page 3888, entry [1458]Open original source
هروب عبيد الله بن زياد من البصرة متوجهًا إلى الشام بعد اضطراب الأمور في العراق سنة ٦٤ هـ بعد وفاة يزيد قال وهب: فحدّثنا أبو بكر بن الفضل، عن قبيصة بن مروان: أنهم جعلوا يقولون: أين ترونه توجّه؟ فقالت عجوز من بني عقيل: أين ترونه توجّه! اندَحَسَ والله في أجَمَةِ أبيه. وكانت وفاةُ يزيدَ حين جاءت ابن زياد وفي بيوت مال البصرة ستة عشر ألفألف، ففرّق ابن زياد طائفةً منها في بني أبيه، وحمل الباقي معه، وقد كان دعا البخارّية إلى القتال معه، ودعا بني زياد إلى ذلك فأبَوا عليه. (٥: ٥١١). حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدّثنا الأسوَد بن شيبان عن عبد الله بن جَرير المازنيّ، قال: بعث إليّ شقيق بن ثور، فقال لي: إنه قد بلغني: أنّ ابن منجوف هذا وابن مسمع يُدلجان بالليل إلى دار مسعود ليردّا ابن زياد إلى الدار ليصلوا بين هذَيْن الغاريْن، فيهريقوا دماءكم، ويُعِزُّوا أنفسهم، ولقد هممتُ أن أبعَثَ إلى ابن منجوف فأشدَّه وثاقًا، وأخرِجَه عني؛ فاذهب إلى مسعود، فاقرأ ﵇ منّي، وقيل له: إنّ ابن منجوف وابن مسمع يفعلان كذا وكذا، فأخرج هذين الرجلين عنك، قال: وكان معه عُبيد الله، وعبد الله ابنا زياد، قال: فدخلتُ على مسعود وابنا زياد عنده: أحدُهما عن يمينه، والآخر عن شماله، فقلت: السلام عليك أبا قَيْس، قال: وعليك السلام؛ قلتُ: بعثني إليك شقيق بن ثور يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنه بلغني؛ فردّ الكلام بعينه إليَّ: "فأخرِجهما عنك"؛ قال مسعود: والله فعلت ذاك؛ فقال عبيد الله: كيف أبا ثور - ونَسِي كُنْيَتَه، إنما كان يُكنَى أبا الفضل - فقال أخوه عبد الله: إنا والله لا نخرج عنكم، قد أجرْتُمونا، وعقدتم لنا ذِمَّتَكم، فلا نخرج حتى نُقتَلَ بين أظهُرِكم، فيكون عارًا عليكم إلى يوم القيامة. (٥: ٥١١ - ٥١٢). قال أصحابنا: دعت مُضرُ إلى العبّاس بن الأسود بن عوف الزهريّ، ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، ودعَتِ اليَمن إلى عبد الله بن الحارث بن نوفل، فتراضى الناسُ أن حكّموا قيسَ بن الهيثم والنعمان بن صُهْبان الراسبيّ لينظرا في أمر الرجلين، فاتفق رأيُهما على أن يولّيا المضريّ الهاشميّ إلى أن يجتمع أمرُ الناس على إمام؛ فقيل في ذلك: نزَعْنَا وَوَلَّيْنا وبَكْرُ بنُ وائلٍ ... تَجُرُّ خُصاهَا تَبتِغي من تحالِفُ فلما أمّروا ببّة على البصرة ولّى شرطتَه هِمْيان بن عديّ السَّدُوسيّ. (٥: ٥١٢ - ٥١٣). قال أبو جعفر: وأمَّا أبو عُبيدة فإنَّه - فيما حدّثني محمَّد بن عليّ، عن أبي سعدان، عنه - قصّ من خبر مسعود وعبيد الله بن زياد وأخيه غيرَ القصّةِ التي قصّها وهب بن جرير، عمّن روى عنهم خبرَهم، قال: حدّثني مسلمة بنمحارب بن سلم بن زياد وغيره من آل زياد، عمّن أدرك ذلك منهم ومِنْ مواليهم - والقوم أعلم بحديثهم -: أنّ الحارث بن قيس لم يكلِّم مسعودًا، ولكنه آمن عبيدَ الله، فحمل معه مئةَ ألف درهم، ثمَّ أتى بها إلى أمّ بسطام امرأة مسعود، وهي بنت عمّه، ومعه عُبيد الله وعبد الله ابنا زياد، فاستأذن عليها، فأذِنتْ له، فقال لها الحارث: قد أتيتُكِ بأمر تَسُودِين به نساءَكِ وتتمّين به شرفَ قومك، وتعجّلين غنىً ودنيا لك خاصّة، هذه مئة ألف درهم فاقبضيها، فهي لك، وضُمّي عبيد الله، قالت: إني أخاف ألَّا يرضى مسعود بذلك ولا يقبله؛ فقال الحارث: ألبسيه ثوبًا من أثوابي، وأدخليه بيتك، وخلّي بيننا وبين مسعود؛ فقبضت المال، وفعلت، فلمّا جاءَ مسعود أخبرتْه، فأخذ برأسها، فخرج عبيد الله والحارث من حَجَلتها عليه، فقال عبيد الله: قد أجارتْني ابنة عمّك عليك، وهذا ثوبك عليّ، وطعامُك في بطني، وقد التفّ عليّ بيتُك؛ وشهد له على ذلك الحارث، وتلطّفا له حتى رضي. قال أبو عبيدة: وأعطى عبيد الله الحارث نحوًا من خمسين ألفًا، فلم يزل عبيد الله في بيت مسعود حتى قُتِل مسعود. (٥: ٥١٣). قال أبو عبيدة: فحدّثني يزيد بن سُمَير الجَرْميّ عن سَوّار بن عبد الله بن سعيد الجرميّ؛ قال: فلما هرب