page 3998, entry [1482]Open original source
عزل يزيد بن المهلّب عن خراسان وفي هذه السنة عَزَل الحجّاج بن يوسف يزيدَ بن المهلَّب عن خُراسان وولّاها المفضّل بن المهلّب أخا يزيد. * ذكر السبب الذي من أجله عزله الحجاج عن خُراسان واستعمَل المفضّل: ذَكَرَ عليّ بنُ محمد، عن المفضَّل بن محمد، أن الحجاج وَفَد إلى عبد الملك، فمرَّ في منصرَفه بدير فنزَلَه، فقيل له: إنّ في هذا الدَّيْر شيخًا من أهل الكُتُب عالمًا، فدعا به فقال: يا شيخ، هل تجدون في كُتُبكم ما أنتم فيه ونحن؟ قال:نعم، نجد ما مضى من أمْرِكم وما أنتم فيه وما هو كائن؛ قال: أفمسمَّى أم موصوفًا؟ قال: كلّ ذلك؛ موصوف بغير اسم، واسم بغير صفة، قال: فما تجدون صفةَ أمير المؤمنين؟ قال: نجده في زماننا الذي نحن فيه؛ ملك أقرَع، من يقم لسبيله يُصرَع، قال: ثمّ من؟ قال: اسم رجل يقال له الوَليد، قال: ثمّ ماذا؟ قال: رجل اسمه اسمُ نبيّ يفتَح به على الناس، قال: أفتعرفني؟ قال: قد أخْبِرت بك. قال: أفتعلم ما ألِي؟ قال: نعم، قال: فمن يَلِيه بَعدي؟ قال: رجلٌ يقال له يزيد، قال: في حياتي أم بعد موتي؟ قال: لا أدري، قال: أفتعرف صفتَه؟ قال: يغدر غُدرةً؛ لا أعرف غير هذا. قال: فوقَع في نفسه يزيدُ بنُ المهلّب، وارتحل فسار سَبْعًا وهو وَجِل من قولِ الشيخ؛ وقَدِم فكَتَب إلى عبد الملك يَستَعفيه من العراق، فكتب إليه: يا بنَ أمّ الحجاج، قد علمتُ الذي تغزو، وأنك تريد أن تَعلَم رأيي فيك، ولَعَمري إني لأرَى مكانَ نافع بنِ عَلْقمة، فالْهُ عن هذا حتى يأتي الله بما هوَ آت؛ فقال الفرزدق يَذكُر مسيرَه: لو أنَّ طيْرًا كُلِّفتْ مثلَ سَيْره ... إلى واسطٍ من إيلياءَ لمَلَّتِ سَرى بالمَهارِي منْ فِلَسطينَ بعدما ... دنا الليلُ من شمس النهار فوَلَّتِ فما عاد ذاك اليومُ حتى أناخها ... بمَيْسان قدْ ملَّتْ سُراها وكلَّتِ كأنَّ قُطاميًّا على الرّحْل طاويًا ... إذا غمْرةُ الظَّلماء عنْه تجلَّت قال فبينا الحجّاج يومًا خالٍ إذا دعا عبيدَ بن مَوْهب، فدخل وهو يَنكُتُ في الأرض، فرفع رأسَه فقال: ويحَك يا عُبيد! إن أهل الكتب يَذكرون أنّ ما تحت يدي يليه رجلٌ يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيدَ بن أبي كبشة، ويزيدَ بن حُصَين بن نُمَير، ويزيد بن دينار، فليسوا هناك، وما هوَ إن كان إلا يزيد بن المهلب، فقال عبيد: لقد شرّفتَهم وأعظمت ولايتَهم، وإنّ لهم لعَدَدًا وجَلَدًا، وطاعة وحظًّا، فأخلق به، فأجمع على عزل يزيد فلم يَجِد له شيئًا حتى قدم الخيار بن أبي سَبْرة بن ذُؤيب بن عَرْفجة بن