Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

وقعة بدر الكبرى

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 2492, entry [1042]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: وقعة بدر الكبرى
page 2492, entry [1042]Open original source
ذكر وقعة بدر الكبرى ١١٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، قال: إنَّ رسولَ الله ﷺ سمِعَ بأبي سفيان بن حَرْب مقبلًا من الشام في عِيرٍ لقريش عظيمة، فيها أموال لقريش وتجارة من تجاراتهم؛ وفيها ثلاثون راكبًا من قريش -أو أربعون- منهم: مخرَمة بن نوفل بن أهَيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سُعيد بن سهم (١). (٢: ٤٢٧). ١١٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدَّثني عبد الله بن أبي نَجيح: أن أمية بن خلَف كان قد أجمع القعود، وكان شيخًا جليلًا ثقيلَّا، فأتاه عقْبة بن أبي مُعَيط، وهو جالس في المسجد بين ظهري قومه بِمجْمرة يحملها، فيها نار ومجْمر، حتى وضعها بين يديه ثم قال: يا أبا عليّ، استجمِرْ؛ فإنما أنت من النساء، قال: قبحك الله وقبح ما جئت به! قال: ثم تجهَّز، فخرج مع الناس، فلمّا فرغوا من جهازهم، وأجمعوا السَّير؛ ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنا نَخْشى أن يأتونا من خَلْفنا (٢). (٢: ٤٣٠). ١١٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، وحدَّثني يزيد بن رُومان عن عروة بن الزبير، قال: لما أجمعت قريش المسيرَ، ذكرت الذي بينها وبين بني بكْر؛ فكاد ذلك أن يَثنيهم، فتبدّى لهم إبليس في صورة سُراقة بن جُعْشُم المُدْلجيّ - وكان من أشراف كنانة - فقال: أنا جارٌ لكم من أن تأتيَكم كنانة بشيء تكرهونه. فخرجوا سراعًا. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، وجعل على الساقة قيس بن أبي صَعْصَعَةَ أخا بني مازن بن النجار، في ليال مضتْ من شهر رمضان؛ فسار حتى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعثبسبسَ بن عمرو الجهنيّ، حليف بني ساعدة، وعديّ بن أبي الزّغْباء الجُهَني حليف بني النجار، إلى بَدْر، يتحسَّسان له الأخبار عن أبي سفيان بن حرب وعِيره؛ ثم ارتحل رسولُ الله ﷺ؛ وقد قدَّمهما؛ فلما استقبَلَ الصفْراء - وهي قرية بين جبلين - سأل عن جبليهما: ما أسماؤهما؟ فقالوا لأحدهما: هذا مُسْلِح؟ وقالوا للآخر: هذا مُخرِيء؛ وسأل عن أهلهما، فقالوا: بنو النار وبنو حُراق (بطنان من بني غِفار)، فكرههما رسولُ الله ﷺ والمرورَ بينهما. وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهاليهما؛ فتركهما والصَّفراء بيَسار، وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذَفِران؛ فخرج منه حتى إذا كان ببعضه نزل. وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمْنَعُوا عِيرهم، فاستشار النبي ﷺ، وأخبرهم عن قُريش، فقامَ أبو بكر ﵁، فقال فأحسن، ثمّ قام عمر بن الخطاب فقال فأحسن، ثم قام المِقْداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله، امضِ لما أمرك الله، فنحنُ معك؛ والله لا نقول كما قالتْ بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾؛ ولكن اذهب أنتَ وربّك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. فوالذي بعثَك بالحقّ لو سرتَ بنا إلى بَرْكِ الغِماد -يعني مدينة الحبشة- لجالدْنا معك مَن دونه حتى تبلغَه. فقال له رسول الله ﷺ خيرًا، ودَعَا له بخير. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. ثم قال رسول الله ﷺ: أشيرُوا عليّ أيها الناس -وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنهم كانوا عدد الناس؛ وذلك أنَّهم حين بايعوه بالعقَبة، قالوا: يا رسول الله؛ إنا برآء من ذمامك حتى تصلَ إلى دارنا، فإذا وصلت إلينَا فأنت في ذمامنا؛ نمنعك مما نمنع منه أبناءَنا ونساءَنا؛ فكان رسولُ الله ﷺ يتخوَّف ألَّا تكون الأنصار ترى عليها نُصرته، إلَّا ممن دَهِمَه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسيرَ بهم إلى عدوّ من بلادهم - فلمّا قال ذلك رسولُ الله ﷺ، قال له سعد بن مُعاذ: والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله! قال: أجَلْ، قال: فقد آمنَّا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحقّ، وأعطيناك