ فيه المؤونة، فإني إن أقمت في موضع (١) لا يجلَب إليه من البرّ والبحر شيء غلَت الأسعار، وقلّت المادّة، واشتدَّت المؤونة، وشقَّ ذلك على الناس؛ وقد مررتُ في طريقي على موضع فيه مجتمعة هذه الخصال؛ فأنا نازل فيه، وبائت به؛ فإذا اجتمع لي فيه ما أريد من طيب الليلوالموافقة مع احتماله للجند والناس أبتنيه. قال الهيثم بن عديّ: فخُبّرت أنه أتى ناحية الجِسْر، فعبر في موضِع قصر السلام، ثمّ صلى العصر - وكان في صَيْف، وكان في موضع القصر بيِعة قسّ - ثم بات ليلةً حتى أصبح، فبات أطيب مبيت في الأرض وأرفقَه، وأقام يومه فلم ير إلّا ما يحبّ، فقال: هذا موضع أبني فيه؛ فإنه تأتيه المادّة من الفرات ودِجْلة وجماعة من الأنهار، ولا يحمل الجندَ والعامّة إلّا مثلُه، فخطّها وقدّر بناءها، ووضع أوّل لَبِنة بيده، وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاءُ من عباده والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنُوا على بركة الله. وذُكِر عن بِشْر بن ميمون الشرويّ وسليمان بن مجالد، أنّ المنصور لما رجع من ناحية الجبل، سأل عن خبر القائد الذي حدّثه عن الطبيب الذي أخبره عمّا يجدون في كتبهم من خبر مِقلاص، ونزلَ الدّيْر الذي هو حذاء قصره المعروف بالخُلْد، فدعا بصاحب الدَّيْر، وأحضر البِطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرّم وصاحب الدير المعروف ببستان القسّ وصاحب العتيقة، فسألهم عن مواضعهم، وكيف هي في الحرّ والبرد والأمطار والوحول والبقّ والهوامّ؟ فأخبره كلّ واحد بما عنده من العلم، فوجّه رجالًا من قِبَله، وأمر كلَّ واحد منهم أن يبيتَ في قرية منها، فبات كلّ رجل منهم في قرية منها، وأتاه بخبرها، وشاور المنصور الذين أحضرهم، وتنحّر (١) أخبارهم؛ فاجتمع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره، وساءله - فهو الدّهقان الذي قريته قائمة إلى اليوم في المربّعة المعروفة بأبي العباس الفضل بن سليمان الطوسيّ، وقباب القرية قائم بناؤها إلى اليوم، وداره ثابتة على حالها - فقال: يا أمير المؤمنين، سألتني عن هذه الأمكنة وطيبها وما يُختار منها؛ فالذي أرى يا أمير المؤمنين أن تنزل أربعة طَسَاسيجِ (٢) في الجانب الغربيّ طسّوجَيْن وهما قطربُّل وبادورَيَا، وفي الجانب الشرقيّ طسّوجَيْن وهما نهر بوق وكَلْواذَى، فأنت تكون بين نخل وقرب الماء، فإن أجدب طسُّوج وتأخّرت عِمارته كان في الطسّوج الآخر العِمارات، وأنت يا أمير المؤمنين على الصَّراة، تجيئك الميرة في السفنمن المغرب في الفرات، وتجيئك طرائف مصر والشأم، وتجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينيَة وما اتصل بها في تأمَرّا حتى تصل إلى الزاب، وتجيئك الميرة من الرّوم، وآمِد والجزيرة والموصل في دِجلة، وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلا على جِسْر أو قنطرة؛ فإذا قطعت الجِسر وأخرجت القناطر لم يصلْ إليك عدوّك، وأنت بين دِجْلة والفرات لا يجيئك أحدٌ من المشرق والمغرب إلّا احتاج إلى العُبور، وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسّوَاد كله، وأنت قريب من البرّ والبحر والجبل، فازداد المنصور عزمًا على النزول في الموضع الذي اختاره، وقال له: يا أميرَ المؤمنين؛ ومع هذا فإنّ الله قد منَّ على أمير المؤمنين بكثرة جيوشه وقوّاده وجنده؛ فليس أحد من أعدائه يطمع في الدنوّ منه، والتدبيرُ في المدن أن تتخذ لها الأسوار والخنادق، والحصون، ودجلة والفرات خناق لمدينة أمير المؤمنين (١). وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن حمادًا التركيّ، قال: بعث المنصور رجالًا في سنة خمس وأربعين ومئة، يطلبون له موضعًا يبني فيه مدينته، فطلبوا وارتادوا، فلم يرض موضعًا، حتى جاء فنزل الدَّيْر على الصَّرَاة، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه المِيرة من الفرات ودِجْلة، ومن هذه الصراة. وذكر عن محمد بن صالح بن النطاح عن محمد بن جابر، عن أبيه، قال: لما أراد أبو جعفر أن يبني مدينته ببغداد رأى راهبًا، فناداه فأجابه، فقال: تجدُون في كتبكم أنه تبنى هاهنا مدينة؟ قال الرّاهب: نعم، يبنيها مِقْلاص، قال أبو جعفر: أنا كنت أدعى مِقلاصًا في حداثتي، قال: فأنت إذًا صاحبُها، قال:وكذلك لما أراد أن يبني الرّافقة بأرض الروم امتنع أهل الرّقة، وأرادوا محاربتَه، وقالوا: تعطّل علينا أسواقنا، وتذهب بمعاشنا، وتضيق منازلنا، فهمَّ بمحاربتهم، وبعث إلى راهب في الصَّوْمعة، فقال: هل عندك علم أن يبني هاهنا مدينة؟ فقال له: بلغني أنّ رجلًا يقال له مِقلاص يبنيها، قال: أنا مقلاص؛ فبناها على بناء مدينة بَغْداد سوَى السّور وأبواب الحديد وخندقٍ منفرد. [٧/ ٦١٤ - ٦١٨]. وذكر أن المنصور لما عزم على بنائها أحبّ أن ينظر إليها عَيانًا، فأمر أن يخطّ بالرّماد، ثم أقبل يدخل من كلّ باب، ويمرّ في فُصلانها وطاقاتها ورحابها؛ وهي مخطوطة بالرّماد، ودار عليهم ينظر إليهم وإلى ما خطّ من خنادقها؛ فلما فعل ذلك أمر أن يجعل على تلك الخطوط حبّ القطن، وينصب عليه النِّفْط، فنظر إليها والنار تشتعل، ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر أساس ذلك على الرسم، ثم ابتدئ في عملها. وذُكِر عن حمّاد التركيّ أنّ المنصور بعثَ رجالًا يطلبون له موضعًا يبني فيه المدينة، فطلبوا ذلك في سنة أربع وأربعين ومئة، قبل خروج محمد بن عبد الله بسنَة أو نحوها، فوقع اختيارهم على موضع بغداد؛ قرية على شاطئ الصراة؛ مما يلِي الخُلْد، وكان في موضع بناء الخُلْد دَيْر، وكان في قَرْن الصَّرَاة مما يلي الخُلْد من الجانب الشرقيّ أيضًا قرية وَديْر كبير كانت تسمّى سوق البقر؛ وكانت القرية تسمى العتِيقة؛ وهي التي افتتحها المثنّى بن حارثة الشيبانيّ، قال: وجاء المنصور، فنزل الدّيْر الذي في موضع الخُلْد على الصّراة، فوجده قليل البقّ، فقال: هذا موضع أرضاه، تأتيه المِيرة من الفُرات ودِجْلة، ويصلح أن تبتني فيه مدينة؛ فقال للراهب الذي في الدير: يا راهب، أريد أن أبني هاهنا مدينة، فقال: لا يكون، إنما يَبني هاهنا مِلك يقال له أبو الدوانيق؛ فضحك المنصور في نفسه، وقال: أنا أبو الدوانيق وأمر فخُطّت المدينة، ووكَّل بها أربعة قوّاد، كلّ قائد بربع. وذُكر عن سليمان بن مجالد، أنّ المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضَاء، فامتنع من ذلك، فحلف المنصور أن يتولّى له، وحلف أبو حنيفة ألّا يفعل، فولّاه القيام ببناء المدينة، وضرْب اللَّبِن وعدّه، وأخْذ الرجالبالعمل، قال: وإنما فعل المنصور ذلك ليخرج من يمينه؛ قال: وكان أبو حنيفة المتولّى لذلك، حتى فرغ من استتمام بناء حائط المدينة مما يلي الخندق، وكان استتمامه في سنة تسع وأربعين ومئة. وذُكِر عن الهيثم بن عديّ، وأن المنصور عرضَ على أبي حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحَلف ألّا يُقلع عنه حتى يعمل، فأخبِر بذلك أبو حنيفة، فدعا بقصَبة، فعدّ اللبِن على رجل قد لبَّنه، وكان أبو حنيفة أوّل مَنْ عدّ اللّبِن بالقصب، فأخرَج أبا جعفر عن يمينه، واعتل فمات ببغداد. وقيل: إنّ أبا جعفر لما أمر بحفر الخندق وإنشاء البناء وإحكام الأساس؛ أمر أن يجعل عرض السور من أسفله خمسين ذراعًا، وقدّر أعلاه عشرين ذراعًا، وجعل في البناء جوائز قَصَب مكان الخشب في كل طرقة؛ فلمّا بلغ الحائط مقدار قامة - وذلك في سنة خمس وأربعين ومئة - أتاه خبر خروج محمد فقطع البناء. وذكر عن أحمد بن حميد بن جبلة، قال: حدّثني أبي، عن جدّي، جبلة، قال: كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديّين، يقال لها المباركة، وكانت لستين نفسًا منهم، فعوّضهم منها وأرضاهم، فأخذ جدّي قسمة منها. وذكر عن إبراهيم بن عيسى بن المنصور، أنّ حمادًا التركيّ قال: كان حول مدينة أبي جعفر قرىً قبل بنائها؛ فكان إلى جانب باب الشأم قرية يقال لها الخَطابية، على بابَ درب النُّورة، إلى درب الأقفاص، وكان بعض نخلها في شارع باب الشأم، إلى أيام المخلوع في الطريق، حتى قطع في أيام الفتْنة وكانت الخطّابية هذه لقوم من الدّهاقين، يقال لهم بنو فَرْوة وبنو قنورا؛ منهم إسماعيل بن دينار ويعقوب بن سليمان وأصحابهم. وذكِر عن محمد بن موسى بن الفرات أنّ القرية التي في مربّعة أبي العباس كانت قرية جدّه من قِبَل أمّه، وأنهم من دهاقين يقال لهم بنو زُرارى؛ وكانت القرية تسمى الوردانيّة، وقرية أخرى قائمة إلى اليوم مما يلي مربعة أبي فروة. وذكر عن إبراهيم بن عيسى أن المعروفة اليوم بدار سعيد الخطيب، كانت قرية يقال لها شرَفافيّة، ولها نخيل قائم إلى اليوم مما يلي قنطرة أبي الجوْن، وأبو الجون من دَهاقين بغداد من أهل هذه القرية.