page 3931, entry [1464]Open original source
ذكر الخبر عن فراق الخوارج عبد الله بن الزبير وفي هذه السنة فارق عبد الله بن الزبير الخوارجُ الذين كانوا قَدِموا عليه مكة، فقاتلوا معه حصين بن نمير السَّكونيّ، فصاروا إلى البصرة، ثمّ افترقت كلمتُهم فصاروا أحزابًا. ذكر الخبر عن فراقهم ابن الزبير، والسبب الذي من أجله فارقوه، والذي من أجله افترقتْ كلمتهم: حُدّثت عن هشام بن محمَّد الكلبيّ، عن أبي مخنف لوط بن يحيى قال: حدّثني أبو المخارق الراسبيّ، قال: لما ركب ابن زياد من الخوارج بعد قتل أبي بلال ما ركِب، وقد كان قبل ذلك لا يكفّ عنهم ولا يستبقيهم غير أنَّه بعد قتل أبي بلال تجرّد لاستئصالهم وهلاكِهم، واجتمعت الخوارجُ حين ثار ابن الزبير بمكّة، وسار إليه أهلُ الشام، فتذاكروا ما أتَى إليهم، فقال لهم نافع بن الأزرق: إنَّ الله قد أنزل عليكم الكتاب، وفَرَض عليكم فيه الجهاد، واحتجّ عليكم بالبيان، وقد جرّد فيكم السيوفَ أهلُ الظلم، وأولو العِدَا والغَشْم، وهذا من قد ثار بمكة، فأخرجوا بنا نأتِ البيت ونَلقَ هذا الرّجل، فإن يكن على رأينا جاهدْنا معه العدوّ، وإن يكن على غير رأينا دافعْنا عن البيت ما استطعنا، ونظرنا بعد ذلك في أمورنا، فخرجوا حتى قدموا على عبد الله بن الزبير، فسُرّ بمقدَمهم، ونبّأهم أنَّه على رأيهم، وأعطاهم الرّضا من غير توقُّف ولا تفتيش؛ فقاتلوا معه حتى مات يزيد بن معاوية، وانصرف أهل الشام عن مكة، ثمّ إنَّ القوم لقيَ بعضهم بعضًا، فقالوا: إنَّ هذا الذي صنعتم أمسِ بغير رأي ولا صواب من الأمر، تقاتلون مع رجل لا تدرون لعلّه ليس على رأيكم، إنما كان أمسِ يقاتلكمهو وأبوه ينادي: يالَ ثارات عثمان! فَائْتوه وسَلُوه عن عثمان، فإنْ برئ منه؛ كان وليَّكم، وإن أبي كان عدوَّكم، فمشَوا نحوَه فقالوا له: أيها الإنسان، إنا قد قاتلنا معك، ولم نُفتِّشك عن رأيك حتى نعلم أمِنَّا أنت أم مِنْ عدوّنا! خبّرنا ما مقالتُك في عثمان؟ فنظر فإذا من حوله من أصحابه قليلٌ، فقال لهم: إنكم أتيتموني فصادفتموني حين أردتُ القيام، ولكن رُوحوا إليّ العشيّة حتى أعلمكم من ذلك الذي تريدون. فانصرفوا، وبعث إلى أصحابه فقال: البسوا السلاح، واحضرُوني بأجمعكم العشيّة، ففعلوا، وجاءت الخوارج، وقد أقام أصحابه حولَه سِمَاطَيْن عليهم السلاحُ، وقامت جماعةٌ منهم عظيمة على رأسه بأيديهم الأعمدة، فقال ابن الأزرق لأصحابه: خشيَ الرجل غائلتَكم، وقد أزمع بخلافكم، واستعدّ لكم؛ ما تَرَوْن؟ فدنا منه ابن الأزرق، فقال له: يابن الزبير! اتّق الله رّبك، وأَبْغِض الخائن المستأثر، وعادِ أوّل من سنّ الضلالة، وأحدث الأحداث، وخالفَ حُكمَ الكتاب، فإنك إن تفعل ذلك تُرْضِ ربَّك، وتَنْج من العذاب الأليم نفسُك، وإن تركتَ ذلك فأنت من الذين استمتَعوا بخَلاقِهم، وأذهبوا في الحياة الدنيا طيِّباتِهم. يا عبيدة بن هلال! صِف لهذا الإنسان ومن معه أسْرَنا الذي نحن عليه، والذي ندعو الناس إليه، فتقدّم عبيدة بن هلال (١). (٥/ ٥٦٣ - ٥٦٥). قال هشام: قال أبو مخنف: وحدّثني أبو علقمة الخثعمي عن قبيصة بن عبد الرحمن القحافيّ، من خثعم، قال: أنا والله شاهدٌ عبيدة بن هلال؛ إذ تقدَّم فتكلّم، فما سمعت ناطقًا قطّ ينطق كان أبلغَ ولا أصوَبَ قولًا منه، وكان يرى رأيَ الخوارج. قال: وإن كان لَيَجمع القولَ الكثير