page 3903, entry [1460]Open original source
خلافة مروان بن الحكم وفي هذه السنة بُويع لمروانَ بن الحكم بالخلافة بالشام. ذكر السبب في البيعة له: حدّثني الحارث، قال: حدّثنا ابن سعد، قال: حدّثنا محمَّد بن عمرَ، قال: لما بويع عبدُ الله بن الزبير ولَّى المدينةَ عُبيدةَ بن الزبير، وعبد الرحمن بن جَحْدَم الفِهْريّ مصرَ، وأخرجَ بني أميَّة ومراون بن الحكم إلى الشام - وعبد الملك يومئذ ابن ثمان وعشرين - فلما قدم حصين بن نمير ومَن معه إلى الشام أخبر مَرْوانَ بما خلَّف عليه ابن الزبير، وأنه دعاه إلى البيعة، فأبى فقال له ولبني أمية: نراكم في اختلاط شديد، فأقيموا أمرَكم قبل أن يدخل عليكم شامكم، فتكون فتنة عمياءَ صمَّاء؛ فكان من رأي مروانَ أن يرحل فينطلق إلى ابن الزبير فيبايعه، فقَدِمعبيد الله بن زياد، واجتمعت عنده بنو أميّة، وكان قد بلغ عبيد الله ما يريد مروان، فقال له: استحييتُ لك مما تريد! أنت كبيرُ قريش وسيِّدها، تصنع ما تصنعه! فقال: ما فات شيءٌ بعدُ؛ فقام معه بنو أميَّة ومواليهم، وتجمع إليه أهلُ اليمن، فسار وهو يقول: ما فات شيءٌ بعدُ؛ فقدم دمشقَ ومن معه، والضّحاك بن قيس الفهريّ قد بايعه أهلُ دمشق على أن يصلِّيَ بهم؛ ويقيمَ لهم أمرهم حتى يجتمع أمرُ أمَّة محمَّد. (٥: ٥٣٠). وأما عوانة فإنَّه قال - فيما ذكر هشام عنه - إنَّ يزيد بن معاوية لما مات وابنه معاوية من بعده، وكان معاوية بن يزيدَ بن معاوية - فيما بلغني - أمَرَ بعد ولايته فنوديَ بالشام: الصلاة جامعة! فحَمد الله وأثنَى عليه ثمَّ قال: أما بعد، فإني قد نظرت في أمركم فضعفتُ عنه، فابتغيت لكم رجلًا مثلَ عمرَ بن الخطَّاب رحمة الله عليه حين فزع إليه أبو بكر فلم أجدْه، فابتغيت لكم ستَةً في الشورى مثل ستّة عمر، فلم أجدها، فأنتم أولَى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، ثمَّ دخل منزلَه ولم يخرج إلى الناس، وتغيَّب حتى مات، فقال بعض الناس: دُسّ إليه فسُقي سمًا، وقال بعضهم: طُعن. (٥: ٥٣٠ - ٥٣١). رجع الحديث إلى حديث عوانة، ثمّ قدم عبيد الله بن زياد دمشق وعليها الضحاك بن قيس الفهريّ، فثار زُفَر بن الحارث الكلابيّ بقِنَّسرِين يبايع لعبد الله بن الزبير، وبايع النعمان بن بشير الأنصاريّ بحمص لابن الزبير، وكان حسان بن مالك بن بحْدَل الكلبيّ بفلَسْطين عاملًا لمعاوية بن أبي سُفْيان، ثمَّ ليزيد بن معاوية بعده، وكان يهوَى هَوَى بني أميَّة، وكان سيِّدَ أهل فلَسطين، فدعا حسَّان بن مالك بن بحدل الكلبيّ رَوْحَ بن زنْباع الجُذاميّ، فقال: إني مستخلفُك على فلسطين، وأدخل هذا الحيَّ من لَخْم وجُذام، ولست بدون رجل إذ كنت عينهم قاتلت بمن معك من قومك. وخرج حسَّان بن مالك إلى الأردُنّ واستخلف رَوْح بن زَنْباع على فلسطين، فثار ناتل بن قيس بروح بن زنباع فأخرجه، فاستولى على فلَسطين، وبايع لابن الزبير، وقد كان عبد الله بن الزبير كتب إلى عامله بالمدينة أن ينفيَ بني أميَّةَ من المدينة، فنُفوا بعيالاتهم ونسائهم إلى الشام، فقدِمتْ بنو أميّة دمشق وفيها مروان بن الحكم، فكان الناس فريقين: حسّان بن مالك بالأردن يَهوَى هَوى بني أمية، ويدعو إليهم؛ والضحَّاك بن قيسالفهريّ بدمشقَ يَهوَى هَوَى عبد الله بن الزبير، ويدعو إليه. قال: فقام حسان بن مالك بالأردنّ، فقال: يا أهلَ الأردنّ! ما شهادتُكم على ابن الزبير وعلى قَتْلَى أهلِ الحرّة؟ قالوا: نشهد أنّ ابن الزبير منافق، وأنّ قتلى أهلِ الحرّة في النار؛ قال: فما شهادتُكم على يزيد بن معاوية وقتلاكم بالحرّة؟ قالوا: نشهد أنّ يزيد على الحقّ، وأنّ قتلانا في الجنة؛ قال: وأنا أشهد لئن كان دينُ يزيدَ بن معاوية وهو حيّ حقًّا يومئذ إنه اليومَ وشيعتُه على حقّ؛ وإن كان ابن الزبير يومئذ وشيعته على باطل إنه اليومَ على باطل وشيعته؛ قالوا له: قد صدقتَ، نحن نبايعك على أن نقاتل مَن خالفك من الناس، وأطاعَ ابنَ الزبير، على أن تجنِّبنا هذين الغلامين، فإنا نكره ذلك - يعنُون: ابنَي يزيد بن معاوية عبد الله، وخالدًا - فإنهما حديثةٌ أسنانهما، ونحن نكره أن يأتيَنا الناس بشيخ ونأتيهم بصبيّ، وقد كان الضحاك بن قيس بدمشقَ يَهَوى هَوَى ابن الزبير، وكان يمنعه من إظهار ذلك أنّ بني أميَّة كانوا بحضرته، وكان يعمل في ذلك سرًّا، فبلغ ذلك حسان بن مالك بن بحدل، فكتب إلى الضحاك كتابًا يعظّم فيه حقّ بني أمية، ويذكر الطاعة والجماعة وحُسْنَ بلاءِ بني أميَّة عندَه وصنيعهم إليه، ويدعوه إلى طاعتهم، ويذكر ابن الزبير ويقع فيه ويشتمه، ويذكر: أنَّه منافق، قد خلع خليفتَين، وأمره أن يقرأ كتابه على الناس، ودعا رجلًا من كَلْب يُدعى ناغضة فسرَّح بالكتاب معه إلى الضحَّاك بن قيس، وكتب حسَّان بن مالك نسخةَ ذلك الكتاب، ودفَعه إلى ناغضة، وقال: إن قرأ الضحَّاك كتابي على الناس وإلّا فقم فاقرأ هذا الكتاب على الناس؛ وكتب حسَّان إلى بني أمية يأمرهم أن يحضروا ذلك، فقَدِم ناغضةُ بالكتاب على الضحَّاك فدفعه إليه ودفع كتابَ بني أميَّة إليهم، فلما كان يومَ الجمعة صعِد الضحَّاك المنبر فقام إليه ناغضة، فقال: أصلح الله الأمير! ادعُ بكتاب حسَّان فاقرأه على الناس، فقال له الضحاك: اجلس، فجلس، ثمّ قام إليه الثانية فقال له: اجلس؛ ثمّ قام إليه الثالثة فقال له: اجلس؛ فلما رآه ناغضة لا يفعل أخرج الكتابَ الذي معه فقرأه على الناس، فقام الوليد بن عُتبة بن أبي سُفْيانَ فصدّق حسانًا وكذّب ابنَ الزبير وشتمه، وقام يزيد بن أبي النِّمس الغسّانيّ، فصدّق مقالة حسان وكتابَه، وشتم ابن الزبير، وقامَ سُفيان بن الأبرد الكلبيّ فصدّق مقالة حسان وكتابه، وشتم ابن الزبير.وقام عمرو بن يزيد الحكميّ فشتم حسّان وأثنَى على ابن الزبير، واضطرب الناس تبعًا لهم، ثمّ أسر الضحاك بالوليدَ بنَ عُتبة ويزيد بن أبي النّمس وسُفْيان بن الأبرد الذين كانوا صدّقوا مقالةَ حسان وشتَموا ابن الزبير فحُبسوا، وجال الناسُ بعضُهم في بعض، ووثبت كَلْب على عمرو بن يزيد الحَكَميّ، فضربوه وحرّقوه بالنار، وخرّقوا ثيابه. وقام خالد بن يزيد بن معاوية فصعد مرْقاتين من المنبر، وهو يومئذ غلام. والضحَّاك بن قيس على المنبر، فتكلَّم خالد بن يزيد بكلام أوْجَز فيه لم يُسمع مثلُه، وسكن الناس ونزل الضحاك فصلَّى بالناس الجمعة، ثمّ دخل فجاءت كلب فأخرجوا سفيانَ بن الأبرد، وجاءت غسَّان فأخرجوا يزيد بن أبي النِّمس، فقال الوليد بن عتبة، لو كنتُ من كلب أو غسان أخرِجت. قال: فجاء ابنا يزيد بن معاوية: خالد، وعبد الله؛ معهما أخوالُهما من كلب فأخرجوه من السِّجن، فكان ذلك اليوم يسمِّيه أهل الشام يومَ جَيْرون الأوّل. وأقام الناس بدمشقَ، وخرج الضحَّاك إلى مسجد دمشقَ، فجلس فيه فذكر يزيدَ بنَ معاوية، فوقع فيه، فقام إليه شابٌّ من كلب بِعَصًا معه فضربه بها، والناس جلوس في الحلق متقلِّدي السُّيوف، فقام بعضُهم إلى بعض في المسجد، فاقتتلوا؛ قيس تدعو إلى ابن الزبير ونُصرْة الضحَّاك، وكلْب تدعو