وذُكِر أن قطيعة الربيع كانت مزارع للناس من قرية يقال لها بناورى من رُستاق الفروسَيجَ من بادُوريا. وذكر عن محمد بن موسى بن الفرات، أنه سمع أباه أو جدّه - شك راوي ذلك عنه - يقول: دخل عليّ رجل من دهاقين بادُوريا وهو مخرّق الطْيلسان؛ فقلت له: مَنْ خرّق طيلسانك؟ قال: خُرِق والله في زحمة الناس اليوم، في موضِع طالما طردت فيه الأرانب والظباء - يريد باب الكرخ. ويقال: إن قطيعة الربيع الخارجة إنما هي أقطاع المهديّ للربيع، وأنّ المنصور إنما كان أقطعه الداخلة. وقيل: إن نهر طابق كسرويّ، وأنه نهر بابك بن بهرام بن بابك، وأن بابك هذا هو الذي اتّخذ العَقْر الذي عليه قصر عيسى بن عليّ، واحتفر هذا النهر. وذكر أنّ فُرْضة جعفر إقطاع من أبي جعفر لابنه جعفر، وأن القنطرة العتيقة من بناء الفرس. وذكر عن حماد التركيّ، قال: كان المنصور نازلًا بالدّير الذي على شاطئ دجلة بالموضع المعروف بالخُلْد، ونحن في يوم صائف شديد الحرّ في سنة خمس وأربعين ومئة؛ وقد خرجت فجلستُ مع الربيع وأصحابه، إذ جاء رجل، فجاوز الحرس إلى المقصورة، فاستأذن فآذنّا المنصور به، وكان معه سلم بن أبي سَلْم، فأذن له فخبّره بخروج محمد، فقال المنصور: نكتب الساعة إلى مصر أن يقطع عن الحَرَميْن المادة، ثم قال: إنما هم في مثل حَرَجَة، إذا انقطعت عنهم المادّة والميرة من مِصْر، قال: وأمر بالكتاب إلى العباس بن محمد - وكان على الجزيرة يخبره بخبر محمد - وقال: إني راحل ساعة كتبتُ إلى الكوفة، فأمدّني في كلّ يوم بما قدرتَ عليه من الرّجال من أهل الجزيرة، وكتب بمثل ذلك إلى أمراء الشأم، ولو أن يَرِد عليّ في كل يوم رجل واحد أكثر به مَنْ معي من أهل خراسان، فإنه إن بلغ الخبر الكذّاب انكسر، قال: ثم نادى بالرّحيل من ساعته، فخرجنا من حرّ شديد حتى قدم الكوفة، ثم لم يزل بها حتى انقضت الحرب بينه وبين محمد وإبراهيم، فلما فرغ منهما رجع إلى بغداد. وذُكِر عن أحمد بن ثابت، قال: سمعتُ شيخًا من قريش يحدّث أنّ أبا جعفرلما فصَل من بغداد، متوجّهًا نحو الكوفة، وقد جاءه البريد بمخرَج محمد بن عبد الله بالمدينة، نظر إليه عثمان بن عُمارة بن حريم وإسحاق بن مسلم العقيليّ وعبد الله بن الربيع المدانيّ - وكانوا من صحابته - وهو يسير على دابّته وبنو أبيه حوله، فقال عثمان: أظنّ محمدًا خائبًا ومن معه من أهل بيته؛ إن حَشو ثياب هذا العباسيّ لمكرٌ ونُكر ودهاء؛ وإنه فيما نصب له محمد من الحرب لكما قال ابن جِذْل الطِّعان: فَكَمْ من غارة ورَعيل خَيْلٍ ... تداركها وقد حَمِيَ اللِّقاءُ فردّ مخيلَها حَتّى ثناها ... بأَسْمَر ما يُرَى فِيهِ التواءُ قال: فقال إسحاق بن مسلم: قد والله سبرتُه ولمست عودَه فوجدته خشِنًا، وغمزته فوجدته صليبًا، وذقته فوجدته مُرًّا؛ وأنه ومَنْ حوله من بني أبيه لكما قال ربيعة بن مُكدّم: سَمَا لِيَ فُرْسانٌ كأنَّ وجوهَهُمْ ... مصابيح تَبْدُو في الظلام زوَاهِرُ تقُوُدُهُمُ كَبْشٌ أَخُو مُصْمَئِلّةٍ ... عَبُوسُ السُّرَى قَدْ لوَّحتْه الهَوَاجِرُ قال: وقال عبد الله بن الربيع: هو ليث خِيسِ، ضَيْغم شموس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس؛ وأنه يهيج من الحرب كما قال أبو سفيان بن الحارث: وَإِنَّ لَنَا شيخًا إذا الحربُ شَمَّرتْ ... بَدِيهَتُهُ الإِقْدَامُ قَبل النوافِرِ قال: فمضى حتى سار إلى قصر ابن هُبيرة، فنزل الكوفة ووجّهَ الجيوش، فلما انقضت الحرب، رجع إلى بغداد فاستتمّ بناءها. [٧/ ٦١٨ - ٦٢٢]. قال عمر: حدثني أبو نعيم الفضل بن دُكين، قال: حدّثني مطهر بن الحارث، قال: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة؛ ونحن عشرة، فصحبَنا أعرابيّ في بعض الطريق، فقلنا له: ما اسمك؟ قال: فلان بن أبي مصاد الكلبيّ، فلم يفارقنا حتى قربنا من البصرة؛ فأقبل عليّ يومًا، فقال: أليس هذا إبراهيم بن عبد الله بن حسن؟ فقلت: لا، هذا رجل من أهل الشأم؛ فلما كنّا على ليلة من البصرة، تقدّم إبراهيم وتخلّفنا عنه، ثم دخلنا من غدٍ. قال عمر: وحدّثني أبو صفوان نصر بن قُديد بن نصر بن سيار؛ قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومئة، منصرَف الناس منالحجّ؛ فكان الذي أقدمه وتولّى كِراءه وعادله في محمَله يحيى بن زياد بن حسان النَّبطيّ، فأنزله في داره في بني لَيْث، واشترى له جارية أعجمية سِنديّة، فأولدها ولدًا في دار يحيى بن زياد؛ فحدّثني ابن قُديد بن نصر؛ أنه شهِد جنازة ذلك المولود، وصلى عليه يحيى بن زياد. قال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي، قال: نزل إبراهيم بالخيار من أرض الشأم على آل القعقاع بن خُليد العبسيّ، فكتب الفضل بن صالح بن عليّ - وكان على قنَّسرين - إلى أبي جعفر في رقْعة أدرجها في أسفل كتابه، يخبره خبرَ إبراهيم، وأنه طلبه فوجده قد سبقه منحدرًا إلى البَصْرة؛ فورد الكتاب على أبي جعفر، فقرأ أوّلَه فلم يجد إلّا السلامة، فألقى الكتاب إلى أبي أيوّب الموريانيّ، فألقاه في ديوانه؛ فلما أردوا أن يجيبوا الوُلاة عن كتبهم فتح أبان بن صدقة - وهو يومئذ كاتب أبي أيوب - كتاب الفضْل؛ لينظر في تاريخه، فأفضى إلى الرّقْعة؛ فلما رأى أوّلها: "أخْبِرُ أمير المؤمنين"، أعادها في الكتاب وقام إلى أبي جعفر فقرأ الكتاب، فأمر بإذكَاء العيون ووضع المراصِد والمسالح. قال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحمن بن الفضل، قال: أخبرني أبي قال: سمعت إبراهيم يقول: اضطرّني الطّلَب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر، وذلك أنه قدمها يطلبني، فتحيّرت؛ فلفظتْني الأرض، فجعلت لا أجد مساغًا، ووضع الطلب والمراصد؛ ودعا الناس إلى غَدائه، فدخلت فيِمن دخل، وأكلت فيمن أكل؛ ثم خرجت وقد كفّ الطلب. قال: وحدّثني أبو نعيم الفضل بن دُكين، قال: قال رجل لمطهر بن الحارث: مرّ إبراهيم بالكوفة ولقيتُه، قال: لا والله ما دخلها قطّ؛ ولقد كان بالموصل، ثم مرّ بالأنبار، ثم ببغداد، ثم بالمدائن والنّيل وواسط. قال: وحدّثني نصر بن قُديد بن نصر، قال: كاتب إبراهيم قومًا من أهل العسكر كانوا يتشيّعون؛ فكتبوا يسألونه الخروج إليهم، ووعدوه الوثوب بأبي جعفر؛ فخرج حتى قدم عسكر أبي جعفر، وهو يومئذ نازل ببغداد في الدّيْر، وقد خَطَّ بغداد، وأجمع على البناء؛ وكانت لأبي جعفر مرآة ينظر فيها، فيرى عدوّه من صديقه، قال: فزعم زاعمٌ أنه نظر فيها، فقال: يا مسيّب؛ قد واللهرأيتُ إبراهيم في عسكري وما في الأرض عدوّ أعدى لي منه، فانظر ما أنت صانع! قال: وحدّثني عبد الله بن محمد بن البوّاب، قال: أمر أبو جعفر ببناء قنطرة الصَّراة العَتيقة، ثم خرج ينظر إليها، فوقعت عينُه على إبراهيم، وخنَس إبراهيم، فذهب في الناس، فأتى فاميًّا فلجأ إليه فأصعده غُرفة له، وجدّ أبو جعفر في طلبه، ووضع الرّصَد بكلّ مكان، فنشب إبراهيم بمكانه الذي هو به، وطلبه أبو جعفر أشدّ الطلب، وخفيَ عليه أمره. قال: وحدّثني محمد بن معروف، قال: حدّثني أبي - وحدّثني نصر بن قُديد، قال: حدّثني أبي قال؛ وحدّثني عبد الله بن محمد بن البواب وكَثير بن النّضر بن كثير وعمر بن إدريس وابن أبي سفيان العَمِيّ؛ واتفقوا على جُلّ الحديث، واختلفوا في بعضه - أنّ إبراهيم لما نشب وخاف الرَّصَد كان معه رجل من بني العمّ - قال عمر: فقال لي أبو صفوان، يدعى رَوْح بن ثقف، وقال في ابن البوّاب: يكنى أبا عبد الله، وقال لي الآخرون: يقال له سفيان بن حَيّان بن موسى: قال عمر: وهو جد العميّ الذي حدثني - قال: قلت لإبراهيم: قد نزل ما ترى، ولابدّ من التغرِير والمخاطرة، قال: فأنت وذاك! فأقبل إلى الربيع، فسأله الإذن، قال: ومَن أنت؟ قال: أنا السفيان العمّيّ، فأدخله على أبي جعفر؛ فلما رآه شتمه، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ أنا أهلٌ لما تقول؛ غير أني أتيتك نازعًا تائبًا، ولك عندي كلّ ما تحبّ إن أعطيتني ما أسألك، قال: وما لي عندك؟ قال: آتيك بإبراهيم بن عبد الله بن حسن؛ إني قد بلوته وأهلَ بيته؛ فلم أجد فيهم خيرًا، فما لي عندك إن فعلت؟ قال: كلّ ما تسأل؛ فأين إبراهيم؟ قال؟ قد دخل بغداد - أو هو داخلها عن قريب - قال عمر: وقال لي أبو صفوان، قال: هو بعَبْدَسي، تركتُه في منزل خالد بن نهيك، فاكتب لي جوازًا ولغلام لي ولفُرانق (١) واحملني على البريد، قال عمر: وقال بعضهم: وجِّهْ معي جُندًا واكتب لي جوازًا ولغلام لي آتِيكَ به، قال: فكتب له جوازًا، ودفع إليه جندًا، وقال: هذا ألف دينار فاستِعنْ بها، قال لا حاجة لي فيها كلّها؛ فأخذ ثلاثمئة دينار، وأقبل بهاحتى أتى إبراهيم وهو في بيت، عليه مدرّعة صوف وعمامة - وقيل بل عليه قَباء كأقبية العبيد - فصاح به: قم؛ فوثب كالفزع؛ فجعل يأمره وينهاه حتى أتى المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع إليه جوازه، فقال: أين غلامك؟ قال: هذا؛ فلما نظر في وجهه، قال: والله ما هذا غلامك؛ وإنه لإبراهيم بن عبد الله بن حسن، ولكن اذهبْ راشدًا، فأطلقهما وهرب، قال عمر: فقال بعضهم: ركبا البريد حتى صارا بعَبْدَسِي، ثم ركبا السفينة حتى قدما البصرة فاختفيا بها، قال: وقد قيل: إنه خرج من عند أبي جعفر حتى قدم البصرة فاختفيا بها، قال: وقد قيل: إنه خرج من عند أبي جعفر حتى قدم البصرة، فجعل يأتي بهم الدارَ، لها بابان، فيقعد العشرة منهم على أحد البابيْن، ويقول: لا تبرحوا حتى آتيَكم، فيخرج من الباب الآخر ويِتركهم، حتى فرّق الجند عن نفسه، وبقي وحده فاختفى حتى بلغ الخبر سفيان بن معاوية، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب العمّيّ فأعجزه. قال عمر: وحدثني ابن عائشة، قال: حدّثني أبي، قال: الذي احتال لإبراهيم حتى أنجَاهما منه عمرو بن شداد. قال عمر: وحدثني رجل من أهل المدائن، عن الحسن بن عمرو بن شدّاد، قال: حدّثني أبي، قال: مرّ بي إبراهيم بالمدائن مستخفيًا، فأنزلته دارًا لي على شاطئ دِجْلة، وسُعي بي إلى عامل المدائن؛ فضربني مئة سَوْط، فلم أقررِ له؛ فلما تركني أتيت إبراهيمَ فأخبرتُه، فانحدر. قال: وحدّثني العباس بن سفيان بن يحيى بن زياد مولى الحجاج بن يوسف - وكان يحيى بن زياد ممَن سُبِي من عسكر قطريّ بن الفجاءة - قال: لما ظهر إبراهيم كنت غلامًا ابنَ خمس سنين، فسمعتُ أشياخنا يقولون: إنه مرّ منحدرًا يريد البصرة من الشأم؛ فخرج إليه عبد الرحيم بن صفوان من موالي الحجاج، ممن سُبِي من عَسْكر قَطَرِيّ؛ قال: فمشى معه حتى عبّره المآصر؛ قال: فأقبل بعض مَنْ رآه، فقال: رأيتُ عبدَ الرحيم مع رجل شاطر، متحجز بإزار (١)مُوَرّد، في يده قَوس جُلَاهِق (١) يرمي به؛ فلما رجع عبد الرحيم سُئِل عن ذلك فأنكره، فكان إبراهيم يتنكّر بذلك. قال: وحدّثني نصر بن قُديد، قال: لما قدم إبراهمِم منصرَفه من بغداد، نزل على أبي فَرْوة في كِنْدة فاختفى، وأرسل إلى الناس يندبهم للخروج. قال عمر: وحدّثني عليّ بن إسماعيل بن صالح بن ميثم الأهوازيّ، قال: حدّثني عبد الله بن الحسن بن حبيب، عن أبيه، قال: كان إبراهيم مختفيًا عندي على شاطى دُجَيْل، في ناحية مدينة الأهواز؛ وكان محمد بن حُصين يطلبه، فقال يومًا: إنّ أمير المؤمينن كتب إليّ يخبرني أنّ المنجّمين يخبرونه أن إبراهيم بالأهواز نازل في جزيرة بين نهرين، فقد طلبتُه في الجزيرة حتى وثِقت أنه ليس هناك - يعني بالجزيرة التي بين نهر الشاه جُرْد ودُجَيْل - فقد اعتزمتُ أن أطلبه غدًا في المدينة، لعلّ أمير المؤمنين يعني بين دجيل والمسرقان، قال: فأتيتُ إبراهيم، فقلت له: أنت مطلوب غدًا في هذه الناحية، قال: فأقمت معه بقيّة يومي، فلما غشيَني الليل، خرجت به حتى أنزلته في أدانى دشت أربُك دون الكثّ؛ فرجعت من ليلتي، فأقمت أنتظر محمدًا أن يغدُوَ لطلبه؛ فلم يفعل حتى تصرّم النهار، وقربت الشمس تغرُب، فخرجتُ حتى جئت إبراهيم، فأقبلت به حتى وافينا المدينة مع العشاء الآخرة ونحن على حماريْن؛ فلما دخلنا المدينة فصرنا عند الجبل المقطوع؛ لقيَنا أوائل خيل بن حصين، فرمى إبراهيم بنفسه عن حِماره وتباعد؛ وجلس يبول، وطَوَتني الخيل، فلم يعرّج عليّ منهم أحد؛ حتى صرت إلى ابن حُصين؛ فقال لي: أبا محمد؛ من أين في مثل هذا الوقت؟ فقلت: تمسَّيت عند أهلي، قال: ألا أرسل معك مَنْ يبلِّغُك؟ قلت: لا، قد قرُبت من أهلى، فمضى يطلب، وتوجّهت على سَنني حتى انقطع آخر أصحابه، ثم كررتُ راجعًا إلى إبراهيم؛ فالتمست حماره حتى وجدتُه، فركب، وانطلقنا حتى بِتْنَا في أهلنا، فقال إبراهيم: تعلم والله لقد بُلت البارحة دمًا؛ فأرسِلْ من ينظر، فأتيت الموضع الذي بال فيه، فوجدته قد بال دمًا. قال: وحدّثني الفضل بن عبد الرحيم بن سليمان بن عليّ، قال: قالأبو جعفر: غَمُضَ عليّ أمر إبراهيم لمّا اشتملت عليه طفوفُ البصرة. قال: وحدثني محمد بن مسْعر بن العلاء، قال: لما قدم إبراهيم البَصْرة، دعا الناس، فأجابه مربي بن عمر بن موسى بن عبد الله بن خازم، ثم ذهب بإبراهيم إلى النّضر بن إسحاق بن عبد الله بن خازم مختفيًا، فقال للنضر بن إسحاق: هذا رسول إبراهيم، فكلّمه إبراهيم ودعاه إلى الخروج، فقال له النّضر: يا هذا، كيف أبايع صاحبك وقد عَنَد جدّي عبد الله بن خازم عن جده عليّ بن أبي طالب، وكان عليه فيمن خالفه، فقال له إبراهيم: دع سيرة الآباء عنك ومذاهبَهم؛ فإنما هو الدّين؛ وأنا أدعوك إلى حقّ. قال: إني والله ما ذكرتُ لك ما ذكرتُ إلا مازحًا، وما ذاك الذي يمنعني من نُصرة صاحبك، ولكني لا أرى القتال ولا أدينُ به، قال: وانصرف إبراهيم، وتخلّف موسى، فقال: هذا والله إبراهيم نفسه، قال: فبئس لعمر الله ما صنعتَ! لو كنتَ أعلمتني كلَّمتُه غير هذا الكلام! قال: وحدّثني نصر بن قديد، قال: دعا إبراهيم الناس وهو في دار أبي فَرْوة فكان أوّل مَنْ بايعه نُمَيلة بن مرّة وعفو الله بن سفيان وعبد الواحد بن زياد وعمر بن سلمة الهجيميّ وعبيد الله بن يحيى بن حُضَين الرّقاشيّ، وندبوا الناس له، فأجاب بعدهم فتيانٌ من العرب؛ منهم المغيرة بن الفزع وأشباهٌ له؛ حتى ظنوا أنه قد أحصى ديوانه أربعة آلاف؛ وشهر أمرُه، فقالوا: لو تحوّلت إلى وسط البصرة أتاك مَن أتاك وهو مُريح؛ فتحوّل ونزل دار أبي مروان مولى بني سليم - رجل من أهل نيسابور. قال: وحدثني يونس بن نجدة؛ قال: كان إبراهيم نازلًا في بني راسب على عبد الرحمن بن حرب؛ فخرج من داره في جماعة من أصحابه؛ منهم عفو الله بن سفيان وبُرْد بن لبيد؛ أحد بني يَشْكر، والمضَاء التغلَبيّ والطُّهَويّ والمغيرة بن الفزع ونُميَلة بن مرّة ويحيى بن عمرو الهُمانيّ، فمرّوا على جُفرة (١) بني عَقِيل حتى خرجوا على الطُّفاوة، ثم مرّوا على دار كرزم ونافع إبليس، حتى دخلوا دار أبي مروان في مقبرة بني يَشْكر.