في المعنى الخطير، في اللفظ اليسير. قال: فحمِد الله وأثنى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإن الله بعث محمدًا ﷺ يدعُو إلى عبادة الله، وإخلاص الدّين، فدعا إلى ذلك، فأجابه المسلمون، فعمِلفيهم بكِتاب الله وأمرِه، حتى قبضه الله إليه ﷺ، واستخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عُمَر، فكلاهما عمل بالكتاب وسنّة رسول الله، فالحمد لله ربّ العالمين، ثمّ إنَّ الناس استخلفوا عثمانَ بنَ عفان، فحمى الأحماءَ، وآثر القُربَى، واستعمل الفتى ورفع الدِّرّة، ووضع السَّوْط، ومزّق الكتاب، وحقّر المسلم، وضرب مُنْكِري الجوْر، وآوى طريدَ الرسول ﷺ، وضرب السابقين بالفضل، وسَيَّرهم وحَرَمهم، ثمَّ أخذ فيءَ الله الذي أفاءه عليهم فقسَمه بين فُسّاقِ قريش، ومُجّان العرب، فسارت إليه طائفةٌ من المسلمين أخذ الله ميثاقَهم على طاعته، لا يُبالون في الله لومةَ لائم، فقتلوه، فنحن لهم أولياءُ، ومن ابن عفان وأوليائه بُرآء، فما تقول أنت يا بن الزبير؟ ! قال: فحَمِد الله ابنُ الزبير وأثنى عليه تْمّ قال: أما بعد، فقد فهمتُ الذي ذكرتَ، وذكرتَ به النبيّ ﷺ، فهو كما قلت ﷺ وفوق ما وصفته، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر، وقد وُفِّقت وأصبت، وقد فهمتُ الذي ذكرتَ به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإني لا أعلم مكانَ أحد من خلق الله اليوم أعلمَ بابن عفان وأمره منّي، كنت معه حيث نقم القوم عليه، واستعتبوه فلم يَدعْ شيئًا استعتَبَهُ القوم فيه إلا أعتبهم منه، ثمَّ إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون: أنَّه كتبه فيهم، يأمر فيه بقتلهم فقال لهم: ما كتبتُه، فإن شئتم فهاتوا بيّنتَكم؛ فإن لم تكن حلفتُ لكم؛ فوالله ماجاؤوه ببيّنة، ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبتَه به، فليس كذلك، بل هو لكل خيرٍ أهل، وأنا أشهِدكم ومن حضر أني وليٌّ لابن عفّان في الدنيا والآخرة، وولّي أوليائه، وعدوّ أعدائه، قالوا: فبرئ اللهُ منك يا عدوّ الله! قال: فبرئ الله منكم يا أعداءَ الله! وتفرّق القوم، فأقبل نافع بن الأزرق الحنظلّي، وعبد الله بن صَفّار السعديّ من بني صَرِيم بن مقاعس، وعبد الله بن إباض أيضًا من بني صريم، وحنظلة بن بَيْهس، وبنو الماحوز: عبد الله، وعبيد الله، والزبير، من بني سَلِيط بن يربوع، حتى أتوا البصرة، وانطلق أبو طالوتَ من بني زمَّان بن مالك بن صعب بن علّي بن مالك بن بكر بن وائل وعبد الله بن ثور أبو فُدَيْك من بني قيس بن ثعلبة وعطيّة بن الأسود اليشكريّ إلى اليمامة، فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت، ثمّ أجمعوا بعد ذلك على نجدة ابن عامر الحنفيّ، فأما البصريّون منهم فإنهم قَدِمواالبصرة وهم مُجمِعون على رأي أبي بلال (١). (٥: ٥٦٥ - ٥٦٧) قال هشام: قال أبو مخنف لوط بن يحيى: فحدّثني أبو المثنّى عن رجل من إخوانه من أهل البصرة، أنهم اجتمعوا فقالت العامَّة منهم: لو خرج منّا خارجون في سبيل الله، فقد كانت منّا فَترة منذ خرج أصحابُنا، فيقوم علماؤنا في الأرض، فيكونون مصابيحَ الناس يدعونهم إلى الدّين، ويخرج أهلُ الوَرَع والاجتهاد فيلحقون بالربّ، فيكونون شُهَداءَ مرزوقين عند الله أحياء. فانتدب لها نافع بن الأزرق، فاعتقد على ثلاثمئة رجل، فخرج