إلى بني أمية ثمَّ إلى خالد بن يزيد، ويتعصّبون ليزيد، ودخل الضحاك دارَ الإمارة، وأصبح الناس فلم يخرج إلى صلاة الفجر، وكان من الأجناد ناس يهوَوْن هَوَى بني أمية، وناس يهوَوْن هَوَى ابن الزبير، فبعث الضحاك إلى بني أميَّة فدخلوا عليه من الغد، فاعتذر إليهم، وذكر حُسنَ بلائهم عند مواليه وعنده، وأنه ليس يريد شيئًا يكرهونه. قال: فتكتبون إلى حسّان ونكتب، فيسير من الأردنّ حتى ينزل الجابية، ونسير نحن وأنتم حتى نوافيَه بها، فنبايع لرجل منكم، فرضيَتْ بذلك بنو أميّة، وكتبوا إلى حسّان، وكتب إليه الضحَّاك، وخرج الناس وخرجت بنو أميّة واستقبلت الرايات، وتوجَّهوا يريدون الجابية، فجاء ثور بن معن بن يزيد بن الأخنس السُلَميّ إلى الضحاك، فقال: دعوْتَنا إلى طاعة ابن الزبير فبايعْناك على ذلك، وأنت تسير إلى هذا الأعرابيّ من كَلْب تستخلف ابنَ أخيه خالد بن يزيد!فقال له الضحّاك: فما الرأي؟ قال: الرأي أن نُظهر ما كنا نسرّ وندعو إلى طاعة ابن الزبير، ونقاتل عليها، فمالَ الضحّاك بمن معه من الناس فعَطفهم، ثمّ أقبل يسير حتى نزل بمَرْج راهطَ. واختُلف في الوقعة التي كانت بمرج راهط بين الضحّاك بن قيس ومروان بن الحَكَم، فقال محمَّد بن عمرَ الواقديّ: بُويع مروانُ بنُ الحكم في المحرّم سنة خمس وستين، وكان مروانُ بالشام لا يُحدّث نفسه بهذا الأمر حتى أطْمَعَه فيه عُبيد الله بن زياد حين قَدِم عليه من العراق، فقال له: أنت كبيرُ قريش ورئيسها، يلي عليك الضحاك بن قيس! فذلك حين كان ما كان، فخرج إلى الضحاك في جيش، فقَتلهم مروان والضحاك يومئذ في طاعة ابن الزبير، وقُتلت قيس بمرج راهط مقتلةً لَمْ يُقتل مِثلُها في موطن قطّ. (٥: ٥٣١ - ٥٣٤). قال محمَّد بن عمر: حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عُروة، قال: قُتِل الضحاك يومَ مَرْج راهط على أنَّه يدعو إلى عبد الله بن الزبير، وكُتِبَ به إلى عبد الله لما ذُكِر عنه من طاعته وحسن رأيه. (٥: ٥٣٤). وقال غيرُ واحد: كانت الوقعة بمرج راهط بين الضحاك ومروان في سنة أربع وستّين. وقد حُدِّثت عن ابن سعد، عن محمَّد بن عمر، قال: حدّثني موسى بن يعقوب عن أبي الحُوَيْرث، قال: قال أهل الأردنّ وغيرهم لمروان: أنت شيخٌ كبير، وابن يزيد غلام وابن الزبير كَهْل، وإنما يُقرع الحديدُ بعضُه ببعض، فلا تبارِه بهذا الغلام، وارمِ بنحرك في نحوه، ونحن نبايعك، ابسُط يدَك، فَبَسَطها، فبايعوه بالجابِيَة يومَ الأربعاء لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع وستين. (٥: ٥٣٤). قال محمَّد بن عمر: وحدّثني مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله: أن الضّحاك لما بلغه: أنّ مروان قد بايعه من بايعه على الخلافة، بايع من معه لابن الزبير، ثمَّ سار كلّ واحد منهما إلى صاحبه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فقُتل الضحاك وأصحابه. (٥: ٥٣٤ - ٥٣٥). قال محمَّد بن عمر: وحدّثني ابن أبي الزّناد، عن أبيه؛ قال: لما ولي المدينةعبد الرحمن بن الضحاك كان فتىً شابًّا، فقال: إنَّ الضحاك بن قيس قد كان دعا قيسًا وغيرَها إلى البيعة لنفسه، فبايعهم يومئذ على الخلافة، فقال له زُفَر بن عقيل الفِهريّ: هذا الذي كنا نعرف ونسمع، وإنّ بني الزبير يقولون: إنما كان بايع لعبد الله بن الزبير، وخرج في طاعته حتى قتل، الباطلَ والله يقولون؛ كان أوّل ذاك أنّ قريشًا دعتْه إليها، فأبى عليها حتى دخل فيها كارهًا. (٥: ٥٣٥).