page 4293, entry [1598]Open original source
[ذكر وقوع الخلاف بين اليمانية والنزارية في خراسان] وفي هذه السنة وقع الاختلاف في خراسان بين اليمانية والنزاريّة، وأظهر الكِرمانيّ فيها الخلاف لنصر بن سيار، واجتمع مع كلّ واحد منهما جماعة لنصرته. * ذكر الخبر عما كان بينهما من ذلك وعن السبب الذي أحدث ذلك: ذكر عليّ بن محمد عن شيوخه؛ أن عبد الله بن عمر لمّا قدم العراق واليًا عليها من قِبَل يزيد بن الوليد، كتب إلى نصر بعهده على خراسان؛ قال: ويقال: بل أتاه كتابه بعد خروج الكرمانيّ من حَبْس نصر، فقال المنجّمون لنصر: إنَّ خراسان سيكون بها فتنة؛ فأمر نصر برفع حاصل (١) بيت المال، وأعطى الناس بعض أعطياتهم ورِقًا وذهبًا من الآنية التي كان اتخذها للوليد بن يزيد؛ وكان أوّل من تكلم رجل من كِندة أفوه طُوال، فقال: العطاء العطاء! فلما كانت الجمعة الثانية، أمر نصر رجالًا من الحرَس، فلبسوا السلاح، وفرّقهم في المسجد مخافة أن يتكلم متكلم، فقام الكنديّ فقال: العطاء العطاء! فقام رجل مولى للأزْد - وكان يلقب أبا الشياطين - فتكلم، وقام حمّاد الصائغ وأبو السَّلِيل البكريّ، فقالا: العطاء العطاء! فقال نصر: إياكم والمعصية؛ عليكم بالطاعة والجماعة؛ فاتقوا الله واسمعوا ما توعظون به. فصعد سَلْم بن أحوز إلى نصر وهو على المنبر فكلّمه، فقال: ما يغني عنَّا كلامك هذا شيئًا، ووثب أهل السوق إلى أسواقهم؛ فغضب نصر وقال: ما لكم عندي عطاء بعد يومكم هذا، ثم قال: كأني بالرّجل منكم قد قام إلى أخيه وابن عمه، فلطم وجهَه في جمل يُهْدَى له وثوب يكساه، ويقول: مولاي وظئري؛ وكأني بهم قد نبغ من تحت أرجلهم شرّ لا يطاق، وكأني بكم مطّرحينفي الأسواق كالجزُر المنحورة؛ إنه لم تطل ولاية رجل إلا ملّوها؛ وأنتم يا أهلَ خراسان؛ مسلحة في نحور العدوّ، فإياكم أن يختلف فيكم سيفان. قال عليّ: قال عبد الله بن المبارك، قال نصر في خطبته: إني لمكفِّر ومع ذلك لمظَلِّم؛ وعسى أن يكون ذلك خيرًا لي، إنكم تغشوْن أمرًا تريدون فيه الفتنة، فلا أبقى الله عليكم، والله لقد نشرتكم وطويتكم، وطويتكم ونشرتكم، فما عندي منكم عشرة. وإني وإياكم كما قال مَن كان قبلكم: اسْتَمْسِكُوا أصحابَنا نَحدُو بكمْ ... فقد عرفنا خَيركم وشَرَّكمْ فاتقوا الله، فوالله لئن اختلف فيكم ليتمنَّينّ الرجل منكن أن يُخلع من ماله وولده ولم يكنِ رآه، يا أهل خراسان، إنكم غمطتم الجماعة وركنتم إلى الفرقة، أسلطان المجهول تريدون وتنتظرون! إنه فيه لهلاككم معشر العرب، وتمثَّل بقول النابغة الذبيانيّ: فإنْ يَغْلِبْ شَقاؤكُمُ عليكمْ ... فإني في صَلَاحِكُم سَعَيْتُ وقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن المغيرة بن الورد الجعديّ: أبِيتُ أَرعى النجومَ مرْتَفِقًا ... إذا استَقَلَّتْ تَجْرِي أوائِلُها مِنْ فِتنَةٍ أصبحَتْ مجَلِّلةً ... قد عَمَّ أهلَ الصَّلاةِ شامِلُها مَنْ بِخُرَاسانَ والعراقِ ومَنْ ... بالشامِ كلٌّ شَجاهُ شاغِلها فالناسُ منها في لونِ مَظلمةٍ ... دَهْماءَ ملتَجَّةٍ غَياطِلُها يمْسِي السّفِيه الذي يُعنَف بالـ ... جَهْل سواءً فيها وعاقلها والناسُ في كُرْبَةٍ يَكاد لها ... تَنبِذُ أولادَها حَوامِلُها يَغدون منها في ظلّ مُبْهَمَةٍ ... عمياءَ تغتَالهم غوائلها لا يَنظُر الناس في عواقبِها ... إلَّا التي لا يبِين قائلها كرَغوَةِ البَكرِ أَوْ كَصَيْحَةِ حُبْ ... ـلى طرَقتْ حولها قوابُلها فجاء فينا أزرَى بِوجْهَتِهِ ... فيها خُطوبٌ حُمْرٌ زَلازِلها قال: فلما أتى نصرًا عهده من قبَل عبد الله بن عمر قال الكِرْماني لأصحابه: الناس في فتنة؛ فانظروا لأموركم رجلًا - وإنما سُمّي الكرمانيّ لأنه ولد بكرْمان، واسمه جُدَيع بن عليّ بن شبيب بن بَراري بن صُنيم المعنيّ - فقالوا: أنت لنا، فقالت المضريّة لنصر: الكرمانيّ يفسد عليك؛ فأرْسِل إليه فاقتله، [أوفاحبسه]، قال: لا، ولكن لي أولاد ذكور وإناث، فأزوّج بَنيّ من بناته وبنيه من بناتي؛ قالوا: لا، قال: فأبعث إليه بمئة ألف درهم، فإنه بخيل ولا يعطي أصحابه شيئًا، ويعلمون بها فيتفرّقون عنه، قالوا: لا. هذه قوة له، قال: فدَعوه على حاله يتَّقينا ونتَّقيه، قالوا [لا، قال]: فأرسل إليه فحبسه. قال: وبلغ نصرًا أنّ الكرمانيّ يقول: كانت غايتي في طاعة بني مروان أن يقلَّد ولدي السيوف فأطلبَ بثأر بني المهلب، مع ما لقينا من نَصْر وجفائه وطول حرمانه ومكافاته إيانا بما كان من صنيع أسد إليه، فقال له عصمة بن عبد الله الأسديّ: إنها بدء فتنة، فتجنّ عليه فاحشة، وأظهر أنه مخالف واضرب عنقه وعنق سِباع بن النعمان الأزديّ والفَرَافصَة بن ظهير البكريّ، فإنه لم يزل متغضّبًا على الله بتفضيله مضر على ربيعة. وكان بخراسان، وقال جَميل بن النعمان: إنك قد شرّفتَه وإن كرهتَ قتله فادفعه إليّ أقتله، وقيل: إنما غضب عليه في مكاتبته بكْر بن فراس البَهرانيّ عامل جرْجان، يعلمه حال منصور بن جمهور حين بعث عهد الكرمانيّ مع أبي الزّعفران مولى أسد بن عبد الله، فطلبه نصر فلم يقدرْ عليه، والذي كتب إلى الكرمانيّ بقتل الوليد وقدوم منصور بن جمهور على العراق صالح الأثرم الحرار. وقيل: إن قومًا أتوا نصرًا، فقالوا: الكرمانيّ يدعو إلى الفتنة، وقال أصرم بن قبيصة لنصر: لو أن جُديعًا لم يقدر على السلطان والملك إلا بالنصرانية