page 2833, entry [1142]Open original source
حديث الأنبار -وهي ذات العيون- وذكر كَلْواذَى ١٥٩ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة، وأصحابهما، قالوا: خرج خالدُ بن الوليد في تعبيته الَّتي خرج فيها من الحيرة، وعلى مقدّمته الأقرعُ بن حابس. فلمَّا نزَل الأقرع المنزلَ الَّذي يُسلمه إلى الأنبار؛ أنتَجَ قومٌ من المسلمينَ إبلَهم، فلم يستطيعوا العُرْجة، ولم يجدوا بُدًّا من الإقدام، ومعهم بنات مَخَاض، تتبعهم. فلمَّا نودي بالرَّحيل؛ صَرُّوا الأمَّهات، واحتقبوا المنتوجات؛ لأنها لم تطقِ السَّيْر؛ فانتهوا ركبانًا إلَى الأنبار، وقد تحصّن أهلُ الأنبار، وخندقوا عليهم، وأشرفوا من حصنهم، وعلى تلك الجنود شيرزاذ صاحب ساباط -وكان أعقل أعجميّ يومئذ وأسودَه وأقنعَه في الناس: العرب والعجم- فتصايح عربُ الأنبار يومئذ من السُّور، وقالوا: صبَّح الأنبار شرٌّ؛ جَمَلٌ يحمل جُمَيْلَهُ وجملٌ تُرِبُّهُ عوذٌ. فقال شيرزاذ: ما يقولون؟ ففسَّر له، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قَضَوْا على أنفسهم؛ وذلك: أن القوم إذا قضوْا على أنفسهم قضاءً كاد يلزمهم؛ والله لئن لم يكن خالد مجتازًا لأصالحنَّه؛ فبينا هم كذلك قدم خالد على المقدّمة, فأطاف بالخندق، وأنشب القتال؛ وكان قليل الصَّبْر عنه إذا رآه، أو سمع به؛ وتقدّم إلى رُماته، فأوصاهم وقال: إنِّي أرى أقوامًا لا علم لهم بالحرْب، فارموا عيونهم ولا تَوَخَّوْا غيرَها، فرموا رِشْقًا واحدًا، ثم تابعوا، ففقئ ألف عين يومئذ، فسُمّيت تلك الوقعة ذات العيون؛ وتصايح القوم: ذهبت عيون أهل الأنبار! فقال شيرزاذ: ما يقولون؟ ففسر له، فقال: آباذ آباذ. فراسل خالدًا في الصُّلْح على أمر لم يرضَه خالد، فردّ رسلَه، وأتى خالد أضيقَ مكان في الخندق بردايا الجيش فنحرها؛ ثم رمى بها فيه فأفعمه؛ ثم اقتحم الخندق - والردايا جسورهم - فاجتمع المسلمون والمشركون في الخندق. وأرَزَ القوم إلىحصنهم، وراسل شيرزاذ خالداً في الصُّلح على ما أراد، فقبل منه على أن يخلّيَه ويُلحِقَه بمأمنه في جريدة خيل، ليس معهم من المتاع والأموال شيء؛ فخرج شيرزاذ، فلمّا قدِم على بهمن جاذويه، فأخبره الخبر لامه، فقال: إني كنتُ في قوم ليست لهم عقول، وأصلهم من العرب، فسمعتهم مَقدَمهم علينا يقضون على أنفسهم، وقلَّما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم. ثم قاتلهم الجند، ففقؤوا فيهم وفي أهل الأرض ألف عين؛ فعرفتُ: أنّ المسالمة أسلم. ولمّا اطمأنّ خالد بالأنبار والمسلمون، وأمنَ أهلُ الأنبار وظهروا؛ رآهم يكتبون بالعربية ويتعلَّمونها، فسألهم: ما أنتم؟ فقالوا: قوم من العرب، نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا -فكانت أوائلهم نزلُوها أيّامَ بختنصر حين أباح العرب؛ ثمّ لم تُزل عنها- فقال: ممَّنْ تعلّمتم الكتاب؟ فقالوا: تعلَّمنا الخطّ من إياد، وأنشدوه قول الشاعر: قَوْمي إيادٌ لو أنَّهمْ أممُ ... أو لو أقاموا فتُهْزَل النَّعَمُ قَوْمٌ لهم باحةُ العراق إذا ... ساروا جميعاً والخَط والقَلَم وصالح خالد مَنْ حولهم، وبدأ بأهل البَوازيج؛ وبعث إليه أهلُ كَلْواذَى ليعقد لهم، فكاتبهم فكانوا عيْبتَه من وراء دجلة. ثم إن أهل الأنبار وما حولها نقضُوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدُّول ما خلا أهل البوازيج، فإنَّهم ثبتوا كما ثبت أهل بانِقْيا (١). (٣: ٣٧٣/ ٣٧٤/ ٣٧٥). ١٦٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن عبد العزيز - يعني: ابن سياه - عن حبيب بن أبي ثابت، قال: ليس لأحدٍ من أهلِ السَّواد عَقْد قبل الوقعة إلاّ بني صلوبا - وهم أهل الحيرة - وكلواذَى، وقرى من قرى الفرات، ثم غدروا حتى دُعوا إلى الذمَّة بعد ما غدروا (٢). (٣: ٣٧٥). ١٦١ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، قال: قلت للشعبيّ: أخِذ السواد عنوة؟ قال: نعم، وكلّ أرض إلا بعض القلاع والحصون، فإنَّ بعضهم صالح به، وبعضهم غَلَب، فقلت: فهل لأهل السَّوَادذمَّه اعتقدوها قبل الهرب؟ قال: لا، ولكنَّهم لما دُعُوا، ورضوا بالخَراج، وأخذ منهم؛ صاروا ذمّة (١).