عبيد الله غبَر أهلُ البَصْرِة بغير أمير، فاختلفوا فيمن يؤمّرون عليهم، ثمَّ تراضَوْا برجلين يختاران لهم خِيرَة، فيرضون بها إذا اجتمعا عليها، فتراضوا بقيس بن الهيثم السُّلَميّ، وبنعمان بن سُفْيان الراسبيّ، راسب بن جَرْم بن رَبَّان بن حُلْوان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة - أن يختارا مَن يرضيان لهم، فذكَرا عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب - وأمه هند بنت أبي سُفْيان بن حرب بن أميّة - وكان يلقب بَبّة، وهو جدّ سليمان بن عبد الله بن الحارث، وذكرا عبد الله بن الأسود الزّهريِّ، فلما أطبقا عليهما اتَّعدا المِرْبَد، وواعدا الناس أن تجتمع آراؤهم على أحد هذيْن. قال: فحضر الناسُ، وحضرتُ معهم قارعةَ المِربد - أي: أعلاه - فجاء قيس بن الهيثم، ثمّ جاء النعمان بعد، فتجاوَلَ قيس والنعمان، فأرى النعمان قيسًا: أنّ هواه في ابن الأسود، ثمّ قال: إنَّا لا نستطيع أن نتكلم معًا، وأراده أن يجعل الكلام إليه، ففعل قيس وقد اعتقد أحدهما على الآخر، فأخذ النعمانعلى الناس عهدًا لَيرَضَوُنَّ بما يختار، قال: ثمّ أتى النعمانُ عبدَ الله بن الأسود فأخذ بيده، وجعل يشترط عليه شرائطَ حتى ظنّ الناس: أنَّه مبايِعه، ثمّ تركه، وأخذ بيد عبد الله بن الحارث، فاشترط عليه مِثلَ ذلك، ثمّ حمِد الله تعالى وأثنَى عليه، وذكر النبيّ ﷺ وحقّ أهل بيته وقرابته، ثمَّ قال: يا أيّها الناس! ما تَنقِمون من رجل من بني عمّ نبيّكم ﷺ، وأمّه هند بنت أبي سُفْيان! فإن كان فيهم فهو ابن أختكم؛ ثمَّ صفق على يده وقال: ألا إني قد رضيتُ لكم به، فنادَوْا: قد رَضِينا؛ فأقبَلوا بعبد الله بن الحارث إلى دار الإمارة حتى نزلها، وذلك في أوّل جُمادى الآخرة سنة أربع وستين، واستعمل على شُرطته هميان بن عديّ السدوسيّ، ونادى في الناس: أن احضروا البيعة، فحضروا فبايعوه، فقال الفرزدق حين بايعه: وبايعتُ أقوامًا وفَيت بعهدِهم ... وبَبَّةُ قد بايعتُهُ غَيرَ نادِم (٥: ٥١٣ - ٥١٤). قال أبو عبيدة: فحدَّثني زهير بن هُنَيد، عن عمرو بن عيسى، قال: كان منزل مالك بن مسْمَع الجَحْدَريّ في الباطنة عند باب عبد الله الإصبهانيّ في خُطّ بني جَحدر، الذي عند مسجد الجامع، فكان مالك يحضر المسجد، فبينا هو قاعد فيه - وذلك بعد يسيرٍ من أمر ببَّة - وافى الحلْقةَ رجلٌ من ولد عبد الله عامر بن كُرَيْز القرشيّ يريد ببّة، ومعه رسالة من عبد الله بن خازم، وبيعته بَهَراة، فتنازعوا، فأغلظ القرشيُّ لمالك، فلطم رجلٌ من بكر بن وائل القرشيَّ، فتهايج مَنْ ثمَّ مِنْ مضر وربيعة، وكثرتهم ربيعة الذين في الحلقة، فنادى رجل: يالَ تميم! فسمعَت الدّعوةَ عصبةٌ من ضَبّة ابن أدّ - كانوا عند القاضي - فأخذوا رماح حَرَس من المسجد وتِرَسَتَهم، ثمَّ شدّوا على الرّبَعيّين فهزموهم، وبلغ ذلك شقيق بن ثور السدوسيّ - وهو يومئذ رئيس بكر بن وائل - فأقبل إلى المسجد فقال: لا تجدُنّ مضريًّا إلا قتلتموه، فبلغ ذلك مالك بن مسمع، فأقبل متفضلًا يُسكّن الناس، فكفّ بعضُهم عن بعض، فمكث الناس شهرًا أو أقلّ، وكان رجل من بني يشكر يجالس رجلًا من بني ضبّة في المسجد، فتذاكرَا لطمة البَكْريّ القرشيَّ، ففخر اليشكريّ، قال: ثمَّ قال: ذهبت ظَلْفًا، فأحفظ الضّبيّ بذلك، فوجأ عنقَه، فوقذَه الناس في الجمعة، فحُمِل إلى أهله ميتًا - أعني: اليشكريّ -فثارت بكر إلى رأسهم أشيمَ بن شقيق، فقالوا: سِرْ بنا؛ فقال: بل أبعث إليهم رسولًا، فإن سيّبوا لنا حقَّنا وإلا سرنا إليهم، أبتْ ذلك بكر، فأتَوْا مالك بن مسمع - وقد كان قبل ذلك مملَّكًا عليهم قبل أشيم، فغلب أشيمَ على الرّياسة حين شخص أشيم إلى يزيدَ بن معاوية؛ فكتب له إلى عبيد الله بن زياد أن ردّوا الرّياسة إلى أشيم، فأبت اللَّهازم، وهم بنو قيس بن ثعلبة وحلفاؤهم عنزة وشيع اللات وحلفاؤها عجل حتى توافوا هم وآل ذهل بن شيبان وحلفاؤها يَشكُر، وذهل بن ثعلبة وحلفاؤها ضُبيْعة بن ربيعة بن نزار؛ أربع قبائل وأربع قبائل، وكان هذا الحلف في أهل الوَبَر في الجاهلية، فكانت حنيفة بقيتْ من