page 4100, entry [1542]Open original source
ذكر الخبر عن سبب عزل عمر بن هبيرة سعيدَ بن عمرو الحَرَشيّ عن خراسان ذُكر أنّ سبب ذلك كان في موجِدة وجدَها عمر على الحَرَشيّ أمر الديواشنيّ،وذلك أنه كان كتب إليه يأمره بتخليته وقتله، وكان يستخفّ بأمر ابن هبيرة، وكان البريد والرّسول إذا ورد العراق قال له: كيف أبو المثنَّى؟ ويقول لكاتبه: اكتب إلى أبي المثنى يقول: "الأمير"، ويكثر أن يقول: قال أبو المثنَّى وفعل أبو المثنَّى، فبلغ ذلك ابن هبيرة فدعى جُمَيل بن عمران، فقال له: بلغني أشياء عن الحَرَشيّ، فاخرج إلى خراسان، وأظهر أنك قدمت تنظر في الدواوين، واعلم لي علمه. فقدِم جُميل، فقال له الحَرَشيّ: كيف تركت أبا المثنى؟ فجعل ينظر في الدواوين، فقيل للحرشيّ: ما قدم جميل لينظر في الدواوين، وما قدم إلَّا ليعلم عِلْمَك، فسمَّ بِطِّيخةَ، وبعث بها إلى جميل، فأكلها فمرض، وتساقط شعره، ورجع إلى ابن هبيرة، فعولج واستبلّ (١) وصحَّ فقال لابن هبيرة: الأمر أعظم مما بلغك؛ ما يرى سعيد إلَّا أنك عامل من عماله، فغضب عليه وعزله وعذبه، ونفح في بطنه النمل (٢)، وكان يقول حين عزله: لو سألني عُمر درهمًا يضعه في عينه ما أعطيمَه؛ فلما عذب أدّى، فقال له رجل: ألم تزعم أنك لا تعطيه درهمًا! قال: لا تعنّفني؛ إنه لما أصابني الحديد جزعت، فقال أَذَينة بن كليب - أو كليب بن أذيْنة: تَصَبَّرْ أَبا يحيى فَقَدْ كنْتَ - علمَنا - ... صَبُورًا وَنَهَّاضًا بِثقْلِ المغارِمِ (٣) وقال عليّ بن محمد: إنّما غضب عليه ابنْ هبيرة أنه وجه معقل بن عروة إلى هَرَاة؛ إما عاملًا وإما في غير ذلك من أموره، فنزل قبل أن يمرّ على الحَرَشيّ، وأتَى هَراة، فلم ينفذ له ما قدم فيه، وكتب إلى الحَرَشيّ، فكتب الحَرَشيّ إلى عامله: أن احمل إليّ معقلًا، فحمله، فقال له الحرَشيّ: ما منعك من إتياني قبل أن تأتي هَراة؟ قال: أنا عامل لابن هُبيرة ولّاني كما ولاك. فضربه مئتين وحلّقه (٤). فعزله ابن هبيرة، واستعمل على خُراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زُرعة، فكتب إلى الحَرَشيّ يلخِّنه، فقال سعيد: بل هو ابن اللّخناء، وكتب إلى مسلم أن احمِل إليّ الحَرَشيّ مع معقِل بن عروة. فدفعه إليه، فأساء به وضيّقعليه، ثم أمره يومًا فعذّبه، وقال: اقتله بالعذاب، فلما أمسىَ ابن هُبيرة سمَر فقال: مَنْ سيد قيس؟ قالوا: الأمير، قال: دعوا هذا، سيّد قيس الكوْثر بن زفر، لو بوق بليلٍ لوافاه عشرون ألفًا. لا يقولون: لم دعوتنا ولا يسألونه، وهذا الحمار الذي في الحبْس - قد أمرت بقتله - فارسُها، وأما خيرُ قيس لها فعسىَ أن أكونه؛ إنه لم يعرض إليّ أمر أرى أني أقدر فيه على منفعة وخير إلَّا جررته إليهم، فقال له أعرابيّ من بني فَزارة: ما أنت كما تقول، لو كنتَ كذلك ما أمرت بقتل فارسها. فأرسل إلى معقل أن كُفّ عما كنتُ أمرتك به. قال عليّ: قال مسلم بن المغيرة: لمّا هرب ابنُ هبيرة أرسل خالد في طلبه سعيد بن عمرو الحَرَشيّ، فلحقه بموضع من الفرات يقطعه إلى الجانب الآخر في سفينة، وفي صدر السفينة غلام لابن هبيرة يقال له قُبَيض، فعرَفه الحَرَشيّ فقال له: قُبيض؟ قال: نعم، قال: أفي السفينة أبو المثنى؟ قال: نعم، قال: فخرج إليه ابنُ هبيرة، فقال له الحرَشيّ: أبا المثنى، ما ظنُّك بي؟ قال: ظني بك أنك لا تدفع رجلًا من قومك إلى رجل من قريش، قال: هو ذاك، قال: فالنّجاء. قال عليّ: قال أبو إسحاق بن ربيعة: لما حبس ابن هبجرة الحرَشيّ دخل عليه معقل بن عروة القُشيريّ، فقال: أصلح الله الأمير! قيَّدت فارس قيس وفضحته، وما أنا براضٍ عنه؛ غير أني لم أحبّ أن تبلغ منه ما بلغت، قال: أنت بيني وبينه، قدمتُ العراق فوليته البصرة، ثم وليته خراسان، فبعث إليّ ببرذون حَطِم (١) واستخفّ بأمري، وخان فعزلتُه، وقلت له: يا بن نَسْعة، فقال لي: يا بن بُسرة، فقال معقل؛ وفعل ابن الفاعلة! ودخل على الحَرَشيّ السجن، فقال: يابن نَسعة، أمك دخلت واشتُريت بثمانين عَنْزًا جربًا، كانت مع الرّعاء ترادفها الرجال مطية الصادر والوارد، تجعلها ندًّا لبنت الحارث بن عمرو بن حَرجة! وافترى عليه، فلما عُزِل ابن هبيرة، وقدم خالد العراق استعدَى الحَرشيّ على معقل بن عروة، وأقام البيّنة أنه قذفه، فقال للحَرَشيّ: اجلد، فحدّه، وقال: لولا أنّ ابن هبيرة وهّن في عضدي لنقبت عن قلبك، فقال رجل من بني كلاب لمعقل: أسأتَ إلى ابن عمك وقذفتَه، فأداله الله منك، فصرتَ لا شهادةَلك في المسلمين، وكان معقل حين ضرب الحدّ قذف الحَرشيّ أيضًا فأمر خالد بإعادة الحدّ، فقال القاضي: لا يُحَدّ، قال: وأمّ عمر بن هبيرة بُسرة بنت حسان، عدوّية من عديّ الرِّباب (١) [٧/ ١٤ - ١٧]. قال. ثم سمر ليلة ومسلم في سَمَرِه، فتخلّف مسلم بعد السُّمَّار، وفي يد ابن هبيرة سفرْجلة، فرمى بها، وقال: أيسُرّك أن أولِّيَك خراسان؟ قال: نعم، قال: غدوة إن شاء الله، قال: فلما أصبح جلس، ودخل الناس؛ فعقد لمسلم على خراسان وكتب عهده، وأمره بالسير، وكتب إلى عمال الخراج أن يكاتبوا مسلم بن سعيد، ودعا بجبلَة بن عبد الرحمن مولَى باهلة فولّاه كِرْمان، فقال جبلة: ما صنعت بي المولوّية! كان مسلم يطمع أن ألِي ولايةً عظيمة فأولِّيه كورة، فعُقد له على خُراسان وعقد لي على كرمان! قال: فسار مسلم فقدم خراسان في آخر سنة أربع ومئة - أو ثلاث ومئة - نصف النهار، فوافق باب دار الإمارة مغلقًا، فأتى دار الدوابّ فوجد الباب مغلقًا فدخل المسجد، فوجد باب المقصورة مغلَقًا، فصلى، وخرج وصيفٌ من باب المقصورة فقيل له: الأمير، فمشى بين يديه حتى أدخله مجلس الوالي في دار الإمارة، وأعلِم الحَرَشيّ، وقيل له: قدم مسلم بن سعيد بن أسلم، فأرسل إليه: أقدمت أميرًا أو وزيرًا أو زائرًا؟ فأرسل إليه: مثلي لا يقدم خراسان زائرًا ولا وزيرًا، فأتاه الحَرشيّ فشتمه وأمر بحبسه، فقيل له: إن أخرجته نهارًا قتِل، فأمر بحسبه عنده حتى أمسى، ثم حبسه ليلًا وقيّده، ثم أمر صاحب السجن أن يزيده قَيْدًا، فأتاه حزينًا، فقال: مالك؟ فقال: أُمِرْتُ أن أزيدك قيدًا، فقال لكاتبه: اكتب إليه: إنّ صاحب سجنك ذكر أنك أمرته أن يزيدني قيدًا، فإن كان أمرًا ممّن فوقك فسمعًا وطاعةً، وإن كانْ رأيًا رأيته فسيرك الحَقْحقة (٢)، وتمثّل: هُمُ إن يَثقفوني يقتلوني ... ومن أَثْقَفْ فليس إلى خلود (٣)ويروى: فإما تثقَفُوني فاقتلوني ... فمَنْ أَثَقفْ فليس إلى خُلود هُمُ الأعَداءُ إن شَهدُوا وغابوا ... أولوا الأَحْقَادِ والأكَبادُ سودُ أَرِيغُوني إِرَاغَتَكُمْ فإِني ... وحَذْفَةَ كالشَجَا تحتَ الوريدِ ويروى: "أريدوني إرادتكم". قال: وبعث مسلم على كُوره رجلًا من قِبَله على حربها. قال: وكان ابنُ هبيرة حريصًا، أخذ قَهرمانًا ليزيد بِن المهلب، له علم بخراسان وبأشرافهم، فحبسه فلم يَدَع منهم شريفًا إلَّا قَرَفَه (١)، فبعث أبا عبيدة العنبريّ ورجلًا يقال له خالد، وكتب إلى الحَرَشِيّ وأمره أن يدفع الذين سمَّاهم إليه يستأديهم فلم يفعل، فردّ رسول ابن هُبيرة، فلما استعمل ابن هبيرة مسلم بن سعيد أمره بجباية تلك الأموال، فلمّا قدم مسلم أراد أخذ الناس بتلك الأموال التي قرفت عليهم، فقيل له: إن فعلت هذا بهؤلاء لم يكن لك بخراسان قرار، وإن لم تعمل في هذا حتى توضَع عنهم فسدَتْ عليك وعليهم خراسان؛ لأنّ هؤلاء الذين تريد أن تأخذهم بهذه الأموال أعيان البلد قُرِفوا بالباطل؛ إنما كان على مِهْزَم بن جابر ثلاثمئة ألف فزادوا مئة ألف فصارت أربعمئة ألف، وعامَّة من سُمّوا لك ممن كثر عليه بمنزله. فكتب مسلم بذلك إلى ابن هبيرة، وأوفد وفدًا فيهم مِهْزَمَ بن جابر، فقال له مِهْزم بن جابر: أيها الأمير، إنّ الذين رُفع إليك الظلم والباطل، ما علينا من هذا كله لو صدق إلَّا القليل الذي لو أخذنا به أدّيناه، فقال ابن هبيرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فقال: اقرأ ما بعدها: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢)، فقال ابن هبيرة: لابُدَّ من هذا المال، قال: أما والله لئن أخذتَه لتأخذنّه من قوم شديدة شوكتهم ونكايتهم في عدوّك، وليضرّن ذلك بأهل خراسان في عدَّتهم وكُراعهم وحَلْقتهم؛ ونحن في ثغر نُكابد فيه عدوًّا لا ينقضي حربهم؛ إنَّ أحدنا ليلبس الحديد حتى يخلص صدؤه إلى جلده، حتى إن الخادمالتي تخدم الرجل لتصرف وجهها عن مولاها وعن الرجل الذى تخدمُه لريح الحديد؛ وأنتم في بلادكم متفضِّلون في الرِّقاق وفي المعصفرة؛ والذين قرِفوا بهذا المال وجوه أهل خراسان وأهل الولايات والكلف العظام في المغازي: وقِبَلنا قوم قدِموا علينا من كلّ فجّ عميق، فجاؤوا على الحُمُرات، فَوُلُّوا الولايات، فاقتطعوا الأموال، فهي عندهم موقَرة جمة. فكتب ابن هبيرة إلى مسلم بن سعيد بما قال الوفد، وكتب إليه أن استخرج هذه الأموال ممن ذَكر الوفد أنها عندهم، فلما أتى مسلمًا كتابُ ابن هبيرة أخذ أهلَ العهد بتلك الأموال، وأمر حاجب بن عمرو الحارثيّ أن يعذّبهم ففعل وأخذ منهم ما فرّق عليهم. [٧/ ١٨ - ٢٠]. وفيها كانت غزوة سعيد بن عبد الملك أرضَ الروم؛ فبعث سرّية في نحو من ألف مقاتل، فأصيبوا - فيما ذكر - جميعًا. وفيها غزا مسلم بهن سعيد الترك، فلم يفتح شيئًا، فقفل ثم غزا أفشِينَة (مدينة من مدائن السُّغد) بعد في هذه السنة، فصالح ملكها وأهلها. ذكر الخبر عن ذلك: ذكر عليّ بن محمد عن أصحابه، أنّ مسلم بن سعيد مَرْزَت بهرام سيس فجعله المرزبان، وأنّ مسلمًا غزا في آخر الصيف من سنة خمس ومئة، فهلم يفتح شيئًا وقفل، فاتّبعه الترك فلحقه، والنّاس يعبرون نهر بلْخ وتميم على الساقة، وعبيد الله بن زهير بن حيّان على خيل تميم، فحاموا عن الناس حتى عبروا، وفات يزيد بن عبد الملك، وقام هشام، وغزاء مسلم أفشين فصالَح ملكها على ستة آلاف رأس، ودفع إليه القلعة، فانصرف لتمام سنة خمس ومئة. [٧/ ٢١]. قال عليّ: قال أبو ماوية أو غيره من اليهود ليزيد بن عبد الملك: إنك تملك أربعين سنة، فقال وجل من اليهود: كذب لعنه الله، إنما رأى أنه يملك أربعين قَصَبة، والقصبة شهر، فجعل الشهر سنة.