page 4408, entry [1625]Open original source
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث قال الهيثم: كان حصار عبد الله بن عليّ مقاتلًا العكيّ أربعين ليلة، فلما بلغه مسيرُ أبي مسلم إليه، وأنه لم يظفر بمقاتل، وخشي أن يهجم عليه أبو مسلم أعطى العكيّ أمانًا، فخرج إليه فيمن كان معه، وأقام معه أيامًا يسيرة، ثم وجّهه إلى عثمان بن عبد الأعليّ بن سراقة الأزديّ إلى الرّقة ومعه ابناه، وكتب إليه كتابًا دفعه إلى العكيّ، فلما قدموا على عثمان قتَل العكيّ وحبس ابنيه، فلما بلغه هزيمة عبد الله بن عليّ وأهل الشأم بنصيبين أخرجهما فضرب أعناقهما. وكان عبد الله بن عليّ خشى ألا يناصحه أهل خراسان، فقتل منهم نحوًا من سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شُرَطه فقتلهم؛ وكتب لحميد بن قحطبة كتابًا ووجّهه إلى حلب، وعليها زُفَر بن عاصم وفي الكتاب: إذا قدم عليك حُميد بن قحطبة فاضرب عنقَه، فسار حميد حتى إذا كان ببعض الطريق فكّر في كتابه، وقال: إنّذهابي بكتاب ولا أعلم ما فيه لغَرَر، ففكّ الطومار فقرأه، فلما رأى ما فيه دعا أناسًا من خاصته فأخبرهم الخبر، وأفشى إليهم أمره، وشاورهم، وقال: مَنْ أراد منكم أن ينجوَ ويهرب فلَيَسِرْ معي؛ فإني أريد أن آخذ طريق العراق، وأخبرهم ما كتب به عبد الله بن عليّ في أمره، وقال لهم: مَنْ لم يرد منكم أن يحمل نفسه على السير فلا يفشينّ سرّى، وليذهب حيث أحبّ. قال: فاتبعه على ذلك ناس من أصحابه، فأمر حميد بدوابّه فأنعلت (١)، وأنعل أصحابه دوابهم، وتأهبوا للمسير معه، ثم فوّز (٢) بهم وبهرَجَ الطريق (٣) فأخذ على ناحية من الرّصافة؛ رصافة هشام بالشأم، وبالرّصافة يومئذ مولى لعبد الله بن عليّ يقال له سعيد البربريّ، فبلغه أنّ حُميد بن قحطبة قد خالف عبد الله بن عليّ، وأخذ في المفازة، فسار في طلبه فيمن معه من فُرسانه؛ فلحقه ببعض الطريق، فلما بصر به حُميد ثنى فَرسَه نحوه حتى لقيَه، فقال له: ويحك! أما تعرفني! والله ما لك في قتالي من خيْر فارجع؛ فلا تقتل أصحابي وأصحابك، فهو خير لك، فلما سمع كلامه عرف ما قال له، فرجع إلى موضعه بالرُّصافة، ومضى حُميد ومَن كان معه، فقال له صاحب حَرسه موسى بن ميمون: إن لي بالرُّصافة جاريةً، فإن رأيتَ أن تأذنَ لي فآتيَها فأوصيها ببعض ما أريد، ثم ألحقك! فأذن له فأتاها، فأقام عندها، ثم خرج من الرُّصافة يريد حُميدًا، فلقيه سعيد البربريّ مولى عبد الله بن عليّ، فأخذه فقتله، وأقبل عبد الله بن عليّ حتى نزل نَصِيبين، وخندق عليه. وأقبل أبو مسلم، وكتب أبو جعفر إلى الحسن بن قحطبة - وكان خليفته بأرمينيَة - أن يوافي أبا مسلم، فقدم الحسن بن قحطبة على أبي مسلم وهو بالموْصِل، وأقبل أبو مسلم، فنزل ناحية لم يعرِض له، وأخذ طريق الشأم، وكتب إلى عبد الله: إني لم أؤْمَر بقتالك، ولم أوجَّه له، ولكن أمير المؤمنين ولَّاني الشأم؛ وإنما أريدها؛ فقال مَنْ كان مع عبد الله من أهل الشأم لعبد الله:كيف نقيم معك وهذا يأتي بلادنا وفيها حرمُنا فيقتل من قدر عليه من رجالنا، ويسبِي ذراريّنا! ولكنا نخرج إلى بلادنا فنمنعه حَرَمنا وذراريَّنا ونقاتله إن قاتلنا، فقال لهم عبد الله بن عليّ: إنه والله ما يريد