واليهودية لتنصر وتهوّد، وكان نصر والكرمانيّ متصافيين، وقد كان الكِرمانيّ أحسنَ إلى نصر في ولاية أسد بن عبد الله، فلما وليَ نصر خراسان عزَل الكِرمانيّ عن الرئاسة وصيَّرها لحرب بن عامر بن أيثم الواشجيّ، فمات حرب فأعاد الكرمانيّ عليها، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى عزله، وصيّرها لجميل بن النعمان، قال: فتباعد ما بين نصر والكرمانيّ فحبس الكرمانيّ في القهندز وكان على القهندز مقاتل بن عليّ المرئيّ - ويقال المريّ. قال: ولما أراد نصر حبس الكِرمانيّ أمر عبيد الله بن بسّام صاحب حرسه؛ فأتاه به، فقال له نصر: يا كِرمانيّ، ألم يأتني كتاب يوسف بن عمر يأمرني بقتلك، فراجعتُه وقلت له: شيخ خراسان وفارسها، وحقنت دمك! قال: بلى! قال: ألم أغرم عنك ما كان لزمك من الغرم وقسمتُه في أعطيات الناس! قال:بلى! قال ألم أرِش عليًّا ابنك على كرْه من قومك! قال: بلى، قال: فبدّلت ذلك إجماعًا على الفتنة! قال الكرمانيّ: لم يقل الأمير شيئًا إلّا وقد كان أكثر منه، فأنا لذلك شاكر؛ فإنْ كان الأمير حَقَن دمي فقد كان منّي أيام أسد بن عبد الله ما قد علم، فليستأنِ الأمير ويتثبَّت فلست أحبّ الفتنة، فقال عصمة بن عبد الله الأسديّ: كذبتَ؛ وأنت تريد الشَّغب، وما لا تناله. وقال سلم بن أحْوَزِ: اضرب عنقه أيها الأمير، فقال المقدام وقدامة ابنا عبد الرحمن بن نُعَيم الغامديّ: لَجلساء فرعون خير منكم، إذ قالوا: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (١)، والله لا يقتلَنْ الكرمانيّ بقولك يا بن أحوز [وعلت الأصوات، فأمر] نصر سلمًا بحبس الكرمانيّ، فحبس لثلاث بقين من شهر رمضان سنة ست وعشرين ومئة، فكلمت الأزْد، فقال نصر: إنّي حلفت أن أحبسه ولا يبدؤه مني سوء، فإن خشيتم عليه فاختاروا رجلًا يكون معه، قال: فاختاروا يزيد النحويّ؛ فكان معه في القهندز، وصيَّر حرسه بني ناجية أصحاب عثمان وجَهْم ابني مسعود. قال: وبعث الأزد إلى نصر المغيرة بن شعبة الجهضميّ وخالد بن شعيب بن أبي صالح الحُدانيّ، فكلَّماه فيه. قال: فلبث في الحبس تسعة وعشرين يومًا؛ فقال عليّ بن وائل أحد بني ربيعة بن حنظلة: دخلت على نَصْر، والكِرمانيّ جالس ناحية، وهو يقول: ما ذنبي إن كان أبو الزعفران جاء! فوالله ما واريته ولا أعلم مكانه. وقد كانت الأزد يوم حُبس الكِرمانيّ أرادت أن تنزعَه من رُسله، فناشدهم الله الكرمانيّ ألّا يفعلوا، ومضى مع رسل سَلْم بن أحوز، وهو يضحك، فلما حبِس تكلّم عبد الملك بن حَرْملة اليَحْمَديّ والمغيرة بن شعبة وعبد الجبار بن شعيب بن عبّاد وجماعة من الأزْد، فنزلوا نَوْش، وقالوا: لا نرضى أن