page 2726, entry [1119]Open original source
ذكر أمر أبي بكر في أول خلافته ١٢ - حدَّثنا عبيدُ الله بن سعد، قال: أخبرنا عمي، قال: حدَّثنا سيف - وحدّثني السريّ بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب بن إبراهيم عن سيف بن عمر - عن أبي ضمْرة، عن أبيه، عن عاصم بن عبدّي، قال: نادى منادي أبي بكر من بعد الغد مِنْ متوفَّى رسول الله ﷺ: ليُتَمّ بعث أسامة؛ ألا لا يبقينّ بالمدينة أحدٌ من جُنْد أسامة إلّا خرج إلى عسكره بالجُرف. وقام في الناس، فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس! إنما أنا مثلُكم؛ وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله ﷺ يطيق؛ إن الله اصطفى محمدًا على العالمين وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبعٌ ولست بمبتدع؛ فإن استقمت فتابحوني، وإن زغت فقوموني، وإنّ رسولَ الله ﷺ قبض وليس أحدٌ من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها؛ ألا وإنّ لي شيطانًا يعتريني؛ فإذا أتاني فاجتنبوني؛ لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم؛ وأنتم تغدون وتَرُوحون في أجلٍ قد غيِّب عنكم علمه، فإن استطعتم ألّا يمضيَ هذا الأجل إلّا وأنتم في عمل صالح فافعلوا؛ ولن تستطيعوا ذلك إلّا بالله، فسابقوا في مَهل آجالكم من قبل أن تُسلمَكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال؛ فإن قومًا نسُوا آجالهم، وجعلُوا أعمالهم لغيرهم؛ فإيّاكم أن تكونوا أمثالهم. الجدّ الجدّ! والوحا الوحا! والنّجاء النّجاء! فإن وراءكم طالبًا حثيثًا، أجلًا مَرُّه سريعٌ. احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات. وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله ﷿ لا يقبل من الأعمالإلّا ما أريد به وجهه؛ فأريدوا الله بأعمالكم، واعلموا أنّ ما أخلصتم لله من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وخطأٌ ظفرتم به، وضرائب أدّيتموها، وسلَفٌ قدَّمتموه من أيام فانية لأخرى باقية؛ لحين فقركم وحاجتكم. اعتبروا عباد الله بمَنْ مات منكم، وتفكّروا فيمن كان قبلكم. أين كانوا أمس، وأين هم اليوم؟ ! أين الجبّارون؟ ! وأين الذين كان لهم ذكر القتال والغلَبة في مواطن الحروب؟ ! قد تضعضع بهم الدّهر، وصاروا رميمًا، قد تُركت عليهم القالات؛ ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦]. وأينَ الملوك الذين أثاروا الأرض وعمرُوها، قد بعدوا ونُسِيَ ذكرهم، وصاروا كلا شيء. ألا إنّ الله قد أبقى عليهم التَّبِعات، وقطع عنهم الشهوات، ومضوْا والأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وبقينا خلَفًا بعدهم، فإن نحن اعتبرنا بهم نجوْنا، وإن اغتررنا كنّا مثلهم! أين الوُضّاءُ الحسنة وجوهُهم، المعجبون بشبابهم؟ ! صاروا ترابًا وصار ما فرطوا فيه حَسْرَة عليهم! أين الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط، وجعلوا فيها الأعاجيب؟ ! قد تركوها لمن خَلَفهم، فتلك مساكنهم خاوية، وهم في ظلمات القبور، هل نحس منهم من أحد أو نسمع لهم ركزًا؟ ! أين مَنْ تعرفون من أبنائكم وإخوانكم؛ قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدسوا فحلُّوا عليه وأقاموا للشَّقْوة والسعادة فيما بعد الموت. ألا إنّ الله لا شريك له، ليس بينه وبين أحد مِنْ خلقه سببٌ يعطيه به خيرًا، ولا يصرف عنه به سوءًا إلّا بطاعته واتباع أمره، واعلموا أنكم عبيدٌ مَدِينُون، وإنّ ما عنده لا يُدْرك إلّا بطاعته؛ أما أنه لا خير بخير بَعْدَه النارُ، ولا شر بشرّ بعده الجنة (١). (٣: ٢٢٣/ ٢٢٤ / ٢٢٥).