الشأم، وما وُجِّه إلا لقتالكم، ولئن أقمتم ليأتينكم، قال: فلم تطب أنفسُهم، وأبوْا إلا المسير إلى الشأم. قال: وأقبل أبو مسلم فعسكر قريبًا منهم، وارتحل عبد الله بن عليّ من عسكره متوجّهًا نحو الشأم، وتحوّل أبو مسلم حتى نزل في معسكر عبد الله بن عليّ في موضعه، وغوّر (١) ما كان حوله من المياه، وألقى فيها الجيَف. وبلغ عبد الله بن عليّ نزول أبي مسلم معسكره، فقال لأصحابه من أهل الشأم: ألم أقل لكم! وأقبل فوجد أبا مسلم قد سبقه إلى معسكره، فنزل في موضع عسكر أبي مسلم الذي كان فيه، فاقتتلوا أشهرًا خمسة أو ستة، وأهل الشأم أكثر فرسانًا وأكمل عُدّة، وعلى ميمنة عبد الله بكار بن مسلم العقيليّ، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسديّ، وعلى الخيل عبد الصمد بن عليّ، وعلى ميمنة أبي مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى الميسرة أبو نصر خازم بن خزيمة، فقاتلوه أشهرًا. [٧/ ٤٧٥ - ٤٧٧]. ويقال: بل استأمن لعبد الصمد بن عليّ إسماعيل بن عليّ. وقد قيل: إن عبد الله بن عليّ لما انهزم مضى هو وعبد الصمد أخوه إلى رُصافة هشام، فأقام عبد الصمد بها حتى قدمت عليه خيول المنصور، وعليها جهور بن مرّار العجليّ، فأخذه فبعث به إلى المنصور مع أبي الخصيب مولاه موثَقًا، فلما قدم عليه أمر بصرْفه إلى عيسى بن موسى، فآمنه عيسى وأطلقه وأكرمه، وحباه وكساه. وأما عبد الله بن عليّ فلم يلبث بالرّصافة إلا ليلة، ثم أدلَج في قواده ومواليه حتى قدم البصرة على سليمان بن عليّ وهو عاملها يومئذ، فآواهم سليمان وأكرمهم وأقاموا عنده زمانًا متوارين. [٧/ ٤٧٩]. * * *قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: استخلف أبو جعفر على أرمينيَة في تلك السنة الحسن بن قحطبة. وقال غيره: استعمل رضيعه يحيى بن مسلم بن عُروة - وكان أسود مولىً لهم - فخرجا إلى مكة فكان أبو مسلم يصلح العِقَاب ويكسو الأعراب في كلّ منزل، ويصلُ من سأله، وكسا الأعراب البُتوت والملاحف، وحفر الآبار، وسهل الطرق، فكان الصوت له، وكان الأعراب يقولون: هذا المكذوب عليه؛ حتى قدم مكة فنظر إلى اليمانية فقال لنيزك: وضرب جنبه -: يا نيزكُ، أيّ جند هؤلاء لو لقيهم رجل ظريف اللسان سريع الدمعة! [٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠]. قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: كنت مع الحسن بن قحطبة بأرمينيَة فلما وجّه أبو مسلم إلى الشأم كتب أبو جعفر إلى الحسن أن يوافيَه ويسير معه، فقدمنا على أبي مسلم وهو بالموصل فأقام أيامًا، فلما أراد أن يسير، قلت للحسن: أنتم تسيرون إلى القتال وليس بك إليّ حاجة، فلو أذنتَ لي فأتيت العراق، فأقمت حتى تقدموا إن شاء الله! قال: نعم؛ لكن أعلِمْني إذا أردتَ الخروج، قلت: نعم، فلما فرغت وتهيأت أعلمتُه، وقلتُ: أتيتُك أودّعك، قال: قف لي بالباب حتى أخرُج إليك، فخرجتُ فوقفتُ وخرج، فقال: إنَي أريد أن ألقي إليك شيئًا لتبلِغَه أبا أيوب، ولولا ثقتي بك لم أخبرْك، ولولا مكانك من آلجي أيوب لم أخبرْك، فأبلغْ أبا أيوب أني قد ارتبتُ بأبي مسلم منذ قدمتُ عليه، إنه يأتيه الكتاب من أمير المؤمنين فيقرؤوه، ثم يلوى شِدقه، ويرمي بالكتاب إلى