على ذلك عُهُودَنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسولَ الله لمَا أردْتَ؛ فوالذي بعثك بالحقِّ إن استعرضت بنا هذا البحر فخضْتَه لخضْناه معك؛ ما تخلَّف منّا رجلٌ واحد؛ وما نكره أن تَلقى بنا عدوَّنا غدًا! إنا لَصُبُرٌ عندالحرب، صُدُقٌ عند اللقاء؛ لعلّ الله يريك منّا مَا تقَرُّ به عينُك؛ فسرْ بنا على بَركة الله. فَسُرَّ رسولُ الله ﷺ بقول سعد، ونشّطه ذلك، ثم قال: سيروا على بركة الله، وأبشروا؛ فإنَّ الله قد وَعَدَني إحدى الطائفتين؛ والله لكأنّي الآن أنظرُ إلى مصارع القوم (١). (٢: ٤٣١ وتكملته ٤٣٣ و ٤٣٥). قال أبو جعفر: وخرجَ رسولُ الله ﷺ فيما بلغني عن غير ابن إسحاق - لثلاث ليال خَلَوْن من شهر رمضان في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا من أصحابه؛ فاختلِف في مبلغ الزيادة على العشرة. فقال بعضهم: كانوا ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلًا. ذكر من قال ذلك: ١٢٠ - حدَّثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عياش، قال: حدَّثنا أبو إسحاق عن البَرَاء، قال: كنّا نتحدَّث أن أصحابَ بدر يوم بدر كعدَّة أصحابطالوت، ثلاثمئة رجل وثلاثة عشر رجلًا؛ الذين جاوَزُوا النهر؛ فسكت (١). (٢: ٤٣١). ١٢١ - حدَّثني محمد بن عُبيد المحاربيّ، قال: حدَّثنا أبو مالك الجَنْبيّ عن الحجاج، عن الحَكم، عن مِقْسَم، عن ابن عباس، قال: كان المهاجرون يومَ بدْر سبعة وسبعين رجلًا؛ وكان الأنصار مئتين وستة وثلاثين رجلًا، وكان صاحبُ رايةِ رسولِ الله ﷺ عليَّ بن أبي طالب ﵇، وصاحبُ راية الأنصار سعدَ بن عُبَادة (٢). (٢: ٤٣١). ١٢٢ - وقال آخرون: كانوا ثلاثمئة رجُل وأربعة عشر، منْ شهد منهم، ومن ضُرِب بسهمه وأجره؛ حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن ابن إسحاق. وقال بعضهم: كانوا ثلاثمئة وثمانية عشر. وقال آخرون: كانوا ثلاثمئة وسبعة (٣). (٢: ٤٣٢). ١٢٣ - حدَّثنا بِشْر بن معاذ، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد عن قَتادة، قال: ذُكر لنا أن نبيّ الله ﷺ قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعِدَّة أصحاب طالوت يوم لقيَ جالوت، وكان أصحابُ نبيّ الله ﷺ يوم بدر ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا (٤). (٢: ٤٣٣). ١٢٤ - حدَّثني موسى بن هارون، قال: حدَّثنا عمرو بن حماد، قال: حدَّثنا أسباط عن السدّي، قال: خَلَصَ طالوت في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلًا؛ عدّة أصحاب بدر (٥). (٢: ٤٣٣). ١٢٥ - قالوا: وقد كان بَسْبَس بن عمرو وَعَديُّ بن أبي الزَّغْباء مَضَيا حتى نزلا بدرًا، فأناخا إلى تَلٍّ قريب من الماء، ثم أخذا شنًّا يستقيان فيه -ومجديّ بنعمرو الجهنيّ على الماء - فسمع عديّ وبسبس جاريتين من جواري الحاضر؛ وهما تتلازمان على الماء؛ والملزومة تقول لصاحبتها: إنما تأتي العيرُ غدًا أو بعد غد، فأعمل لهم ثم أقْضيكِ الذي لك. قال مَجْدِيّ: صدقت، ثم خلَّص بينهما؛ وسمع ذلك عديّ وَبسْبَس فجلسا على بعيرَيهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسولَ الله ﷺ، فأخبراه بما سمِعَا. وأقبل أبو سفيان قد تقدّم العيرَ حَذِرًا حتى ورد الماء، فقال لمجديّ بن عمرو: هل أحْسَسْتَ أحدًا؟ قال: ما رأيتُ أحدًا أنْكرُه؛ إلَّا أني رأيتُ راكبين أناخا إلى هذا التلّ، ثم استقيا في شَنٍّ لهما؛ ثم انطلقا. فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرَيهما ففتَّه؛ فإذا فيه نَوىً. فقال: هذه والله علائف يثْرب! فرجع إلى أصحابه سريعًا، فضرب وجه عِيره عن الطريق، فساحَلَ بها، وترك بدرًا يسارًا، ثم انطلق حتى أسرع. وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجُحْفة رأى جُهَيمُ بن الصَّلْت بن مَخْرَمَة بن المطّلب بن عبد مناف رؤيا؛ فقال: إنّي رأيت فيما يرى النائم، وإنّي لبينَ النائم واليقظان، إذ نظرتُ إلى رجل أقبل على فرسٍ حتى وقف ومعه بعيرٌ له، ثم قال: قُتِلَ عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبوالحكم بن هشام، وأميّة بن خلف، وفُلان وفلان؛ فعَدَّدَ رجالًا ممن قتل يومئذ من أشراف قريش؛ ورأيته ضرب في لَبَّة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خِبَاء من أخْبِية العسكر؛ إلَّا