١٣ - حدّثني عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف - وحدّثني السَّرِيّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: أخبرَنا سيف عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: لما بويع أبو بكر ﵁ وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليُتَمّ بعثُ أسامة؛ وقد ارتدت العرب؛ إمّا عامة وإمّا خاصة في كلّ قبيلة؛ ونجَم النفاق، وأشرأبّت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغَنَم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيّهم ﷺ وقِلّتِهم، وكثرة عدوّهم. فقال له الناس: إن هؤلاء جُلُّ المسلمين والعرب - على ما ترى - قد انتقضت بك؛ فليس ينبغي لك أن تفرّق عنك جماعة المسلمين. فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السِّباع تخطّفني، لأنفذت بعثَ أسامة كما أمَر رسولُ الله ﷺ، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته! (١) (٣: ٢٢٥).١٤ - حدّثني عبيدُ الله، قال: حدّثني عمّي، قال: أخبرني سيف -وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدَّثنا سيف عن عطية، عن أبي أيوب عن عليّ، وعن الضّحاك عن ابن عباس، قالا: ثم اجتمعَ من حول المدينة من القبائل التي غابت في عام الحُدَيبيَة، وخرجوا وخرج أهلُ المدينة في جُنْد أسامة؟ فحبس أبو بكر مَنْ بَقِيَ من تلك القبائل التي كانت لهم الهجرة في ديارهم، فصاروا مسالحَ حول قبائلهم وهم قليل (١). (٣: ٢٢٥). ١٥ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدّثني عمي، قال: أخبرني سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن أبي ضَمْرة وأبي عمرو وغيرهما، عن الحسن بن أبي الحسن البصريّ، قال: ضرب رسولُ الله ﷺ قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومَنْ حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد. فلم يجاوز آخرهم الخندقَ، حتى قُبِض رسولُ الله ﷺ، فوقف أسامةُ بالناس، ثم قال لعمر: ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذِنْه؛ يأذن لي أن أرجع بالناس، فإن معي وجوه الناس وحدَّهم، ولا آمن على خليفة رسول الله وثَقَلِ رسول الله وأثقال المسلمين أن يتخطّفهم المشركون. وقالت الأنصارُ: فإن أبى إلّا أن نمضيَ فأبلغْه عنّا، واطلب إليه أن يولِّيَ أمرنا رجلًا أقدمَ سنًّا من أسامة. فخرج عمر بأمر أسامة، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة، فقال أبو بكر: لو خَطَفْتني الكلاب والذئاب لم أردّ قضاء قضَى به رسولُ الله ﷺ! قال: فإنّ الأنصار أمروني أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تُولِّي أمرَهم رجلًا أقدمَ سنًّا من أسامة، فوثب أبو بكر -وكان جالسًا- فأخذ بلحية عمر، فقال له: ثكلتك أمُّك وعدمَتْك يا بن الخطاب! استعملَه رسولُ الله ﷺ وتأمرني أن أنزِعَه! فخرجعمر إلى الناس فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: امضوا، ثكلَتْكم أمَّهاتكم! ما لقيتُ في سببكم من خليفة رسول الله! ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم، فأشخصهم وشيَّعهم وهو ماش وأسامة راكبٌ، وعبد الرحمن بن عوف يقودُ دابة أبي بكر، فقال له أسامة: يا خليفةَ رسول الله! والله لتركبنّ أو لأنزلنّ! فقال: والله لا تنزل! ووالله لا أركب! وما عليّ أن أغبّرَ قدمَيّ في سبيل الله ساعةً؛ فإن للغازي بكلّ خطوة يخطوها سبعمئة حسنة تكتب له، وسبعمئة درجة ترتفع له، وترفع عنه سبعمئة خطيئة! حتى إذا انتهى قال: إن رأيتَ أن تعينَنِي بعمر فافعل! فأذن له، ثم قال: يا أيها الناس! قفُوا أوصِكُمْ بعشر فاحفظوها عنِّي: لا تَخُونُوا، ولا تَغلّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقِرُوا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تذبحوا شاةً، ولا بقرة، ولا بعيرًا إلا لمأكلة؛ وسوف تمرُّون بأقوام قد فرّغوا أنفسَهم في الصوامع؛ فدَعُوهم وما فرّغوا أنفسهم له، وسوف تقدَمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوانُ الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شيء فاذكروا اسمَ الله عليها. وتلقوْن أقوامًا قد فحصوا أوساط رؤوسهم وتركوا حولها مثل العصائب؛ فاخفقوهم بالسيف خَفْقًا. اندفعوا باسم الله، أفناكم الله بالطعن والطاعون (١). (٣: ٢٢٥/ ٢٢٦ / ٢٢٧). ١٦ - حدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب، قال: حدثنا سيف - وأخبرنا عبيد الله، قال: أخبرني عمّي، قال: حدثنا سيف عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: خرج أبو بكر إلى الجُرْف، فاستَقْرى أسَامة وبعْثه، وسأله عمرَ فأذن له، وقال له: اصنع ما أمرَك به نبيُّ الله ﷺ، ابدأ ببلاد قُضاعة ثم إيتِ آبِلَ، ولا تقصّرنّ في شيء من أمر رسول الله ﷺ، ولا تعجلنّ لما خلّفتَ عن عهده. فمضى أسامة مُغِذًّا على ذي المَرْوَة والوادي، وانتهى إلى ما أمره به النبيّ ﷺ من بَثّ الخيول في قبائل قُضاعة والغارة على آبِل، فسلِم وغنِم، وكان فراغه في أربعين يومًا سوى مقامه ومنقلبه راجعا (٢). (٣: ٢٢٧). ١٧ - فحدّثني السريّ بن يحيى، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف - وحدّثناعُبيد الله، قال: أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سيف - عن موسى بن عقبة، عن المغيرة بن الأخنَس (١). ١٨ - وعنهما، عن سيف، عن عمرو بن قيس، عن عطاء الخراساني مثلُه (٢). (٢٢٧: ٣). ١٨ / أ- حدَّثنا عُبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرَنا سيف، وحدّثني السَّريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سَيف، عن أبي القاسم الشَّنَويّ، عن العَلاء بن زياد، عن ابن عمر، قال: أتى الخبرُ النبيَّ ﷺ من السماء الليلَة التي قتل فيها العَنْسيُّ ليبشِّرنا، فقال: قُتِل العنسيّ البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيت مباركين، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز (٣)! (٣: ٢٣٦). ١٩ - حدَّثنا عبيد الله، قال: أخبرنا عَمّي، قال: أخبرني سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن المستنير، عن عُروة، عن الضّحاك، عن فيروز، قال: قتلنا الأسود، وعاد أمرنا كما كان؛ إلّا أنا أرسلْنا إلى مُعاذ، فتراضينا عليه؛ فكان يصلِّي بنا في صَنْعاء؛ فوالله ما صلَّى بنا إلا ثلاثًا ونحن راجون مؤمّلون، لم يبق شيء نكرهه إلّا ما كان من تلك الخيول التي تتردّد بيننا وبين نَجْران؛ حتى أتانا الخبر بوفاة رسولِ الله ﷺ، فانتقضت الأمور؛ وأنكرنا كثيرًا مما كنّا نعرف، واضطربت الأرض (٤). (٣: ٢٣٦). ١٩ - حدَّثنا عبيدُ الله، قال: حدَّثنا عمّي، قال: أخبرنا