أبي نصر، فيقرؤه ويضحكان استهزاء؛ قلتُ: نعم قد فهصت، فلقيتُ أبا أيوب وأنا أرى أن قد أتيته بشيء، فضحك، قال: نحن لأبي مسلم أشدّ تُهمةً منّا لعبد الله بن عليّ إلّا أنا نرجو واحدةً، نعلم أنّ أهل خُراسان لا يحبون عبد الله بن عليّ، وقد قتَل منهم من قَتل، وكان عبد الله بن عليّ حين خَلَع خاف أهلَ خُراسان، فقتل منهم سبعة عشر ألفًا؛ أمر صاحب شرطته حيّاش بن حبيب فقتلهم. قال عليّ: فذكر أبو حفص الأزديّ أن أبا مسلم قاتل عبد الله بن عليّ فهزمه، وجَمَع ما كان في عسكره من الأموال فصيّره في حظيرة، وأصاب عينًا ومتاعًا وجوهرًا كثيرًا؛ فكان منثورًا في تلك الحظيرة، ووكّل بها وبحفظها قائدًا منقُوّاده، فكنت في أصحابه، فجعلها نوائب بيننا، فكان إذا خرج رجل من الحظيرة فتّشه، فخرج أصحابي يومًا من الحظيرة وتخلفت، فقال لهم الأمير: ما فعل أبو حفص؟ فقِالوا: هو في الحظيرة، قال: فجاء فاطلع من الباب، وفطِنت له فنزعت خُفَّيّ وهو ينظر، فنفضتهما وهو ينظر، ونفضت سراويلي وكُمّي، ثم لبست خفي وهو ينظر، ثم قام فقعد في مجلسه وخرجت، فقال لي: ما حبسك؟ قلت: خير، فخلّاني، فقال: قد رأيتُ ما صنعتَ فلِمَ صنعتَ هذا؟ قلت: إن في الحظيرة لؤلؤًا منثورًا ودراهم منثورة؛ ونحن نتقلب عليها، فخفت أن يكون قد دخل في خُفيّ منها شيء، فنزعت خُفيّ وجوربيّ؛ فأعجبه ذلك وقال: انطلق، فكنت أدخل الحظيرة مع من يحفظ فآخذ من الدراهم ومن تلك الثياب الناعمة فأجعل بعضها في خفيّ وأشدّ بعضها على بطني، ويخرج أصحابي فيفتَّشُون ولا أفتَّش، حتى جمعت مالًا، قال: وأما اللؤلؤ فإنّي لم أكن أمسّه. [٧/ ٤٨١ - ٤٨٢]. * * * وقال غير من ذكرت خبره: لما ظفِر أبو مسلم بعسكر عبد الله بن عليّ بعث المنصور يقطين بن موسى، وأمره أن يحصيَ ما في العسكر، وكان أبو مسلم يسميه "يك دين". فقال أبو مسلم: يا يقطين، أمين على الدماء خائن في الأموال! وشتم أبا جعفر، فأبلغه يقطين ذلك. وأقبل أبو مسلم من الجزيرة مجمِعًا على الخلاف؛ وخرج من وجهه معارضًا يريد خراسان؛ وخرج أبو جعفر من الأنبار إلى المدائن؛ وكتب إلى أبي مسلم في المصير إليه، فكتب أبو مسلم، وقد نزل الزّاب وهو على الرّواح إلى طريق حُلوان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين أكرمه الله عدوّ إلا أمكنه الله منه؛ وقد كنّا نروِي عن ملوك آل ساسان: أنّ أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء؛ فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيتَ، حريُّون بالسمع والطاعة؛ غير أنها من بعيد حيث تقارنها السلامة، فإن أرضاك ذاك فأنا كأحسن عبيدك؛ فإن أبيتَ إلا أن تعطىَ نفسك إرادتَها نقضتُ ما أبرْمت من عهدك، ضنًّا بنفسي، فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم: قد فهمتُ كتابك؛ وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغَشَشة ملوكهم، الذين يتمنوْن اضطرابحَبْل الدولة لكثرة جرائمهم؛ فإنما راحتُهم في انتشار نظام الجماعة؛ فلمَ سوَّيْت نفسك بهم، وأنت في طاعتك ومناصحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به! وليس مع الشريطة التي أوجبتَ منك سمع ولا طاعة، وحمّل إليك أمير المؤمنين عيسى بن موسى رسالة لتسكُنَ إليها إلى أن أصغَيْت إليها، وأسأل الله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك؛ فإنه لم يجد بابًا يفسد به نيتك أوكدَ عنده، وأقرب من طِبّه من الباب الذي فتحه عليك، ووجه إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجليّ؛ وكان واحد أهل زمانه، فخدعه وردّه، وكان أبو مسلم يقول: والله لأقتلَنّ بالروم، وكان المنجمون يقولون ذلك؛ فأقبل والمنصور في الرومية في مضارب، وتلقاه الناس وأنزله وأكرمه أيامًا. [٧/ ٤٨٣ - ٤٨٢]. قال عليّ عن أبي حفص الأزدي، قال: كنت مع أبي مسلم، فقدِم عليه أبو إسحاق من عند أبي جعفر بكتب من بني هاشم، وقال: رأيتُ القوم على غير ما ترى، كلّ القوم يرون لك ما يرون للخليفة، ويعرفون ما أبلاهم الله بك. فسار إلى المدائن، وخلف أبا نصر في ثَقَله، وقال: أقم حتى يأتيك كتابي، قال: فاجعل بيني وبينك آية أعرف بها كتابك، قال: إن أتاك كتابي مختومًا بنصف خاتم فأنا كتبتُه، وإن أتاك بالخاتم كلِّه؛ فلم أكتبه ولم أختمه، فلما دنا من المدائن تلقاه رجل من قوّاده، فسلّم عليه، فقال له: أطعْني وارجع، فإنه إن عاينك قتلَك، قال: قد قربتُ من القوم فأكره أن أرجع، فقدم المدائن في ثلاثة آلاف، وخلّف الناس بحُلْوان، فدخل على أبي جعفر، فأمره بالانصراف في يومه، وأصبح يريده، فتلقاه أبو الخصيب فقال: أمير المؤمنين مشغولٌ، فاصبر ساعة حتى تدخل خاليًا، فأتى منزلَ عيسى بن موسى - وكان يحبّ عيسى - فدعا له بالغداء، وقال أمير المؤمنين للربيع - وهو يومئذ وصيف يخدم أبا الخصيب: انطلِق إلى أبي مسلم؛ ولا يعلم أحدٌ، فقل له: قال لك مرزوق: إن أردتَ أمير المؤمنين خاليًا فالعجل، فقام فركب، وقال له عيسى: لا تعجَل بالدّخول حتى أدخل معك، فأبطأ عيسى بالوضوء، ومضى أبو مسلم فدخل فقتل قبل أن يجيءَ عيسى، وجاء عيسى وهو مدرج في عبَاءة، فقال: أين أبو مسلم؟ قال: مُدْرجٌ فيالكساء، قال: إنا لله" قال: اسكت، فما تمّ سلطانك وأمرُك إلّا اليوم، ثم رمى به في دجلة. قال عليّ: قال أبو حفص: دعا أمير المؤمنين عثمان بن نَهيك وأربعة من الحَرس، فقال لهم: إذا ضربت بيديّ إحداهما على الأخرى؛ فاضربوا عدّو الله، فدخل عليه أبو مسلم، فقال له: أخبرْني عن نَصْلَيْن أصبتَهما في متاع عبد الله بن عليّ، قال: هذا أحدهما الذي عليّ، قال: أرنيه فانتضاه، فناوله، فهزّه أبو جعفر، ثم وضعه تحت فراشه، وأقبل عليه يعاتبه، فقال: أخبرني عن كتابك إلى أبي العباس تنهاه عن الموات، أردتَ أن تعلّمنا الدّين! قال: ظننتُ أخذه لا يحلّ، فكتب إليّ، فلما أتاني كتابُه علمتُ أن أمير المؤمنين وأهل بيته معدن العلم، قال: فأخبرني عن تقدّمك إيايَ في الطريق؟ قال: كرهتُ اجتماعنا على الماء فيضرّ ذلك بالناس؛ فتقدّمتُك التماس الرّفق، قال: فقولك حين أتاك الخبر بموت أبي العباس من أشار عليك أن تنصرف إليّ: نقدم فنرى من رأينا؛ ومضيتَ فلا أنت أقمت حتى ألحقك ولا أنت رجعت إليّ! قال: منعنِي من ذلك ما أخبرتُك من طلب الرّفق بالناس، وقلت: نقدم الكوفة فليس عليه مني خلاف، قال: فجارية عبد الله بن عليّ أردتَ أن تتخذها؟ قال: لا؛ ولكني خفتُ أن تضيع، فحملتها في قبّة، ووكلتُ بها من يحفظها، قال: فمراغمتك وخروجك إلى خراسان؟ قال: خفتُ أن يكون قد دخلك مني شيء، فقلت: آتي خراسان، فأكتب إليك بعذري؛ وإلى ذلك ما قد ذهب ما في نفسك عليّ، قال: تالله ما رأيت كاليوم قطّ، والله ما زدتَني إلا غضبًا؛ وضرب بيده، فخرجوا عليه؛ فضربه عثمان وأصحابه حتى قتلوه. قال عليّ: قال يزيد بن أسيد: قال أمير المؤمنين: عاتبتُ عبدَ الرحمن، فقلت: المال الذي جمعته بحرّان؟ قال: أنفقتُه وأعطيتُه الجند تقويةً لهم واستصلاحًا، قلت: فرجوعُك إلى خراسان مراغمًا؟ قال: دع هذا فما أصبحتُ أخاف أحدًا إلا الله؛ فغضبتُ فشتمته، فخرجوا فقتلوه. وقال غير من ذكرت في أمر أبي مسلم: إنه لما أرسل إليه يوم قتِل، أتى عيسى بن موسى، فسأله أن يركب معه، فقال له: تقدّم وأنت في ذمتي؛ فدخل مضرب أبي جعفر؛ وقد أمر عثمان بن نَهيك صاحب الحرس، فأعدْ له شبيب بنواج المروروذيّ (رجلًا من الحَرَس) وأبا حنيفة حرب بن قيس، وقال لهم: إذا صفقتُ بيديَّ فشأنكم؛ وأذن لأبي مسلم، فقال لمحمد البواب النجاريّ: ما الخبر؟ قال: خير؛ يُعطينني الأمير سيفه، فقال: ما كان يُصنَع بي هذا! قال: وما عليك! فشكا ذلك إلى أبي جعفر، قال: ومَن فعل بك هذا قبحه الله! ثم أقبل يعاتبه: ألستَ الكاتب إليّ تبدأ بنفسك، والكاتب إليّ تخطب أمينة بنت عليّ وتزعم أنك ابنُ سَلِيط بن عبد الله بن عباس! ما دعاك إلى قتل سليمان بن كَثير مع أثرِه في دعوتنا؛ وهو أحد نقبائنا قبل أن نُدخلك في شيء من هذا الأمر؟ قال: أرادَ الخلافَ وعصاني فقتلتُه، فقال المنصور: وحاله عندنا حاله فقتلَته، وتعصيني وأنت مخالف عليّ! قتلني الله إن لم أقتلك! فضربه بعمود، وخرج شبيبُ وحرب فقتلاه، وذلك لخمس ليال بقين من شعبان من سنة سبع وثلاثين ومئة، فقال المنصور: زعمتَ أنَّ الدَّين لا يُقْتَضَى ... فاسْتَوْفِ بالكَيْل أَبا مُجْرِم سُقِيتَ كأْسًا كنتَ تَسقِي بها ... أَمَرَّ في الحَلق مِنَ العَلْقَم قال: وكان أبو مسلم قد قَتَل في دولته وحروبه ستمئة ألف صَبْرًا. وقيل: إن أبا جعفر لما عاتب أبا مسلم، قال له: فعلتَ وفعلتَ، قال له أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بلائي، وما كان مني؛ فقال: يا بن الخبيثة؛ والله لو كانتْ أمَةٌ مكانك لأجْزَتْ ناحيتها؛ إنما عملت ما عملت في دولتنا وبريحنا؛ ولو كان ذلك إليك ما قطعتَ فتيلًا، ألستَ الكاتبَ إليّ تبدأ بنفسك، والكاتبَ إليّ تخطب أمينة بنت عليّ، وتزعم أنك ابنُ سَليط بن عبد الله بن عباس! لقد ارتقيت لا أمّ لك مُرْتَقىً صعبًا! فأخذ أبو مسلم بيده يعرِكها ويقتلها ويعتذر إليه. وقيل: إن عثمان بن نَهيك ضرب أبا مسلم أوّل ما ضرب ضربة خفيفة بالسيف؛ فلم يزد على أن قطع حمائل سيفه؛ فاعتقل بها أبو مسلم، وضرب شبيب بن واج رجلَه، واعتوَره بقية أصحابه حتى قتلوه، والمنصور يصيح بهم: اضربوا قطع الله أيديكم! وقد كان أبو مسلم قال - فيما قيل - عند أول ضربة أصابته: يا أمير المؤمنين، استبقني لعدّوك قال: لا أبقاني الله إذًا! وأيّ عدوٍّ لي أعدى منك!وقيل: إن عيسى بن موسى دخل بعد ما قُتِل أبو مسلم، فقال: يا أميرَ المؤمنين، أين أبو مسلم؟ فقال: قد كان هاهنا آنفًا، فقال عيسى: يا أمير المؤمنين، قد عرفتَ طاعته ونصيحَته ورأيَ الإمام إبراهيم كان فيه؛ فقال: يا أنوَك؛ والله ما أعلم في الأرض عدوًّا أعدى لك منه؛ ها هو ذاك في البِساط، فقال عيسى: إنا لله وإنا إليه راجعون! وكان لعيسى رأي في أبي مسلم، فقال له المنصور: خلع الله قلبك؛ وهل كان لكم مُلْك أو سلطان أو أمر أو نهي مع أبي مسلم! قال: ثم دعا أبو جعفر جعفر بن حنظلة، فدخل عليه، فقال: ما تقول في أبي مسلم؟ فقال. يا أمير المؤمنين، إن كنت أخذتَ شعرة من رأسه فاقتلْ تم اقتلْ ثم اقتلْ؛ فقال المنصور: وفّقك الله! ثم أمره بالقيام والنظر إلى أبي مسلم مقتولًا، فقال: يا أميرَ المؤمنين، عُدّ من هذا اليوم لخلافتك. ثم استؤذن لإسماعيل بن عليّ، فدخل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي رأيتُ في ليلتي هذه كأنك ذبحتَ كبشًا وأني توطّأته برجلي، فقال: نامت عينُك يا أبا الحسن، قم فصدّق رؤياك؛ قد قتل الله الفاسق، فقام إسماعيل إلى الموضع الذي فيه أبو مسلم، فتوطّأه. ثم إنّ المنصور همّ بقتل أبي إسحاق صاحب حَرَس أبي مسلم وقتل أبي نصر مالك - وكان على شُرط أبي مسلم - فكلّمه أبو الجهم، فقال: يا أمير المؤمنين، جنده جندك، أمرتهم بطاعته فأطاعوه، ودعا المنصور بأبي إسحاق، فلما دخل عليه ولم ير أبا مسلم، قال له أبو جعفر: أنت المتابع لعدوّ الله أبي مسلم على ما كان أجمع؛ فكفّ وجعل يلتفت يمينًا وشمالًا تخوّفًا من أبي مسلم، فقال له المنصور: تكلم بما أردت، فقد قتل الله الفاسق؛ وأمر بإخراجه إليه مقطّعًا، فلما رآه أبو إسحاق خرّ ساجدًا، فأطال السجود، فقال له المنصور: ارفع رأسك وتكلم؛ فرفع رأسه وهو يقول: الحمدُ لله الذي آمنني بك اليوم؛ والله ما أمنتُه يومًا واحدًا منذ صحبتُه، وما جئتهُ يومًا قطّ إلا وقد أوصيتُ وتكفَّنتُ وتحنّطتُ؛ ثم رفع ثيابه الظاهرة فإذا تحتها ثِيابُ كَتَّان جُدَد، وقد تحنّط، فلما رأى أبو جعفر حاله رحمه، ثم قال: استقبل طاعةَ خليفتك، واحمد الله الذي أراحك من الفاسق، ثم قال له أبو جعفر: فرِّق عني هذه الجماعة، ثم دعا بمالك بن الهيثم فحدّثه بمثل ذلك، فاعتذر إليه بأنه أسره بطاعته؛ وإنما خدمه وخفّ له الناسُبمرضاته، وأنه قد كان في طاعتهم قبل أن يعرف أبا مسلم فقبِل منه وأمره بمثل ما أمر به أبا إسحاق من تفريق جند أبي مسلم. وبعث أبو جعفر إلى عِدّة من قوّاد أبي مسلم بجوائز سنيّة، وأعطى جميع جنده حتى رضُوا، ورجع أصحابه وهم يقولون: بعنا مولانا بالدراهم، ثم دعا أبو جعفر بعد ذلك أبا إسحاق، فقال: أقسِم بالله لئن قطعوا طنُبًا من أطنابي لأضربنّ عنقك ثم لأجاهدنّهم، فخرج إليهم أبو إسحاق فقال: يا كلاب انصرِفوا. قال عليّ: قال أبو حفص الأزديّ: لما قُتِل أبو مسلم كتب أبو جعفر إلى أبي نصر كتابًا عن لسان أبي مسلم يأمره بحمل ثقله وما خلّف عنده، وأن يقدم، وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر نقْش الخاتم تامًّا، علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب، فقال: أفعلتموها! وانحدر إلى هَمذان وهو يريد خراسان، فكتب أبو جعفر لأبي نصر عهدَه على شهرزور، ووجَّه رسولًا إليه بالعهد، فأتاه حين مضى الرسول بالعهد أنه قد توجَّه إلى خراسان، فكتب إلى زهير بن التركيّ - وهو على همذان: إن مرّ بك أبو نصر فاحبِسْه، فسبق