وذلك عند وثوب الناس بعبيد الله بن زياد، وكَسْر الخوارج أبوابَ السجون وخروجهم منها، واشتغل الناس بقتال الأزْد، وربيعة، وبني تميم، وقيس في دم مسعود بن عمرو، فاغتنمت الخوارج اشتغالَ الناس بعضهم ببعض، فتهَيّؤوا واجتمعوا، فلما خرج نافع بن الأزرق تبعوه، واصطلح أهلُ البَصرة على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب يصلِّي بهم، وخرج ابن زياد إلى الشام، واصطلحت الأزْد وبنو تميم، فتجرّد الناس للخوارج، فاتبعوهم وأخافوهم حتى خرج من بقي منهم بالبصرة، فلَحِق بابن الأزرق، إلا قليلًا منهم ممن لم يكن أراد الخروج يومه ذلك، منهم عبُد الله بن صَفّار، وعبدُ الله بن إباض، ورجالٌ معهما على رأيهما، ونظر نافع بن الأزرق ورأى: أنّ ولايةَ من تخلّف عنه لا تنبغي، وأنّ من تخلَّف عنه لا نجاةَ له، فقال لأصحابه: إنَّ الله قد أكرمكم بمُخرَجكم، وبصّركم ما عَمِيَ عنه غيرُكم؛ ألستم تعلمون أنكم إنما خرجتم تطلبون شريعته، وأمرَه؟ ! فأمرُه لكم قائد، والكتاب لكم إمام، وإنما تتبعون سُننَه وأثره، فقالوا: بلى! فقال: أليس حكمُكم في وليِّكم حكم النبيّ ﷺ في وليّه، وحكمُكم في عدوّكم حكم النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدوّه، وعدوّكم اليوم عدوّ الله وعدوّ النّبيِّ ﷺ، كما أنّ عدوّ النبيّ ﷺ يومئذ هو عدوّ الله وعدوّكم اليوم؟ ! فقالوا: بلى، قال: فقد أنَزل الله ﵎: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١]. وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فقد حرّم الله ولايتَهم، والمُقَامَبين أظهُرهم، وإجازةَ شهادتهم، وأكلَ ذبائحهم وقبول علم الدّين عنهم، ومناكحتهم، ومواريثهم، وقد احتجّ الله علينا بمعرفة هذا، وحق علينا أن نُعلِّم هذا الدّينَ الذين خرجْنا من عندهم، ولا نكتم ما أنزل الله، والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فاستجاب له إلى هذا الرأي جميعُ أصحابه. فكتب: من عُبيد الله نافع بن الأزرق إلى عبد الله بن صفّار، وعبد الله بن إباض، ومن قِبلَهما من الناس، سلامٌ على أهل طاعة الله من عباد الله، فإنّ من الأمر كيتَ وكيتَ؛ فقصّ هذه القصّة، ووصف هذه الصفة، ثمّ بعث بالكتاب إليهما، فأتيَا به، فقرأه عبد الله بن صفّار، فأخذه فوضعه خلفه، فلم يقرأه على الناس خشيةَ أن يتفرّقوا، ويختلفوا، فقال له عبدُ الله بن إباض: ما لَكَ للهِ أبوك! أيَّ شيء أصبْت! أأن قد أصيب إخواننا، أو أسِر بعضهم! فدفَع الكتابَ إليه، فقرأه، فقال: قاتله الله! أيَّ رأي رأى! صَدق نافع بن الأزرق، لو كان القوم مشركين كان أصوبَ الناس رأيًا وحُكمًا فيما يشير به، وكانت سيرتُه كسِيرة النبيّ ﷺ في المشركين، ولكنه قد كذَب، وكذَّبنَا فيما يقول، إنَّ القوم كفار بالنِّعم والأحكام، وهم بُرآء من الشِّرْك، ولا تَحلّ لنا إلا دماؤهم، وما سِوَى ذلك من أموالهم فهو علينا حرام؛ فقال ابن صفّار: برئ اللهُ منك، فقد قصرت، وبرئ الله من ابن الأزرق فقد غلا، برئ الله منكما جميعًا؛ وقال الآخر: فبرئ الله منك ومنه. وتفرّق القوم، واشتدّت شوكة ابن الأزرق، وكثرت جُمُوعه، وأقبل نحوَ البصرة حتى دنا من الجسر، فبعث إليه عبد الله بن الحارث مسلم بن عُبيس بن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف في أهل البصرة (١). (٥: ٥٦٧ - ٥٦٩).