يحبَس الكرمانيّ بغير جناية ولا حَدَث، فقال لهم شيوخ من اليحمَد: لا تفعلوا وانظروا ما يكون من أميركم، فقالوا: لا نرضى؛ ليَكفّنّ عنا نصر أو لنَبدأنّ بكم، وأتاهم عبد العزيز بن عبّاد بن جابر بن همام بن حنظلة اليحْمَدي في مئة، ومحمد بن المثنّى وداود بن شعيب، فباتوا بنَوْش مع عبد الملك بن حَرْملة ومَن كان معه، فلما أصبحوا أتوا حوْزان، وأحرقوا منزل عزّة أمّ ولد نصر - وأقاموا ثلاثة أيام، وقالوا: لا نرضى؛ فعند ذلك صيّروا عليه الأمناء، فجعلوا معه يزيد النحويّوغيره، فجاء رجل من أهل نَسَف، فقال لجعفر غلام الكِرمانيّ: ما تجعلون لي إن أخرجته؟ قالوا: لك ما سألت، فأتى مجرى الماء من القهندز فوسّعه، وأتى ولد الكرمانيّ، وقال لهم: اكتبوا إلى أبيكم يستعدّ الليلة للخروج، فكتبوا إليه، وأدخلوا الكتاب في الطعام، فدعا الكرمانيّ يزيد النحويّ وحصين بن حكم فتعشَّيا معه وخرجا، ودخل الكرمانيّ السرب، فأخذوا بعَضُده، فانطوت على بطنه حيّة فلم تضرّه، فقال بعض الأزد: كانت الحيّة أزْدية فلم تضرّه. قال: فانتهى إلى موضع ضيق فسحبوه فسُحج منكبه وجنبه، فلما خرج ركب بغلته دوّامة - ويقال: بل ركب فرسه البشير - والقيْد في رجله، فأتوْا به قرية تسمى غلَطان، وفيها عبد الملك بن حَرْملة، فأطلق عنه. قال عليّ: وقال أبو الوليد زهير بن هنيد العدويّ: كان مع الكِرمانيّ غلامه بسّام، فرأى خرقًا على القهندز، فلم يزل يوسعه حتى أمكنه الخروج منه. قال: فأرسل الكِرمانيّ إلى محمد بن المثنى وعبد الملك بن حَرْملة: إني خارج الليلة، فاجتمعوا وخرج فأتاهم فَرْقد مولاه، فأخبرهم، فلقوه في قرية حزب بن عامر، وعليه ملْحفة متقلدًا سيفًا، ومعه عبد الجبار بن شعيب وابنا الكرمانيّ: عليّ وعثمان، وجعفر غلامه، فأمر عمرو بن بكر أن يأتيَ غَلطان وأندَغ وأشْتُرْجَ معًا، وأمرهم أن يوافُوه على باب الرّيان بن سنان اليَحمديّ بنَوش في المرج - وكان مصلّاهم في العيد - فأتاهم فأخبرهم، فخرج القومُ من قراهم في السلاح، فصلَّى بهم الغَداة، وهم زهاء ألف، فما ترجّلت الشمس حتى صاروا ثلاثة آلاف، وأتاهم أهل السقادم، فسار على مَرْج نيران حتى أتى حَوْزان، فقال خلف بن خليفة: أَصْحِروا لِلمَرْج أَجْلَى لِلعَمَى ... فلقد أَصْحَرَ أصحاب السَّربْ إنَّ مَرْجَ الأَزدِ مَرْجٌ واسعٌ ... تَسْتَوي الأَقدام فِيهِ والرُّكبْ وقيل: إن الأزْد بايعت لعبد الملك بن حَرْملة على كتاب الله ﷿ ليلة خرج الكِرمانيّ، فلما اجتمعوا في مَرْج نَوْش أقيمت الصلاة، فاختلف عبد الملك والكِرمانيّ ساعة، ثم قدمه عبد الملك، وصيَّروا الأمر له، فصلى الكِرمانيّ، ولما هَرَب الكِرمانيّ أصبح نصر معسكرًا بباب مرْو الرّوذ بناحية إبردانَة، فأقام يومًا أو يومين.