page 4014, entry [1485]Open original source
[خبر موت عبد العزيز بن مروان] وفي هذه السنة تُوفِّيَ عبدُ العزيز بنُ مروانَ بمصرَ في جُمادَى الأولى، فضمّ عبد الملك عَمَله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، وولّاه مصرَ. وأما المدائني فإنه قال في ذلك ما حدّثنا به أبو زَيد عنه، أنّ الحجّاج كَتَب إلى عبد الملك يزيّن له بيعةَ الوليد، وأوفَدَ وفدًا في ذلك عليهم عمران بن عصام العنَزَيّ، فقام عِمْران خطيبًا، فتكلّم وتكلّم الوَفْد وحثّوا عبدَ الملك، وسألوه ذلك، فقال عمران بنُ عِصام: أميرَ المُؤْمنين إليك نُهدِي ... على النأْيِ التحيَّةَ والسلَاما أجِبْني في بَنيكَ يكُنْ جوابي ... لهمْ عادِيّةً ولنا قِوَامافلو أنَّ الوليدَ أُطاعُ فيه ... جعلتُ له الخلافةَ والذِّماما شَبيهُكَ حَول قُبَّتهِ قريشٌ ... به يَستَمطِرُ الناسُ الغماما ومثلك في التُّقى لم يَصْبُ يومًا .. لدُنْ خَلَعَ القلائدَ والتَّماما فإن تُؤثِرْ أَخاكَ بها فإنَّا ... وجَدّكَ لا نُطِيقُ لها اتّهاما ولكنَّا نُحاذرُ من بَنيه ... بنى العَلَّاتِ مأْثَرَةً سَمَامَا ونخشى إن جَعلتَ المُلكَ فيهمْ ... سحابًا أن تَعُودَ لهم جَهَامَا فلا يَكُ ما حَلْبتَ غدًا لقومٍ ... وبعدَ غَدٍ بَنُوِكَ هُمُ العِيامَا فأُقسِمُ لو تَخطَّأَني عِصَامٌ ... بذلك ما عَذرتُ به عِصَاما لو أَنِّي حَبَوتُ أَخًا بفضل أريدُ به المقالة والمقاما لعَقَّبَ في بَنِيَّ على بنيه ... كذلك أو لَرُمتُ له مرامَا فَمَن يَكُ في أقَاربه صُدُوع ... فصدعُ الملكِ أبطؤهُ التئَامَا فقال عبدُ الملك: يا عِمرانُ، إنه عبد العزيز، قال: احتَلْ له يا أميرَ المؤمنين. قال عليّ: أراد عبدُ الملك بيعةَ الوليدِ قبل أمرِ ابن الأشعث, لأنّ الحجَّاج بعثَ في ذلك عمران بن عصام، فلما أبى عبدُ العزيز أعرض عبدُ الملك عمّا أراد حتى ماتَ عبد العزيز، ولما أراد أن يَخلَع أخاه عبدَ العزيز ويُبايعَ لابنه الوليد كتب إلى أخيه: إن رأيت أن تصيِّر هذا الأمر لابن أخيك! فأبى، فكَتَب إليه: فاجعلْها له من بعدك، فإنه أعزّ الخلق على أمير المؤمنين، فكتب إليه عبد العزيز: إني أرَى في أبي بكر بن عبد العزيز ما تَرَى في الوليد، فقال عبد الملك: اللهمّ إنّ عبد العزيز قَطعَني فاقطعْه، فكتب إليه عبدُ الملك: احمِل خراجَ مصرَ، فكتَبَ إليه عبدُ العزيز: يا أميرَ المؤمنين، إني وإيّاكَ قد بلَغْنا سِنًّا لم يبلْغها أحدٌ من أهلِ بيتك إلا كان بقاؤه قليلًا، وإنّي لا أدري ولا تَدرِي أيُّنا يأتيه الموتُ أوّلًا! فإن رأيتَ ألّا تغثّث عليّ بقيةَ عمري فافعل. فرقّ له عبدُ الملك وقال: لَعمْرِي لا أغثّث عليه بقية عُمرِه، وقال لابنَيه: إن يُرد الله أن يُعِطيكموها لا يَقدِرْ أحدٌ من العباد على ردّ ذلك. وقال لابنيه: الوليد وسليمان: هل قارفتُما حَرامًا قطّ؟ قالا: لا واللهِ، قال: الله أكبر، نِلتُماها ورب الكعبة! قال: فلما أبى عبدُ العزيز أن يجيبَ عبدَ الملك إلى ما أراد، قال:عبدُ الملك: اللهمّ قد قطَعني فاقطَعْه، فلما مات عبدُ العزيز قال أهلُ الشام: رَدّ على أمير المؤمنين أمرَه، فدعا عليه، فاستُجيب له. قال: وكتب الحجاج إلى عبد الملك يشيرُ عليه أن يستكتب محمد بن يزيدَ الأنصاريّ، وكتب إليه: إن أردتَ رجلًا مأمونًا فاضلًا عاقلًا وديعًا مُسلمًا كَتُومًا تتّخذه لنفسِك، وتَضع عندَه سِرَّك، وما لا تحبّ أن يَظهَر فاتخذْ محمد بن يزيدَ، فكتب إليه عبدُ الملك: احمله إليّ فَحَمَله، فاتّخذه عبدُ الملك كاتبًا، قال محمد: فلم يكن يأتيه كِتابٌ إلا دفعه إليّ، ولا يسترُ شيئًا إلا أخبَرَني به وكتَمه الناسَ، ولا يكتبُ إلى عامل من عماله إلا أعلَمنيه، فإني لجالسٌ يومًا نِصفَ النهار إذا ببَريد قد قَدِم من مصرَ، فقال: الإذن على أمير المؤمنين، قلت: ليست هذه ساعة إذن، فأعلمني ما قد قدمتَ له، قال: لا. قُلت: فإن كان معك كتاب فادفعه إليّ، قال: لا، قال: فأبلَغَ بعضُ من حضَرَني أمير المؤمنين، فخرج فقال: ما هذا؟ قلتُ: رسولٌ قَدِم في مصرَ، قال: فخُذ الكتاب، قلتُ: زَعَم أنه ليس معه كتاب، قال: فسَلْه عما قدِم له، قلتُ: قد سألتهُ فلم يُخبِرْني، قال أدخِلْه، فأدخَلته، فقال: آجرَك الله يا أميرَ المؤمنين في عبد العزيز! فاسترْجعَ وبكى ووَجَم ساعةً ثمّ قال: يَرحَم الله عبدَ العزيز! مَضَى واللهِ ععدَ العزيز لشأنهِ، وتركَنَا وما نحن فيه، ثمّ بكى النساءُ وأهل الدار، ثمّ دعاني من غَد، فقال: إنّ عبد العزيز ﵀ قد مَضَى لسبيله، ولا بدّ للناس من عَلَم وقائم يقومُ بالأمْرِ من بَعدي، فمن تَرَى؟ قلت: يا أميرَ المؤمنين، سيّد الناس وأرضاهم وأفضلُهم الوليدُ بنُ عبد الملك، قال: صدقتَ وفّقك الله! فمَن تَرى أن يكون بعده؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أين تَعْدلها عن سليمانَ فتَى العرب! قال: وفّقتَ، أما إنَّا لو تركْنا الوليدَ وإياها لجعَلَها لبنيه، اكتُب عَهدًا للوليد وسُليمانَ مِن بَعدِه، فكتبتُ بيعةَ الوليد ثم سليمان من بعدِه، فغَضب عليَّ الوليدُ فلم يُولني شيئًا حين أشرْتُ بسليمان من بعدِه. (٦/ ٤١٣ - ٤١٥). قال عليّ: عن ابن جُعْدبة: كتب عبدُ الملك إلى هشام بن إسماعيلَ المخزوميّ أن يدعوَ الناس لبيعة الوليد وسليمان، فبايعوا غيرَ سعيِد بن المسيِّب، فإنه أبى، وقال: لا أبايع وعبد الملك حَيّ؛ فضَرَبه هشام ضَرْبًا مُبرِّحًا وألبَسَه المسُوحَ، وسرّحه إلى ذباب - ثنيّة بالمدينة كانوا يُقتلون عندهاويُصلَبون، فظنّ أنهم يريدون قتلَه، فلما انتهَوا به إلى ذلك الموضع رَدّوه، فقال: لو ظننت أنهم لا يَصْلبوني ما لبستُ سراويلَ مُسوح، ولكنْ قلتُ: يصلبونني فيسترني، وبلغ عبدَ الملك الخبرُ، فقال: قبح الله هشامًا! إنما كان ينبغي أن يدعوه إلى البيعة، فإن أبي يَضرِب عنقَه، أو يكفّ عنه (١). (٦/ ٤١٥ - ٤١٦).