page 4368, entry [1611]Open original source
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث وذكر عليّ: أن الحسن بن رشيد وجبله بن فرّوخ أخبراه: أنّ قحطبة لما ترك ابنَ هبيرة ومضى يريد الكوفة، قال حوثرة بن سهيل الباهليّ وناس من وجوه أهل الشأم لابن هبيرة: قد مضى قحطبة إلى الكوفة، فاقصد أنت خراسان، ودعه ومروان فإنك تكسره، فبالحري أن يتبعك، فقال: ما هذا برأي، ما كان ليتبعني ويدع الكوفة؛ ولكنّ الرأي أن أبادره إلى الكوفة. ولما عبر قحطبة الفرات، وسار على شاطيء الفرات ارتحل ابن هُبيرة من معسكره بأرض الفلُّوجة، فاستعمل على مقدّمته حوثرة بن سهيل، وأمره بالمسير إلى الكوفة، والفريقان يسيران على شاطئ الفرات؛ ابن هُبيرة بين الفرات وسورا، وقحطبة في غربيه مما يلي البرّ. ووقف قحطبة فعبر إليه رجل أعرابيّ في زورق، فسلَّم على قحطبة، فقال: ممن أنت؟ قال: من طيئ، فقال الأعرابيّ لقحطبة: اشرب من هذا واسقني سؤرك، فغرف قحطبة في قصعة فشرب وسقاه، فقال: الحمد لله الذي نسأ أجلي حتى رأيتُ هذا الجيش يشرب من هذا الماء. قال قحطبة: أتتك الرواية؟ قال: نعم؛ قال: ممن أنت؟ قال: من طيِّئ، ثم أحد بني نَبْهان، فقال قحطبة: صدقني إمامي، أخبرني أن لي وقعة على هذا النهر لي فيها النصر، يا أخا بني نبهان، هل ها هنا مخاضة؟ قال: نعم ولا أعرفها، وأدلك على مَنْ يعرفها؛ السنديّ بن عصم. فأرسل إليه قحطبة، فجاء وأبو السنديّ وعون، فدلُّوه على المخاضة وأمسى ووافتْه مقدّمة ابن هبيرة في عشرين ألفًا، عليهم حَوْثرة.فذكر عليّ، عن ابن شهاب العبدّي، قال: نزل قحطبة الجبارية فقال: صدقني الإمام أخبرني أن النصر بهذا المكان، وأعطى الجند أرزاقهم، فردّ عليه كاتبه ستة عشر ألف درهم، فضل الدرهم والدرهمين وأكثر وأقل، فقال: لا تزالون بخير ما كنتم على هذا. ووافته خيول الشام، وقد دلُّوه على مخاضة فقال: إنما أنتظر شهر حرام وليلة عاشوراء، وذلك سنة اثنتين وثلاثين ومئة. [٧/ ٤١٣ - ٤١٤]. رجع الحديث إلى حديث عليّ عن ابن شهاب العبديّ: فأما صاحب علمَ قحطبة خيران أو يسار مولاه، فقال له: اعبر، وقال لصاحب رايته مسعود بن علاج (رجل من بكر بن وائل): اعبر، وقال لصاحب شرطته عبد الحميد بن ربعيّ أبي غانم أحد بني نبهان من طيئ: اعبر يا أبا غانم، وأبشر بالغنيمة، وعبر جماعة حتى عبر أربعمئة، فقاتلوا أصحاب حوثرة حتى نَحَّوْهم عن الشريعة، ولقوا محمد بن نباتة فقاتلوه، ورفعوا النيران، وانهزم أهل الشأم، وفقدوا قحطبة فبايعوا حُميد بن قحطبة على كُره منه، وجعلوا على الأثقال رجلًا يقال له أبو نصر في مئتين، وسار حُميد حتى نزلا كربلاء، ثم دير الأعور ثم العباسيَّة. [٧/ ٤١٤]. قال عليّ: وذكر عبد الله بن بدر قال: كنتُ مع ابن هبيرة ليلة قحطبة فعبروا إلينا، فقاتلونا على مسنَّاة عليها خمسة فوارس؛ فبعث ابنُ هبيرة محمد بن نباتة، فتلقاهم فدفعناهم دفعًا، وضرب معن بن زائدة قحطبة على حبل عاتقه، فأسرع فيه السيف، فسقط قحطبة في الماء فأخرجوه، فقال: شدُّوا يديّ، فشدّوها بعمامة، فقال: إن متّ فألقوني في الماء لا يعلم أحد بقتلي. وكرّ عليهم أهل خراسان، فانكشف ابن نباتة وأهل الشام، فاتبعونا وقد أخذ طائفة في وجه، ولحقنا قوم من أهل خراسان، فقاتلناهم طويلًا، فما نجونا إلّا برجلين من أهل الشام قاتلوا عنا قتالًا شديدًا، فقال بعض الخراسانيّة: دعُوا هؤلاء الكلاب (بالفارسية) فانصرفوا عنا. ومات قحطبة وقال قبل موته: إذا قدمتم الكوفة فوزير الإمام أبو سلمة؛ فسلموا هذا الأمرَ إليه. ورجع ابن هبيرة إلى واسط. وقد قيل في هلاك قحطبة قول غير الذي قاله مَن ذكرنا قوله من شيوخ عليّ بن محمد؛ والذي قيل من ذلك: إنّ قحطبة لما صار بحذاء ابن هُبيرة من الجانبالغربيّ من الفرات، وبينهما الفرات، قدّم الحسن ابنه على مقدّمته، ثم أمر عبد الله الطائيّ ومسعود بن علاج وأسد بن المرزبان وأصحابهم بالعبور على خيولهم في الفرات، فعبروا بعد العصر، فطُعن أوّل فارس لقيهم من أصحاب ابن هبيرة، فولّوا منهزمين حتى بلغت هزيمتهم جسر سورا حتى اعترضهم سويد صاحب شُرطة ابن هبيرة، فضرب وجوههم ووجوه دوابّهم حتى ردّهم إلى موضعهم؛ وذلك عند المغرب؛ حتى انتهوا إلى مسعود بن علاج ومن معه؛ فكثروهم، فأمر قحطبة المخارق بن غفار وعبد الله بسَّام وسلمة بن محمد - وهم في جريدة خيل - أن يعبروا، فيكونوا ردءًا لمسعود بن علاج، فعبروا ولقيهم محمد بن نباتة، فحصر سلمة ومن معه بقرية على شاطى الفرات، وترجّل سلمة ومن معه، وحمي القتال، فجعل محمد بن نُباتة يحمل على سلمة وأصحابه، فيقتل العشرة والعشرين، ويحمل سلمة وأصحابه على محمد بن نباتة وأصحابه، فيقتل منهم المئة والمئتين، وبعث سلمة إلى قحطبة يستمدّه، فأمدّه بقواده جميعًا، ثم عبر قحطبة بفُرسانه، وأمر كل فارس أن يردف رجلًا؛ وذلك ليلة الخميس لليال خلون من المحرّم، ثم واقع قحطبة محمد بن نباتة ومن معه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزمهم قحْطبة حتى ألحقهم بابن هُبيرة، وانهزم ابن هبيرة بهزيمة ابن نباتة، وخلّوا عسكرهم وما فيه من الأموال والسلاح والرّثّة والآنية وغير ذلك؛ ومضت بهم الهزيمة حتى قطعوا جسر الصَّراة، وساروا ليلتهم حتى أصبحوا بفم النيل، وأصبح أصحاب قحطبة وقد فقدوه؛ فلم يزالوا في رجاء منه إلى نصف النهار، ثم يئسوا منه وعلموا بغرقه، فأجمع القوّاد على الحسن بن قحطبة فولَّوه الأمر وبايعوه، فقام بالأمر وتولاه، وأمر بإحصاء ما في عسكر ابن هُبيرة، ووكّل بذلك رجلًا من أهل خراسان يكنى أبا النضر في مئتي فارس، وأمر بحمل الغنائم في السفن إلى الكوفة، ثم ارتحل الحسن بالجنود حتى نزل كربلاء، ثم ارتحل فنزل سورا، ثم نزل بعدها دير الأعور ثم سار منه فنزل العباسيّة. وبلغ حوثرة هزيمة ابن هبيرة، فخرج بمن معه حتى لحق بابن هُبيرة بواسط. وكان سبب قتل قحطبة - فيما قال هؤلاء - أنّ أحلم بن إبراهيم بن بسام مولى بني ليث قال: لما رأيتُ قحطبة في الفرات، وقد سبحت به دابته حتى كادت تعبربه من الجانب الذي كنت فيه أنا وبسام بن إبراهيم أخي - وكان بسام على مقدّمة قحطبة - فذكرت من قُتل من ولد نصر بن سيار وأشياء ذكرتها منه؛ وقد أشفقت على أخي بسام بن إبراهيم لشيء بلغه عنه، فقلت: لا