page 2867, entry [1165]Open original source
البُوَيْب ٢١٦ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سَيْف، عن عطيَّة. وعن سفيان الأحمريّ، عن المجالد، عن الشعبيّ، قالا: قال عمر حين استجمّ جَمْعُ بجيلة: اتّخذونا طريقًا، فخرج سَرَوات بَجِيلة ووفدُهم نحوه، وخلَّفوا الجمهور،فقال: أيّ الوجوه أحبّ إليكم؟ قالوا: الشأم فإنّ أسلافنا بها، فقال: بل العراق؛ فإنّ الشأم في كفاية؛ فلم يزل بهم، ويأبوْن عليه حتى عزم على ذلك؛ وجعل لهم ربع خُمس ما أفاء الله على المسلمين إلى نصيبهم من الفيء، فاستعمل عَرْفجة على مَن كان مقيمًا على جَديلة من بَجيلة، وجريرًا علَى مَن كان من بني عامر وغيرهم؛ وقد كان أبو بكر ولّاه قتالَ أهل عُمان في نفر، وأقفله حين غزا في البحر، فولّاه عمر عُظْم بَجيلة، وقال: اسمعوا لهذا، وقال للآخرين: اسمعوا لجرير، فقال جرير لبَجيلة: تُقِرُّون بهذا - وقد كانت بَجيلة غضبت على عَرْفجة في امرأة منهم - وقد أدخل علينا ما أدخل! فاجتمعوا فأتوا عُمر، فقالوا: أعْفِنا من عَرْفجة، فقال: لا أعفيكم من أقدمكم هجرةً وإسلامًا، وأعظمكم بلاءً وإحسانًا، قالوا: استعمل علينا رجلًا منَّا، ولا تستعمل علينا نزيعًا فينا، فظنّ عمر أنَّهم يَنفونه من نسبه، فقال: انظروا ما تقولون! قالوا: نقول ما تسمع؛ فأرسل إلى عرفجة، فقال: إنّ هؤلاء استعْفوني منك، وزعموا أنَّك لست منهم، فما عندك؟ قال: صدقوا، وما يسُرّني أني منهم. أنا امرؤ من الأزد، ثم من بارق، في كَهْف لا يُحْصَى عدده، وحَسَبٍ غير مُؤتَشَب. فقال عمر: نِعْمَ الحيُّ الأزد! يأخذون نصيبَهم من الخير والشرّ. قال عرفجة: إنه كان من شأني أن الشرّ تفاقم نينا، ودارُنا واحدة؛ فأصبنا الدّماء، ووتر بعضنا بعضًا، فاعتزلتهم لمَّا خِفتهم، فكنت في هؤلاء أسودُهم وأقودُهم، فحفِظوا عليّ لأمر دار بيني وبين دهاقينهم، فحسدوني وكفروني. فقال: لا يضرّك فاعتزلهمْ إذْ كرهوك. واستعمل جريرًا مكانه، وجمع له بَجيلة، وأرى جريرًا وبَجيلة أنَّه يبعث عَرْفجة إلى الشأم، فحبَّب ذلك إلى جرير العراق، وخرج جرير في قومه ممدًّا للمثنَّى بن حارثة، حتى نزل ذا قار، ثم ارتفع حتى إذا كان بالجُلّ والمتنَّى بمرْج السِّباخ، أتى المثنَّى الخبرُ عن حديث بشير وهو بالحيرة: أن الأعاجم قد بعثوا مِهران، ونهض من المدائن شاخصًا نحو الحيرة. فأرسل المثنَّى إلى جرير وإلى عصمة بالحثّ، وقد كان عهد إليهم عمر ألّا يعبروا بحرًا ولا جسرًا إلّا بعد ظفَر، فاجتمعوا بالبُوَيب، فاجتمع العسكران على شاطئ الْبُوَيب الشرقيّ، وكان البويب مغيضًا للفرات أيام المدود أزمانَ فارس، يصبّ في الجوف، والمشركونبموضع دار الرزق، والمسلمون بموضع السَّكون (١). (٣: ٤٦٢/ ٤٦٣). ٢١٧ - كتب إليّ السريّ، عن شُعيب، عن سيف، عن محمد وعمرو بإسنادهما، قالا: وخرج هلال بن عُلَّفة التيميّ فيمن اجتمع إليه من الرّباب حتى أتى عمر، فأمَّره عليهم وسرَّحه، فقدم على المثنَّى وخرج ابن المثنّى الجُشَميّ؛ جُشَم سعد، حتى قدم عليه، فوجَّهه وأمَّره على بني سعد، فقدم على المثنَّى (٢). (٣: ٤٦٤). ٢١٨ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبيّ وعطية بإسنادهما، قالا: وجاء عبد الله بن ذي السَّهْمَيْن في أناس من خَثْعم، فأمَّره عليهم ووجَّهه إلى المثنَّى، فخرج نحوه حتى قدم عليه (٣). (٣: ٤٦٤). ٢١٩ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبيد الله بن محفِّز، عن أبيه محفِّز بن ثعلبة؛ قال: جلَب فتية من بني تغلب أفراسًا، فلمَّا التقى الزّحفان يوم البُوَيب؛ قالوا: نقاتل العجم مع العرب، فأصاب أحدهم مِهران يومئذ، ومهران على فرس له وَرْد مجفَّف بتِجْفاف أصفر، بين عينيه هلالٌ، وعلى ذَنَبه أهِلَّة من شَبَه، فاستوى على فرسه، ثم انتمى: أنا الغلام التغلبيّ! أنا قتلتُ المرزبان! فأتاه جرير وابن الهوبر في قومهما فأخذا برجله، فأنزلاه (٤). (٣: ٤٦٦). ٢٢٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سعيد بن المرزبان: أن جريرًا والمنذر اشتركا فيه فاختصما في سلاحه، فتقاضيا إلى المثنَّى، فجعل سلاحه بينهما والمِنْطقة والسوارين بينهما، وأفنَوا قلْبَ المشركين (٥). (٣: ٤٦٦). ٢٢١ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي رَوْق، قال: والله! إنْ كنَّا لنأتي البُويب، فنرى فيما بين موضع السَّكون وبني سُلَيم عظامًا بيضًا تلولًاتلوح من هامهم وأوصالهم، يُعتبر بها. قال: وحدّثني بعض مَنْ شَهدها أنَّهم كانوا يحزُرونها مئة ألف، وما عُفي عليها حتى دفنها أدْفان البيوت (١). (٣: ٤٦٧/ ٤٦٦). ٢٢٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن حمزة بن عليّ بن محفِّز، عن رجل من بَكْر بن وائل، قال: كان أوّل الناس انتَدب يومئذ للمثنّى واتَّبع آثارهم المستبسل وأصحابه؛ وقد كان أراد الخروج بالأمس إلى العدوّ من صفِّ المسلمين واستوفز واستنتل، فأمرَ المثنَّى أنْ يُعقد لهم الجسر، ثم أخرجهم في آثارٍ للقوم، واتَّبعتهم بَجِيلة وخيولٌ من المسلمين تُغِذّ من كلّ فارس، فانطلقوا في طلبهم حتى بلغوا السِّيْب، ولم يبقَ في العسكر جسريّ إلَّا خرج في الخيل، فأصابوا من البقر والسَّبي وسائر الغنائم شيئًا كثيرًا فقسمه المثنَّى عليهم، وفضل أهل البلاء من جميع القبائل، ونفَّل بَجيلة يومئذ ربعَ الخمس بينهم بالسويَّة، وبعث بثلاثة أرباعه مع عكرمة، وألقى الله الرُّعب في قلوب أهلِ فارس. وكتب القُوّاد الذين قادوا النَّاس في الطَّلب إلى المثنَّى، وكتب عاصم وعصمة وجرير: إنّ الله ﷿ قد سلَّم وكفى، ووجَّه لنا ما رأيت، وليس دون القوم شيء؛ أفتاذن لنا في الإقدام؟ ! فأذن لهم، فأغاروا حتى بلغوا ساباط، وتحصّن أهلُ ساباط منهم واستباحوا القُرَيّات دونها، وراماهم أهل الحصن بساباط عن حصنهم، وكان أوّل مَن دخل حصنهم ثلاثة قُوّاد: عصمة، وعاصم وجرير؛ وقد تبعهم أوزاعٌ من الناس كلّهم. ثم انكفؤوا راجعين إلى المثنَّى (٢). (٣: ٤٧٠). ٢٢٣ - كتبَ إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عطية بن الحارث، قال: لمَّا أهلك الله مِهران؛ استمكن المسلمون من الغارة على السَّواد فيما بينهم وبين دجلة فَمَخروها، لا يخافون كيدًا، ولا يلقوْن فيها مانعًا، وانتقضت مسالح العجم، فرجعت إليهم؛ واعتصموا بساباط، وسرّهم أن يتركوا ما وراء دجلة. وكانت وقعة البُوَيب في رمضان سنة ثلاث عشرة قتل الله عليه مِهْران وجيشه،وأفعموا جنبتي البُوَيب عظامًا، حتى استوى وما عفَّى عليها إلّا التراب أزمان الفتنة، وما يثار هنالك شيء إلَّا وقعوا منها على شيء؛ وهو ما بين السَّكون ومُرْهبة وبني سُليم؛ وكان مَغيضًا للفرات أزمان الأكاسرة يصبّ في الجوْف. وقال الأعور العَبْديّ الشَّنّيّ: هاجَتْ لأعْوَرَ دارُ الحيِّ أحْزانَا ... واستَبْدَلَتْ بَعْدَ عبد القَيْس خَفّانا وقد أرانا بها والشّمْلُ مُجْتَمِعٌ ... إذ بالنُّخَيْلة قَتْلَى جُنْدِ مِهْرانا أزْمانَ سار المُثنَّى بالخيول لَهُمْ ... فقُتِّلَ الزَّحْفُ من فُرْسٍ وجِيلانا سما لمِهْرَانَ والجيشِ الَّذي معه ... حتى أبادَهُمُ مَثْنَى ووُحْدانا قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق، فإنه في أمر جرير وعرفجة والمثنّى وقتال المثنَّى مهرانَ غير ما قصّ سيف من أخبارهم؛ والذي قال في أمرِهم ما حدّثنا محمد بن حُمَيد، قال: حدّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمَّا انتهت إلى عمر بن الخطاب مصيبةُ أصحاب الجسر، وقدم عليه فَلّهم؛ قدِم عليه جرير بن عبد الله البجَليّ من اليمن في ركب من بَجيلة، وعَرْفجة بن هرثمة - وكان عرفجة يومئذ سيّد بَجيلة، وكان حليفًا لهم من الأزْد - فكلّمهم عمر، فقال لهم: إنَّكم قد علمتم ما كان من المصيبة في إخوانكم بالعراق؛ فسيروا إليهم وأنا أخرج إليكم مَن كان منكم في قبائل العرب فأجمعهم إليكم. قالوا: نفعل يا أمير المؤمنين! فأخرج لهم قيْسَ كُبَّةَ وسُحْمة وعُرَينة؛ وكانوا في قبائل بني عامر بن صعصعة، وأمَّرَ عليهم عرفجة بن هَرثمة، فغضب من ذلك جَرير بن عبد الله البَجَليّ، فقال لبَجِيلة: كلّموا أميرَ المؤمنين، فقالوا له: استعملت علينا رجلًا ليس منَّا، فأرسل إلى عَرفجة، فقال: ما يقول هؤلاء؟ قال: صدقوا يا أمير المؤمنين! لستُ منهم، ولكنّي رجل من الأزد، كنَّا أصبنا في الجاهليَّة دمًا في قومنا، فلحقْنا بَجِيلة، فبلغنا فيهم من السؤدد مَا بلغك. فقال له عمر: فاثبت على منزلتك، ودافعهم كما يدافعونك. قال: لستُ فاعلًا ولا سائرًا معهم، فسار عرفجة إلى البَصْرة بعد أن نُزلت، وترك بَجيلة، وأمَّر عمر على بَجيلة جرير بن عبد الله، فسار بهم مكانه إلى الكوفة، وضمّ إليه عمر قومَه من بَجيلة، فأقبل جرير حتى إذا مزَ قريبًا من المثنَّى بن حارثة، كتب إليه المثنَّى أن أقْبل إليَّ، فإنما أنت مَدَدٌ لي. فكتب إليه جرير: إنّي لست فاعلًا إلّا أن يأمرَني بذلك أمير المؤمنين؛ أنت أمير وأنا أمير.ثم سار جرير نحو الجسر، فلقيَه مهران بن باذان - وكان من عظماء فارس - عند النُّخَيْلة، قد قطع إليه الجسر، فاقتتلا قتالًا شديدًا، وشدّ المنذر بن حسَّان بن ضرار الضَّبيّ على مِهران فطعَنه، فوقع عن دابَّته، فاقتحم عليه جرير فاحتزّ رأسَه، فاختصما في سَلَبه، ثم اصطلحا فيه، فأخذ جَرِير السِّلاح، وأخذ المنذر بن حسَّان منطقته. قال: وحُدّثتُ أنّ مهران لمّا لقي جريرًا قال: إن تسألوا عني فإني مِهْرانْ ... أنا لِمَنْ أنْكَرني ابنُ باذانْ قال: فأنكرتُ ذلك حتى حدّثني من لا أتّهم من أهل العلم أنه كان عربيًّا نشأ مع أبيه باليمن إذ كان عاملًا لكسرى. قال: فلم أنكر ذلك حين بلغني. وكتب المثنَّى إلى عمر يَمْحَل بجرير، فكتب عمر إلى المثنّى: إنّي لم أكن لأستعملك على رجل من أصحاب محمّد ﷺ يعني: جريرًا - وقد وجّه عمر سعد بن أبي وقَّاص إلى العراق في ستة آلاف، أمّره عليهم؛ وكتب إلى المثنَّى وجرير بن عبد الله أن يجتمعا إلى سعد بن أبي وقَّاص، وأمَّر سعدًا عليهما؛ فسار سعد حتى نزل شَراف، وسار المثنَّى وجرير حتى نزلا عليه، فشتا بها سعد، واجتمع إليه الناس، ومات المثنَّى بن حارثة ﵀ (١). (٣: ٤٧٠/ ٤٧١/ ٤٧٢).