محمد بن سُفيان بن مُجاشع - وكان من فُرسان المهلب - وكان مع يزيد - فقال له الحجاج: أخبرْني عن يزيدَ، قال: حَسَن الطاعة، ليّن السيرة، قال: كذبت، أصدِقني عنه، قال: اللهُ أجلّوأعظم، قد أسرج ولم يُلجم، قال: صدقتَ، واستعمل الخيار على عُمان بعد ذلك. قال: ثمّ كتب إلى عبد الملك يذمّ يزيدَ وآلَ المهلّب بالزبيريّة، فكتب إليه عبدُ الملك: إني لا أرى نَقْصًا بآل المهلب طاعتهم لآل الزّبير، بل أراه وفاء منهم لهم، وإنّ وَفاءهم لهم يدعوهم إلى الوفاء لي، فكَتَب إليه الحجّاج يخوّفه غدرَهم لما أخبره به الشيخ، فكتب إليه عبدُ الملك: قد أكثرتَ في يزيدَ وآل المهلب، فسمّ لي رجلًا يَصلُح لخُراسان؛ فسَمَّى له مُجّاعة بن سعر السعديّ، فكتب إليه عبدُ الملك: إنّ رأيك الذي دعاك إلى استفساد آلِ المهلب هو الذي دعاك إلى مُجّاعة بن سعر، فانظر لي رجلًا صارمًا، ماضيًا لأمرك، فسَمَّى قتيبة بن مسلم، فكتب إليه: ولِّه، وبلغ يزيد أنّ الحجاج عزَلَه، فقال لأهل بيته: مَن تروْن الحجاج يولي خُراسان؟ قالوا: رجلًا من ثَقيف، قال: كلا، ولكنه يكتب إلى رجل منكم بعَهْده، فإذا قدمتُ عليه عزلَه وولى رجلًا من قيس، وأخلِق بقتيبة! قال: فلما أذن عبد الملك للحجّاج في عَزْل يزيدَ كرِه أن يكتب إليه بعزله، فكتب إليه أن استخلف المففضَّل وأقِبل، فاستشار يزيدُ حُضَينَ بن المنذر، فقال له: أقم واعتلّ، فإنّ أميرَ المؤمنين حَسَن الرأي فيك، وإنما أتيتَ من الحجاج، فإنْ أقمتَ ولم تَعجل رجوتُ أن يكتب إليه أن يقرّ يزيد، قال: إنّا أهلَ بيت بُورِك لنا في الطاعة، وأنا أكره المعصية والخلاف؛ فأخذ في الجهَاز، وأبطأ ذلك على الحجّاج، فكتب إلى المفضّل: إني قد ولّيتُك خُراسان، فجعل المفضل يستحِثّ يزيدَ، فقال له يزيد: إنّ الحجّاج لا يُقرّك بعدي، وإنما دعاه إلى ما صنَع مخَافةَ أن أمتَنِعَ عليه، قال: بل حسدتَني، قال يزيد: يا بن بَهلة، أنا أحسدُك! ستعلم، وخرج يزيدُ في ربيع الآخر سنة خمس وثمانين. فعزل الحجاجُ المفضّل، فقال الشاعر للمفضّل وعبد الملك وهو أخوه لأمّه: يا بَنيْ بَهلَةَ إنَّما أخْزَاكما ... ربّي غَدَاة غَدا الهُمَامُ الأَزْهَرُ أحَفَرْتُمُ لأَخيكُم فَوَقَعْتُم ... في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ أخُوها المُعْوِرُ جُودُوا بتَوْبةِ مُخْلِصينَ فإِنَّما ... يأْبَى ويأْنَف أن يَتُوبَ الأَخْسَرُ وقال حُضَين ليزيد: أَمَرْتك أَمْرًا حازمًا فعَصَيْتَني ... فأصْبَحْتَ مَسلوب الإِمَارةِ نادِمافما أنا بالبَاكي عَليكَ صَبَابَةً ... وما أَنا بالدَّاعي لَتَرْجعَ سَالِمَا فلما قدم قتيبة خراسان قال لحضين: كيف قلت ليزيد؟ قال: قلت: أَمَرتْكَ أَمْرًا حازمًا فعصيتني ... فنَفْسَكَ أوْلِ اللوْمَ إنْ كُنْتَ لائما فإن يَبلغ الحجَّاجَ أَنْ قَدْ عَصَيْتَهُ ... فإِنَّك تَلْقى أَمْرَهُ مَتفَاقما قال: فماذا أمرتَه به فعصاك؟ قال: أمرتُه ألّا يَدَع صفراءَ ولا بيضاءَ إلا حمَلَها إلى الأمير، فقال رجل لعياض بن حضين: أما أبوك فوجَده قتيبةُ حين فرّه قارِحًا بقوله: "أمرته ألّا يدعَ صَفراء ولا بيضاءَ إلا حملها إلى الأمير". (٦/ ٣٩٣ - ٣٩٦). قال عليّ: وحدّثنا كُلَيب بن خَلَف، قال: كتب الحجّاج إلى يزيدَ أن اغزُ خُوارزم، فكتَب إليه: أيها الأمير، إنها قليلة السَّلَب، شديدةُ الكَلَب، فكَتَب إليه الحجّاج: استخلِف واقدم، فكتَبَ إليه، إني أريد أن أغزوَ خُوارزم، فكتَب إليه: لا تغزُها فإنها كما وصَفت؛ فغزا ولم يُطِعه، فصالَحه أهلُ خوارزم، وأصاب سَبْيًا ممّا صالحوه، وقَفَل في الشتاء، فاشتدّ عليهم البردُ، فأخذ الناس ثيابَ الأسرَى فلبِسوها، فمات ذلك السبيّ من البَرْد، قال: ونزل يزيدُ بلستانة، وأصاب أهلَ مَرْو الروذ طاعونٌ ذلك العام، فكتب إليه الحجاج: أن اقدم، فقَدِم، فلم يمرّ ببلد إلا فَرَشوا له الرَّياحين، وكان يزيدُ ولي سنة اثنتين وثمانين، وعزل سنة خمس وثمانين، وخرج من خُراسان في ربيع الآخِر سنة خمس وثمانين وولي قتيبة. (٦/ ٣٩٦). وأما هشام بن محمد، فإنه ذكر عن أبي مخنَف في عزل الحجاج يزيد عن خُراسان سببًا غير الذي ذكره عليّ بنُ محمد، والذي ذُكر من ذلك عن أبيِ مِخنَف أن أبا المُخارق الراسبيّ وغيره حدّثوه أن الحجّاج لم يكن له حين فرَغ من عبد الرّحمن بن محمد همٌّ إلا يزيدَ بن المهلّب وأهل بيته - وقد كان الحجاج أذلّ أهلَ العراق كلّهم إلا يزيد وأهل بيته ومَن معهم من أهل المِصْرَين بخُراسان، ولم يكن يتخوّف بعد عبد الرحمن بن محمد بالعراق غيرَ يزيد بن المهلب - فأخذ الحجاجُ في مواربة يزيد ليستخرجَه من خُراسان، فكان يبعث إليه ليأتيه، فيعتلّ عليه بالعدوّ وحَرْب خُراسان، فمكث بذلك حتى كان آخرَ سلطان عبدِ الملك، ثمّ إنّ الحجّاج كتب إلى عبد الملك يشير عليه بعَزْل يزيدَ بن المهلب، ويخبرهبطاعة آل المهلب لابن الزّبير، وأنه لا وفاءَ لهم؛ فكتب إليه عبدُ الملك: إنّي لا أرى تقصيرًا بوَلَد المهلب طاعتَهم لآل الزبير ووفاءهم لهم، فإنّ طاعتهم ووفاءهم لهم، هو دعاهم إلى طاعتي والوفاء لي. ثمّ ذكر بقيّة الخبر نحوَ الذي ذَكره عليّ بن محمّد (١). (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧).