page 2738, entry [1120]Open original source
كتاب أبي بكر إلى القبائل المرتدة ووصيته للأمراء ٣١ - حدَّثنا السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، عن سيف، عن عبد الله بن سعيد، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ وشاركه في العهد والكتاب قَحْذَم؛ فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابًا واحدًا: بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسولِ الله ﷺ إلى من بَلَغه كتابي هذا من عامَّة وخاصَّة؛ أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلامٌ علَى مَن اتبع الهدى، ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والعمى؛ فإنّي أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نُقِرّ بما جاء به، ونكفِّر مَن أبي ونُجاهده. أمّا بعدُ؛ فإن الله تعالى أرسلَ محمدًا بالحقّ من عنده إلى خلقه بشيرًا ونَذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، لينذِر مَن كان حيًّا ويحقّ القول على الكافرين. فهدَى الله بالحقّ مَن أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ بإذنه مَنْ أدبر عنه؛ حتى صار إلى الإسلام طَوْعًا وكَرْهًا. ثمّ تَوَفَّى الله رسولَه ﷺ وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمّته؛ وقضى الذي عليه، وكان الله قد بيّن له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل؛ فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾؛ فمَن كان إنما يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله له بالمرصاد؛ حيٌّ قَيّومٌ لا يموت؛ ولا تَأخذُهُ سِنَة ولا نَومٌ، حافظ لأمره، منتقمٌ من عدوّه، يجزيه. وإنّي أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم من الله، وما جاءكم به نبيّكم ﷺ، وأن تهتدوا بهُداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ كلّ مَن لم يهدِه الله ضالٌّ، وكلّ مَنْ لم يُعافِه مبتلىً، وكلّ مَنْ لم يُعِنْه الله مخذول، فمن هداه الله كان مُهْتَديًا، ومَنْ أضلّه كان ضالًّا؛ قال الله تعالى: ﴿منيَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾، ولم يُقْبَل منه في الدنيا عَمَلٌ حتى يقرّ به؛ ولم يُقْبَلْ منه في الآخرة صَرْف ولا عَدْلٌ. وقد بلغني رجوعُ مَنْ رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به؛ اغترارًا بالله، وجهالةً بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾. وقال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾؛ وإنّي بعثتُ إليكم فلانًا في جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، وأمرتُه ألّا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوَه إلى داعية الله؛ فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمِل صالحًا قَبِلَ منه وأعانه عليه؛ ومَنْ أبي أمَرتُ أن يقاتلَه على ذلك؛ ثم لا يبقي على أحد منهم قَدَر عليه، وأن يُحرقهم بالنار، ويقتلهم كلّ قِتْلة، وأن يَسبيَ النساء والذراريّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام؛ فمَن اتّبعه فهو خير له، ومَنْ تركه فلن يعجِز الله. وقد أمرتُ رسولي أن يقرأ كتابي في كلّ مجمع لكم؛ والداعية: الأذان؛ فإذا أذّن المسلمون فأذَّنوا كُفّوا عنهم؛ وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم؛ وإن أذَّنوا اسألوهم ما عليهم؛ فإن أبوْا عاجلوهم، وإن أقرّوا قبل منهم؛ وحملهم على ما ينبغي لهم. فنفذت الرُّسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الأمراء ومعهم العهود: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهدٌ من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال مَن رجع عن الإسلام، وعهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع في أمره كلِّه سرّه وعلانيته، وأمره بالجدّ في أمر الله، ومجاهدة مَنْ تولّى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أمانيّ الشيطان بعد أن يُعذِر إليهم فيدعوَهم بداعية الإسلام؛ فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتى يقرُّوا له؛ ثم ينبئهم بالذي عليهم والَّذي لهم، فيأخذ ما عليهم، ويعطيهم الذي لهم؛ لا يُنظرهم، ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم؛ فمن أجاب إلى أمر الله ﷿ وأقرّ له قبِل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف؛ وإنما يقاتل مَن كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله؛ فإذا أجاب الدعوة لم يكن عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به، ومَن لم يجب داعية الله قُتِل وقوتل حيث كان؛ وحيث بلغ مراغمه، لا يقبل من أحد شيئًا أعطاه إلا الإسلام، فمَن أجابه وأقرّ قبل منه وعلمه، ومَنْ أبي قاتله؛ فإن أظهره الله عليه قتل منهم كلّ قتلة بالسلاح والنيران،ثم قسَّم ما أفاء الله عليه، إلا الخُمس فإنه يبلّغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألّا يُدخل فيهم حَشْوًا حتى يعرفهم ويعلم ما هم؛ لا يكونوا عيونًا، ولئلّا يؤتى المسلمون مِنْ قبَلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم في السير والمنزل ويتفقَّدهم، ولا يعجل بعضَهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حُسْن الصحبة ولين القول (١). (٣: ٢٥٠/ ٢٥١ / ٢٥٢).