قبائل بكر لم تكن دخلتْ في الجاهلية في هذا الحلف، لأنهم أهلُ مَدَر، فدخلوا في الإِسلام مع أخيهم عجل، فصاروا لِهْزمةً، ثمّ تراضوْا بحكم عمران بن عِصام العَنَزيّ أحد بني هُمَيْم، وردّها إلى أشيَم، فلما كانت هذه الفتنة استخفّت بكر مالك بن مسمع، فخفّ وجمع وأعدّ، فطلب إلى الأزد أن يجدّدوا الحِلْف الذي كان بينهم قبل ذلك في الجماعة على يزيد بن معاوية، فقال حارثة بن بدر في ذلك: نزعْنا وأَمَرْنا وبكرُ بن وائل ... تجر خُصاها تبتغي من تحالِفُ وما باتَ بَكريٌّ من الدهرِ ليلةً ... فيُصْبِحَ إلَّا وهو لِلذُّلّ عارِفُ قال: فبلغ عبيد الله الخبر - وهو في رحْلِ مسعود - من تباعد ما بين بكر وتميم، فقال لمسعود: اِلقَ مالكًا فَجدّدِ الحِلف الأوّل؛ فلقِيَه، فترادّا ذلك، وتأبَّى عليهما نفر من هؤلاء وأولئك، فبعث عبيد الله أخاه عبد الله مع مسعود، فأعطاه جزيلًا من المال، حتى أنفق في ذلك أكثر من مئتي ألف درهم على أن يبايعوهما، وقال عبيد الله لأخيه: استوثق من القوم لأهل اليمن، فجددوا الحِلْف، وكتبوا بينهم كتابًا سوى الكتابين اللذين كانا كتُبا بينهما في الجماعة، فوضعوا كتابًا عند مسعود بن عمر. (٥: ٥١٤ - ٥١٦). قال أبو عبيدة: فحدثني بعض ولد مسعود: أنّ أول تسمية من فيه الصّلت بن حُريْث بن جابر الحنفيّ، ووضعوا كتابًا عند الصّلت بن حريث أوّل تسميته ابن رجاء العَوْذيّ، من عَوْذ بن سُود، وقد كان بينهم قبل هذا حِلف. (٥: ٥١٦). قال أبو عبيدة: وزعم محمَّد بن حفص ويونس بن حبيب وهبيرة بن حُدَير وزهير بن هنيد: أنّ مضر كانت تَكثُر ربيعةَ بالبصرة، وكانت جماعة الأزد آخرَ مننزل بالبَصرة، كانوا حيث مُصِّرت البصرة، فحوّل عمر بن الخطّاب ﵀ من تَنُوخَ من المسلمين إلى البَصرة، وأقامت جماعة الأزد لم يتحولوا، ثمَّ لحقوا بالبَصرة بعد ذلك في آخر خلافة معاوية، وأوّل خلافة يزيدَ بن معاوية، فلمَّا قدموا قالت ينو تميم للأحنف: بادرْ إلى هؤلاء قبل أن تسبقنَا إليهم ربيعة، وقال الأحنف: إنْ أتَوكم فاقبلوهم، وإلّا؛ لا تأتوهم فإنكم إن أتيتموهم صرتم لهم أتباعًا. فأتاهم مالكُ بنُ مِسمَع ورئيس الأزْد يومئذ مسعود بن عمرو المعني، فقال مالك: جدّدوا حِلفنَا وحلف كندة في الجاهليّة، وحلْف بني ذُهْل بن ثعلبة في طيّئ بن أدَد من ثُعَل، فقال الأحنف: أما إذ أتوهم، فلن يزالوا لهم أتباعًا أذنابًا. (٥: ٥١٦ - ٥١٧). قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حُدَير عن إسحاق بن سويد، قال: فلما أن جرت بكر إلى نصر الأزد على مضرَ، وجدّدوا الحِلف الأوَّل، وأرادوا أن يسيروا، قالت الأزد: لا نسير معكم إلا أن يكون الرئيس منّا، فرأسوا مسعودًا عليهم. (٥: ٥١٧). قال أبو عبيدة: فحدثني مسلمة بن محارب، قال: قال مسعود لعبيد الله: سرْ معنى حتى نعيدَك في الدار؛ فقال: ما أقدر على ذلك، امضِ أنتَ، وأمر برواحله فشدّوا عليها أدواتها وسوادها، وتزمّل في أهبة السفر، وألقوا له كرسيًّا على باب مسعود، فقعد عليه؛ وسار مسعود، وبعث عبيد الله غلمانًا له على الخيل مع مسعود، وقال لهم: إني لا أدري ما يحْدُث فأقول: إذا كان كذا؛ فليأتني بعضُكم بالخبر، ولكن لا يحدثَنّ خير ولا شرّ إلَّا أتاني بعضكم به، فجعل مسعود لا يأتي على سكّة، ولا يتجاوز قبيلةً إلا أتى بعض أولئك الغلمان بخبر ذلك، وقدم مسعود ربيعةَ، وعليهم مالك بن مسمع، فأخذوا جميعًا سكّة المربد، فجاء مسعود حتى دخل المسجد، فصعد المنبر، وعبد الله بن الحارث في دار الإمارة، فقيل له: إنَّ مسعودًا وأهل اليمن وربيعة قد ساروا، وسيهيج بين الناس شرّ، فلو أصلحتَ بينهم أو ركبت في بني تميم عليهم! فقال: أبعدهم الله! لا والله لا أفسدت نفسي في إصلاحهم، وجعل رجل من أصحاب مسعود يقول: لأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ ... جارِيَةً في قبَّهْ تَمْشُطُ رأسَ لَعْبهْفهذا قول الأزْد وربيعة، فأما مضرُ فيقولون: إنَّ أمه هند بنت أبي سُفْيان كانت ترقّصِه وتقول هذا؛ فلما لم يحلْ أحد بين مسعود وبين صعود المِنبر؛ خرج مالك بن مسمع في كتيبته حتى