page 4130, entry [1558]Open original source
ذكر وقعة كمرجة قال: ويقال إنّ أشرس نزل قريبًا من مدينة بُخارى على قدْر فرسخ؛ وذلك المنزل يقال له المسجد، ثم تحول منه إلى مَرْج يقال له بوادرة، فأتاهم سبابة - أو شبابة - مولى قيس بن عبد الله الباهلى؛ وهم نزول بكَمَرْجة - وكانت كَمَرْجة من أشرف مدن خراسان وأعظمها أيام أشرس في ولايته - فقال لهم: إن خاقان مارٌّ بكم غدًا، فأرى لكم أن تُظهِروا عُدّتكم، فيرى جِدًّا واحتشادًا، فينقطع طمعه منكم. فقال له رجل منهم: استوثِقوا من هذا فإنه جاء ليَفتّ في أعضادكم، قالوا: لا نفعل، هذا مولانا، وقد عرفناه بالنصيحة، فلم يقبلوا منه، وفعلوا ما أمرهم به الموْلى، وصبّحهم خاقان، فلما حاذَى بهم ارتفع إلى طريق بُخارى كأنه يريدها، فتحدّر بجنوده من وراء تلّ بينهم وبينه، فنزلوا وتأهبوا وهم لا يشعرون بهِم، فلما كان ذلك ما فاجأهم أن طلعوا على التلّ، فإذا جبل حديد: أهل فرْغانة والطارَبنْد وأفشيِنة ونَسَف وطوائف من أهل بخارى. قال: فأسقط في أيدي القوم، فقال لهم كليب بن قَنان الذهليّ: هم يريدون مزاحفَتكم فسرّبُوا دوابكم المجفَّفة في طريق النهر، كأنكم تريدون أن تسقوها، فإذا جرّدتموها فخذوا طريق الباب، وتسرّبوا الأوّل فالأوّل؛ فلما رآهم الترك يتسربّون شدُّوا عليهم في مضايق، وكانوا هم أعلَم بالطريق من الترك، وسبقوهم إلى الباب فلحقوهم عنده، فقتلوا رجلًا كان يقال له المهلب، كان حاميتهم، وهو رجل من العرب، فقاتلوهم فغلبوهم على الباب الخارج من الخندق فدخلوه؛ فاقتتلوا، وجاء رجلٌ من العرب بحُزمةِ قصب قد أشعلها، فرمى بهاوُجوههم فتنحّوْا، وأخلَوْا عن قتلى وجرحى، فلما أمسوْا انصرف الترك، وأحرق العربُ القنطرة، فأتاهم خُسرو بن يَزْدَجِرْد في ثلاثين رجلًا، فقال: يا معشَر العرب، لم تقتلون أنفسكم وأنا الذي جئت بخاقان ليرد عليّ مملكتي، وأنا آخذ لكم الأمان! فشتموه، فانصرف. قال: وجاءهم بازغري في مئتين - وكان داهية - من وراء النهر، وكان خاقان لا يخالفه، ومعه رجلان من قرابة خاقان، ومعه أفراس من رابطة أشرس، فقال: آمِنونا حتى ندنُوَ منكم، فأعرِض عليكم ما أرسلني إليكم به خاقان، فآمنوه، فدنا من المدينة، وأشرفوا عليه ومعه أسَراء من العرب، فقال بازغري: يا معشَر العرب، أحدِروا إليّ رجلًا منكم أكلمه برسالة خاقان، فأحدروا حبيبًا مولى مَهرة من أهل درقين، فكلموه فلم يفهم، فقال: أحِدروا إليّ رجلًا يعقل عني، فأحدروا يزيد بن سعيد الباهليّ، وكان يشدّو شدوًا من التركية، فقال: هذه خيل الرابطة ووجوه العرب معه أسراء. وقال: إن خاقان أرسلني إليكم؛ وهو يقول لكم: إني أجعل مَنْ كان عطاؤه منكم ستمئة ألفًا، ومن كان عطاؤه ثلاثمئة ستمئة؛ وهو مجمع بعد هذا على الإحسان إليكم، فقال له يزيد: هذا أمر لا يلتئم، كيف يكون العرب وهم ذئاب مع الترك وهم شاءٌ! لا يكون بيننا وبينكم صلح. فغضب بازغري، فقال التركيان اللذان معه: ألا نضرب عنقه؟ قال: لا، نزل إلينا بأمان. وفهم ما قالا له يزيد، فخاف فقال: بلى يا بازغري إلَّا أن تجعلونا نصفين، فيكون نصف في أثقالنا ويسير النِّصف معه، فإن ظفر خاقان فنحن معه؛ وإن كان غير ذلك كنا كسائر مدائن أهل السُّغد، فرضي بازغري والتركيان بما قال: فقال له: أعرض على القوم ما تراضيْنا به، وأقبل فأخذ بطرَف الحبْل فجذبوه حتى صار على سُور المدينة، فنادى: يا أهل كَمَرْجَة، اجتمعوا، فقد جاءكم قوم يدعونكم إلى الكفر بعد الإيمان، فما ترون؟ قالوا: لا نجيب ولا نرضى، قال: يدعونكم إلى قتال المسلمين مع المشركين. قالوا: نموت جميعًا قبل ذلك. قال: فأعلموهم. قال: فأشرفوا عليهم، وقالوا: يا بازغري، أتبيع الأسرى في أيديكم فنفادى بهم؟ فأما ما دعوتنا إليه فلا نجيبكم إليه، قال لهم: أفلا تشترون أنفسكم منا؟ فما أنتم عندنا إلَّا بمنزلة مَن في أيدينا منكم - وكان في أيديهم الحجاج بن حُميدالنضريّ - فقالوا له: يا حجاج، ألا تَكلَّم؟ قال: عليّ رقباءُ، وأمر خاقان بقطْع الشجر، فجعلوا يلقُون الحطب الرّطب، ويلقى أهل كَمَرْجة الحطَب اليابس، حتى سوّى الخندق، ليقطعوا إليهم، فأشعلوا فيه النيران، فهاجت ريحٌ شديدة - صُنْعًا من الله ﷿ قال: فاشتعلت النار في الحطب، فاحترق ما عملوا في ستة أيام في ساعة من نهار، ورميناهم فاوجعناهم وشغلناهم بالجراحات. قال: وأصابتْ بازغري نُشابة في سرتّه، فاحتقن بوله، فمات من ليلته، فقطع أتراكه آذانَهم، وأصبحوا بشرّ، منكّسين رؤوسهم يبكونه، ودخل عليهم أمر عظيم، فلما امتدّ النهار جاؤوا بالأسْرى وهم مئة؛ فيهم أبو العوْجاء العتَكيّ وأصحابه، فقتلوهم، ورمْوا إليهم برأس الحجاج بن حُميد النضريّ، وكان مع المسلمين مثتان من أولاد المشركين كانوا رهائن في أيديهم، فقتلوهم واستماتوا، واشتدّ القتال، وقاموا على باب الخندق فسار على السور خمسة أعلام، فقال كليب: مَنْ لي بهؤلاء؟ فقال ظهير بن مقاتل الطفاويّ: أنا لك بهم، فذهب يسعى. وقال لفتيان: امشوا خلْفِي، وهو جريح، قال: فقتل يومئذ من الأعلام اثنان، ونجا ثلاثة. قال: فقال ملك من الملوك لمحمد بن وساج: العجَب أنه لم يبقَ ملِك فيما وراء النهر إلَّا قاتل بكَمَرْجة غيري، وعزّ عليّ ألا أقاتل مع أكفائي ولم ير مكاني. فلم يزل أهلُ كمَرْجة بذلك؛ حتى أقبلت جنود العرب، فنزلت فَرْغانة، فعيَّر خاقانُ أهلَ السُّغد وفرغانة والشاش والدهاقين، وقال لهم: زعمتم أن في هذه خمسين حمارًا، وأنّا نفتحها في خمسة أيام؛ فصارت الخمسة الأيام شهريْن، وشتمهم وأمرهم بالرحلة، فقالوا: ما ندع جُهدًا، ولكن أحضرنا غدًا فانظر؛ فلما كان من الغد جاء خاقان فوقف، فقام إليه ملك