سيف، وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سيف، عن سهل بن يوسف، عن أبيه، عن عُبيد بن صَخْر، قال: كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر (٥). (٣: ٢٣٩). ٢٠ - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، وحدّثنا عبيد الله قال:أخبرنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف عن جابر بن يزيد، عن عُروة بن غَزِيّة، عن الضّحّاك بن فيروز، قال: كان ما بين خروجه بكَهْف خُبَّان ومقتله نحوًا من أربعة أشهر؛ وقد كان قبل ذلك مستسرًّا بأمره. حتى بادَى بعد (١). (٣: ٢٤٠). ٢١ - وزعم أنّ ابن جُريج حدّثه عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال: تُوفِّيتْ فاطمة ﵍ بعد النبيّ ﷺ بثلاثة أشهر (٢). (٣: ٢٤٠). ٢٢ - قال: وحدّثني عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حنيف عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة ابنة عبد الرّحمن قالت: صلّى عليها العباس بن عبد المطلب (٣). (٣: ٢٤١). ٢٣ - وحدّثنا أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ عن أبي معشر، قال: دخل قبرَها العباس، وعليّ، والفضل بن العباس (٤). (٣: ٢٤١). ٢٤ - قال: وفيها توفِّيَ عبدُ الله بن أبي بكر بن أبي قُحافة، وكان أصابه بالطائف سهمٌ مع النبيّ ﷺ، رماه أبو محجن، ودَمِلَ الجرح حتى انتقض به في شوّال، فمات (٥). (٣: ٢٤١). ٢٥ - وحدَّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ، قال: حدَّثنا أبو معشر، ومحمد بن إسحاق، وجُوَيريَة بن أسماء بإسناده الذي ذكرتُ قبل، قالوا: في العام الذي بُويع فيه أبو بكر مَلّكَ أهلُ فارس عليهم يَزْدَجِرد (٦). (٣: ٢٤١). ٢٦ - قال أبو جعفر: وفيها كان لقاء أبي بكر ﵀ خارجة بن حصْن الفَزاريّ. حدّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بإسناده الذي ذكرت قبل، قالوا: أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ وتوجيهه أسامة في جيشه إلى حيث قُتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشأم؛ وهو الموضع الذي كانرسول الله ﷺ أمره بالمسير إليه؛ لم يُحْدِثُ شيئًا، وقد جائته وفودُ العرب مرتدّين يُقرُّون بالصّلاة، ويمنعون الزكاة. فلم يقبل ذلك منهم وردّهم، وأقام حتى قَدِم أسامة بن زيد بن حارثة بعد أربعين يومًا من شخوصه - ويقال: بعد سبعين يومًا - فلمَّا قدم أسامة بن زيد أستخلفه أبو بكر على المدينة وشخص - ويقال: استخلف سنانًا الضَّمْريّ على المدينة - فسار ونزل بذي القَصّة في جُمادى الأولَى؛ ويقال في جُمادى الآخرة، وكان نوفل بن معاوية الدَّيليّ بعثه رسول الله ﷺ، فلقيه خارجة بن حصن بالشَرَبَّة؛ فأخذ ما في يديه؛ فردّه علي بني فزارة؛ فرجع نوفل إلى أبي بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبي بكر. فأوّل حرب كانتْ في الرِّدّة بعد وفاة النبيّ ﷺ حرب العنسيّ؛ وقد كانت حرب العنسيّ باليمن؛ ثم حرب خارجة بن حصن، ومنظور بن زَبَّان بن سيّار في غَطَفان، والمسلمون غازون، فانحاز أبو بكر إلى أجَمَة فاستتَر بها، ثم هزَم الله المشركين (١). (٣: ٢٤١/ ٢٤٢). ٢٧ - حدثني عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سَيف - وحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، قال: حدَّثنا سَيف عن أبي عمرو، عن زيد بن أسلم، قال: ماتَ رسول الله ﷺ وعُمّاله على قضاعة، وعلى كلْب: امرؤ القيس بِن الأصبغ الكلبيّ من بني عبد الله، وعلى القَين عمرو بن الحكم، وعلى سعد هُذيم: معاوية بن فلان الوائليّ (٢). (٣: ٢٤٣). ٢٨ - وقال السريّ الوالبيّ: فارتدّ وديعة الكلبيّ فيمن آزره من كلْب، وبقيَ امرؤ القيس على دينه، وارتدّ زُمَيل بن قُطْبةَ القَينِيّ فيمن آزره من بني القَين، وبقي عمرو، وارتدّ معاوية فيمن آزره من سعد هُذيم. فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان - وهو جَدّ سُكَينة ابنة حسين - فسار لوديعة، وإلى عمرو، فأقام لزميل، وإلى معاوية العذريّ. فلمّا توسّط أسامة بلاد قضاعة؛ بَثَّ الخيول فيهم وأمرهم أن يحهضوا مَن أقام على الإسلام إلى مَن رجع عنه، فخَرجوا هُرَّابًا؛ حتى أرَزُوا إلى دُومَة، واجتمعوا إلى وديعة، ورجعت خيولُ أسامة إليه، فمضى فيها أسامة، حتى أغار على الحَمْقَتَين، فأصاب في بني الضُّبيب من جُذام، وفي نبيخيليل من لَخْم ولِفّها من القبيلين؛ وحازهم من آبل وانكفأ سالمًا غانمًا (١). ٢٩ - فحدّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: ماتَ رسول الله ﷺ واجتمعت أسَد وغَطفان وطيّئ على طليحة؛ إلا ما كان من خواصّ أقوام في القبائل الثلاث؛ فاجتمعت أسد بسَميراء، وفزارة ومَنْ يليهم من غَطفان بجنوب طيبة، وطيّئ على حدود أرضهم. واجتمعت ثَعلبة بن سعد ومَن يليهم من مُرّة وعَبْس بالأبرق من الرَّبَذة، وتأشَّبَ إليهم ناسٌ من بني كنانة؛ فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين؛ فأقامت فرقة منهم بالأبرق، وسارت الأخرى إلى ذي القَصّة، وأمدهم طليحة بحبال فكان حبال على أهل ذي القَصّة من بني أسد ومن تأشَّب من ليث والدِّيل ومُدْلِج. وكان على مُرّة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان؛ أحد بني سَبيع، وقد بعثوا وفودًا فقدموا المدينة، فنزلوا على وجوه الناس، فأنزلوهم ما خلا عبَّاسًا، فتحمّلوا بهم على أبي بكر، على أن يقيموا الصلاة، وعلى ألّا يؤتوا الزّكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحقّ، وقال: لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه -وكانت عُقُل الصدقة على أهل الصّدقة مع الصدقة- فردّهم فرجع وفْدُ من يَلي المدينة من المرتدَّة إليهم، فأخبروا عشائرهم بقلّة من أهل المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر بعد ما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفرًا: عليًّا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود؛ وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الأرض كافرة؛ وقد رأى وفدهم منكم قلّة، وإنكم لا تدرون ألَيلًا تُؤتَوْن أم نهارًا؟ ! وأدناهم منكم على بريد. وقد كان القوم يأمُلون أن نقبل منهم ونوادِعهم، وقد أبينا عليهم، ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعِدّوا وأعدّوا. فما لبثوا إلا ثلاثًا حتى طرقوا المدينة غارةً مع الليل، وخلّفوا بعضهم بذي حُسىً، ليكونوا لهم رِدْءًا، فوافق الغوار ليلا الأنقاب؛ وعليها المقاتلة، ودونهم أقوام يدرجون، فنبّهوهم، وأرسلوا إلى أبي بكر بالخَبر، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم، ففعلوا. وخرج في أهلِ المسجد على النواضح إليهم، فانفشَّ العدوّ، فاتّبعهم المسلمون على إبلهم؛ حتى بلغوا ذاحُسىً؛ فخرج عليهم الرّدء بأنحاء قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، ثم دَهْدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل؛ فتدهده كل نِحْي في طوَله، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها -ولا تنفر الإبل من شيء نفارَها من الأنحاء- فعاجت بهم ما يملكونها؛ حتى دخلت بهم المدينة؛ فلم يُصْرَعْ مسلمٌ ولم يُصَبْ؛ فقال في ذلك الخُطَيل بن أوس أخو الحُطيئة بن أوس: فِدى لِبَني ذُبْيَان رَحْلِي ونَاقتي ... عَشِيّةَ يُحْذَى بالرِّمَاحِ أبو بَكْرِ ولكِنْ يُدَهْدَى بالرِّجَالِ فهبْنَه ... إلى قَدَرٍ مَا إنْ يزيد وَلَا يَحرِي وللهِ أجْنَادٌ تُذَاقُ مَذَاقَهُ ... لتُحْسبَ فيما عُدّ منْ عَجب الدَّهْرِ! (١) ٢٩ / أ - وأنشده الزّهريّ: (من حسب الدهر). وقال عبدُ الله الليثيّ: وكانتْ بنو عبد مناة من المرتدّة - وهم بنو ذُبيان - في ذلك الأمر بذي القَصَّة وِّبذي حُمًى: أطَعْنا رسولَ اللهِ مَا كَانَ بَينَنَا ... فيَا لَعبادِ اللهِ مَا لأبي بَكْرِ! أيُورِثُها بَكرًا إذا ماتَ بَعْدَه ... وتِلْكَ لَعَمْرُ اللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ فَهلَّا رَدَدْتم وفْدَنَا بزَمَانِهِ ... وهلَّا خَشِيتم حِسَّ راغِيَةِ الْبَكرِ! وإنَّ التي سالُوكُم فمنعْتُمُ ... لكالتَّمْرِ أَوْ أَحلى إلَيّ مِنَ التَّمْرِ فظنَّ القومُ بالمسلمين الوهَن، وبعثوا إلى أهل ذي القَصَّة بالخبر، فقدموا عليهم اعتمادًا في الذين أخبروهم، وهم لا يشعرون لأمر الله ﷿ الذي أراده، وأحبّ أن يبلغه فيهم، فبات أبو بكر ليلَته يتهيّأ، فعبَّى الناس، ثم خرج على تَعْبيةٍ من أعجاز ليلته يمشي، وعلى ميمنته النُّعمان بن مُقرِّن، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرّن، وعلى السَّاقة سُويد بن مقرّن معه الرُّكّاب؛ فما طلَع الفجر إلّا وهُم والعدوُّ في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين هَمْسًا ولا حسًّا حتى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم؛ فما ذَرّ قَرْن الشَّمس حتى ولَّوْهم الأدبارَ، وغلبوهم على عامّة ظهرهم؛ وقتل حبال، واتّبعهم أبو بكر؛ حتى نزل بذي القَصّة -وكان أوّل الفتح- ووضع بها النعمان بن مقرّن في عدد، ورجع إلى المدينة فذلّ بها المشركون؛ فوثب بنو ذُبيان وعبس على مَن فيهم من المسلمين؛ فقتلوهم كلّقتلة؛ وفعل مَنْ وراءهم فعلهم. وعزَّ المسلمون بوقعة أبي بكر، وحلَف أبو بكر ليقتلَنّ في المشركين كلّ قتلة، وليقتلنّ في كلّ قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وفي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميميّ: غَدَاةَ سَعَى أبو بَكْرٍ إلَيهِم ... كما يَسْعَى لموْتَته جُلالُ أرَاحَ عَلَى نَوَاهِقها عَلِيًّا ... ومَجَّ لَهنَّ مُهْجَتَهُ حِبالُ وقال أيضًا: أقَمْنَا لهم عُرْضَ الشِّمَال فكُبْكِبُوا ... كَكَبْكَبَةِ الغُزَّى أنَاخوا علَى الوَفْرِ فَما صَبَرُوا لِلْحَرْبِ عِندَ قِيَامِهَا ... صَبيحَةَ يَسْمُو بالرجَالِ أَبُو بَكْرِ طَرَقْنا بنِي عَبْسٍ بِأَدْنى نِبَاجِهَا ... وذُبْيانَ نَهْنَهْنَا بِقاصِمَةِ الظَّهْرِ ثم لم يُصنَعْ إلَّا ذلك؛ حتى ازداد المسلمون لها ثباتًا على دينهم في كلّ قبيلة، وازداد لها المشركون انعكاسًا من أمرهم في كلّ قبيلة؛ وطرقت المدينةَ صدقاتُ نفر: صَفْوان، الزبرقان، عديّ؛ صفوان، ثم الزبرقان، ثم عديّ، صفوان في أول الليل، والثاني في وسطه، والثالث في آخره. وكان الذي بشّر بصَفْوان سعد بن أبي وقاص، والذي بشّر بالزبرقان