علا الجبَّان من سكة المرْبد، ثمَّ جعل يمرّ بعِداد دور بني تميم حتى دخل سكة بني العدويَّة من قِبل الجبَّان، فجعل يحرّق دورَهم للشَّحناء التي في صدورهم لقتل الضبيّ اليشكريّ، ولاستعراض ابن خازم ربيعة بهَراة، قال: فبينا هو في ذلك إذ أتَوْه فقالوا: قتلوا مسعودًا، وقالوا: سارت بنو تميم إلى مسعود، فأقبل حتى إذا كان عند مسجد بني قيس في سكّة المِربد، وبلغه قتلُ مسعود، وقف. (٥: ٥١٧ - ٥١٨). قال أبو عبيدة: فحدّثني زهير بن هُنيد، قال: حدّثنا الضحاك - أو الوضّاح بن خيثمة أحد بني عبد الله بن دارِم - قال: حدّثني مالك بن دينار، قال: ذهبت في الشباب الذين ذهبوا إلى الأحنف ينظرون؛ قال: فأتيته وأتتْه بنو تميم، فقالوا: إنّ مسعودًا قد دخل الدار، وأنت سَيدنا، فقال: لستُ بسيّدكم، إنما سيّدكم الشيطان. (٥: ٥١٨). وأما هبيرة بن حدير، فحدّثني عن إسحاق بن سويد العدويّ، قال: أتيت منزل الأحنف في النظّارة، فأتوا الأحنف، فقالوا: يا أبا بحر، إنَّ ربيعة والأزد قد دخلوا الرَّحبَة، فقال: لستم بأحقَّ بالمسجد منهم؛ ثمَّ أتوه فقالوا: قد دخلوا الدار؛ فقال: لستم بأحقَّ بالدار منهم؛ فتسرّع سلمة بن ذؤيب الرّياحيّ، فقال: إليَّ يا معشر الفتيان، فإنما هذا جِبْسٌ لا خير لكم عنده، فبدرت ذؤبان بني تميم فانتدب معه خمسمئة، وهم مع ماه أفريذون، فقال لهم سلمة: أين تريدون؟ قالوا: إيَّاكم أردنا؛ قال: فتقدّموا. (٥: ٥١٨). فحدّثني زهير، قال: حدّثنا أبو ريحانة العُرَيْنيّ، قال: كنتُ يومَ قتل مسعود تحت بطن فرس الزرد بن عبد الله السعديّ أعْدُو حتى بلغْنا شريعة القديم. (٥: ٥١٩). قال إسحاق بن سويد: فأقبلوا، فلما بلغوا أفواهَ السّكَك وقفوا، فقال لهم ماه أفريذون بالفارسيّة: ما لكم يا معشر الفِتْيان؟ قالوا: تلقّونا بأسنّة الرّماح؛ فقال لهم بالفارسية: صكّوهم بالفنجقان - أي بخمس نُشَّابات في رَمْيَة، بالفارسيّة - والأساورة أربعمئة، فصكّوهم بألفي نشّابة في دفعة، فأجلوا عن أبوابالسكّك، وقاموا على باب المسجد، ودلفت التميميّة إليهم، فلما بلغوا الأبواب؛ وقفوا، فسألهم ماه أفريذون: ما لَكم؟ قالوا: أسندوا إلينا أطرافَ رماحِهم؛ قال: ارموهم أيضًا؛ فرمَوْهم بألفيْ نشّابة، فأجلوهم عن الأبواب، فدخلوا المسجدَ، فأقبلوا ومسعود يخطب على المنبر ويحضّض، فجعل غَطَفان بن أنيف بن يزيد بن فهدة. أحد بني كعب بن عمرو بن تميم - وكان يزيد بن فهدة فارسًا في الجاهلية يقاتل ويحضُّ قومَه ويرتجِز: يال تميمٍ إنَّها مذكوره ... إنْ فات مسعودٌ بها مَشْوَرَهْ فاستمسِكوا بجانبِ المقْصورَهْ أي: لا يهرب فيفوت. قال إسحاق بن يزيد: فأتَوْا مسعودًا وهو على المِنبَر يحضّ، فاستنزلوه فقتلوه، وذلك في أوّل شوّال سنة أربع وستين، فلم يكن القوم شيئًا، فانهزموا. وبادر أشْيمُ بن شَقِيق القوم بباب المقصورة هاربًا، فطعنه أحدُهم فنجا بها، ففي ذلك يقول الفرزدق: لو أنَّ أشيْمَ لم يَسْبقْ أَسِنَّتَنا ... وأخطأ البابَ إذْ نِيرانُنا تَقِد إذًا لصاحَبَ مسْعودًا وصاحِبه ... وقد تهافَتَتِ الأعفاجُ والكَبِدُ (٥: ٥١٩ - ٥٢٠). قال أبو عبيدة: فحدّثني سلّام بن أبي خَيْرة، وسمعتُه أيضًا من أبي الخَنْساء كُسَيْب العنبريّ يحدّث في حَلْقة يونسَ، قالا: سمعنا الحسنَ بن أبي الحسن يقول في مجلسه في مسجد الأمير: فأقبل مسعود من هاهنا - وأشار بيده إلى منازل الأزْد في أمثال الطير - مُعْلِمًا بقباء ديباج أصفر مغيّر بسواد، يأمر الناسَ بالسنّة، وينهى عن الفتنة: ألا إنَّ من السّنة أن تأخذ فوق يديك، وهم يقولون: القَمر القمَرَ، فوالله ما لبثوا إلَّا ساعةً حتى صار قمرهم قُميْرًا، فأتوه فاستنزلوه عن المِنبر وهو عليه - قد علم الله - فقتلوه. قال سلّام في حديثه: قال الحسن: وجاء الناس من هاهنا - وأشار بيده إلى دُور بني تميم. (٥: ٥٢٠). قال أبو عُبيدة: فحدّثني مسْلَمة بن محارب، قال: فأتَوا عُبيدَ الله، فقالوا: قد صعد مسعود المنبر، ولم يُرمَ دون الدار بكُثّاب، فبيناه في ذلك يتهيَّأ ليجئإلى الدار؛ إذ جاؤوا فقالوا: قد قتل مسعود، فاغترز في ركابه