الطارَبَنْد؛ فاستأذنه في القِتال والدّخول عليهم، قال: لا أرى أن تقاتل في هذا الموضع - وكان خاقان يعظّمه - فقال: اجعل لي جاريتيْن من جواري العرب، وأنا أخرج عليهم؛ فأذن له، فقاتل فقتل منهم ثمانية، وجاء حتى وقف على ثُلْمة وإلى جنب الثلمة بيت فيه خَرْق يفضِي إلى الثلْمة، وفي البيت رجلٌ من بني تميم مريض، فرماه بكَلُّوب فتعلق بدرعه، ثم نادى النساء والصبيان، فجذبوه فسقط لوجهه وركبته؛ ورماه رجلٌ بحجَر؛ فأصاب أصلَ أذنه فصُرع، وطعنه رجل فقتله، وجاء شابّ أمرد من الترك، فقتله وأخذ سلبه وسيفه، فغلبناهم على جسده - قال: ويقال: إنّ الذي انتدب لهذا فارس أهل الشاش - فكانوا قد اتخذوا صنَاعًا، وألصقوها بحائطالخندق، فنصبوا قبالة ما اتخذوا أبوبًا له؛ فأقعدوا الرُّماة وراءها؛ وفيهم غالب بن المهاجر الطائي عمّ أبي العباس الطوسيّ ورجلان، أحدُهما شيبانيّ والآخر ناجيّ، فجاء فاطلع في الخندق، فرماه الناجى فلم يخطئ قَصبة أنفه، وعليه كاشخودة تبّتيّة، فلم تضرّه الرمية، ورماه الشيبانيّ وليس يرى منه غير عينيه؛ فرماه غالب بن المهاجر، فدخلت النشابة في صدره، فنكس فلم يدخل خاقانَ شيءٌ أشدّ منه. قال: فيقال: إنه إنما قتل الحجاج وأصحابه يومئذ لما دخله من الجَزع، وأرسل إلى المسلمين أنه ليس منْ رأينا أن نرتحل عن مدينة ننزلها دون افتتاحها، أو نرحّلهم عنها. فقال له كليب بن قَنَان: وليس من ديننا أن نعطي بأيدينا حتى نُقْتَل، فاصنعوا ما بدا لكم؛ فرأى الترك أن مقامهم عليهم ضرر، فأعطوهم الأمان على أن يرحل هو وهم عنهم بأهاليهم وأموالهم إلى سَمَرْقند أو الدَّبُوسيّة، فقال لهم: اختاروا لأنفسكم في خُروجكم مِن هذه المدينة. قال: ورأى أهل كَمَرْجة ما هم فيه من الحِصار والشدّة، فقالوا: نشاور أهل سَمَرْقند، فبعثوا غالب بن المهاجر الطاليّ، فانحدر في موضع من الوادي، فمضى إلى قصر يسمى فرزاونة، والدّهقان الذي بها صديق له، فقال له: إنّي بُعِثت إلى سَمَرْقند؛ فاحْمِلْني، فقال: ما أجد دابة إلَّا بعض دوابّ خاقان، فإن في روضة خمسين دابة؛ فخرجا جميعًا إلى تلك الرَّوْضة، فأخذ برذونًا فركبه، وكان إلْفه برْذون آخر، فتبعه فأتى سَمَرْقند من ليلته، فأخبر هم بأمرهم، فأشاروا عليه بالدّبُوسيَة، وقالوا: هي أقرب، فرجع إلى أصحابه، فأخذوا من الترك رهائن ألَّا يعرِضوا لهم، وسألوهم رجلًا من الترك يتقوَّوْن به مع رجال منهم، فقال لهم الترك: اختاروا مَنْ شئتم، فاختاروا كورصول يكون معهم، فكان معهم حتى وصلوا إلى حَيْث أرادوا. ويقال: إن خاقان لما رأى أنه لا يصل إليهم شتم أصحابَه، وأمرهم بالارتحال عنهم؛ وكلمه المختار بن غوزك وملوك السُّغْد وقالوا: لا تفعل أيها الملك؛ ولكن أعطِهم أمانًا يخرجون عنها، ويروْن أنك إنما فعلت ذلك بهم من أجل غوزك أنه مع العرب في طاعتها، وأن ابنه المختار طلب إليك في ذلك مخافة على أبيه، فأجابهم إلى ذلك، فسرّح إليهم كورصول يكون معهم، يمنعهم ممن أرادهم.