وقيل: لما هرب الكِرمانيّ استخلف نصر عصمة بن عبد الله الأسديّ؛ وخرج إلى القناطر الخمس بباب مَرْو الرّوذ، وخطب الناس، فنال من الكرمانيّ، فقال: وُلد بكرمان وكان كِرْمانيًّا، ثم سقط إلى هَراة فكان هَرَويًّا، والساقط بين الفراشَيْن لا أصل ثابت؛ ولا فرع نابت، ثم ذكر الأزْد، فقال: إن يستوثقوا فأذلّ قوم، وإن يأبوْا فهم كما قال الأخطل (١): ضَفادِع في ظلماء لَيْلٍ تجاوَبَتْ ... فَذَّل عليها صَوْتُها حَيَّةَ البحر ثم نَدِمَ على ما فرط منه، فقال: اذكروا الله؛ فإنّ ذكر الله شفاء، ذكر الله خيرٌ لا شرّ فيه، يُذهب الذنب، وذكرُ الله براءة من النفاق. ثم اجتمع إلى نصر بَشَرٌ كثير، فوجَّه سلم بن أحوَز إلى الكِرمانيّ في المجفَّفة في بشر كثير، فسفر الناس بين نصرِ والكِرمانيّ، وسألوا نصرًا أن يؤمنه ولا يحبسه، ويضمن عنه قومُه ألّا يخالفه، فوضع يده في يد نصر فأمرَه بلزوم بيته، ثم بلغه عن نصر شيء، فخرج إلى قرية له، وخرج نصر فعسكر بالقناطر، فأتاه القاسم بن نجيب، فكلمه فيه فآمنه، وقال له: إنْ شئت خرج لك عن خُراسان، وإن شئت أقام في داره - وكان رأي نصر إخراجه - فقال له سلم: إن أخرجتَه نوّهت باسمه وذكره، وقال الناس: أخرجه لأنه هابه، فقال نصر: إن الذي أتخوّفه منه إذا خرج أيسر مما أتخوّفه منه وهو مقيم، والرجل إذا نُفِيَ عن بلده صَغُر أمره، فأبوْا عليه، فكفّ عنه، وأعطى مَن كان معه عشرة عشرة، وأتى الكِرمانيّ نصرًا، فدخل سرادقه فآمنه. ولحق عبد العزيز بن عبد ربّه بالحارث بن سُريج، وأتى نصرًا عزلُ منصور بن جمهور وولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز في شوّال سنة ست وعشرين ومئة؛ فخطب الناس؛ وذكر ابن جمهور، وقال: قد علمتُ أنه لم يكن من عمال العراق، وقد عزله الله، واستعمل الطيب بن الطيب؛ فغضب الكرمانيّ لابن جمهور، فعاد في جمْع الرجال واتخاذ السلاح، وكان يحضر الجمعة في ألف وخمسمئة وأكثر وأقل، فيصلي خارجًا من المفصورة ثم يدخل على نَصر، فيسلم ولا يجلس، ثم ترك إتيان نَصر وأظهر الخِلاف، فأرسل إليه نصر مع سلْم بن أحوز: إنّي والله ما أردتبك في حَبْسك سوءًا، ولكن خفتُ أن تفسِدَ أمر الناس، فائْتني، فقال الكِرماني: لولا أنك في منزلي لقتلتُك، ولولا ما أعرف من حُمقك أحسنتُ أدَبك، فارجع إلى ابن الأقطع فأبلغه ما شئت من خَير وشرّ، فرجع إلى نصر فأخبره، فقال: عُد إليه، فقال: لا والله، وما بي هيبة له ولكني أكره أن يُسمِعَني فيك ما أكره، فبعث إليه عصمة بن عبد الله الأسديّ، فقال: يا أبا عليّ، إني أخاف عليك عاقبَة ما ابتدأتَ به في دينك ودنياك، ونحن نعرض عليك خِصالًا؛ فانطلق إلى أميرك يعرضها عليك، وما نريد بذلك إلا الإنذار إليك. فقال الكِرمانيّ: إني أعلم أن نصرًا لم يقل هذا لك ولكن أردت أن يبلغه فتحظى، والله لا أكلمك كلمة بعد انقضاء كلامي حتى ترجع إلى منزلك، فيرسل مَن أحب غَيرك. فرجع عصمة، وقال: ما رأيت عِلْجًا أعدى لطورِه من الكِرمانيّ، وما أعجبُ منه؛ ولكن من يحيى بن حُصين لَعنهم الله [والله لهم، أشدّ تعظيمًا له من أصحابه، قال سَلْم بن أحوز: إني أخاف فساد هذا الثغر والناس، فأرسل إليه قُدَيدًا، وقال: نصر لقُديد بن مَنيع: انطلق إليه، فأتاه فقال له: يا أبا عليّ، لقد لججتَ وأخاف أن يتفاقم الأمر فنهلك جميعًا، وتشمَت بنا هذه الأعاجم، فقال: يا قُديد؛ إني لا أتهمك؛ وقد جاء ما لا أثق بنصر معه، وقد قال رسول الله ﷺ: "البكريّ أخوك ولا تثق به"؛ قال: أما إذْ وقع هذا في نفسك فأعطه رهْنًا، قال: من؟ قال: أعطه عليًّا وعثمان، قال: فمن يعطيني؟ ولا خير فيه، قال: يا أبا عليّ، أنشدك الله أن يكون خراب هذه البلدة على يديك، ورجع إلى نصر، فقال لعَقيل بن معقل الليثيّ: ما أخوفَني أن يقع بها الثَّغر بلاء، فكلم ابن عمك، فقال عَقيل لنصر: أيها الأمير؛ أنشدك الله أن تشأم عشيرتك، إن مَرْوان بالشام تقاتله الخوارج، والناس في فتنة والأزْد سفهاء وهم جيرانك. قال: فما أصنع؟ إن علمتَ أمرًا يُصلِح الناس فدونك، فقد عزم أنه لا يثق بي، قال: فأتى عَقيل الكِرمانيّ، فقال: أبا عليّ، قد سننت سنة تُطلَبُ بعدك من الأمراء، إني أرى أمرًا أخاف أن تَذهب فيه العقول، قال الكِرمانيّ: إنّ نصرًا يريد أن آتيَه ولا آمنه، ونريد أن يعتزل ونعتزل، ونختار رجلًا من بَكْر بن وائل، نرضاه جميعًا، فيلي أمرنا جميعًا حتى يأتيَ أمرٌ من الخليفة؛ وهو يأبَى هذا، قال: يا أبا عليّ، إني أخاف أن يهلِك أهلُ هذا الثغر، فائْتِ أميرك وقل ما شئت تُجَبْ إليه، ولا تُطمِع سفهاء قومك فيما دخلوا فيه، فقال الكرمانيّ: إني لا أتهمك في نصيحةولا عقْل، ولكنّي لا أثق بنصر؛ فليحمل من مال خَراسان ما شاء ويشخص، قال: فهل لك في أمر يجمع الأمر بينكما؟ تتزوّج إليه ويتزوّج إليك، قال: لا آمنه على حال، قال: ما بعد هذا خيرٌ، وإني خائف أن تهلِك غدًا بمضْيعَة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له عَقيل: أعود إليك؟ قال: لا؛ ولكن أبلغه عني وقل له: لا آمن أن يحملك قوم على غير ما تريد، فتركب منا ما لا بقيّة بعده؛ فإن شئت خرجت عنك لا من هيبة لك، ولكن أكره أن أشأم أهل هذه البلدة، وأسفك الدّماء فيها، وتهيّأ ليخرج إلى جرجان [٧/ ٢٨٥ - ٢٩٣]. * * *