فلحق بالشام، وذلك في شوّال سنة أربع وستين. (٥: ٥٢١). قال أبو عبيدة: فحدثني رَوَّاد الكعبيّ، قال: فأتى مالكَ بن مسمع أناسٌ من مضرَ، فحصروه في داره، وحرّقوا، ففي ذلك يقول غَطَفان بن أنيف الكعبيّ في أرجوزة: وأصْبَح ابنُ مِسْمَع مَحْصورَا ... يَبْغِي قُصورًا دونَهُ وَدُورَا حَتَّى شَببْنا حَوْلَهُ السَّعِيرَا ولما هرب عُبيد الله بن زياد اتَّبعوه، فأعجز الطلبَة، فانتهبوا ما وجدوا له، ففي ذلك يقول وافد بن خليفة بن أسماء، أحد بني صخر بن مِنقرَ بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد: يا رُبَّ جَبَّار شَدِيد كَلْبُهْ ... قد صَارَ فينا تاجُهُ وسَلَبُهْ مِنْهُم عُبيْدُ اللهِ حينَ نَسْلُبهْ ... جيادَهُ وبزَّه ونَنْهَبُهْ يوْم التَقَى مِقْنَبُنا ومِقْنَبُهْ ... لَوْ لَمْ يُنْجِّ ابنَ زيادٍ هَرَبُهْ وقال جرهم بن عبد الله بن قيس، أحد بني العدويّة في قتل مسعود في كلمة طويلة: ومسْعودَ بن عَمرو إذْ أَتانا ... صبَحْنَا حَدَّ مَطْرُور سَنينَا رجا التَّأْمِيرَ مسعودٌ فأَضحى ... صَريعًا قد أَزرْناهُ المَنونَا (٥: ٥٢١) قال أبو جعفر محمَّد بن جرير: وأمَّا عُمر؛ فإنَّه حدّثني في أمر خروج عبيد الله إلى الشام، قال: حدّثني زهير، قال: حدّثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدّثنا الزبير بن الخِرِّيت، قال: بعث مسعود مع ابن زياد مئةً من الأزْد، عليهم قرّة بن عمرو بن قيس، حتى قاموا به الشام. (٥: ٥٢١ - ٥٢٢). وحدّثني عمر، قال: حدّثنا أبو عاصم النبيل، عن عمرو بن الزبير وخلّاد بن يزيد الباهليّ والوليد بن هشام عن عمّه، عن أبيه، عن عمرو بن هُبيرة، عن يَسَاف بن شُرَيح اليشكريّ، قال: وحدّثنيه عليّ بن محمَّد، قال - وقد اختلفوا فزاد بعضُهم على بعض: إنَّ ابن زياد خرج من البَصْرة، فقال ذات ليلة: إنه قد ثَقُل عليّ ركوبُ الإبل، فوطِّئوا لي على ذي حافر؛ قال: فألقِيتْ لهقطيفةٌ على حمار، فركبه وإنّ رجليه لتكادان تخُدّان في الأرض. قال اليشكريُّ: فإنَّه لَيسير أمامي إذ سكتَ سكْتَةً، فأطالها، فقلت في نفسي: هذا عُبيد الله أميرُ العراق أمس نائمٌ الساعةَ على حمار، لو قد سقط منه أعْنَتَه، ثمّ قلت: والله لئن كان نائمًا لأنغّصنّ عليه نومَه؛ فدنوتُ منه، فقلت: أنائم أنت؟ قال: لا؛ قلت: فما أسكتك؟ قال: كنتُ أحدّث نفسي؛ قلتُ: أفلا أحدّثك ما كنت تحدّث به نفسَك؟ قال: هاتِ، فوالله ما أراك تكيس، ولا تصيب! قال: قلتُ: كنت تقول: ليتني لم أقتل الحسين، قال: وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتني لم أكن قتلتُ من قتلت؛ قال: وماذا؟ قلتُ: كنتَ تقول: ليتني لم أكن بنَيتُ البَيضَاء؛ قال: وماذا؟ قلت: تقول: ليتني لم أكن استعملت الدّهاقِين، قال: وماذا؟ قلتُ: تقول: ليتني كنت أسخى مما كنتُ؛ قال: فقال: والله ما نطقتَ بصواب، ولا سكتَّ عن خطأ، أما الحسين فإنَّه سار إليّ يريد قتلي، فاخترت قتلَه على أن يقتلني؛ وأما البيضاء فإني اشتريْتها من عبد الله بن عثمان الثقفيّ، وأرسل يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها، فإن بقيتُ فلأهلي، وإن هلِكتُ لم آسَ عليها مما لم أعنِّف فيه؛ وأما استعمال الدّهاقين فإنّ عبد الرحمن بن أبي بَكرة وزاذان فرُّوخ وقَعا فيَّ عند معاوية حتى ذكرا قشورَ الأرزّ، فبلغَا بخراج العراق مئة ألف ألف، فخيَّرني معاوية بين الضّمان والعزْل؛ فكرهتُ العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدّمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن تركتُه تركتُ مالَ الله وأنا أعرِف مكانَه، فوجدتُ الدّهاقينَ أبصر بالجباية، وأوفَى بالأمانة، وأهوَن في المطالبة منكم، مع أني قد جعلتكم أمناءَ عليهم لئلا يظلِموا أحدًا، وأما قولك في السخاء، فوالله ما كان لي مال فأجودَ به عليكم، ولو شئتُ لأخذتُ بعض مالِكم فخصَصْتُ به بعضَكم دون بعض، فيقولون: ما أسخاه! ولكني عمَمتكم، وكان عندي أنفع لكم، وأما قولك: ليتني لم أكن قتلتُ من قتلتُ؛ فما عملت بعد كلمة الإخلاص عملًا هو أقربُ إلى الله