قال: فصار الرّهن من الترك في أيديهم، وارتحل خاقان، وأظهر أنه يريد سَمَرْقند - وكان الرّهن الذي في أيديهم من ملوكهم - فلما ارتحل خاقان - قال: كورصول للعرب: ارتحلوا قالوا: نكره أن نرتحل والترك لم يمضوا، ولا نأمنهم أن يعرضوا لبعض النساء فتحمى العرب فنصير إلى مثل ما كنا فيه من الحرب. قال: فكفّ عنهم، حتى مضى خاقان والترك، فلما صلوا الظهر أمرهم كورصول بالرحلة، وقالط: إنما الشدّة والموت والخوف حتى تسيروا فرسخْين، ثم تصيروا إلى قرى متصلة؛ فارتحلوا وفي يد الترك من الرّهن من العرب نفر، منهم شعيب البكريّ أو النصريّ، وسِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية، وفي أيدي العرب من الترك خمسة، قد أردفوا خَلْف كلّ رجل من الترك رجلًا من العرب معه خنجر، وليس على التركيّ غير قَباء، فساروا بهم. ثم قال العجم لكورصول: إنّ الدبُوسيَة فيها عشرة آلاف مقاتل؛ فلا نأمن أن يخرجوا علينا، فقال لهم العرب: إن قاتلوكم قاتلناهم معكم. فساروا، فلما صار بينهم وبين الدّبُوسيَة قدر فرسخ أو أقلّ نظر أهلها إلى فرسان وبياذقة وجمْع. فظنوا أن كَمَرْجة قَد فُتحت، وأنّ خاقان قصد لهم. قال: وقربنا منهم وقد تأهتوا للحرب؛ فوجّه كليب بن قَنان رجلًا من بني ناجية يقال له الضّحاك على بِرذْون يركض، وعلى الدبُوسيَة عَقيل بن ورّاد السّغديّ، فأتاهم الضّحاك وهم صفوف؛ فرسان ورجّالة، فأخبرهم الخبر، فأقبل أهل الدبُوسيَة يركُضون، فحمِل مَن كان يضعف عن المشي ومَنْ كان مجروحًا. ثمّ إن كليبًا أرسل إلى محمد بن كرّاز ومحمد بن درْهَم ليُعلِما سِبَاع بن النعمان وسعيد بن عطية أنهم قد بلغوا مأمنهم، ثم خلَّوا عن الرّهن، فجعلت العرب ترسل رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من الترك، وترسل الترك رجلًا من الرّهن الذي في أيديهم من العرب؛ حتى بقيَ سِبَاع بن النعمان في أيدي الترك، ورجل من الترك في أيدي العرب، وجعل كلّ فريق منهم يخاف على صاحبه الغَدْر، فقال سِبَاع: خلّوا رهينة الترك، فخلّوه وبقي سِباع في أيديهم، فقال له كورصول: لمَ فعلت هذا؟ قال: وثقتُ برأيك فيّ، وقلت: ترفَّعُ نفسك عن الغدْر في مثل هذا، فوصله وسلّحه وحمله على برْذون، ورده إلى أصحابه.قال: وكان حصار كمَرْجة ثمانية وخمسين يومأ، فيقالى إنهم لم يسقوا إبلَهم خمسة وثلاثين يومًا. قال: وكان خاقان قسَم في أصحابه الغنم، فقال: كلُوا لحومها واملؤوا جلودها ترابًا، واكبسوا خندقَكم؛ ففعلوا فكبسوه، فبعث الله عليهم سحابة فمطرت، فاحتمل المطر ما ألقوا، فألقاه في النهر الأعظم. وكان مع أهل كَمَرْجة قومٌ من الخوارج، فيهم ابن شُنْجٍ مولى بني ناجية.