page 3059, entry [1219]Open original source
ذكر الخبر عن وقعة المسلمين والفرس بِنهاوند ٥٥٢ - وكان ابتداءُ ذلك -فيما حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: كان من حديث نهاوَنْد: أن النعمان بن مقرّن كان عاملًا على كَسْكَر، فكتب إلى عمر ﵁ يخبرُه: أنّ سعد بن أبي وقّاص استعمله على جِباية الخراج، وقد أحببتُ الجهاد ورغبتُ فيه. فكتب عمر إلى سعد: إنّ النعمان كتب إليّ يذكر: أنّك استعملتَه على جِباية الخراج، وأنه قد كره ذلك، ورغب في الجهاد، فابعث به إلى أهمّ وجوهك؛ إلى نهاوند. قال: وقد اجتمعتْ بنهاوند الأعاجم، عليهم ذو الحاجب -رجل من الأعاجم- فكتب عمر إلى النّعمان بن مقرّن:﷽ من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرّن، سلامٌ عليك! فإنّي أحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أمّا بعد؛ فإنه قد بلَغني: أنّ جموعًا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند؛ فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر الله، وبعون الله، وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعرًا؛ فتؤذيَهم، ولا تمنعْهم حقّهم؛ فتكفِّرَهم؛ ولا تدخلنّهم غَيْضة، فإنّ رجلًا من المسلمين أحبُّ إليّ من مئة ألف دينار. والسلام عليك. فسار النعمان إليه ومعه وجوه أصحاب النبيّ ﷺ؛ منهم: حُذَيفة بن اليمان، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وجرير بن عبد الله البَجَليّ، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، وطليحة بن خُويلد الأسديّ، وقيس بن مَكشوح المُراديّ. فلما انتهى النعمان بن مقرّن في جنده إلى نهاوند؛ طرحوِا له حَسَك الحديد، فبعث عيونًا، فساروا لا يعلمون الحسَك، فزجر بعضهم فرسه؛ وقد دخلتْ في يده حَسكة، فلم يبرح، فنزل، فنظر في يده فإذا في حافره حَسَكة، فأقبل بها، وأخبر النعمان الخَبر، فقال النعمان للناس: ما ترون؟ فقالوا: انتقِل من منزلك هذا حتى يروْا أنك هارب منهم، فيخرجوا في طلبك؛ فانتقل النعمان من منزله ذلك، وكَنَست الأعاجم الحسك، ثم خرجوا في طلبه، وعطف عليهم النُّعمان، فضرب عسكرَه، ثم عبَّى كتائبه، وخطب الناس، فقال: إن أُصِبتُ فعليكم حذيفة بن اليَمان، وإن أُصيب فعليكم جرير بن عبد الله، وإن أُصيب جرير بن عبد الله فعليكم قيس بن مكشوح؛ فوجَد المغيرة بن شعبة في نفسه إذْ لم يستخلفه، فأتاه، فقال له: ما تريد أن تصنع؟ فقال: إذا أظهرتُ قاتلتُهم، لأني رأيتُ رسولَ الله ﷺ يستحبّ ذلك. فقال المغيرة: لو كنتُ بمنزلتك باكرتُهم القتال، قال له النعمان: ربما باكرتَ القتال؛ ثم لم يسوّد الله وجهَك. وذلك يوم الجمعة. فقال النعمان: نصلّي إن شاء الله، ثم نلقَى عدوّنا دُبُر الصلاة، فلما تصافُّوا قال النعمان للناس: إنّي مكبّر ثلاثًا؛ فإذا كبّرت الأولى فشدّ رجل شِسْعه، وأصلح من شأنه؛ فإذا كبّرت الثانية، فشدّ رجل إزاره، وتهيّأ لوجه حملته؛ فإذا كبّرت الثالثة فاحملوا عليهم؛ فإني حامل. وخرجت الأعاجم قد شدّوا أنفسَهمبالسلاسل لئلا يفرُّوا، وحمل عليهم المسلمون فقاتلوهم، فَرُمِيَ النعمان بنشّابة فقتِل ﵀، فلفّه أخوه سُوَيد بن مقرّن في ثوبه، وكتم قتلَه حتى فتح الله عليهم، ثم دفع الرّاية إلى حُذيفة بن اليمان، وقتل الله ذا الحاجب، وافتُتِحت نهاوند، فلم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة (١). (٤: ١١٤/ ١١٥/ ١١٦). ٥٥٣ - عن حمزة بن المغيرة بن شعبة، عن أبي طعمة الثقفيّ -وكان قد أدرك ذلك- قال: ثم إنهم قالوا: إنّ محمّدًا لذي جاء العربَ بالدين لم يغرَضْ غَرَضنا، ثم ملكهم أبو بَكْر من بعده فلم يغرَض غَرَض فارس؛ إلّا في غارة تعرّض لهم فيها، وإلّا فيما يلي بلادهم من السواد. ثم ملك عمر من بعده، فطال ملكه وعَرُض؛ حتى تناولكم وانتقصكم السواد والأهواز، وأوطأها، ثم لم يرضَ حتى أتى أهلَ فارس والمملكة في عُقْرِ دارهم، وهو آتيكم إن لم تأتوه؛ فقد أخرب بيت مملكتكم، واقتحم بلاد ملككم، وليس بمنته؛ حتى تخرجوا من في بلادكم من جنوده، وتقلعوا هذين المصْرين، ثم تشغلوه في بلاده وقراره. وتعاهدوا، وتعاقدوا، وكتبوا بينهم على ذلك كتابًا، وتمالؤوا عليه. وبلغ الخبرُ سعدًا، وقد استخلف عبدَ الله بن عبد الله بن عِتْبان. ولمّا شَخَص لقي عمرَ بالخبر مشافهة، وقد كان كتب إلى عمر بذلك، وقال: إنّ أهل الكوفة يستأذنونك في الانسياح قبل أن يبادروهم الشدَّة- وقد كان عمر منعَهم من الانسياح في الجبل. وكتب إليه أيضًا عبدُ الله وغيره بأنه قد تجمّع منهم خمسون ومئة ألف مقاتل؛ فإن جاؤونا قبل أن نبادرهم الشَّدّة؛ ازدادوا جرأة وقوّة، وإن نحن عاجلناهم؛ كان لنا ذلكم، وكان الرسول بذلك قَريب بن ظَفَر العبديّ. ثم خرج سعد بعدَه فوافَى مشورة عُمر؛ فلما قدم الرسول بالكتاب إلى عمر بالخبر فرآه قال: ما اسمك؟ قال: قَريب، قال: ابن مَن؟ قال: ابن ظَفَر؛ فتفاءل إلى ذلك، وقال: ظَفَر قريب إن شاء الله، ولا قوّة إلّا بالله! ونودي في الناس: الصلاة جامعة! فاجتمع الناس، ووافاه سعد، فتفاءل إلى سعد بن مالك، وقام على المنبر خطيبًا، فأخبر الناس الخبر، واستشارهم، وقال: هذا يوم لهما بعده من الأيام؛ ألا وإني قد هممتُ بأمر وإني عارضه عليكم فاسمعوه، ثم أخبروني وأوجزوا، ولا تَنَازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم، ولا تكثروا ولا تطيلوا، فتُفْشغ بكم الأمور، ويلتوي عليكم الرأي، أفمن الرّأي أن أسيرَ فيمن قبَلي ومَنِ قدرتُ عليه، حتى أنزل منزلًا واسطًا بين هذين المصرين، فأستنفرَهم ثم أكون لهم رِدْءًا حتى يفتح الله عليهم، ويقضي ما أحبّ؛ فإنّ فَتْحَ الله عليهم أن أضرّبهم عليهم في بلادهم؛ وليتنازعوا ملكَهم. فقام عثمان بن عفّان، وطلحة بن عبيد الله، والزّبير بن العوّام، وعبد الرحمن بن عَوْف في رجال من أهل الرّأي من أصحاب رسول الله ﷺ، فتكلموا كلامًا، فقالوا: لا نرى ذلك، ولكن لا يغيبَنّ عنهم رأيُك وأثرك، وقالوا: بإزائهم وجوه العرب وفرسانهم وأعلامهم، ومَن قد فضّ جموعهم، وقتل ملوكهم، وباشر من حروبهم ما هو أعظمُ من هذه، وإنما استأذنوك ولم يستصرخوك، فائْذَنْ لهم، واندُب إليهم، وادعُ لهم. وكان الذي ينتقد له الرأيَ إذا عُرِض عليه العباس ﵁ (١). (٤: ١٢٢/ ١٢٣). ٥٥٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمزة، عن أبي طُعْمة، قال: فقام عليّ بن أبي طالب ﵇، فقال: أصاب القوم يا أميرَ المؤمنين الرّأيَ، وفهموا ما كُتب به إليك، وإنّ هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه لكثرة ولا قلّة، هو دينه الذي أظهر، وجنده الذي أعزّ، وأيّده بالملائكة؛ حتى بلغ ما بلغ؛ فنحن على موعد من الله، والله منجزٌ وعْده، وناصر جنده؛ ومكانك منهم مكان النظام من الخَرز، يجمعه ويمسكه؛ فإن انحلّ تفرّق ما فيه وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدًا. والعرب اليوم وإن كانوا قليلًا فهي كثير عزيز بالإسلام؛ فأقم واكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب ورؤساؤهم؛ ومَن لم يحفل بمن هو أجمع وأحدُّ وأجدُّ من هؤلاء فليأتهم الثلثان وليُقم الثلث؛ واكتب إلى أهل البصرة أن يمدُّوهم ببعض مَن عندهم. فسرّ عمر بحسن رأيهم، وأعجبه ذلك منهم. وقام سعد فقال: يا أميرَ المؤمنين! خفِّضْ عليك، فإنهم إنما جمِعوا لنِقْمة (٢). (٤: ١٢٣/ ١٢٤).٥٥٥ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي بكر الهذليّ، قال: لما أخبرهم عُمر الخبر واستشارهم، وقال: أوجِزوا في القول، ولا تُطيلوا فتفْشغَ بكم الأمور، واعلموا أنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيّام؛ تكلّموا! فقام طلحة بن عبيد الله -وكان من خُطباء أصحاب رسول الله ﷺ فتشهّد، ثمّ قال: أما بعد يا أميرَ المؤمنين! فقد أحكمتْك الأمور، وعجمتْك البلايا، واحتنكتْك التجارب، وأنت وشأنك، وأنت ورأيك، لا نَنْبو في يديْك، ولا نَكِلّ عليك، إليك هذا الأمر، فمرنا نُطِع، وادْعُنا نجب، واحملْنا نركب، ووفِّدْنا نفِد، وقُدْنا نَنقد؛ فإنّك وليّ هذا الأمر، وقد بلوتَ وجرّبت واختبرتَ، فلم ينكشف شيء من عواقب قضاء الله لك إلّا عن خيار. ثم جلس. فعاد عُمر فقال: إنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيام، فتكلّموا! فقام عثمان بن عفّان، فتشهّد، وقال: أرى يا أميرَ المؤمنين أن تكتبَ إلى أهل الشأم فيسيروا من شأمهم، وتكتبَ إلى أهل اليمن فيسيروا من يَمنَهم، ثم تسير أنت بأهل هذين الحَرميْن إلى المصرْين: الكوفة والبصرة، فتلقَى جمع المشركين بجمع المسلمين؛ فإنك إذا سرتَ بمَن معك وعندك؛ قلَّ في نفسك ما قد تكاثَر من عدد القوم، وكنتَ أعزّ عزًّا وأكثر؛ يا أمير المؤمنين! إنك لا تستبقي من نفسك بعد العرب باقية، ولا تَمْتَع من الدنيا بعزيز، ولا تلوذُ منها بحريز؛ إن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فاشهده برأيك وأعوانك ولا تغب عنه. ثم جلس. فعاد عمر، فقال: إنّ هذا يومٌ له ما بعده من الأيام، فتكلموا! فقام علي بن أبي طالب فقال: أمّا بعد يا أمير