page 2581, entry [1062]Open original source
ذكر غزوة بني المُصْطَلِق ٢٣٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفَضْل وعليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قَتادة، وعن عبد الله بن أبي بكر. وعن محمد بن يحيى بن حَبَّان، قال: كُلٌّ قد حدَّثني بعض حديث بني المصطلق، قالوا: بلغ رسولَ الله ﷺ أن بني الْمُصطلق يجتمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرار؛ أبو جُوَيرية بنت الحارث، زوج النبيّ ﷺ، فلمَّا سمعبهم رسولُ الله ﷺ خرج إليهم حتى لقيَهم على ماء من مياههم، يقال له: المُرَيسيع، من ناحية قُدَيد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزم الله بني المصطلِق، وقُتِل مَنْ قتل منهم، ونَفَّلَ رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم؛ فأفاءهم الله عليه. وقد أصيب رجلٌ من المسلمين من بني كلْب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام بن صُبَابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عُبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدوّ، فقتله خطأ. فبينا الناس على ذلك الماء وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غفار يقال له: جَهْجَاه بن سعيد، يقود له فرسه، فازدحم جَهْجَاه وسِنان الجهنيّ حليف بني عَوْف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجُهَنِيُّ: يا معشرَ الأنصار! وصرخ جَهْجَاه: يا معشر المهاجرين! فغضب عبدُ الله بن أبيّ بن سَلول، وعنده رَهْط من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلام حديث السنّ، فقال: أقد فعلوها! قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما عَدَوْنا وجلابيبَ قريش ما قال القائل: "سَمّنْ كَلْبَك يَأكُلْكَ"؛ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ! ثم أقبل على مَنْ حضره من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتُموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموَالكم! أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوَّلوا إلى غير بلادكم. فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله ﷺ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوِّه. فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مُرْ به عَبَّاد بن بشْر بن وَقْش فليقْتله، فقال رسول الله ﷺ: فكيف يا عُمَرُ إذا تحدَّث الناس: أَن محمدًا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذّن بالرحيل - وذلك ساعة لم يكن رسولُ الله ﷺ يرتحل فيها- فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أبيّ بن سَلول إلى رسول الله ﷺ حين بلغه أنّ زيد بن أرقم قد بلّغه ما سمع منه. فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلَّمت به -وكان عبد الله بن أبيّ في قومه شَرِيفًا عَظِيمًا- فقال مَنْ حضر رسولَ الله ﷺ من أصحابه من الأنصار: يا رسولَ الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل! حَدبًا على عبد الله بن أبيّ، ودفعًا عنه.فلما استقل رسول الله ﷺ وسار، لقيه أسَيد بن حُضَير، فحياه تَحيَّة النبوّة، وسلَّم عليه، ثم قال: يا رسول الله، لقد رُحْتَ في ساعة منكَرة ما كنتَ تروح فيها! فقال له رسولُ الله ﷺ: أوَ مَا بلغك ما قال صاحبكم! قال: وأيُّ صاحب يا رسول الله! قال: عبد الله بن أبيّ، قال: وما قال: قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ، قال أسَيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذّليل وأنت العزيز ثم قال: يا رسولَ الله، اُرفُقْ به فوالله لقد جاء الله بك؛ وإنَّ قومه لينظمون له الخَرَزَ ليتوّجوه؛ فإنه لَيَرَى أنَّك قد استلبته مُلْكًا. ثم مَتنَ رسول الله ﷺ بالنَّاس يومهم ذلك حتَّى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصَدْرَ يومهم ذلك حتى آذتْهم الشمس ثم نزل بالنَّاس؛ فلم يكن إلَّا أن وجدوا مسَّ الأرض وقعوا نيامًا؛ وإنما فَعَل ذلك رسول الله ﷺ ليشغلَ الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبيّ. ثم راح بالنَّاس، وسلك الحجاز حتى نزلَ على ماء بالحجاز فُوَيق النَّقِيع، يقال له: نقعاء، فلمَّا راحَ رسولُ الله ﷺ هَبَّت على الناس ريحٌ شديدةٌ آذتهم، وتخوّفوها، فقال رسول الله ﷺ: لا تخافوا، فإنَّما هَبَّت لموت عظيم من عظماء الكفار، فلمَّا قدِموا المدينة وجدوا رِفاعة بن زيد بن التَّابوت أحد بني قَينُقاع -وكان من عظماء يهود، وكَهْفًا للمنافقين- قد مات في ذلك اليوم. ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين في عبد الله بن أبي بن سَلُول ومَنْ كان معه على مثل أمره، فقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فلمَّا نزلت هذه السورة أخذ رسولُ الله ﷺ بأذُن زيد بن أرقم فقال: هذا الذي أوفى الله بأذُنه (١). (٢: ٦٠٤/ ٦٠٥ / ٦٠٦/ ٦٠٧). ٢٤٠ - قال: وقدم مِقْيَس بن صبابة من مكة مسلمًا فيما يُظهر، فقال:يا رسول الله، جئتك مسلِمًا وجئت أطلب دية أخي قتل خطأ. فأمر له رسول الله ﷺ بديَة أخيه هشام بن صُبابة، فأقام عند رسول الله ﷺ غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكَّة مرتدًا، فقال في شعر: شَفَى النَّفْسَ أنْ قَد باتَ بالقاعِ مُسْنَدًا ... تُضَرِّجُ ثوْبَيهِ دِماءُ الأخادِعِ وكَانَتْ هُمُومُ النَّفس من قَبْلِ قَتْلِهِ ... تُلِمُّ، فتَحْمين وطَاء المضَاجِعِ حَللْتُ به وتْرِي، وأَدْرَكْتُ ثُؤْرَتِي ... وكُنْتُ إلى الأوثان أوّل رَاجِعِ ثأَرْتُ به فِهْرًا وحَمَّلْت عَقْلَه ... سَرَاةَ بني النَّجّارِ أَرْبابَ فَارعِ وقال مِقْيَسُ بن صبابة أيضًا: جَلَّلْتُه ضَرْبَةً باءَتْ، لها وشَلٌ ... مِنْ ناقعِ الجَوْفِ يَعْلُوه وَيَنْصَرِمُ فَقُلْتُ والمَوْتُ تَغْشَاهُ أَسِرَّتهُ ... لا تأمَنَنَّ بني بَكْرٍ إِذَا ظُلِمُوا وأصيب من بني المصطلقِ يومئذ ناسٌ كثيرٌ، وقتل عليُّ بن أبي طالب منهم رجلين: مالكًا وابنه، وأصاب رسولُ الله ﷺ منهم سبيًا كثيرًا، ففشا قَسْمُه في المسلمين؛ ومنهم جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوْج النبي ﷺ (١). (٢: ٦٠٩/ ٦١٠).