عندي من قتلي من قتلتُ من الخوارج، ولكني سأخبرك بما حدّثت به نفسي؛ قلت: ليتني كنتُ قاتلت أهلَ البَصرة، فإنهم بايعوني طائعين غيرَ مكرهين، وايمُ الله لقد حرَصتُ على ذلك؛ ولكن بني زياد أتَوْني فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظَهَروا عليك لم يبقوا منا أحدًا، وإن تركتهم تغيَّب الرجل منّا عند أخواله وأصهاره، فرفقت لهم فلم أقاتل، وكنتُ أقول: ليتني كنت أخرجتُ أهلَ السجنفضربتُ أعناقَهم، فأما إذ فأتت هاتان فليتني كنت أقدم الشام ولم يُبرِموا أمرًا. قال بعضهم: فقدم الشام ولم يُبرموا أمرًا، فكأنما كانوا معه صبيانًا؛ وقال بعضهم: قدم الشام وقد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه. (٥: ٥٢٢ - ٥٢٣). وفي هذه السنة طرد أهلُ الكوفة عَمرو بن حُرَيث وعَزَلوه عنهم، واجتمعوا على عامر بن مسعود. ذكر الخبر عن عزلهم عمرو بن حُريث وتأميرهم عامرًا. قال أبو جعفر: ذكر الهيثم بن عديّ، قال: حدّثنا ابن عيَّاش، قال: كان أوّل من جُمع له المِصران: الكوفة والبَصرة زيادًا وابنه، فقتلا من الخوارج ثلاثة عشر ألفًا، وحبس عبيد الله منهم أربعة آلاف، فلما هلك يزيد قام خطيبًا، فقال: إنَّ الذي كنا نقاتل عن طاعته قد مات، فإن أمّرتموني جبَيْت فَيْئكم، وقاتلتُ عدوّكم، وبعث بذلك إلى أهل الكوفة مُقاتِل ابن مِسمَع وسعيد بن قرحا، أحد بني مازن، وخليفته على الكوفة عمرو بن حُرَيث، فقاما بذلك، فقام يزيد بن الحارث بن رُوَيم الشيبانيّ، فقال: الحمد لله الذي أراحنا من ابن سُمَيَّة، لا ولا كرامة! فأمر به عمرو فلبِّب ومُضِيَ به إلى السجن، فحالت بكْر بينهم وبينه، فانطلق يزيد إلى أهله خائفًا، فأرسل إليه محمَّد بن الأشعث: إنَّك على رأيك، وتتابعت عليه الرُّسُل بذلك، وصعد عمرو المنبر فحَصبُوه، فدخل دارَه، واجتمع الناسُ في المسجد فقالوا: نؤمِّر رجلًا إلى أن يجتمعَ الناسُ على خليفة، فأجمعوا على عمر بن سعد، فجاءت نساء هَمْدان يبكين حُسيْنًا ورجالُهم متقلدو السيوف، فأطافوا بالمِنبر، فقال محمَّد بن الأشعث: جاء أمرٌ غيرَ ما كنا فيه، وكانت كِنْدة تقوم بأمرِ عمر بن سَعْد لأنهم أخوالُه، فاجتمعوا على عامر بن مسعود، وكتبوا بذلك إلى ابن الزبير، فأقرّه. (٥: ٥٢٣ - ٥٢٤). وأما عوانة بن الحَكم؛ فإنَّه قال فيما ذكر هشام بن محمَّد عنه: لما بايع أهلُ البَصرة عُبيد الله بن زياد بعث وافدين من قبله إلى الكوفة: عمرو بن مِسمَع، وسعد بن القرحا التميمّي؛ ليعلم أهل الكوفة ما صنع أهل البصرة، ويسألانهم البيعةَ لعُبيد الله بن زياد، حتى يصطلح الناس، فجمع الناس عمرو بن حريث، فحَمِد الله وأثنَى عليه ثمّ قال: إنَّ هذين الرجلين قد أتيَاكم من قِبَل أميركم يدعُوانكم إلى أمر يجمعَ الله به كلمَتكم، ويُصلح به ذات بينكم، فاسمعوامنهما، واقبلوا عنهما، فإنهما بِرُشْدٍ ما أتيَاكم. فقام عمرو بن مسمع، فحمدَ الله وأثنَى عليه، وذكَرَ أهل البصرة، واجتماعَ رأيهم على تأمير عُبيد الله بن زياد حتى يرى الناسُ رأيهم فيمن يولّون عليهم، وقد جئناكم لنجمع أمرنا وأمرَكم فيكونَ أميرُنا وأميركم واحدًا، فإنما الكوفة من البَصْرة والبَصْرة من الكوفة، وقام ابن القرحا فتكلم نحوًا من كلام صاحبه. قال: فقام يزيد بن الحارث بن يزيد الشيبانيّ - وهو ابن رُويم - فحَصَبهما أوّل الناس، ثمّ حصبهما الناسُ بعد، ثمَّ قال: أنحن نبايع لابن مَرْجانة! لا ولا كرامة؛ فشرّفت تلك الفعلة يزيدَ في المِصْر ورفعتْه، ورجع الوفد إلى البصرة فأعلم الناس الخبر فقالوا: أهلُ الكوفة يخلعونه، وأنتم تولّونه وتبايعونه! فوثب به الناس، وقال: ما كان في ابن زياد وصمةٌ إلا استجارته بالأزد. قال: فلمَّا نابذَه الناسُ استجار بمسعود بن عمرو الأزديّ، فأجاره ومنعه، فمكث تسعين يومًا بعد موت يزيدَ، ثمّ خرج إلى الشام، وبعثت الأزد وبكر بن وائل رجالًا منهم معه حتى أوردوه الشام، فاستخلف حيث توجّه إلى الشام مسعود بن عمرو على البصرة، فقالت بنو تميم وقيس: لا نرضَى ولا نجيز ولا نولِّي إلَّا رجلًا ترضاه جماعتُنا، فقال مسعود: فقد