قال: وحدّثني ابن عفو الله بن سفيان، قال: سمعتُ أبي يقول: أتيتُ إبراهيمَ يومًا وَهو مرعوب؛ فأخبرني أن كتاب أخيه أتاه يخبره أنه قد ظهر، ويأمره بالخروج، قال: فوجمَ من ذلك واغتمّ له، فجعلت أسهِّل عليه الأمر وأقول: قد اجتمع لك أمرُك، معك المضاء والطُّهويّ والمغيرة، وأنا وجماعة، فنخرج إلى السجن في الليل فنفتحه؛ فتُصبح حين تصبح ومعك عالم من الناس؛ فطابت نفسه. قال: وحدّثني سهل بن عَقِيل بن إسماعيل، قال: حدّثني أبي، قال: لما ظهر محمد أرسل أبو جعفر إلى جعفر بن حنظلة البَهرانيّ - وكان ذا رأي - فقال: هاتِ رأيك؛ قد ظهر محمد بالمدينة، قال: وجّه الأجنَاد إلى البصرة. قال: انصرفْ حتى أرسل إليك، فلما صار إبراهيم إلى البصرة، أرسل إليه، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، فقالا: إيَّاها خفتُ! بادرْه بالجنود، قال: وكيف خفتَ البصرة؟ قال: لأن محمدًا ظهر بالمدينة، وليسوا بأهل حَرْب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشأم أعداء آل أبي طالب؛ فلم يبق إلا البَصْرة، فوجّه أبو جعفر ابني عقيل - قائدين من أهل خُراسان من طيّئ - فقدما، وعلى البصرة سفيان بن معاوية فأنزلهما. قال: وحدّثني جوّاد بن غالب بن موسى مولى بني عجل، عن يحيى بن بُديل بن يحيى بنُ بديل، قال: لما ظهر محمد، قال أبو جعفر لأبي أيوب وعبد الملك بن حميد: هل من رجل ذي رأي تعرفانه، نجمع رأيه على رأينا؟ قالا: بالكوفة بدُيل بن يحيى - وقد كان أبو العباس يشاوره - فأرسلْ إليه، فأرسل إليه، فقال: إنّ محمدًا قد ظهر بالمدينة، قال: فاشحن الأهواز جندًا، قال: قد فهمتُ؛ ولكن الأهواز بابُهم الذي يُؤتَوْن منه، قال: فقبل أبو جعفر رأيه، قال: فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إلى بُديل، فقال: قد صار إبراهيم إلى البصرة، قال: فعاجله بالجُنْد وأشغِل الأهواز عنه. وحدّثني محمد بن حفص الدِّمشقيّ، مولى قريش، قال: لما ظهر محمد شاور أبو جعفر شيخًا من أهل الشأم ذا رأي، فقال: وجّه إلى البصرة أربعة آلاف من جُند أهل الشأم، فلها عنه وقال: خَرِف الشيخ؛ ثم أرسل إليه، فقال: قد ظهر إبراهيم بالبصرة، قال: فوجّه إليه جندًا من أهل الشأم، قال! ويلك! ومنلي بهم! قال: اكتب إلى عاملك عليها يحمل إليك في كلّ يوم عشرة على البريد؛ قال: فكتب بذلك أبو جعفر إلى الشأم. قال عمر بن حفص: فإنّي لأذكر أبي يعطى الجندَ حينئذ، وأنا أمسك له المصباح، وهو يعطيهم ليلًا، وأنا يومئذ غلام شاب. قال: وحدّثني سَهلُ بن عَقِيل، قال: أخبرني سَلْم بن فرقد، قال: لما أشار جعفر بن حنظلة على أبي جعفر بحدر جند الشأم إليه، كانوا يقدمون أرسالًا؛ بعضهم على أثر بعض؛ وكان يريد أن يروّع بهم أهل الكوفة؛ فإذا جنَّهم الليل في عسكره أمرهم فرجعوا منكبين عن الطريق، فإذا أصبحوا دخلوا، فلا يشكُّ أهل الكوفة أنهم جند آخرون سوى الأوّلين. حدّثني عبد الحميد - وكان من خَدَم أبي العباس - قال: كان محمد بن يزيد من قوّاد أبي جعفر؛ وكان له دابّةٌ شِهْريّ كُميَت، فربما مرّ بنا ونحن بالكوفة وهو راكبُه، قد ساوى رأسُه رأسَه، فوجّهه أبو جعفر إلى البصرة، فلم يزل بها حتى خرج إبراهيم فأخذه فحبسه. حدثني سعيد بن نوح بن مجالد الضُّبَعيّ (١)، قال: وجّه أبو جعفر مجالدًا ومحمدًا ابني يزيد بن عمران من أهل أبيوَرْد قائديْن، فقدم مجالد قبل محمد، ثم قدم محمد في الليلة التي خرج فيها إبراهيم، فثبّطهما سُفيان وحبسهما عنده في دار الإمارة حتى ظهر إبراهيم فأخذهما، فقيَّدهما؛ ووجّه أبو جعفر معهما قائدًا من عَبْد القيس يدعى معَمرًا. حدّثني يونس بن نجدة، قال: قدم على سفيان مجالدُ بن يزيد الضُّبعيّ من قِبَل أبي جعفر في ألْف وخمسمئة فارس وخمسمئة راجل. حدّثني سعيد بن الحسن بن تَسنيم بن الحوارَى بن زياد بن عمرو بن الأشرف، قال: سمعتُ من لا أحصي من أصحابنا يذكرون أن أبا جعفر شاور في أمر إبراهيم، فقيل له: إن أهل الكوفة له شيعة، والكوفة قِدْر تفُور؛ أنت طَبقُها، فاخرج حتى تنزلها، ففعل.حدّثني مسلم الخصيّ مولى محمد بن سليمان، قال: كان أمْرُ إبراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة؛ وأنا يومئذ لأبي جعفر، فأنزلنا الهاشميّة بالكوفة ونزل هو بالرّصافة في ظهر الكوفة؛ وكان جميع جنده الذين في عسكره نحوًا من ألف وخمسمئة؛ وكان المسيّب بن زهير على حَرَسه، فجزّأ الجند ثلاثة أجزاء: خمسمئة، خمسمئة، فكان يطوف الكوفة كلَّها في كلّ ليلة وأمر مناديًا فنادى: مَنْ أخذناه بعد عَتَمَة فقد أحلّ بنفسه؛ فكان إذا أخذ رجلًا بعد عَتَمة لفّه في عباءة وحمله، فبيَّته عنده، فإذا أصبح سأل عنه، فإن علم براءته أطلقه، وإلا حبسه. [٧/ ٦٢٢ - ٦٣١]. وحدّثني جوّاد بن غالب، قال: حدثني العباس بن سَلْم مولَى قحْطبة، قال: كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتّهم أحدًا من أهل الكوفة بالميْل إلى إبراهيم أمر أبي سلمًا بطلبه؛ فكان يمهل حتى إذا غَسق الليل، وهدأ الناس، نصب سلّمًا على منزل الرجل فطرقه في بيته حتى يخرجه فيقتله؛ ويأخذ خاتمه، قال أبو سهل جوّاد: فسمعت جميلًا مولى محمد بن أبي العباس يقول للعباس بن سلم: والله لو لم يورّثك أبوك إلا خواتيم مَن قُتِل من أهل الكوفة كنت أيسرَ الأبناء. حدّثني سهل بن عَقيل، قال: حدثني سلم بن فَرقدْ حاجب سليمان بن مجالد، قال: كان لي بالكوفة صديق، فأتاني - فقال: أيا هذا، اعلم أن أهل الكوفة معدّون للوثوب بصاحبكم، فإن قدرت على أن تبوّئ أهلك مكانًا حريزًا فافعل، قال: فأتيتُ سليمان بن مجالد، فأخبرته الخبر؛ فأخبر أبا جعفر - ولأبي جعفر عين من أهل الكوفة من الصّيارفة يدعى ابن مقرّن - قال: فأرسل إليه، فقال: ويحك! قد تحرّك أهل الكوفة، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، أنا عذيرك منهم، قال: فركن إلى قوله، وأضرب عنهم. وحدثني يحيى بن ميمون من أهل القادسيّة، قال: سمعت عدّة من أهل القادسية يذكرون أن رجلًا من أهل خراسان، يكنى أبا الفضل ويسمّى فلان ابن معقل، وُلِّيَ القادسية ليمنع أهل الكوفة إتيان إبراهيم؛ وكان الناس قد رصدوا في طريق البصرة، فكانوا يأتون القادسيَة ثم العُذَيْب، ثم واديَ السباع، ثم يعدلون ذات اليَسار في البر، حتى يقدموا البصرة، قال: فخرج نفرٌ من الكوفة اثنا عشر رجلًا؛ حتى إذا كانوا بوادي السباع لقيَهم رجل من موالي بني أسد، يسمَّى بكرًا،من أهل شرَاف، دون واقصةَ بميلين من أهل المسجد الذي يدعى مسجد الموالي - فأتى ابن معقل فأخبره، فاتَّبعهم فأدركهم بخَفان - وهي على أربعة فراسخ من القادسيّة - فقتلهم أجمعين. حدّثني إبراهيم بن سَلْم، قال: كان الفُراقصَة العجليّ قد همّ بالوثوب بالكوفة، فامتنع لمكان أبي جعفر ونزوله بها؛ وكان ابن ماعز الأسديّ يبايعُ لإبراهيم فيها سرًّا. حدّثني عبد الله بن راشد بن يزيد، قال: سمعت إسماعيل بن موسى البَجَليّ وعيسى بن النَّضْر السُّمَّانيْنِ وغيرهما يخبرون أن غَزوان كان لآل القعقاع بن ضِرار، فاشتراه أبو جعفر، فقال له يومًا: يا أميرَ المؤمنين؛ هذه سفُن منحدرة من الموصل فيها مبيّضةٌ تريد إبراهيم بالبصرة، قال: فضمّ إليه جندًا، فلقيهم بباحَمشا بين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين؛ وكانوا تجارًا فيهم جماعة من العُبّاد من أهل الخير وغيرهم، وفيهم رجل يُدعى أبا العرفان من آل شعيب السّمّان، فجعل يقول: ويلك يا غزوان! ألست تعرفني! أنا أبو العرفان جارك؛ إنما شخصتُ برقيق فبعتُهم؛ فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبعث برؤوسهم إلى الكوفة، فنصِبت ما بين دار إسحاق الأزرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة، قال أبو أحمد عبد الله بن راشد: فأنا رأيتها منصوبةً على كوم التراب. قال: وحدّثنا أبو عليّ القَدّاح، قال: حدّثني داود بن سليمان ونيبخت وجماعة من القدّاحين، قالوا: كنّا بالموصل وبها حرْب الراونديّ رابطة في ألفين، لمكان الخوارج بالجزيرة، فأتاه كتاب أبي جعفر يأمره بالقفل إليه؛ فشخص؛ فلما كان بباحَمْشا اعترض له أهلها، وقالوا: لا نَدَعُك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم، فقال لهم: ويحكم! إني لا أريد بكم سوءًا؛ إنما أنا مارٌّ دعوني، قالوا: لا والله لا تجوزنا أبدًا، فقاتلهم فأبارهم، وحَمل منهم خمسمئة رأس، فقدم بها على أبي جعفر، وقصّ عليه قصتهم. قال أبو جعفر: هذا أوّل الفتح. [٧/ ٦٣١ - ٦٣٣]. قال أبو عمر الحوضيّ: جعل أصحاب إبراهيم ينادون سفيان وهو محصور: اذكر بيعتَك في دار المخزوميّين.قال أبو عمر: وحدّثني محارب بن نصر، قال: مرّ سفيان بعد قتل إبراهيم في سفينة وأبو جعفر مُشرِفٌ من قصره، فقال: إنّ هذا لسفيان؟ قالوا: نعم، قال: والله للعَجب! كيف يفلتني ابن الفاعلة! قال الحوْضيّ: قال سفيان لقائد من قوّاد إبراهيم: أقمْ عندي، فليس كل أصحابك يعلم ما كان بيني وبين إبراهيم. قال: وحدّثني نضر بن فرقد قال: كان كَرْزَم السَّدوسيّ يغدو على سفيان بخبر إبراهيم ويروح، ويُعْلمه مَنْ يأتيه فلا يعرض له، ولا يتبع له أثرًا. وذكر أن سفيان بن معاوية كان عامل المنصور أيّامئذ على البصرة، وكان قد مالأ إبراهيم بن عبد الله على أمره فلا ينصح لصاحبه. [٧/ ٦٣٣ - ٦٣٤]. * * * * ذكر من قال ذلك: حدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما ظهر محمد بن عبد الله بن الحسن، وغلَب على المدينة ومكة، وسُلِّم عليه بالخلافة، وجّه أخاه إبراهيم بن عبد الله إلى البصرة، فدخلها في أوّل يوم من شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومئة، فغلب عليها، وبيّض بها وبيّض بها أهل البصرة معه، وخرج معه عيسى بن يونس ومُعاذ بن معاذ بن العوّام وإسحاق بن يوسف الأزرق ومعاوية بن هشام، وجماعة كثيرة من الفُقهاء وأهل العلم؛ فلم يزلْ بالبصرة شهر رمضان وشوّالًا، فلما بلغه قتلُ أخيه محمد بن عبد الله تأهَّب واستعدّ، وخرج يريد أبا جعفر بالكوفة. وقد ذكرنا قول من قال: كان مقدم إبراهيم البصرة في أول سنة ثلاث وأربعين ومئة، غير أنه كان مقيمًا بها، مختفيًا يدعو أهلها في السرّ إلى البيعة لأخيه محمد، فذكر سهل بن عَقيل، عن أبيه، أنّ سفيان كان يرسل إلى قائدين كانا قدِما عليه من عند أبي جعفر مددًا له قبل ظهور إبراهيم، فيكونان عنده؛ فلما وعده إبراهيم بالخروج أرسلَ إليهما فاحتبسهما عنده تلك الليلة حتى خرَج، فأحاط به وبهما فأخذهم. وحُدّثت عن محمد بن معروف بن سويد، قال: حدّثني أبي، قال: وجَّه أبو جعفر مجالدًا ومحمدًا ويزيد؛ قوّادًا ثلاثة كانوا إخوة قبل ظهور إبراهيم،فقدَّموا جندهم، فجعلوا يدخلون البصرة تَترَى بعضهم على أثر بعض، فأشفق إبراهيم أن يكثروا بها فظهر. وذكر نصر بن قديد، أنّ إبراهيم خرج ليلة الإثنين لغرّة شهر رمضان من سنة خمس وأربعين ومئة، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر رجلًا فارسًا، فيهم عبيد الله بن يحيى بن حصين الرّقاشيّ، قال: وقدم تلك الليلة أبو حمّاد الأبرصُ مددًا لسفيان في ألفي رجل، فنزل الرّحبة إلى أن ينزلوا، فسار إبراهيم فكان أوّل شيء أصاب دوابَّ أولئك الجند وأسلحتهم، وصلّى بالناس الغداة في المسجد الجامع، وتحصّن سفيان في الدّار، ومعه فيها جماعة من بني أبيه وأقبل الناسِ إلى إبراهيم مِنْ بين ناظر وناصر حتى كثروا، فلما رأى ذلك سفيان طلب الأمان، فأجيب إليه، فدسّ إلى إبراهيم مطهّر بن جويرية السَّدوسيّ، فأخذ لسفيان الأمان، وفتح الباب، ودخل إبراهيم الدّار؛ فلما دخلها ألقي له حصير في مُقَدَّم الإيوان، فهبّت ريح فقلبته ظهرًا لبطن؛ فتطيَّر الناسُ لذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطيَّر، ثم جلس عليه مقلوبًا والكراهة تُرَى في وجهه؛ فلما دخل إبراهيم الدّار خلّى عن كلّ مَنْ كان فيها - فيما ذكر - غير سفيان بن معاوية؛ فإنه حبسه في القصر وقيَّده قيدًا خفيفًا، فأراد إبراهيم - فيما ذكر - بذلك من فعله أن يُرِى أبا جعفر أنه عنده محبوس، وبلغ جعفرًا ومحمدًا بني سليمان بن عليّ - وكانا بالبصرة يومئذ - مصيرُ إبراهيم إلى دار الإمارة وحبْسه سفيان، فأقبلا - فيما قيل - في ستمئة من الرّجالة والفرسان والنَّاشبة يريدانه، فوجَّه إبراهيم إليهما المضاء بن القاسم الجزريّ في ثمانية عشر فارسًا وثلاثين راجلًا؛ فهزمهم المضاءُ، ولحق محمدًا رجل من أصحاب المضاء فطَعنه في فخِذه، ونادى مناد لإبراهيم: لا يتُبَع مدبر؛ ومضى هو بنفسه حتى وقف على باب زينب بنت سليمان، فنادى بالأمان لآل سليمان، وألّا يعرِض لهم أحد. وذكر بكر بن كثير؛ أنّ إبراهيم لما ظهر على جعفر ومحمد أخذ البصرة، وجَدَ في بيت المال ستمئة ألف، فأمر بالاحتفاظ بها - وقيل إنه وجد في بيت المال ألفي درهم، فقويَ بذلك، وفرض لكلّ رجل خمسين خمسين؛ فلما غلب إبراهيم على البصرة وجّه - فيما ذكر - إلى الأهواز رجلًا يُدعى الحسين بن ثوْلاء، يدعوهم إلى البيْعة، فخرج فأخذ بيعتهم؛ ثم رجع إلى إبراهيم، فوجه إبراهيمالمغيرة في خمسين رجلًا، ثم اجتمع إلى المُغيرة لمّا صار إلى الأهواز تمام مئتي رجل، وكان عامل الأهواز يومئذ من قِبَل أبي جعفر محمد بن الحصين، فلما بلغ ابنَ الحصين دنوُّ المغيرة منه خرج إليه بمَنْ معه، وهم - فيما قيل - أربعة آلاف، فالتَقوْا على مِيل من قَصبة الأهواز بموضع يقال له دشت أربُك، فانكشف ابن حصين وأصحابه، ودخل المغيرة الأهواز. وقد قيل: إنّ المغيرة صار إلى الأهواز بعد شخوص إبراهيم عن البصرة إلى باخَمْرى. ذكر محمد بن خالد المربّعيّ، أنّ إبراهيم لما ظهر على البصرة ثم أراد الخروج إلى ناحية الكوفة، استخلف على البصرة نُميْلة بن مرّة العبشَميّ، وأمر بتوجيه المغيرة بن الفزع أحد بني بَهْدلة بن عوْف إلى الأهواز، وعليها يومئذ محمد بن الحصين العبديّ، ووجَّه إبراهيم إلى فارس عمرو بن شدّاد عاملًا عليها، فمرّ برامَ هرمز بيعقوب بن الفضل وهو بها، فاستتبعه؛ فشخص معه حتى قدم فارس، وبها إسماعيل بن عليّ بن عبد الله عاملًا عليها من قِبَل أبي جعفر، ومعه أخوه عبد الصّمد بن عليّ، فلما بلغ إسماعيل بن عليّ وعبد الصمد إقبالُ عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل - وكانا بإصطخْر - بادرا إلى دَارَا بْجِرد، فتحصّنا بِها، فصارت فارس في يد عمرو بن شداد ويعقوب بن الفضل، فصارت البَصْرة والأهواز وفارس في سلطان إبراهيم. وحدِّثت عن سليمان بن أبي شيخ، قال: لما ظهر إبراهيم بالبصرة، أقبل الحكم بن أبي غَيْلان اليشكريّ في سبعة عشر ألفًا حتى دخل واسطًا؛ وبها هارون بن حميد الإياديّ من قِبَل أبي جعفر، فدخل هارون تنورًا في القصر حتى أخرِج منه، وأتى أهلُ واسط حفصَ بن عمر بن حفص بن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة، فقالوا له: أنت أولى مِنْ هذا الهجيميّ؛ فأخذها حَفْص، وخرج منها اليشكُريّ، وولَّى حفص شُرَطه أبا مقرن الهُجيميّ. وذكر عمر بن عبد الغفار بن عمرو الفُقَيْميّ، ابن أخي الفضل بن عمرو الفُقيميّ، قال: كان إبراهيم واجدًا على هارون بن سعد، لا يكلِّمه، فلما ظهر إبراهيم قدم هارون بن سعد، فأتى سلم بن أبي واصل، فقال له: أخبرني