المؤمنين! فإنك إن أشخصتَ أهل الشأم من شأمهم؛ سارت الرّوم إلى ذراريّهم، وإن أشخصتَ أهل اليمن من يمنهم؛ سارت الحبشة إلى ذراريهم، وإنك إن شخصت من هذه الأرض؛ انقضتْ عليك الأرضُ من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تَدع وراءك أهمَّ إليك مما بين يديك من العَوْرات والعِيالات؛ أقرر هؤلاء في أمصارهم، واكتب إلى أهل البصرة فليتفرّقوا فيها ثلاث فِرَق، فلتقم فرقة لهم في حُرَمهم وذراريّهم، ولتقم فرقة في أهل عهدهم، لئلّا ينتقضوا عليهم، ولتسِرْ فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مددًا لهم؛ إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدًا قالوا: هذا أمير العرب، وأصل العرب؛ فكان ذلك أشدّ لكلَبهم، وألّبْتَهم على نفسك. وأمّا ما ذكرت من مسير القوم فإنّ الله هو أكرَه لمسيرهم منك، وهو أقدرُ على تغيير ما يكره؛ وأمّا ما ذكرتَ من عددهم؛ فإنا لمنكن نقاتل فيما مضى بالكثرة؛ ولكنّا كنا نقاتل بالنصر. فقال عمر: أجل والله! لئن شخصتُ من البلدة لتنتقضَنّ عليّ الأرض من أطرافها وأكنافها، ولئن نظرتْ إليّ الأعاجم لا يفارقُنّ العرْصة، وليُمدّنهم مَن لم يُمِدّهم، وليقولُنّ: هذا أصل العرب؛ فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب، فأشيروا عليّ برجل أولِّه ذلك الثغر غدًا. قالوا: أنتَ أفضلُ رأيًا، وأحسن مقدرة، قال: أشيروا عليّ به، واجعلوه عِراقيًا. قالوا: يا أميرَ المؤمنين! أنت أعلمُ بأهل العراق، وجندك قد وفدُوا عليك ورأيتَهم وكلّمتهم، فقال: أما والله لأولّينّ أمرَهم رجلًا ليكونَنّ لأوّل الأسنّة إذا لقيَها غدًا، فقيل: مَن يا أمير المؤمنين؟ ! فقال: النعمان بن مقرِّن المُزنّي. فقالوا: هو لها -والنعمان يومئذ بالبصرة معه قوّاد من قوّاد أهل الكوفة أمدّهم بهم عمر عند انتقاض الهُرْمُزان؛ فافتتحوا رامَهُرْمُز وإيذَج، وأعانوهم على تُسْتَر وجُنْدَيْ سابور والسُّوس. فكتب إليه عمر مع زِرّ بن كُليب والمقتَرب الأسود بن رَبيعة بالخبر؛ وأنّي قد وَلّيتك حربَهم، فسرْ من وجهِك ذلك حتى تأتيَ ماه، فإني قد كتبتُ إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمعَ لك جنودُك فسرْ إلى الفَيْرُزان ومَن تجمّع إليه من الأعاجم من أهل فارس وغيرهم، واستنصروا الله، وأكثروا من قول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. رجع الحديث إلى حديث سيف. وكتب -يعني عمر- إلى عبد الله بن عبد الله مع رِبْعيّ بن عامر: أن استنفر من أهل الكُوفة مع النُّعمان كذا وكذا، فإني قد كتبتُ إليه بالتوجُّه من الأهواز إلى ماه، فلْيوافُوه بها، وليسر بهم إلى نهاوند؛ وقد أمّرت عليهم حُذيفة بن اليَمان، حتى ينتهي إلى النعمان بن مقرّن؛ وقد كتبت إلى النعمان: إن حَدَث بك حَدَث؛ فعلَى الناس حُذَيفة بن اليَمان؛ فإن حَدَث بحُذيفة حَدث؛ فعلَى الناس نُعيم بن مقرّن، ورُدّ قَريب بن ظَفَر وردّ معه السائب بن الأقرع أمينًا. وقال: إن فتح الله عليكم؛ فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم، ولا تخدعني ولا ترفع إليّ باطلًا، وإن نُكِب القوم؛ فلا تراني ولا أراك. فقدما إلى الكوفة بكتاب عمر بالاستحثاث؛ وكان أسرع أهل الكوفة إلى ذلك الرّوادف، ليبلُوا في الدّين، وليدرِكُوا حظًّا، وخرج حُذَيفة بن اليَمان بالناس ومعه نُعيم؛ حتى قدموا على النعمان بالطَّزر، وجعلوا بمرْج القلعة خيلًا عليهاالنُّسَيْر، وقد كتب عمر إلى سُلْمى بن القيْن، وحَرْملة بن مُريطة، وزرّ بن كليب، والمقترِب الأسود بن ربيعة، وقوّاد فارس الذين كانوا بين فارس والأهواز: أن اشغلوا فارس عن إخوانكم، وحوطوا بذلك أمّتكم وأرضَكم، وأقيموا على حدود ما بين فارس والأهواز، حتى يأتيَكم أمري. وبعث مجاشع بن مسعود السُّلَميّ إلى الأهواز، وقال له: انصُلْ منها على ماه؛ فخرج حتى إذا كان بغُضَى شجَر، أمره النعمان أن يقيم مكانه، فأقام بين غُضَى شجر، ومَرْج القلعة، ونَصَل سُلْمى، وحَرْملة، وزرّ، والمقترب، فكانوا في تخُوم أصبَهان وفارس، فقطعوا بذلك عن أهل نِهاوند أمداد فارس. ولما قدم أهلُ الكوفة على النعمان بالطَّزَر جاءه كتاب عمر مع قَريب: إنّ معك حدَّ العرب ورجالهم في الجاهليّة، فأدخِلْهم دون مَن هو دونهم في العلم بالحرب، واستعنْ بهم، واشرب برأيهم، وسلْ طليحة، وعمْرًا، وعمْرًا، ولا تُولِّهم شيئًا. فبعث من الطَّزَر طليحة وعمْرًا وعمْرًا طليعة ليأتوه بالخبر، وتقدّم إليهم ألا يَغِلُوا. فخرج طُليحة بن خويلد وعَمْرو بن أبي سُلْمَى العَنَزيّ، وعمرو بن معد يكرب الزُّبيديّ، فلما ساروا يومًا إلى الليل رجع عمرو بن أبي سُلمَى، فقالوا: ما رَجعك؟ قال: كنت في أرض العجم؛ وقتلتْ أرضٌ جاهلها، وقتل أرضًا عالمُها. ومضى طليحة وعمرو حتى إذا كان من آخر الليل رجع عمرو، فقالوا: ما رجعك؟ قال: سرْنا يومًا وليلة، ولم نَر شيئًا، وخفت أن يؤخذ علينا الطريق. ونفذ طليحة ولم يحفِل بهما. فقال الناس: ارتد الثانية، ومضى طُليحة حتى انتهى إلى نهاوند، وبين الطّزَر ونهاوند بضعة وعشرون فرسخًا. فعلم علمَ القوم، واطلع على الأخبار، ثم رجع حتى إذا انتهى إلى الجمهور كبّر الناس، فقال: ما شأنُ الناس؟ فأخبروه بالذي خافوا عليه، فقال: والله لو لم يكن دينٌ إلا العربية ما كنت لأُجزِر العُجْم الطماطم هذه العرب العاربة. فأتى النعمان فدخل عليه، فأخبروه الخبر، وأعلمه: أنه ليس بينه وبين نهاوند شيء يكرهه، ولا أحد. فنادى عند ذلك النعمان بالرّحيل، فأمرهم بالتّعبية. وبعث إلى مجاشع بن مسعود أنْ يسوقَ الناس، وسار النعمان على تعبيته، وعلى مقدّمته نُعيم بن مقرّن، وعلى مجنَّبتيه حُذيفة بن اليَمان، وسويد بن مقرّن، وعلى المجرَّدة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشعِ؛ وقد توافى إليه أمدادُ المدينة، فيهم المغيرة، وعبد الله، فانتهوْا إلى الإسبيذهان،والقوم وقوف دون واي خُرْد على تعبيتهم وأميرُهم الفيرُزان، وعلى مجنَبتيه الزردُق، وبَهْمن جاذَوَيْه الذي جُعل مكان ذي الحاجب، وقد توافى إليهم بنهاوند كلّ منْ غاب عن القادسيَّة والأيام من أهل الثغور وأمرائها وأعلامٌ من أعلامهم ليسوا بدون مَن شهد الأيام والقوادس، وعلى خيولهم أنوشق. فلما رآهم النعمان؛ كبّر، وكبّر الناس معه فتزلزت الأعاجم، فأمر النعمان وهو واقف بحطّ الأثقال، وبضرْب الفُسطاط، فضرِب وهو واقف؛ فابتدره أشرافُ أهل الكوفة وأعيانهم، فسبق إليه يومئذ عدّة من أشراف أهل الكوفة، تسابقوا فبنوْا له فسطاطًا سابقوا أكفاءهم فسبقوهم؛ وهم أربعة عشر، منهم حذيفة بن اليمان، وعُقْبة بن عمرو، والمغيرة بن شعبة، وبشير بن الخصاصيّة، وحَنظلة الكاتب بن الربيع، وابن الهوْبر، ورِبعيّ بن عامر، وعامر بن مَطَر، وجرير بن عبد الله الحميريّ، والأقرع بن عبد الله الحميريّ، وجرير بن عبد الله البَجَليّ، والأشعث بن قيس الكِنديّ، وسعيد بن قيس الهمْدَانيّ، ووائل بن حُجْر، فلم يُرَ بُنَّاءُ فسطاط بالعراق كهؤلاء. وأنشب النعمان بعدما حطّ الأثقال القتَال؛ فاقتتلوا يومَ الأربعاء ويوم الخميس، والحرْب بينهم في ذاك سجال في سبع سنين من إمارة عُمر، في سنة تسع عشرة، وإنهم انجحروا في خنادقهم يومَ الجمعة، وحصرَهم المسلمون، فأقاموا عليهم ما شاء الله؛ والأعاجم بالخيار؛ لا يخرجون إلّا إذا أرادوا الخروج، فاشتدّ ذلك على المسلمين، وخافوا أن يطولَ أمرُهم، وسرّهم أن يناجزهم عدوّهم؛ حتى إذا كان ذات يوم في جمعة من الجُمع تجمّع أهل الرأي من المسلمين، فتكلموا، وقالوا: نراهم علينا بالخيار. وأتوا النعمان في ذلك فأخبروه، فوافقوه وهو يُروِّي في الذي رَوَّوْا فيه. فقال: على رِسْلكم، لا تبرحوا! وبعث إلى مَنْ بقي من أهل النجدَات والرّأي في الحروب، فتوافوْا إليه، فتكلّم النعمان، فقال: قد تروْن المشركين واعتصامَهم بالحُصون من الخنادق والمدائن؛ وأنهم لا يخرجون إلّا إذا شاؤوا، ولا يقدر المسلمون على إنغاضهم، وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وقد تَرَوْن الذي فيه المسلمون من التضايق بالذي هم فيه وعليه من الخيار عليهم في الخروج؛ فما الرأي الذي به نُحمِشهم، ونستخرجهم إلى المنابذة، وترك التطويل؟ !فتكلم عمرو بن ثُبيّ -وكان أكبرَ الناس يومئذ سنًّا، وكانوا إنّما يتكلمون على الأسنان- فقال: التحصّن عليهم أشدّ من المطاولة عليكم، فدعْهم ولا تحرِجْهم وطاولهم، وقاتلْ مَن أتاك منهم؛ فردُّوا عليه جميعًا رأيه. وقالوا: إنا على يقين منْ إنجاز ربِّنا موعدَه لنا. وتكلّم عمرو بن معد يكرب، فقال: ناهدْهم، وكاثِرْهم، ولا تَخَفْهم. فردُّوا عليه جميعًا رأيه، وقالوا: إنما تناطح بنا الجُدران، والجُدران لهم أعوان علينا. وتكلّم طُليحة فقال: قد قالا ولم يصيبا ما أرادا؛ وأمّا أنا فأرى أن تبعث خيلًا مؤدية، فيُحدقوا بهم، ثم يرموا ليُنشبوا القتال، ويحمشوهم؛ فإذا استحمَشُوا واختلطوا بهم وأرادوا الخروج أرزوا إلينا استطرادًا؛ فإنّا لم نستطرِدْ لهم في طول ما قاتلناهم، وإنّا إذا فعلنا ذلك ورأوْا ذلك منَّا طمعوا في هزيمتنا ولم