استخلفني فلا أدَعُ ذلك أبدًا؛ فخرج في قومه حتى انتهى إلى القصر فدخله، واجتمعتْ تميم إلى الأحنف بن قيس، فقالوا له: إنَّ الأزد قد دخلوا المسجد؛ قال: ودخل المسجد فمَهْ! إنما هو لكم ولهم، وأنتم تدخلونه؛ قالوا: فإنَّه قد دخل القصر، فصَعِد المنبرَ، وكانت خوارجُ قد خرجوا، فنزلوا بنهر الأساورة حين خرج عُبيد الله بن زياد إلى الشام، فزعم الناس أنّ الأحنف بعث إليهم أنّ هذا الرجل الذي قد دخل القصر لنا ولكم عدوّ، فما يَمنَعكم من أن تبدؤوا به! فجاءت عصابةٌ منهم حتى دخلوا المسجد، ومسعود بن عمرو على المنبر يبايع مَن أتاه، فيرميه عِلْج يقال له: مُسلم من أهل فارسَ، دخل البصرة فأسلم ثمّ دخل في الخوارج، فأصاب قلبَه فقتله وخرج، وجال الناسُ بعضُهم في بعض فقالوا: قُتِل مسعود بن عمرو، قتلتْه الخوارج، فخرجَتْ الأزْد إلى تلك الخوارج فقتلوا منهم وجَرّحوا، وطردوهم عن البَصرة، ودفنوا مسعودًا، فجاءهم الناس فقالوا لهم: تعلمون أنّ بني تميم يزعمون أنهم قتلوا مسعود بن عمرو، فبعثَت الأزدُ تسأل عن ذلك؛ فإذاأناسٌ منهم يقولونه، فاجتمعت الأزد عند ذلك فرأّسوا عليهم زيادَ بن عمرو العتكيّ، ثمَّ ازدَلفوا إلى بني تميم وخرجتْ مع بني تميم قيس، وخرج مع الأزد مالك بن مسمع وبكر بن وائل فأقبلوا نحو بني تميم، وأقبلت تميم إلى الأحنف يقولون: قد جاء القوم، أخرج. وهو متمكِّث، إذ جاءته امرأةٌ من قومه بمجمر فقالت: يا أحنف اجلس على هذا، أي إنما أنت امرأة؛ فقال: اسْتك أحقّ بها، فما سُمِع منه بعد كلمةٌ كانت أرفثَ منها، وكان يُعرَف بالحلم، ثمّ إنه دعا برايته فقال: اللهمّ انصُرْها ولا تُذللها، وإن نُصرتها ألا يُظهرَ بها ولا يُظهَر عليها؛ اللهمّ احقنْ دماءَنا، واصلح ذاتَ بيننا، ثمَّ سار وسار ابن أخيه إياس بن معاوية بين يديه، فالتقَى القوم فاقتتلوا أشدَّ القتال، فقُتل من الفريقين قَتلَى كثيرة، فقالت لهم بنو تميم: الله الله يا معشر الأزد في دمائنا ودمائكم! بيننا وبينكم القرآن ومَنْ شئتم من أهل الإِسلام، فإن كانت لكم علينا بيّنةٌ أنّا قتلنا صاحبكم، فاختاروا أفضل رجل فينا فاقتلوه بصاحبكم، وإن لم تكن لكم بيّنة فإنا نحلف بالله ما قتلنا ولا أمرنا، ولا نعلم لصاحبكم قاتلًا، وإن لم تريدوا ذلك فنحن نَدِي صاحبكم بمئة ألف درهم، فاصطلحوا، فأتاهم الأحنف بن قيس في وجوه مضرَ إلى زياد بن عمرو العَتَكيّ، فقال: يا معشر الأزد! أنتم جيرَتنا في الدار، وإخوتُنا عند القتال، وقد أتيناكم في رحالكم لإطفاء حشيشتكم، وسلِّ سخيمتكم، ولكم الحكمُ مرسلًا، فقولوا على أحلامنا وأموالنا، فإنَّه لا يتعاظمُنا ذهاب شيء من أموالنا كان فيه صلاح بيننا، فقالوا: أتدون صاحبَنا عشرَ ديات؟ قال: هي لكم، فانصرف الناس واصطلحوا؛ فقال الهيثم بن الأسود: أعْلَى بمسعودٍ النّاعِي فقلتُ له ... نِعْمَ اليماني تجرُّوأً على الناعي أَوْفَى ثمانين ما يسطِيعُهُ أحدٌ ... فتىً دعاهُ لرأْس العدَّةِ الداعِي آوَى ابن حرب وقد سُدَّتْ مذاهبُه ... فأَوسعَ السَّرْبَ منه أَيَّ إيساعَ حتَّى توارت به أرضٌ وعامِرها ... وكانَ ذا ناصرٍ فيها وأشيَاعِ وقال عُبيد الله بن الحُرّ: ما زِلتُ أَرجو الأَزدَ حتَّى رأيتُها ... تقصَّرُ عن بنْيانِها المتطاوِلِ أيُقتلُ مسعودٌ ولم يثْأَرُوا به ... وصارَتْ سيوفُ الأَزدِ مِثلَ المناجلِ وما خيرُ عقلٍ أوْرَثَ الأَزْدَ ذِلَّةً ... تسَبُّ به أحياؤهم في المحافِلِعلى أَنَّهمْ شُمْطٌ كأنَّ لِحاهُمُ ... ثعالِبُ في أعناقِها كالجَلاجِلِ واجتمع أهلُ البصرة على أن يجعلوا عليهم منهم أميرًا يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام، فجعلوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر شهرًا، ثمَّ جعلوا ببَّة - وهو عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب - فصلى بهم شهرَين، ثمّ قدم عليهم عمر بن عبيد الله بن مَعُمر من قبَلِ ابن الزبير، فمكث شهرًا، ثمّ قدم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ بعزله، فوليها الحارث وهو القُباع. (٥: ٥٢٤ - ٥٢٧). قال