عن صاحبك، أما به إلينا حاجة في أمره هذا! قال: بلى لعمر الله، ثم قام فدخل علىإبراهيم، فقال: هذا هارون بن سعد قد جاءك، قال: لا حاجة لي به، قال: لا تفعل؛ في هارون تزهّد؛ فلم يزل به حتى قِبله، وأذن له فدخل عليه؛ فقال له هارون: استكفِني أهمَّ أمورك إليك، فاستكفاه واسطًا، واستعمله عليها. [٧/ ٦٣٤ - ٦٣٧]. وذكر عن ابن أبي الكرام، وأنه قال: قدمت على أبي جعفر برأس محمد، وعامر بن إسماعيل بواسط محاصرٌ هارون بن سعد، وكانت الحرب بين أهل واسط وأصحاب أبي جعفر قبل شخوص إبراهيم من البصرة، فذكر سليمان بن أبي شيخ، قال: عسكر عامر بن إسماعيل مِنْ وراء النيل، فكانت أول حرب جرت بينه وبين هارون، فضربه عبدٌ سقّاء وجرحه وصرعه وهو لا يعرفه، فأرسل إليه أبو جعفر بظبية فيها صَمْغ عربيّ؛ وقال: داوِ بها جراحتك، فالتقوْا غير مرّة، فقتِل من أهل البصرة وأهل واسط خلْق كثير؛ وكان هارون ينهاهم عن القتال، ويقول: لو لقى صاحبنا صاحبَهم تبيّن لنا الأمر، فاستبقوا أنفسكم؛ فكانوا لا يفعلون، فلما شخص إبراهيم إلى باخَمْرَى كفّ الفريقان من أهل واسط وعامر بن إسماعيل بعضُهم عن بعض، وتوادعوا على تراك الحرب إلى أن يلتقي الفريقان، ثم يكونوا تبعًا للغالب؛ فلما قتل إبراهيم أراد عامر بن إسماعيل دخولَ واسط، فمانعه أهلُها الدخول، قال سليمان: لما جاء قتلُ إبراهيم هرب هارون بن سعد، وصالح أهلُ واسط عامر بن إسماعيل على أن يؤمنهم، فلم يثق كثير منهم بأمانه، فخرجوا منها، ودخلها عامر بن إسماعيل، وأقام بواسط فلم يُهجْ أحدًا. وكان عامر - فيما ذكر - صالح أهلَ واسط على ألّا يقتل أحدًا بواسط، فكانوا يقتلون كلّ مَنْ يجدونه من أهل واسط خارجًا منها؛ ولما وقع الصُّلْح بين أهل واسط وعامر بعد قتلِ إبراهيم هرب هارون بن سعد إلى البصرة، فتوفِّيَ قبل أن يبلغها فيما ذكر. وقيل: إن هارون بن سعد اختفَى فلم يزل مختفيًا حتى ولي محمد بن سليمان الكوفة، فأعطاه الأمان، واستدرجه حتى ظهر، وأمره أن يفرض لمئتين من أهل بيته، فهمّ أن يفعل، وركب إلى محمّد، فلقيه ابن عمّ له، فقال له: أنت مخدوع، فرجع فتوارى حتى مات، وهدم محمد بن سليمان داره.قال: ولم يزل إبراهيم مقيمًا بالبصرة بعد ظهوره بها، يفرّق العمال في النواحي ويوجّه الجيوش إلى البلدان؛ حتى أتاه نعيُّ أخيه محمد؛ فذكر نصر بن قُديد؛ قال: فرض إبراهيم فروضًا بالبصرة، فلما كان قبل الفِطْر بثلاثة أيام، أتاه نعيّ أخيه محمد؛ فخرج بالناس إلى العيد، وهم يعرفون فيه الانكسار، وأخبر الناسَ بقتل محمد؛ فازدادوا في قتالَ أبي جَعفر بصيرةً، وأصبح من الغدِ فعسكر، واستخلف نُمَيلةَ على البَصْرة، وخلّف ابنه حسنًا معه. قال سعيد بن هريم: حدثني أبي، قال: قال عليّ بن داود: لقد نظرت إلى الموت في وجْه إبراهيم حين خطَبنَا يوم الفطر، فانصرفتُ إلى أهلي فقلت: قتِل والله الرجل! وذكر محمد بن معروف، عن أبيه أن جَعفرًا ومحمدًا ابني سليمان لما شخصا من البصرة، أرسلاه إلى أبي جعفر ليخبره خبر إبراهيم، قال: فأخبرتُه خبرهما، فقال: والله ما أدري كيف أصنع! والله ما في عسكري إلا ألفا رجل؛ فرّقت جندي، فمع المهديّ بالرّيّ ثلاثون ألفًا، ومع محمد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفًا والباقون مع عيسى بن موسى؛ والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفًا. وقد قال عبد الله بن راشد: ما كان في عسكر أبي جعفر كثيرُ أحد؛ ما هم إلا سودان وناسٌ يسير؛ وكان يأمر بالحطَب فيحزَم ثم يوقَد بالليل، فيراه الرائي فيحسِب أن هناك ناسًا؛ وما هي إلّا نار تضرَم، وليس عندها أحد. قال محمد بن معروف بن سويد: حدّثني أبي، قال: لما ورد الخبر على أبي جعفر، كتب إلى عيسى بن موسى وهو بالمدينة: إذا قرأتَ كتابي هذا فأقبل وَدعْ كلّ ما أنت فيه؛ قال: فلم ينشب أن قدم، فوجّهه على الناس، وكتب إلى سلْم بن قتيبة فقدِم عليه من الرّيّ، فضمّه إلى جعفر بن سليمان. فذكر عن يوسف بن قتيبة بن مسلم، قال: أخبرني أخي سلْم بن قتيبة بن مسلم، قال: لما دخلتُ على أبي جعفر قال لي: اخرج؛ فإنه قد خرج ابنا عبد الله، فاعمد لإبراهيم ولا يروعنّك جمعُه؛ فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان جميعًا؛ فابسط يدك، وثِقْ بما أعلمتك، وستذكر مقالتي لك، قال:فوالله ما هو إلا أن قُتِل إبراهيم، فجعلت أتذكر مقالته فأعجب. قال سعيد بن سلم: فاستعمله على ميسرة الناس، وضمّ إليه بشار بن سلم العُقيليّ وأبا يحيى بن خُرَيم وأبا هُراسة سنان بن مخيَّس القشيريّ، وكتب سلم إلى البصرة فلحقت به باهلة؛ عُرْبُها ومواليها، وكتب المنصور إلى المهديّ وهو يومئذ بالرّيّ يأمره بتوجيه خازم بن خزيمة إلى الأهواز، فوجّهه المهديّ - فيما ذُكر - في أربعة آلاف من الجند، فصار إليها، وحارب بها المغيرة، فانصرف إلى البصرة، ودخل خازم الأهواز، فأباحها ثلاثًا. وذكر عن الفضل بن العبّاس بن موسى وعمر بن ماهان، أنهما سمعا السنديّ يقول: كنت وصيفًا أيام حرب محمد، أقوم على رأس المنصور بالمذَبّة، فرأيته لما كثف أمر إبراهيم وغلُظ أقام على مصلى نيّفًا وخمسين ليلة، ينام عليه ويجلس عليه، وعليه جُبَة ملوّنة قد اتّسخ جَيْبها وما تحت لحيته منها؛ فما غيَّر الجُبّة، ولا هجرَ المصلَّى حتى فتح الله عليه؛ إلّا أنه كان إذا ظهر للناس علا الجبّة بالسواد، وقعد على فراشه؛ فإذا بطن عاد إلى هيئته، قال: فأتته ريسانة في تلك الأيام، وقد أهديت له امرأتان من المدينة؛ إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله والأخرى أمَة الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد بن أبي العيص؛ فلم ينظر إليهما، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ إن هاتين المرأتين قد خبثت أنفسهما، وساءت ظنونهما لما ظهر من جفائك لهما؛ فنهرها، وقال: ليست هذه الأيام من أيام النساء؛ لا سبيل لي إليهما حتى أعلم: أرأس إبراهيم لي أم رأسي لإبراهيَم! وذُكِر أن محمدًا وجعفرًا ابني سليمان كتبا إلى أبي جعفر يُعْلمانه بعد خروجهما من البَصْرة الخبر في قطعة جِراب، ولم يقدرا على شيء يكتبان فيه غير ذلك؛ فلما وصل الكتاب إليه؛ فرأى قطعة جِراب بيد الرسول، قال: خلع والله أهل البصرة مع إبراهيم، ثم قرأ الكتاب ودعا بعبد الرحمن الخُتّليّ وبأبي يعقوب ختن مالك بن الهيثم، فوجّههما في خيل كثيفة إليهما، وأمرهما أن يحبساهما حيث لقياهما، وأن يعسكرا معهما، ويسمعا ويطيعا لهما؛ وكتب إليهما يعجّزهما ويضعّفهما ويوبخهما على طمع إبراهيم في الخروج إلى مصر هما فيه، واستتار خبره عنهما، حتى ظهر وكتب في آخر كتابه:أَبْلغْ بني هاشمٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ... فاستَيْقِظُوا إنَّ هذا فِعْل نُوّام تعدو الذِّئاب على من لا كلاب له ... وتتَّقي مَرْبِضَ المسْتَنْفِر الحامي وذكر عن جعفر بن ربيعة العامريّ عن الحجاج بن قتيبة بن مسلم، قال: دخلت على المنصور أيام حرْب محمد وإبراهيم، وقد جاءه فتق البَصْرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وهو ينكت الأرض بمخْصَرِته ويتمثّل: ونصبتُ نفسي للرِّماح دَريّةً ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، أدام إعزازك ونصرك على عدوّك! أنت كما قال الأعشى: وإنْ حَرْبهُمْ أُوقِدَتْ بينهمْ ... فحرَّت لهم بعد إبرادِها وجدتَ صَبُورًا على حَرِّها ... وكرِّ الحروب وترْدادها فقال: يا حجاج، إنّ إبراهيم قد عرف وُعورة جانبي وصعوبة ناحيتي، وخشونة قرني؛ وإنما جرّأه على المسير إليّ من البصرة اجتماعُ هذه الكُور المُطلَّة على عسكر أمير المؤمنين وأهل السواد معه على الخلاف والمعصية، وقد رميت كلّ كورة بحجَرها وكلّ ناحية بسهمها، ووجّهت إليهم الشهْم النجْد الميمون المظفّر عيسى بن موسى، في كثرة من العدد والعُدّة، واستعنت بالله عليه، واستكفيته إياه؛ فإنه لا حول ولا قوة لأمير المؤمنين إلا به. قال جعفر بن ربيعة: قال الحجاج بن قتيبة: لقد دخلتُ على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلِّمًا، وما أظنّه يقدر على ردّ السلام لتتابع الفُتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به، ولمئة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره، ينتظرون به صَيْحة واحدة فيثبون؛ فوجدته صقْرًا أحوزيًّا مشمّرًا، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعرُكها ويمرُسها، فقام بها ولم تقعد به نفسه؛ وإنه لكما قال الأوّل: نفسُ عِصامٍ سوَّدَتْ عصاما ... وعلَّمتْه الكرَّ والإِقْدَاما (١) وصيّرتْهُ مَلِكًا هُمَامَا وذكر أبو عبيدة أنه كان عند يونس الجَرْميّ، وقد وجَّه محمد بن عبد الله أخاهلحرب أبي جعفر، فقال يونس: قدِم هذا يريد أن يزيل ملكًا فألهتْهُ ابنة عمر بنُ سلمة عمّا حاوله، ولقد أهدِيت التيميّة إلى أبي جعفر في تلك الأيام، فتركها بمزجَر الكلب، فما نظر إليها حتى انقضى أمرُ إبراهيم. وكان إبراهيم تزّوج بعد مقدمه البصرَة بهكْنة بنت عمر بن سلمة، فكانت تأتيه في مصبّغاتها وألوان ثيابها. فلما أراد إبراهيم الشخوص نحو أبي جعفر، دخل - فيما ذكر بشرُ بن سلم - عليه نُمَيلة الطُّهَوِيّ وجماعة من قوّاده من أهل البَصْرة، فقالوا له: أصلحك الله! إنك قد ظهرت على البصرة والأهواز وفارس وواسط، فأقِمْ بمكانك، ووجّه الأجناد، فإن هُزِم لك جند أمددتَهم بجند، وإن هُزِم لك قائد أمددته بقائد، فخيِف مكانك، واتّقاكَ عدوُّك، وجُبِيت الأموال، وثبتتْ وطأتك؛ ثم رأيْك بعد. فقال الكوفيّون: أصلحك الله! إن بالكوفة رجالًا لو قد رأوْك ماتُوا دونك، وإلّا يرْوك تقعد بهم أسبابٌ شتى فلا يأتونك، فلم يزالوا به حتى شخَص. وذُكر عن عبد الله بن جعفر المدينيّ، قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخَمْرَى، فلمّا عسكرنا أتانا ليلة من الليالي، فقال: انطلق بنا نطفْ في عسكرنا، قال: فسمع أصوات طَنابير وغناء فرجع، ثم أتاني ليلة أخرى فقال: انطلق بنا، فانطلقتُ معه، فسمع مثل ذلك فرجع وقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا. وذُكر عن عفان بن مسلم الصفار، قال: لمّا عسكر إبراهيمُ افترض معه رجال من جيراننا، فأتيت معسكَره، فحزَرتُ أنّ معه أقلّ من عشرة آلاف. فأما داود بن جعفر بن سليمان، فإنه قال: أحصِيَ في ديوان إبراهيم من أهل البصرة مئة ألف، ووجّه أبو جعفر عيسى بن موسى - فيما ذكر إبراهيمُ بن موسى بن عيسى - في خمسة عشر ألفًا، وجعل على مقدّمته حُميد بن قحطبة على ثلاثة آلاف، فلما شخص عيسى بن موسى نحو إبراهيم سار معه - فيما ذكر - أبو جعفر حتى بلغ نهر البصريّين، ثم رجع أبو جعفر، وسار إبراهيم من معسكره بالماخور من خُرَيبة البصرة نحو الكوفة. فذكر بعض بني تيم الله عن أوس بن مهلهل القطعيّ، قال: مرّ بنا إبراهيم فيطريقه ذلك، ومنزلنا بالقباب التي تدعى قباب أوْس، فخرجتُ أتلقّاه مع أبي وعمّى، فانتهينا إليه وهو على بِرْذون له يرتاد منزلًا من الأرض، قال: فسمعته يتمثّل أبياتًا للقُطاميّ: أمورٌ لو تَدَبّرها حَلِيمٌ ... إذًا لنَهى وهَيَّبَ ما استَطَاعا ومعْصِيَة الشفيق عليك ممّا ... يزيدك مرةً منه استماعا وخبْرُ الأَمر ما استقبلتَ منه ... وليس بأَن تَتَبّعه اتّباعَا ولكنَّ الأَدِيمَ إذا تفرَّى ... بِلىً وتعيُّبًا غلب الصَّنَاعا فقلت للذي معي: إني لأسمع كلامَ رجل نادم على مسيره، ثم سار فلما بلغ كرخثا قال له - فيما ذكر عن سليمان بن أبي شيخ عن عبد الواحد بن زياد بن لبيد - إن هذه بلادُ قومي، وأنا أعلم بها، فلا تقصد قصْد عيسى بن موسى، وهذه العساكر التي وُجّهتْ إليك، ولكني أسلك بك - إن تركتَني - طريقًا لا يشعر بك أبو جعفر إلا وأنت معه بالكوفة، فأبى عليه. قال: فإنا معشر ربيعة أصحاب بيات، فدعني أبيّت أصحاب عيسى بياتًا، قال: إني أكره البَيَات. وذُكر عن سعيد بن هريم أنّ أباه أخبره، قال: قلت لإبراهيم: إنك غير ظاهر على هذا الرجل حتى تأخذ الكوفة، فإن صارت لك مع تحصّنه بها لم تقم له بعدها قائمة، ولي بعدُ بها أهيْلٌ، فدعني أسِرْ إليها مختفيًا فأدعو إليك في السرّ ثم أجهر؛ فإنهم إن سمعوا داعيًا إليك أجابوه، وإن سمع أبو جعفر الهْيعة بأرجاء الكوفة لم يردّ وجهه شيء دون حُلوان، قال: فأقبل على بشير الرحّال، فقال: ما ترى يا أبا محمد؟ قال: إنا لوثقنا بالذي تصِف لكان رأيًا؛ ولكنّا لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة، فيرسل إليهم أبو جعفر خيلًا فيَطأ البَريء والنَّطِف (١) والصّغير والكبير؛ فتكون قد تعرّضت لمأثمِ ذلك، ولم تبلغ منه ما أمّلتَ، فقلتُ لبشير: أخرجت حين خرجت لقتال أبي جعفر وأصحابه؛ وأنت تتوقَّى قتل الضّعيف، والصغير والمرأة والرجل؛ أوَليس قد كان رسول الله ﷺ يوجّه السرّية فيقاتل فيكون في ذلك نحو ما كرهت! فقال: إنّ أولئك كانوا مشركين كلهم، وهؤلاء أهلُ ملّتنا ودعوتنا وقبلتنا، حكْمهم غير حكم أولئك، فاتبع إبراهيم رأيهولم يأذن له، وسار إبراهيم حتى نزل باخَمْرَى. وذكر خالد بن أسيد الباهليّ أنه لما نزلها أرسل إليه سلْم بن قتيبة حكيم بن عبد الكريم: إنك قد أصْحَرْت، ومثلك أنفسُ به عن الموت، فخندِق على نفسك حتى لا تؤتَى إلا من مأتىً واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أعرى أبو جعفر عسكرَه، فتخْفِفْ في طائفة حتى تأتيَه فتأخذ بقفاه. قال: فدعا إبراهيم أصحابَه، فعرض ذلك عليهم، فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن ظاهرون عليهم! لا والله لا نفعل، قال: فنأتيه؟ قالوا: ولمَ وهو في أيدينا متى أردناه! فقال إبراهيم لحكيم: قد تسمع، فارجع راشدًا. فذكر إبراهيم بن سلم أنّ أخاه حدّثه عن أبيه، قال: لما التقينا صفّ لهم أصحابُنا، فخرجت من صفهم، فقلت لإبراهيم: إن الصّفّ إذا انهزم بعضه تداعَى، فلم يكن لهم نظام، فاجعلهم كراديس، فإن انهزم كُرْدوس ثبت كردوس، فتنادوا: لا، إلا قتال أهل الإسلام يريدون قوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ (١). وذكر يحيى بن شكر مولى محمد بن سليمان، قال: قال المضاء: لما نزلنا باخَمْرَى أتيتُ إبراهيم فقلت له: إن هؤلاء القوم مصبِّحوك بما يسدّ عليك مغرب الشمس من السلاح والكُراع، وإنما معك رجال عُراة من أهل البصرة، فدعني أبيّته، فوالله لأشتِّتَنّ جموعه، فقال: إني أكره القَتْل فقلت: تريد المُلْك وتكره القتل! وحدّثني الحارث قال: حدّثني ابن سعد، قال: حدّثنا محمد بن عمر، قال: لما بلغَ إبراهيمَ قتلُ أخيه محمد بن عبد الله، خرج يريد أبا جعفر المنصور بالكُوفة، فكتب أبو جعفر إلى عيسى بن موسى يعلِمه ذلك، ويأمره أن يُقبِل إليه؛ فوافاه رسول أبي جعفر وكتابُه - وقد أحرم بعمرة - فرفضها، وأقبل إلى أبي جعفر، فوجّهه في القوّاد والجند والسلاح إلى إبراهيم بن عبد الله. وأقبل إبراهيم ومعه جماعة كثيرة من أفناء الناس؛ أكثر من جماعة عيسى بن موسى، فالتقوْا بباخَمْرَى - وهي على ستة عشر فرسخًا من الكوفة - فاقتتلوا بهاقتالًا شديدًا، وانهزم حُميد بن قحطبة - وكان على مقدّمة عيسى بن موسى - وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى بن موسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوُون عليه، ومرّوا منهزمين، وأقبل حُميد بن قحطبة منهزمًا، فقال له عيسى بن موسى: يا حُميد، الله الله والطاعة! فقال: لا طاعةَ في الهزيمة، ومرَّ الناس كلهم حتى لم يبقَ منهم أحد بين يديْ عيسى بن موسى، وعسكر إبراهيم بن عبد الله، فثبت عيسى بن موسى في مكانه الذي كان فيه لا يزول، وهو في مئة رجل من خاصّته وحَشمه، فقيل له: أصلح الله الأمير! لو تنحّيت عن هذا المكان حتى يثوب إليك الناس فتكرّ بهم! فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبدًا حتى أقتَل أو يفتح الله على يدي؛ ولا يقال: انهزم. وذكر عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن عليّ أنّ إسحاق بن عيسى بن عليّ حدّثه أنه سمع عيسى بن موسى يحدّث أباه أنه قال: لما أراد أمير المؤمنين توجيهي إلى إبراهيم، قال: إنّ هؤلاء الخبثاء - يعني المنجّمين - يزعمون أنك لاقٍ الرجلَ، وأن لك جولةً حين تلقاه، ثم يفئ إليك أصحابك، وتكون العاقبة لك، قال: فوالله لكان كما قال؛ ما هو إلّا أن التقيْنا فهزمونا، فلقد رأيتُني وما معي إلا ثلاثة أو أربعة؛ فأقبل عليّ مولىً لي - كان ممسكًا بلجام دابتي - فقال: جُعلت فداك! علامَ تقيم وقد ذهب أصحابك! فقلت: لا والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبدًا وقد انهزمتُ عن عدوّهم. قال: فوالله لكان أكثر ما عندي أن جعلت أقول لمن مرّ بي ممن أعرف من المنهزمين: أقرِئوا أهل بيتي مني السلام، وقولوا لهم: إني لم أجد فداءً أفديكم به أعزّ عليّ من نفسي، وقد بذلتُها دونكم، قال: فوالله إنا لعلَى ذلك والناس منهزمون ما يلوي أحدٌ على أحد، وصمد ابنا سليمان: جعفر ومحمد لإبراهيم، فخرجا عليه من ورائه، ولا يشعر مَنْ بأعقابنا من أصحاب إبراهيم؛ حتى نظر بعضهم إلى بعض؛ وإذا القتال من ورائهم، فكرُّوا نحوه، وعقّبنا في آثارهم راجعين؛ فكانت إياه، قال: فسمعت عيسى بن موسى يومئذ يقول لأبي: فوالله يا أبا العباس؛ لولا ابنَا سليمان يومئذ لافتضحنا؛ وكان مِنْ صنع الله أنّ أصحابنا لما انهزموا يومئذ اعترضَ لهم نهر ذو ثنيّتين مرتفعتين، فحالتا بينهم وبين الوثوب؛ ولم يجدوا مخاضة؛ فكرّوا راجعين بأجمعهم.فذُكر عن محمد بن إسحاق بن مهران، أنه قال: كان بباخَمْرى ناسٌ من آل طلحة فمخرُوها على إبراهيم وأصحابه، وبثقُوا الماء، فأصبح أهل عسكره مرتطمين في الماء، وقد زعم بعضهم أن إبراهيم هو الذي مخرَ ليكون قتاله من وجه واحد؛ فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، فلما انهزم أصحاب إبراهيم وثبتَ معه جماعة من أصحابه يقاتلون دونه، اختلف في مبلغ عدَدهم، فقال بعضهم: كانوا خمسمئة، وقال بعضهم: كانوا أربعمئة، وقال بعضهم: بل كانوا سَبعين. فحدثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر: لما انهزم أصحاب عيسى بن موسى وثبت عيسى مكانه، أقبل إبراهيم بن عبد الله في عسكره يدنُو ويدنو غبارُ عسكره؛ حتى يراه عيسى ومَنْ معه؛ فبيناهم على ذلك إذا فارس قد أقبل وكرّ راجعًا يجري نحو إبراهيم، لا يعرّج على شيء؛ فإذا هو حُميد بن قحطبة قد غيّر لأمته، وعصَب رأسه بعصابة صفراء، فكرّ الناس يتبعونه حتى لم يبق أحدٌ ممن كان انهزم إلا كرّ راجعًا، حتى خالطوا القوم، فقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى قَتل الفريقان بعضهم بعضًا، وجعل حُمَيد بن قحطبة يرسل بالرؤوس إلى عيسى بن موسى إلى أن أتي برأس ومعه جماعة كثيرة وضجة وصياح، فقالوا: رأس إبراهيم بن عبد الله، فدعى عيسى بن موسى بن أبي الكرام الجعفريّ، فأراه إياه، فقال: ليس هذا؛ وجعلوا يقتتلون يومهم ذلك؛ إلى أن جاء سهم عائر لا يُدْرَى من رمى به، فوقع في حَلْق إبراهيم بن عبد الله فنحرَه، فتنحَّى عن موقفه، فقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (١)، أردنا أمرًا وأراد الله غيره؛ فأنزِل إلى الأرض وهو مثخَنٌ، واجتمع عليه أصحابه وخاصّته يحمونه ويقاتلون دونه، ورأى حُمَيد بن قحطبة اجتماعهم، فأنكرهم فقال لأصحابه: شدّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم، وتعلَموا ما اجتمعوا عليه، فشدُّوا عليهم، فقاتلوهم أشدّ القتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم، وخلصوا إليه فحزُّوا رأسه؛ فأتوا به عيسى بن موسى، فأراه ابنَ أبي الكرام الجعفريّ، فقال: نعم؛هذا رأسه، فنزل عيسى إلى الأرض فسجد، وبعث برأسه إلى أبي جعفر المنصور، وكان قتْلُه يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئة، وكان يوم قُتل ابن ثمان وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام. وذكر عبد الحميد أنه سأل أبا صلابة: كيف قُتِلَ إبراهيم؟ قال: إني لأنظر إليه واقفًا على دابّةٍ ينظر إلى أصحاب عيسى قد وَلَّوْا ومنحوه أكتافهم، ونكَص عيسى بدابته القَهْقَرَى وأصحابه يقتلونهم، وعليه قباء زَرَد، فآذاه الحرّ، فحل أزرار قَبائه، فشال الزّرد حتى سال عن ثدييه، وحسر عن لّبته، فأتته نُشّابة عائرة (١)، فأصابته في لبّتِه، فرأيته اعتنق فرسه، وكرّ راجعًا، وأطافت به الزيديّة. وذكر إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام؛ قال: حدّثني أبي، قال: لما انهزم أصحاب عيسى تبعتْهم رايات إبراهيم في آثارهم، فنادى منادى إبراهيم: ألا لا تَتّبعوا مدبرًا؛ فكرّت الرايات راجعةً، ورآها أصحاب عيسى فخالُوهم انهزموا، فكرُّوا في آثارهم؛ فكانت الهزيمة. وذكر أن أبا جعفر لما بلغته جولةُ أصحاب عيسى عزَم على الرحيل إلى الرّيّ، فذكر سلم بن فرقد حاجب سليمان بن مجالد، أنه قال: لما التقوْا هُزم أصحاب عيسى هزيمة قبيحةً حتى دخل أوائلهم الكُوفة، فأتاني صديق لي كوفيّ، فقال: أيّها الرجل، تعلمْ والله لقد دخل أصحابك الكوفة؛ فهذا أخو أبي هريرة في دار فلان؛ وهذا فلان في دار فلان؛ فانظر لنفسك وأهلك ومالك؛ قال: فأخبرت بذلك سليمانَ بن مجالد، فأخبر به أبا جعفر، فقال: لا تكشفنّ من هذا شيئًا ولا تلتفتنّ إليه؛ فإنّي لا آمن أن يهجم عليّ ما أكره، وأعْدِدْ على كلّ باب من أبواب المدينة إبلا ودوابّ؛ فإن أتِينا من ناحية صرنا إلى الناحية الأخرى، فقيل لسلم: إلى أين أراد أبو جعفر يذهب إن دهمه أمر؟ قال: كان عزم على إتيان الرّي، فبلغني أن نيبخت المنجّم دخل على أبي جعفر، فقال: يا أميرَ المؤمنين، الظَّفَرُ لك، وسيُقتل إبراهيم، فلم يقبلذلك منه، فقال له: احبسني عندك، فإن لم يكن الأمر كما قلت لك فاقتلني، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم، فتمثَّل ببيت معقَّر بن أوْس بن حمار البارقيّ: فأَلقتْ عَصَاها واستقرّتْ بها النَّوى ... كما قرَّ عينًا بالإياب المسافرُ (١) فأقطع أبو جعفر نيبخت ألفي جريب بنهر جَوْبر؛ فذكر أبو نعيم الفضل ابن دكين أن أبا جعفر لما أصبح من الليلة التي أتِيَ فيها برأس إبراهيم - وذلك ليلة الثلاثاء لخمس بقين من ذي القعدة - أمر برأسه فنُصب رأسه في السوق (٢). وذكر أن أبا جعفر لما أتِيَ برأسه فوُضع بين يديه بكَى حتى قطرت دموعه على خدّ إبراهيم، ثم قال: أما والله إن كنتُ لهذا لكارهًا، ولكنّك ابتليتَ بي وابتليتُ بك (٢). وذكر عن صالح مولى المنصور أنّ المنصور لما أتِيَ برأس إبراهيم بن عبد الله وضَعه بين يديه، وجلس مجلسًا عامًّا، وأذن للناس، فكان الدّاخل يدخل فيسلّم ويتناول إبراهيم فيسيء القول فيه، ويذكر منه القبيح، التماسًا لرضا أبي جعفر، وأبو جعفر ممسكٌ متغيّر لونه؛ حتى دخل جعفر بن حنظلة البهرانيّ، فوقف فسلّم، ثم قال: عظّم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمَّك، وغفر له ما فرّط فيه من حقك! فاصفرّ لونُ أبي جعفر وأقبل عليه، فقال: أبا خالد، مرحبًا وأهلًا ها هنا! فعلم الناس أن ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة. * * * وفي هذه السنة خرجت الترك والخَزَر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينيَة جماعة كثيرة. [٧/ ٦٣٧ - ٦٤٩].