يشكُّوا فيها، فخرجوا فجادّونا وجاددناهم؛ حتى يقضيَ الله فيهم وفينا ما أحبّ. فأمر النعمان القعقاع بن عمرو -وكان على المجرَّدة- ففعل؛ وأنشب القتال بعد احتجاز من العجم، فأنغَضَهم فلمّا خرجوا نكَص، ثم نكص، ثم نكص، واغتنمها الأعاجم، ففعلوا كما ظنَّ طُليحة وقالوا: هي هي؛ فخرجوا فلم يبقَ أحدٌ إلّا من يقومُ لهم على الأبواب؛ وجعلوا يركبونهم حتى أرَز القعقاع إلى الناس، وانقطع القومُ عن حصنهم بعض الانقطاع؛ والنعمان بن مقرّن والمسلمون على تعبيتهم في يوم جُمعة في صدْر النهار، وقد عهِد النّعمان إلى الناس عهدَه، وأمرهم أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوهم حتى يأذن لهم؛ ففعلوا واستتروا بالحَجَف من الرّمْي، وأقبل المشركون عليهم يرمُونهم حتى أفشوْا فيهم الجراحات، وشكا بعضُ الناس ذلك إلى بعض، ثم قالوا للنعمان: ألَا ترى ما نحن فيه! ألا ترى إلى ما لقيَ الناس، فما تنتظر بهم! ائذن للناس في قتالهم، فقال لهم النعمان: رُوَيدًا رُوَيدًا! قالوا له ذلك مرارًا، فأجابهم بمثل ذلك مرارًا: رويدًا رويدًا، فقال المغيرة: لو أنّ هذا الأمرَ إليّ علمتُ ما أصنع! فقال: رويدًا ترى أمرَك؛ وقد كنت تلي الأمر فتُحسن، فلا يخذلنا الله ولا إيّاك؛ ونحن نرجو في المكث مثلَ الذي ترجو في الحثّ. وجعل النعمان ينتظر بالقتال إكمالَ ساعاتٍ كانت أحبّ إلى رسول الله ﷺ في القتال أن يلقى فيها العدوّ؛ وذلك عند الزّوالوتفيُّؤ الأفياء ومهبّ الرياح. فلما كان قريبًا من تلك الساعة تحشْحش النعمان، وسار في الناس على برذونٍ أحوَى قريب من الأرض، فجعل يقف على كلّ راية، ويحمَد الله ويُثني عليه، ويقول: قد علمتم ما أعزّكم الله به من هذا الدين، وما وعدكم من الظهور، وقد أنجز لكم هَواديَ ما وعدكم وصدورَه؛ وإنما بقيت أعجازُه وأكارعه؛ والله منجزٌ وعدَه، ومتبعٌ آخر ذلك أوّله، واذكروا ما مضى إذ كنتم أذلّة، وما استقبلتم من هذا الأمر وأنتم أعزّة، فأنتم اليوم عباد الله حقًّا وأولياؤه، وقد علمتم انقطاعكم من إخوانكم من أهل الكوفة، والذي لهم في ظَفَركم وعزّكم؛ والذي عليهم في هزيمتكم وذلّكم، وقد تروْن مَنْ أنتم بإزائه من عدوّكم، وما أخطرتم وما أخطروا لكم؛ فأمّا ما أخطروا لكم فهذه الرِّثّة وما ترون من هذا السواد، وأمّا ما أخطرتم لهم فدينكم وبَيْضتكم، ولا سواءٌ ما أخطرتم وما أخطروا؛ فلا يكونُنّ على دنياهم أحمَى منكم على دينكم؛ واتّقَى الله عبدٌ صدق الله، وأبلى نفسه فأحسن البلاء؛ فإنكم بين خيريْن منتظرَيْن إحدى الحسنيين: من بين شهيد حيّ مرزوق، أو فتح قريب وظفر يسير. فكفى كلّ رجل ما يليه، ولم يكِلْ قِرْنَه إلى أخيه؛ فيجتمع عليه قرنه وقِرْن نفسه، وذلك من الملأمة، وقد يقاتل الكلب عن صاحبه؛ فكلّ رجل منكم مسلّط على ما يليه؛ فإذا قضيت أمري فاستعدّوا فإني مكبر ثلاثًا، فإذا كبّرت التكبيرة الأولى فليتهيّأ مَنْ لم يكن تهيّأ؛ فإذا كبّرت الثانية فليشدّ عليه سلاحه، وليتأهب للنهوض؛ فإذا كبّرت الثالثة؛ فإنّي حامل إن شاء الله فاحمِلوا معًا. اللهمّ أعزّ دينَك، وانصر عبادك، واجعل النعمانَ أوّل شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك! فلما فرغ النعمان من التقدّم إلى أهل المواقف، وقضى إليهم أمرَه، رجع إلى موقفه، فكبّر الأولى والثانية والثالثة؛ والناس سامعون مطيعون مستعدّون للمناهضة، يُنَحِّي بعضُهم بعضًا عن سَنَنِهم، وحمل النُّعمان وحمل الناس، وراية النعمان تنقضُّ نحوهم انقضاض العُقاب، والنعمان معلَم ببياض القباء والقلنسوة، فاقتتلوا بالسيوف قتالًا شديدًا لم يسمع السامعون بوقعة يوم قط كانت أشدّ قتالًا منها، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والإعتام ما طبَّق أرض المعركة دمًا يزلَقُ الناس والدوابُّ فيه، وأصيب فُرسان من فرسان المسلمين في الزَّلق في الدّماء، فزلق فرس النعمان في الدّماء فصرعه، وأصيب النّعمان حينِ زلق به فرسه؛ وصُرع. وتناولَ الرّاية نُعيم بن مقرّن قبل أن تقع، وسجّى النعمانبثوب، وأتى حذيفة بالرّاية فدفعها إليه، وكان اللواء مع حُذيفة، فجعل حُذيفة نُعيمَ بن مقرّن مكانه، وأتى المكان الذي كان فيه النعمان فأقام اللواء، وقال له المغيرة: اكتمُوا مصابَ أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم؛ لكيلَا يهِنَ الناس؛ واقتتلوا حتى إذا أظلَّهم الليل انكشف المشركون وذهبوا، والمسلمون ملظُّون بهم متلبّسون، فعُمِّيَ عليهم قصدُهم، فتركوه وأخذوا نحو اللِّهْب الذي كانوا نزلوا دونه بإسبيذهان، فوقعوا فيه، وجعلوا لا يهوِي منهم أحدٌ إلا قال: "وايه خُرد" فسمّي بذلك "واية خُرد" إلى اليوم، فمات فيه منهم مئة ألف أو يزيدون، سوى مَن قتل في المعركة منهم أعدادهم، لم يفلت إلّا الشَّريد، ونجا الفيرُزان بين الصّرعى في المعركة، فهرب نحو هَمَذان في ذلك الشَّريد، فأتبعه نُعيم بن مقرّن، وقدّم القعقاعِ قدامه فأدركه حين انتهى إلى ثَنيّة هَمَذان، والثنيّة مشحونة من بغال وحمير موقرة عسلًا، فحبسه الدوابّ على أجَلِه، فقتله على الثَّنيَة بعد ما امتنع، وقال المسلمون: إنّ لله جنودًا من عسل، واستاقوا العسل وما خالطه من سائر الأحمال، فأقبل بها، وسمِّيت الثنيّة بذلك ثَنيّة العسل؛ وإنّ الفيرُزان لمّا غشيه القعقاع نزل فتوقّل في الجبل إذ لم يجد مساغًا، وتوقّل القعقاع في أثره حتى أخذه، ومضى الفُلّال حتى انتهوْا إلى مدينة هَمَذان والخيل في آثارهم، فدخلوها، فنزل المسلمون عليهم، وحوَوْا ما حولها، فلما رأى ذلك خُسْرَوْشنُوم استأمنهم، وقبل منهم على أن يضمن لهم هَمَذان ودَسْتبى، وألّا يؤتى المسلمون منهم؛ فأجابوهم إلى ذلك وآمنوهم؛ وأمن الناس، وأقبل كلّ مَن كان هرب، ودخل المسلمون بعد هزيمة المشركين يوم نهاوند مدينة نهاوند واحتووا ما فيها وما حولها، وجمعوا الأسلاب والرِّثاث إلى صاحب الأقباض السائب بن الأقرع. فبينا هم كذلك على حالهم وفي عسكرهم يتوقّعون ما يأتيهم من إخوانهم بهَمذان، أقبل الهِربذ صاحب بيت النار على أمان؛ فأبْلغ حذيفة، فقال: أتؤمنني على أن أخبرك بما أعلم؟ قال: نعم، قال: إنّ النخَيْرَجان وضع عندي ذخيرة لكسرى، فأنا أخرجها لك على أمانِي وأمان من شئت، فأعطاه ذلك، فأخرج له ذخيرة كسرى؛ جوهرًا كان أعدّه لنوائب الزّمان، فنظروا في ذلك، فأجمع رأي المسلمين على رفعه إلى عمر، فجعلوه له؛ فأخَّرُوه حتى فرغوا فبعثوا به مع ما يرفع من الأخماس، وقسم حذيفة بن اليمان بين الناس غنائمهم، فكان سهمالفارس يوم نهاوند ستة آلاف، وسهم الراجل ألفين، وقد نفل حذيفة من الأخماس من شاء من أهل البلاء يوم نهاوند، ورفع ما بقي من الأخماس إلى السائب بن الأقرع، فقبض السائب الأخماس، فخرج بها إلى عمر وبذخيرة كسرى. وأقام حُذيفة بعد الكتاب بفتح نهاوند بنهاوند ينتظر جواب عمر وأمره؛ وكان رسولَه بالفتح طريفُ بن سهم، أخو بني ربيعة بن مالك. فلما بلغ الخبرُ أهلَ الماهيْن بأنّ همذَان قد أخذت، ونزلها نُعيم بن مقرّن، والقعقاع بن عمرو اقتدوا بخُسْرَوْشُنُوم، فراسلوا حُذَيفة، فأجابهم إلى ما طلبوا، فأجمعوا على القبول، وعزموا على إتيان حُذيفة، فخدعهم دينار -وهو دون أولئك الملوك، وكان ملكًا، إلّا أن غيره منهم كان أرفع منه؛ وكان أشرفَهم قارن- وقال: لا تلقوهم في جمالكم ولكن تقهّلوا لهم؛ ففعلوا، وخالفهم فأتاهم في الديباج والحليّ، وأعطاهم حاجتهم واحتمل للمسلمين ما أرادوا، فعاقدوه عليهم؛ ولم يجد الآخرون بدًّا من متابعته والدخول في أمره، فقيل "ماه دينار" لذلك. فذهب حُذيفة بماه دينار؛ وقد كان النعمان عاقد بَهْراذان على مثل ذلك، فنُسِبت إلى بَهْرذان، ووكل النُّسير بن ثَوْر بقلعة قد كان لجأ إليها قوم فجاهدهم؛ فافتتحها فنُسبت إلى النُّسير، وقسم حُذيفة لمن خلِّفوا بمرج القلعة ولمن أقام بغضَى شَجَر ولأهل المسالح جميعًا في فيء نهاوند مثل الذي قسم لأهل المعركة، لأنهم كانوا ردءًا للمسلمين لئلا يؤتَوْا من وجه من الوجوه. وتململ عمر تلك الليلة التي كان قدّر للقائهم، وجعل يخرج ويلتمس الخبر؛ فبينا رجل من المسلمين قد خرج في بعض حوائجه، فرجع إلى المدينة ليلًا، فمرّ به راكب في الليلة الثالثة من يوم نهاوند يريد المدينة. فقال: يا عبد الله! من أين أقبلت؟ قال: من نهاوند، قال: ما الخبر؟ قال: الخبر خير؛ فتح الله على النعمان، واستُشهد، واقتسم المسلمون فيء نهاوند، فأصاب الفارس ستة آلاف. وطواه الرّاكب حتى انغمس في المدينة، فدخل الرجل، فبات فأصبح فتحدّث بحديثه، ونمَى الخبرُ حتى بلغ عمر؛ وهو فيما هو فيه، فأرسل إليه، فسأله فأخبره، فقال: صدق وصدقت؛ هذا عُثيم بريد الجنّ، وقد رأى بريد الإنس، فقدم عليه طريف بالفتح بعد ذلك، فقال: الخبر! فقال: ما عندي أكثر من الفَتْح، خرجتُ والمسلمون في الطلب وهم على رِجْل؛ وكتمه إلّا ما سرّه.ثم خرج وخرج معه أصحابه، فأمعن؛ فرُفع له راكب، فقال: قولوا، فقال عثمان بن عفّان: السائب، فقال: السائب، فلما دنا منه قال: ما وراءك؟ قال: البُشرى والفتح، قال: ما فعل النعمان؟ قال: زلق فرسه في دماء القوم، فصرع فاستُشهد، فانطلق راجعًا والسائب يسايره، وسأل عن عدد من قتل من المسلمين؛ فأخبره بعدد قليل؛ وأنّ النعمان أوّل من استُشهد يوم فتح الفتوح -وكذلك كان يسمِّيه أهل الكوفة والمسلمون- فلما دخل المسجد حطَّت الأحمال فوضعت في المسجد، وأمر نفرًا من أصحابه -منهم عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم- بالمبيت فيه، ودخل منزله، وأتبعه السائب بن الأقرع بذينك السَّفَطَيْن، وأخبره خبرَهما وخبر الناس؛ فقال: يا بن مُلَيكة! والله ما درَوْا هذا، ولا أنت معهم! فالنّجاء النّجاء، عودَك على بدئِك حتى تأتي حُذيفة فيقسمهما على مَنْ أفاءهما الله عليه؛ فأقبل راجعًا بقبَلٍ حتّى انتهى إلى حُذيفة بماه؛ فأقامهما فباعهما، فأصاب أربعة آلاف ألف (١). (٤: ١٢٤/ ١٢٥/ ١٢٦/ ١٢٧/ ١٢٨/ ١٢٩/ ١٣٠/ ١٣١/ ١٣٢/ ١٣٣/ ١٣٤/ ١٣٥). ٥٥٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس الأسديّ: أنّ رجلًا يقال له: جعفر بن راشد قال لطليحة وهم مقيمون على نهاوند: لقد أخذتنا خَلّة، فهل بقي من أعاجيبك شيء تنفعنا به؟ فقال: كما أنتم حتى أنظر، فأخذ كساء فتقنّع به غير كثير، ثم قال: البيان البيان، غَنَم الدّهقان، في بستان، مكان أرْوَنَان. فدخلوا البستان فوجدوا الغنم مسمّنة (٢). (١٣٥: ٤). ٥٥٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي معبد العبسيّ وعروة بن الوليد، عمّن حدّثهم من قومهم، قال: بينما نحن محاصرو أهل نهاوند خرجوا علينا ذات يوم، فقاتلونا فلم نُلْبِثهم أن هزمهم الله، فتبع سماك بن عُبَيد العبسيّ -رجلًا منهم- معه نفر ثمانية على أفراس لهم فبارزهم؛ فلم يبرزْ له أحد إلّا قتله، حتى أتى عليهم. ثم حمل على الذي كانوا معه، فأسره وأخذ سلاحه،ودعا له رجلًا اسمه عبد، فوكَّله به، فقال: اذهبوا بي إلى أميركم حتى أصالحه على هذه الأرض؛ وأؤدّيَ إليه الجزية، وسلني أنت عن إسارك ما شئت، وقد مننتَ عليّ إذ لم تقتلني؛ وإنما أنا عبدك الآن، وإن أدخلتني على الملك، وأصلحتَ ما بيني وبينه وجدت لي شكرًا، وكنت لي أخًا. فخلّى سبيله وآمنه؛ وقال: مَن أنت؟ قال: أنا دينار -والبيت منهم يومئذ في آل قارن- فأتى به حذيفة، فحدّثه دينار عن نجدة سماك وما قتل ونظرِه للمسلمين، فصالحه على الخراج، فنسبت إليه ماه، وكان يواصل سماكًا ويُهدي له، ويوافي الكوفة كلما كان عملُه إلى عامل الكوفة، فقدم الكوفة في إمارة معاوية، فقام في الناس بالكوفة، فقال: يا معشرَ أهل الكوفة! أنتم أوّلَ ما مررتم بنا كنتم خيارَ الناس، فعمرتم بذلك زمان عمر وعثمان، ثم تغيّرتم وفشت فيكم خصال أربع: بُخل، وخِبّ، وغدر، وضيق؛ ولم يكن فيكم واحدة منهنّ، فرمقتُكم، فإذا ذلك في مولّديكم، فعلمتُ من أين أتيتم، فإذا الخبّ من قبل النَّبَط، والبخل من قبل فارس، والغدر من قبلَ خراسان، والضيق من قبل الأهواز (١). (٤: ١٣٥/ ١٣٦). ٥٥٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشَّعبيّ، قال: لما قُدِم بسبي نهاوند إلى المدينة؛ جعل أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة لا يلقى منهم صغيرًا إلّا مسح رأسَه وبكى وقال: أكلَ عمر كبدي -وكان نهاونديًّا، فأسرته الرّوم أيام فارس، وأسره المسلمون بعده، فنُسِب إلى حيث سُبِيَ (٢). (٤: ١٣٦). ٥٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن الشّعبيّ، قال: قُتل في اللِّهْب ممن هوى فيه ثمانون ألفًا، وفي المعركة ثلاثون ألفًا مقترين، سوى مَنْ قُتِل في الطلب؛ وكان المسلمون ثلاثين ألفًا، وافتُتحت مدينة نهاوند في أوّل سنة تسع عشرة، لسبع سنين من إمارة عمر، لتمام سنة ثماني عشرة (٣). (٤: ١٣٦).٥٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد والمهلب وطلْحة في كتاب النُّعمان بن مقرّن وحُذيفة لأهل الماهَيْن: بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى النعمان بن مقرّن أهلَ ماه بَهْراذان؛ أعطاهم الأمانَ على أنفسهم وأموالهم وأراضيهم؛ لا يُغيِّرون على ملّة، ولا يحال بينهم وبين شرائعهم، ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية في كلّ سنة إلى مَنْ وليَهم؛ على كلّ حالم في ماله ونفسه على قدر طاقته؛ وما أرشدوا ابنَ السبيل، وأصلحوا الطرق، وقرَوْا جنودَ المسلمين ممّن مرّ بهم فأوى إليهم يومًا وليلة، ووفوْا ونصحوا، فإن غشُّوا وبدّلوا؛ فذمّتُنا منهم بريئة. شهد عبد الله بن ذي السهمين، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله. وكُتِب في المحرّم سنة تسع