عبدُ الرحمن بن عوف، والذي بشَّر بعديّ عبدُ الله بن مسعود. وقال غيره. أبو قتادة. قال: وقال الناس لكلِّهم حين طلع: نذير، وقال أبو بكر: هذا بشير، هذا حامٍ وليس بوانٍ؛ فإذا نادى بالخير، قالوا: طالما بشّرت بالخير! وذلك لتمام ستين يومًا من مَخْرج أسامة. وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين وأيام، فاستخلفه أبو بكر على المدينة، وقال له ولجنده: أريحوا وأريحوا ظهركم. ثم خرج في الذين خرجوا إلى ذي القَصّة والذين كانوا على الأنقاب على ذلك الظهر؛ فقال له المسلمون: نَنْشُدُك الله يا خليفة رسول الله أنْ تعرّض نفسك! فإنك إن تُصَبْ لم يكن للناس نِظَامٌ، ومقامُك أشدّ على العدوّ؛ فابعث رجلًا، فإن أصيب أمّرتَ آخر، فقال: لا والله لا أفعلُ، ولأواسينكم بنفسي! فخرج في تعبيته إلى ذي حُسىً وذيِ القَصّة، والنُّعمان وعبد الله وسُويد على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبذة بالأبرق؛ فاقتتلوا، فهزم الله الحارث وعوفًا، وأُخِذ الحطَيئةُ أسيرًا، فطارت عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر على الأبرق أيامًا؛ وقد غلَب بني ذُبيان على البلاد. وقال: حرام علي بني ذبيان أن يتملّكوا هذه البلاد إذْغنَّمناها الله! وأجلاها. فلما غلب أهل الردّة؛ ودخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وسامح الناس جاءت بنو ثَعلبة؛ وهي كانت منازلهم لينزلوها، فمنعوا منها فأتوْه في المدينة، فقالوا: عَلامَ نمْنَع منْ نزول بلادنا! فقال: كذبتم، ليست لكم ببلاد؛ ولكنّها مَوْهبي ونَقَذي، ولم يُعْتِبْهم، وحَمَى الأبرقَ لخيول المسلمين، وأرعى سائر بلاد الرَّبذة الناس علي بني ثعلبة، ثم حَمَاها كلَّها لصدقات المسلمين؛ لقتالٍ كان وقع بين الناس وأصحَاب الصّدقات، فمنع بذلك بعضهم من بعض. ولما فُضّت عبس وذبيان أرَزوا إلى طلَيحة وقد نزل طليحة على بُزَاخة، وارتحل عن سَمِيراء إليها، فأقام عليها؛ وقال في يوم الأبرق زياد بن حنظلة: ويومٍ بالأبارق قد شَهِدْنا ... على ذُبيانَ يَلْتهب التِهابا أتَيناهمْ بداهيَةٍ نَسُوفٍ ... مَعَ الصّديقِ إذ ترَكَ العِتابَا (١) ٣٠ - حدَّثنا السَّريّ، قال: حدَّثنا شعيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: لما أراح أسامة وجنده ظهرَهم وجَمُّوا، وقد جاءت صدقات كثيرة تفضُل عنهم، قطع أبو بكر البعوثَ وعقد الألوية، فعقد أحد عشر لواءً: عقد لخالد بن الوليد وأمَره بطليحة بن خويلد؛ فإذا فرغ سار إلى مالك بن نُويرة بالبُطاح إن أقام له، ولعكْرمة بن أبي جهل وأمره بمسيلمة، وللمهاجر بن أبي أميّة وأمَره بجنود العنْسيّ ومعونة الأبناء على قيس بن المكشوح ومَنْ أعانه من أهل اليمن عليهم، ثم يمضي إلى كنْدة بحضرموت، ولخالد بن سعيد بن العاص -وكان قدم على تفيئة ذلك من اليمن وترك عمله- وبعثه إلى الحَمْقَتَين من مشارف الشأم، ولعمرو بن العاص إلى جماع قُضاعة ووديعة والحارث، ولحذيفة بن محصن الغلفانيّ وأمرَه بأهل دَبا، ولعرفجة بن هرثمة وأمره بمهْرة؛ وأمرهما أن يجتمعا وكلّ واحد منهما في عمله على صاحبه، وبعث شُرحْبيل بن حَسَنة في أثر عكرمة بن أبي جهل، وقال: إذا فرغ من اليمامة فالحق بقُضاعة، وأنت على خيلك تقاتلُ أهل الرّدّة، ولطُرَيفة بن حاجز وأمره ببني سُليم ومَن معهم من هَوازن، ولسُويد بن مقرّن وأمَره بتِهامة اليمن، وللعَلاء بنالحضرميّ وأمرَه بالبَحْرين (١). (٣: ٢٤٩)