طلبتُ بثأر أبدًا إن نجوتَ الليلة. قال: فأتلقاه وقد صعدت به دابَّته لتخرج من الفرات وأنا على الشطّ، فضربته بالسيف على جبينه وأعجله الموت؛ فذهب في الفرات بسلاحه. ثم أخبر ابن حصين السعديّ بعد موت أحلم بن إبراهيم بمثل ذلك، وقال: لولا أنه أقرّ بذلك عند موته ما أخبرتُ عنه بشيء. [٧/ ٤١٥ - ٤١٧]. وكان سبب قتال سلم بن قتيبة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب - فيما ذكر - أن أبا سلمة الخلال وجّه إذ فرّق العمال في البلدان بسام بن إبراهيم مولى بني ليث إلى عبد الواحد بن عمر بن هبيرة وهو بالأهواز، فقاتله بسام حتى فضّه، فلحق سلم بن قتيبة الباهليّ بالبَصْرة؛ وهو يومئذ عامل ليزيد بن عمر بن هبيرة. وكتب أبو سلمة إلى الحسن بن قحطبة أن يوجّه إلى سَلْم من أحبّ من قُوّاده، وكتب إلى سُفيان بن معاوية بعهده على البَصْرة، وأمره أن يظهر بها دعوة بني العباس، ويدعو إلى القائم منهم؛ وينفي سلم بن قتيبة. فكتب سفيان إلى سلم يأمره بالتحوّل عن دار الإمارة، ويخبره بما أتاه من رأي أبي سلمة؛ فأبى سلم ذلك، وامتنع منه، وحشد مع سفيان جميع اليمانية وحلفاءهم من ربيعة وغيرهم، وجنح إليه قائد من قوّاد ابن هبيرة؛ وكان بعثه مددًا لسلم في ألفي رجل من كلب، فأجمع السير إلى سلم بن قتيبة، فاستعدّ له سلم، وحشد معه من قدر عليه من قيس وأحياء مضر ومن كان بالبَصْرة من بني أمية ومواليهم، وسارعت بنو أمية إلى نَصْره. فقدم سفيان يوم الخميس وذلك في صفر؛ فأتى المربد سَلْم، فوقف منه عند سوق الإبل، ووجّه الخيول في سكة المربد وسائر سكك البصرة للقاء من وجه إليه سفيان، ونادى: مَنْ جاء برأس فله خمسمئة درهم ومن جاء بأسير فله ألف درهم. ومضى معاوية بن سفيان بن معاوية في ربيعة خاصةً، فلقيه خيلٌ من تميم في السكة التي تأخذ إلى بني عامر في سكّة المربد عند الدار التي صارت لعمر بن حبيب، فطعن رجلٌ منهم فرس معاوية، فشبّ به فصرعه؛ فنزل إليه رجل من بني ضبّة يقال له: عياض، فقتله، وحمل رأسه إلى سلم بن قتيبة، فأعطاه ألفدرهم، فانكسر سفيان لقتل ابنه، فانهزم ومن معه، وخرج من فوره هو وأهل بيته حتى أتى القصر الأبيض فنزلوه، ثم ارتحلوا منه إلى كسكر. وقدم على سلم بعد غلبته على البصرة جابر بن توبة الكلابيّ والوليد بن عتبة الفراسيّ من ولد عبد الرحمن بن سمُرة في أربعة آلاف رجل، كتب إليهم ابن هبيرة أن يصيروا مددًا لسلم وهو بالأهواز، فغدا جابر بمن معه على دور المهلب وسائر الأزْد، فأغاروا عليهم، فقاتلهم من بقي من رجال الأزد قتالًا شديدًا حتى كثرت القتلى فيهم؛ فانهزموا، فسبى جابر ومن معه من أصحابه النساء، وهدموا الدور وانتهبوا؛ فكان ذلك من فعلهم ثلاثة أيام؛ فلم يزل سلم مقيمًا بالبصرة حتى بلغه قتلُ ابن هبيرة، فشخص عنها فاجتمع من البصرة من ولد الحارث بن عبد المطلب إلى محمد بن جعفر فولوه أمرهم فوليهم أيامًا يسيرة، حتى قدم البصرة أبو مالك عبد الله بن أسيد الخُزاعيّ من قِبَل أبي مسلم، فوليَها خمسة أيام، فلما قام أبو عباس ولّاها سفيان بن معاوية [٧/ ٤١٩ - ٤٢٠]. إلى هنا انتهى العصر الأموي * * *