أبو جعفر: وأما عمر بن شبَّة؛ فإنَّه حدّثني في أمر عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز وأمر ببَّة ومسعود وقتله، وأمر عمر بن عبيد الله غيرَ ما قال هشام عن عوانة، والذي حدّثني عمر بن شبّة في ذلك: أنَّه قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، عن أبي مُقرِّن عبيد الله الدّهنيّ، قال: لما بايع الناسُ ببَّة ولّى ببّة شُرطته همْيَان بن عديّ، وقدم على ببَّة بعضُ أهل المدينة، وأمر هميان بن عديّ بإنزاله قريبًا منه، فأتى هميان دارًا للفيل مولى زياد التي في بني سُليم وهمّ بتفريغها ليُنزلَها إيَّاه، وقد كان هرب وأقفل أبوابَه، فمنعت بنو سُليم هميان حتى قاتلوه، واستصرخوا عبد الملك بن عبد الله بن عامر بن كُرَيز، فأرسل بُخارِيَّته ومواليه في السلاح حتى طردوا هميان ومنعوه الدار، وغدا عبد الملك من الغد إلى دار الإمارة ليسلِّم على بَبَّة، فلقيَه على الباب رجلٌ من بني قيس بن ثعلبة، فقال: أنت المعيّن علينا بالأمس! فرفع يدَه فلطمه، فضرب قوم من البخاريَّة يدَ القيسيّ فأطارها؛ ويقال: بل سلِم القيسيّ، وغضب ابن عامر فرجع، وغضبتْ له مضر، فاجتمعتْ وأتت بكر بن وائل أشيمَ بن شقيق بن ثور فاستصرخوه، فأقبل ومعه مالك بن مسمع حتى صعد المنبر فقال: أيّ مضريّ وجدتموه فاسلبوه، وزعم بنو مسمع: أنّ مالكًا جاء يومئذ متفضّلًا في غير سلاح ليردّ أشيم عن رأيه، ثمّ انصرفت بكر وقد تحاجزوا هم والمضريّة، واغتنمت الأزد ذلك، فحالفوا بكرًا، وأقبلوا مع مسعود إلى المسجد الجامع، وفزعَتْ تميم إلى الأحنف، فعقد عمامتَه على قناة، ودفَعها إلى سلمة بن ذُؤَيب الرّياحيّ، فأقبل بين يديه الأساورة حتى دخل المسجد ومسعود يخطب، فاستنزَلوه فقتلوه، وزَعمَت الأزْد: أن الأزَارقَة قتلوه، فكانت الفتْنة، وسفر بينهم عمر بنعبيد الله بن معمر، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام حتى رَضيت الأزدُ من مسعود بعشر ديَات، ولزم عبد الله بن الحارث بيته، وكان يتديّن، وقال: ما كنتُ لأصلح الناس بفساد نفسي. (٥: ٥٢٧ - ٥٢٨). قال عمر: قال أبو الحسن: فكتب أهلُ البصرة إلى ابن الزبير، فكتب إلى أنس بن مالك يأمره بالصّلاة بالناس، فصلَّى بهم أربعين يومًا. (٥: ٥٢٨). حدّثني عمر، قال: حدّثنا عليّ بن محمَّد، قال: كتب ابن الزبير إلى عمر بن عبيد الله بن مَعْمَر التيميّ بعهده على البَصرة، ووجّه به إليه، فوافقه وهو متوجّه يريد العُمْرة، فكتب إلى عُبيد الله يأمره أن يصلِّيَ بالناس، فصلى بهم حتى قدم عمر. (٥: ٥٢٨). حدّثني عمر، قال: حدّثني زهير بن حرب، قال: حدّثنا وهب بن جرير، قال: حدّثني أبي، قال: سمعتُ محمَّد بن الزبير، قال: كان الناس اصطلحوا على عبد الله بن الحارث الهاشميّ، فولي أمرهم أربعة أشهر، وخرج نافع بن الأزرق إلى الأهواز، فقال الناس لعبد الله: إن الناس قد أكل بعضُهم بعضًا؛ تؤخذ المرأة من الطريق فلا يَمنَعُها أحد حتى تُفضَح؛ قال: فتريدون ماذا؟ قالوا: تضَع سيفَك، وتَشدُّ على الناس؛ قال: ما كنت لأصلحهم بفساد نفسي، يا غلام! ناوِلني نعلي، فانتعل ثمّ لحق بأهله، وأمَّر الناس عليهم عُمَر بن عبيد الله بن مَعمَر التيميّ. قال أبي، عن الصَّعْب بن زيد: إن الجارف وقع وعبد الله على البصرة، فماتت أمُّه في الجارف، فما وجدوا لها من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أعلاج فحملوها إلى حُفرتها، وهو الأمير يومئذ. (٥: ٥٢٨ - ٥٢٩). حدّثني عمر، قال: حدّثني عليّ بن محمَّد، قال: كان ببّة قد تناول في عمله على البَصرة أربعين ألفًا من بيت المال، فاستودَعها رجلًا، فلما قدم عمر بن عبيد الله أميرًا أخذ عبد الله بن الحارث فحبسه، وعذّب مولىً له في ذلك المال حتى أغرمه إياه. (٥: ٥٢٩). حدّثني عمر قال: حدَّثني عليُّ بن محمَّد عن القافْلانيّ، عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، قال: قلت لعبد الله بن الحارث بن نوفل: رأيتك زماناستعمِلت علينا أصبْتَ من المال، واتَّقيت الدم، فقال: إنَّ تَبِعة المال أهوَن من تبِعة الدم. (٥: ٥٢٩).