الكتاب إلى زهير وأبو نصر بهَمَذان، فأخذه فحبسه في القصْر، وكان زهير مولىً لخزاعة، فأشرف أبو نصر على إبراهيم بن عريف - وهو ابن أخي أبي نصر لأمه - فقال: يا إبراهيم، تقتل عمّك! قال: لا والله أبدًا، فأشرف زهير فقال لإبراهيم: إني مأمور والله، إنه من أعزّ الخلق عليّ؛ ولكني لا أستطيع ردّ أمر أمير المؤمنين، ووالله لئن رسى أحدكم بسهم لأرمينّ إليكم برأسه، ثم كتب أبو جعفر كتابًا آخر إلى زهير: إن كنت أخذتَ أبا نصر فاقتله. وقدم صاحبُ العهد على أبي نصر بعده فخلّى زهير سبيله لهواه فيه؛ فخرج، ثم جاء بعد يوم الكتابُ إلى زهير بقتله، فقال: جاءني كتابٌ بعهده فخليتُ سبيله. وقدم أبو نصر على أبي جعفر، فقال: أشرتَ على أبي مسلم بالمضيّ إلى خراسان؛ فقال: نعم يا أمير المؤمنين؛ كانت له عندي أيادٍ وصنائع فاستشارني فنصحتُ له، وأنت يا أمير المؤمنين إن اصطنعتَني نصحتُ لك وشكرتُ فعفا عنه؛ فلما كان يوم الراونديّة قام أبو نصر على باب القصر، وقال: أنا اليومالبوّاب، لا يدخل أحد القصر وأنا حيٌّ، فقال أبو جعفر: أين مالك بن هيثم؟ فأخبروه عنه، فرأى أنه قد نصح له. وقيل: إن أبا نصر مالك بن الهيثم لما مضى إلى همذان كتب أبو جعفر إلى زهير بن التركيّ: إنّ لله دمك إن فاتك مَالِكٌ؛ فأتى زهير مالكًا، فقال له: إني قد صنعتُ لك طعامًا، فلو أكرمتَني بدخول منزلي! فقال: نعم، وهيّأ زهير أربعين رجلًا تخيَّرهم، فجعلهم في بيتين يُفضيان إلى المجلس الذي هيأه، فلما دخل مالك قال: يا أدهم، عجّل طعامك؛ فخرج أولئك الأربعون إلى مالك، فشدّوه وثاقًا، ووضع في رجليه القيود، وبعث به إلى المنصور فمنّ عليه وصفح عنه واستعمله على الموصل. * * * وفي هذه السنة ولّى أبو جعفر المنصور أبا داود خالد بن إبراهيم خراسان وكتب إليه بعهده. [٧/ ٤٨٩ - ٤٩٤]. * ذكر الخبر عن سنباذ: ذُكر أن سنباذ هذا كان مجوسيًّا، من أهل قرية من قُرى نيسابور يقال لها أهن، وأنه كثر أتباعُه لما ظهر؛ وكان خروجه غضبًا لقتل أبي مسلم - فيما قيل - وطلبًا بثأره، وذلك أنه كان من صنائعه، وغلَب حين خرج على نيسابور وقُومِس والرّيّ، وتسمَّى فيروز أصبهبذ. [٧/ ٤٩٥]. * * * وفي هذه السنة خرج لملبَّد بن حرملة الشيبانيّ، فحكم بناحية الجزيرة، فسارت إليه روابط الجزيرة؛ وهم يومئذ فيما قيل ألف، فقاتلهم ملبَّد فهزمهم، وقَتَل مَنْ قتل منهم، ثم سارت إليه روابط الموصل فهزمهم، ثم سار إليه يزيد بن حاتم المهلبيّ، فهزمه ملبَّد بعد قتال شديد كان بينهما؛ وأخذ ملبَّد جارية ليزيد كان يطؤها، وقتل قائدًا من قوّاده، ثم وجّه إليه أبو جعفر مولاه المهلهل بن صفوان في ألفين من نُخبة الجند، فهزمهم ملبّد، واستباح عسكرهم. ثم وجّه إليه نزارًا (قائدًا من قوّاد أهل خراسان) فقتله ملبَّد، وهزم أصحابه، ثم وجه إليه زياد بن مشكان في جَمْع كثير، فلقيهم ملبَّد فهزمهم.