عشرة: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى حُذَيفة بن اليَمان أهلَ ماه دينار؛ أعطاهم الأمان على أنفسهم، وأموالهم، وأراضيهم، لا يغيَّرون عن ملّة، ولا يُحال بينهم وبين شرائعهم؛ ولهم المنْعَة ما أدّوا الجزية في كلّ سنة إلى من وليهم من المسلمين؛ على كلّ حالم في ماله ونفسه على قَدْرِ طاقته، وما أرشدوا ابن السبيل، وأصلحوا الطرق، وقَرْوا جنود المسلمين، مَن مرّ بهم؛ فأوى إليهم يومًا وليلة، ونصحوا، فإن غشُّوا وبدّلوا فذمّتنا منهم بريئة. شهد القعقاع بن عمرو، ونعيم بن مقرّن، وسُويد بن مقرّن. وكتب في المحرّم. قالوا: وألحق عُمر مَنْ شهد نهاوند فأبلَى من الرّوادف بلاءً فاضلًا في ألفين ألفين، ألحقهم بأهل القادسيَّة (١). (٤: ١٣٦/ ١٣٧). ٥٦١ - ذكر الخبر عمّا كان في هذه السنة -أعني سنة إحدى وعشرين- من أمر الجندين اللَّذين ذكرتُ: أن عمر أمرهما بما ذُكر أنه أمرهما به: كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد، وطلحة، والمهلب، وعمرو، وسعيد، قالوا: لما رأى عمر أنّ يزدَجِرد يبعث عليه في كلّ عام حَرْبًا، وقيل له: لا يزال هذا الدّأب حتى يخرج من ممْلكته؛ أذن للناس في الانسياح في أرض العجم؛ حتى يغلبوا يزدَجِرْد على ما كان في يدي كسرى، فوجّه الأمراء منأهل البصرة بعد فَتْح نهاوند، ووجّه الأمراء من أهل الكوفة بعد فتح نهاوند؛ وكان بين عمل سعد بن أبي وقّاص وبين عمل عمّار بن ياسر أميران: أحدُهما عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان -وفي زمانه كانت وقعة نهاوند- وزياد بن حنظلة حليف بني عبد بن قصيّ -وفي زمانه أمر بالانسياح- وعُزل عبد الله بن عبد الله، وبُعث في وجه آخر من الوجوه، وولّي زياد بن حنظلة -وكان من المهاجرين- فعمل قليلًا، وألحّ في الاستعفاء، فأعفي، وولّي عمّار بن ياسر بعد زياد؛ فكان مكانه، وأمدّ أهلَ البصرة بعبد الله بن عبد الله، وأمدّ أهلَ الكوفة بأبي موسى، وجعل عمر بن سُراقة مكانه، وقدمت الألوية من عند عمر إلى نفر بالكوفة زمان زياد بن حنظلة، فقدم لواء منها على نُعيم بن مقرّن، وقد كان أهل همَذان كفروا بعد الصلح، فأمره بالسَّيْر نحو هَمَذان، وقال: فإن فتح الله على يديك فإلى ما وراء ذلك في وجهك ذلك إلى خُراسان. وبعث عتبة بن فَرقد، وبكير بن عبد الله وعقد لهما على أذْرَبيجان، وفرّقها بينهما، وأمر أحدهما أن يأخذ إليها من حُلْوان إلى ميمنتها، وأمر الآخر أن يأخذ إليها من الموصل إلى ميسرتها، فتيامن هذا عن صاحبه، وتياسر هذا عن صاحبه. وبعث إلى عبد الله بن عبد الله بلواء؛ وأمره أن يسير إلى أصبهان، وكان شجاعًا بطلًا من أشراف الصحابة ومن وجوه الأنصار؛ حليفًا لبني الحبْلى من بني أسد؛ وأمدّه بأبي موسى من البصرة، وأمّر عمر بن سراقة على البصرة. وكان من حديث عبد الله بن عبد الله: أنّ عمر حين أتاه فتح نهاوند بدا له أن يأذن في الانسياح فكتب إليه: أن سر من الكوفة حتى تنزل المدائن، فاندبهم ولا تنتخبهم، واكتب إليَّ بذلك؛ وعمر يريد توجيهه إلى أصبهان. فانتدب له فيمن انتدب عبد الله بن ورقاء الرياحيّ، وعبد الله بن الحارث بن ورقاء الأسديّ. والذين لا يعلمون يرون أنّ أحدهما عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعيّ، لذكر ورقاء، وظنوا: أنه نُسب إلى جدّه، وكان عبد الله بن بُديل بن ورقاء يوم قُتِل بصفّين ابن أربع وعشرين سنة، وهو أيامَ عمر صبيّ. ولما أتى عمرَ انبعاثُ عبد الله؛ بعثَ زياد بن حنظلة، فلما أتاه انبعاث الجنود وانسياحهم؛ أمّر عمّارًا بعدُ، وقرأ قول الله ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ وقد كان زياد صُرِف فيوَسَطٍ من إمارة سعد إلى قضاء الكوفة بعد إعفاء سلمان وعبد الرحمن ابني ربيعة، ليقضي إلى أن يقدم عبد الله بن مسعود من حِمْص، وقد كان عملَ لعمر على ما سقَى الفُرات ودِجْلة النعمانُ، وسُويد ابنا مقرّن، فاستعفيا، وقالا: أعفنا من عمل يتغوّل ويتزيّن لنا بزينة المومسة، فأعفاهما، وجعل مكانهما حُذَيفة بن أسيد الغفاريّ، وجابر بن عمرو المُزنيّ، ثم استعفيا فأعفاهما، وجعل مكانهما حُذَيفة بن اليمان، وعثمان بن حُنَيف؛ حذيفة على ما سقت دِجْلة وما وراءها، وعثمان على ما سقى الفرات من السوادين جميعًا، وكتب إلى أهل الكوفة: إني بعثتُ إليكم عمّار بن ياسر أميرًا، وجعلت عبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وولّيت حذيفة بن اليمان ما سَقَتْ دِجلة وما وراءها، ووليت عُثْمان بن حُنَيف الفرات وما سَقى.