ثم وجَّه إليه صالح بن صبيح في جيش كثيف وخيل كثيرة وعدّة، فهزمهم. ثم سار إليه حُمَيد بن قحطبة وهو يومئذ على الجزيرة، فلقيه الملبَّد فهزمه، وتحصَّن منه حميدٌ، وأعطاه مئة ألف درهم على أن يكفّ عنه. وأما الواقديّ فإنه زعم أن ظهور ملبَّد وتحكيمه كان في سنة ثمان وثلاثين ومئة، ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشَغْل السلطان بحرب سنباذ. [٧/ ٤٩٥ - ٤٩٦]. * ذكر الخبر عن سبب خلعه إياه: وكان سببُ ذلك - فيما ذُكِر - أن جَهْور لما هزم سنباذ حوى ما في عسكره، وكان فيه خزائنُ أبي مسلم التي كان خلفها بالرَّيّ، فلم يوجّهها إلى أبي جعفر، وخاف فخلَع، فوجّه إليه أبوجعفر محمد بن الأشعث الخُزاعيّ في جيش عظيم، فلقيه محمد، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، ومع جَهْور نُخَب فرسان العجم؛ زياد والأشتاخنج، فهزِم جَهْور وأصحابه، وقُتل من أصحابه خلْق كثير، وأسر زياد والأشتاخنج، وهرب جَهْور فلحق بأذْرَبيجان فأخِذ بعد ذلك باسباذْرُو فقتل. وفي هذه السنة قتل الملبّد الخارجيّ: * ذكر الخبر عن مقتله: ذكِر أن أبا جعفر لما هزم الملبّد حميد بن قحطبة، وتحصن منه حُميد، وجَّه إليه عبد العزيز بن عبد الرحمن أخا عبد الجبار بن عبد الرحمن، وضمَّ إليه زياد بن مشكان، فأكمن له الملبّد مئة فارس، فلما لقيَه عبد العزيز خرج عليه الكَمِين؛ فهزموه، وقتلوا عامّة أصحابه، فوجّه أبو جعفر إليه خازم بن خزيمة في نحو من ثمانية آلاف من المروروذيّة، فسار خازم حتى نزل الموصل، وبعث إلى الملبَّد بعض أصحابه وبعث معهم الفعلة، فسار إلى بلد فخندقوا، وأقاموا له الأسواق؛ وبلغ ذلك الملبَّد، فخرج حتى نزل ببلد، في خندق خازم؛ فلما بلغ ذلك خازمًا خرج إلى مكان من أطراف الموصل حريز فعسكر به، فلما بلغ ذلك الملبَّد عَبَر دجْلة من بلد، وتوجه إلى خازم من ذلك الجانب يريد الموصل، فلما بلغ خازمًا ذلك، وبلغ إسماعيل بن عليّ - وهو على الموصل - أمر إسماعيل خازمًا أن يرجع من معسكره حتى يعبُر من جسر الموصل؛ فلم يفعل، وعقدجسرًا من موضع معسكره، وعبَر إلى الملبّد، وعلى مقدّمته وطلائعه نَضلَة بن نعيم بن خازم بن عبد الله النهشليّ، وعلى ميمنته زُهير بن محمد العامريّ، وعلى ميسرته أبو حماد الأبرص مولى بني سليم، وسار خازم في القلْب، فلم يزل يساير الملبّد وأصحابه حتى غشيَهم الليل ثم تواقفوا ليلتَهم، وأصبحوا يوم الأربعاء، فمضى الملبَّد وأصحابه متوجّهين إلى كورة حَزّة، وخازم وأصحابه يسايرونهم حتى غشيهم الليل، وأصبحوا يوم الخميس، وسار الملبّد وأصحابه، كأنه يريد الهرب من خازم، فخرج خازم وأصحابه في أثرهم، وتركوا خندقهم، وكان خازم تخندق عليه وعلى أصحابه بالحسَك، فلما خرجوا من خندهم كرّ عليهم الملبّد وأصحابه، فلما رأى ذلك خازم ألقى الحسَك بين يديه وبين يدي أصحابه، فحملوا على ميمنة خازم وطووْها، ثم حملوا على الميسرة وطَوَوها، ثم انتهوا إلى القلْب، وفيه خازم، فلما رأى ذلك خازم نادى في أصحابه: الأرضَ، فنز لوا ونزل الملبَّد وأصحابه، وعقروا عامة دوابّهم، ثم اضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، وأمر خازم نضَلة بن نعيم أن إذا سطع الغبار ولم يبصر بعضنا بعضًا فارجع إلى خيلك وخيل أصحابك فاركبوها، ثم ارُموا بالنشاب، ففعل ذلك، وتراجع أصحاب خازم من الميمنة إلى الميسرة، ثم رشقُوا الملبَّد وأصحابه بالنشاب، فقُتل الملبَّد في ثمانمئة رجل ممن ترجّل، وقتل منهم قبل أن يترجلوا زهاء ثلاثمئة، وهرب الباقون، وتبعهم نَضلة فقتل منهم مئة وخمسين رجلًا. [٧/ ٤٩٧ - ٤٩٩].