أصابه نَضْحٌ من دمه. قال: فبلغتْ أبا جهل، فقال: وهذا أيضًا نبيٌّ آخَرُ من بني المطلب؛ سَيَعلَم غدًا من المقتول إن نحن التقينا! ولما رأى أبو سفيان: أنه قد أحرز عِيرَه، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عِيرَكم ورجالكم وأموالكم؛ فقد نجّاها الله، فارجعوا. فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نَرِدَ بَدْرًا - وكان بدرٌ مَوْسِمًا من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سُوقٌ كلَّ عام - فنقيم عليه ثلاثًا، ونَنحَرُ الجُزُرَ، ونُطْعِمُ الطعام، ونسقي الخُمور، وتَعْزِف علينا القيَان، وتسمع بنا العرب؛ فلا يزالون يهابوننا أبدًا؛ فامضوا. فقال الأخنْسُ بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفِيّ - وكان حليفًا لبني زُهْرةَ وهم بالجُحْفة -: يا بني زُهرة؛ قد نجّى الله لكم أموالكم، وخلّص لكمصاحبَكم مَخْرَمة بن نوفل؛ وإنَّما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جُبْنَها وارجعوا، فإنه لا حاجةَ بكم في أن تخرجوا في غير ضَيعَة؛ لا ما يقول هذا -يعني أبا جهل- فرجعوا؛ فلم يشهدْها زهريٌّ واحدٌ؛ وكان فيهم مطاعًا. ولم يكن بقي من قريش بطن إلَّا نَفر منهم ناس، إلَّا بني عديّ بن كعب، لم يخرج منهم رجلٌ واحدٌ، فرجعت بنو زُهرة مع الأخنس بن شَرِيق، فلم يشهد بدرًا من هاتَين القبيلَتين أحدٌ. ومضى القوم. قال: وقد كان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش مُحَاورة، فقالوا: والله لقد عَرَفْنا يا بني هاشم -وإنْ خرجتم معنا- أن هواكم مع محمد. فرجع طالب إلى مكة فيمن رجع. قال أبو جعفر: وأما ابن الكلبيّ؛ فإنه قال فيما حُدِّثتُ عنه: شَخَص طَالبُ بن أبي طالب إلى بدر مع المشركين، أخرِج كرهًا. فلم يوجَدْ في الأسْرَى ولا في القتلى، ولم يرجع إلى أهله، وكان شاعرًا؛ وهو الذي يقول: يَا رَبِّ إمَّا يَغْزُوَنَّ طَالِبْ ... في مِقْنَبٍ من هذِهِ المَقَانِبْ فَلْيَكُنِ الْمَسْلُوبَ غَيرَ السَّالِبْ ... وَلْيَكُنِ المَغْلُوبَ غَيرَ الغِالِبْ رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق. قال: ومضت قريش حتى نزلوا بالعُدْوَة القُصْوَى من الوادي، خلف العَقَنْقَل، وبطن الوادي وهو يَلْيَل، بين بدر وبين العَقَنْقل؛ الكثيب الذي خلفه قريش، والقُلُب ببدر في العُدْوة الدنيا من بطن يَلْيَل إلى المدينة، وبعث الله السماء، وكان الوادي دَهْسًا، فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه منها ما لبَّدَ لهم الأرض؛ ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشًا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه؛ فخرج رسول الله ﷺ يُبادِروهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به (١). (٢: ٤٣٧/ ٤٣٨ / ٤٣٩).١٢٦ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: فحدثني محمد بن إسحاق، قال: حُدِّثتُ عن رجال من بني سلَمَة: أنهم ذكروا أن الحُبَاب بن المُنْذر بن الجمُوح، قال: يا رسولَ الله، أرأيت هذا المنزل، أمَنْزِلٌ أنزَلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّره، أم هو الرّأيُ والحرب والمكيدة؟ قال: بَلْ هو الرأي والحرب والمكيدة؛ فقال: يا رسولَ الله، فإنَّ هذا ليس لك بمنزِل، فانهَضْ بالناس حتى نأتيَ أدنى ماء من القوم فننزلَه، ثم نغوِّر (١) ما سواه من القُلُب، ثم نبني عليه حَوْضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله ﷺ: لقد أشرتَ بالرأي. فنهض رسولُ الله ﷺ ومَنْ معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم؛ فنزل عليه، ثم أمر بالقُلب فَغُوِّرَتْ، وبنى حوضًا على القلِيب الذي نزل عليه فمُلئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية (٢). (٢: ٤٤٠). ١٢٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، قال: قال محمد بن إسحاق: فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر، أن سعد بن معاذ قال: يا رسول الله، نَبْني لَكَ عريشًا من جريد فتكون فيه، ونُعدُّ عندك ركائبك، ثم نَلقَى عَدُوَّنا؛ فإنْ أعزَّنا الله وأظهرنا على عَدُوِّنا كان ذلك مما أحببْنَا، وإن كانت الأخْرَى جلستَ على ركائبك، فلحقْت بمَنْ وراءنا من قومنا، فقد تخلَّف عنك أقوام يا نبيّ الله! ما نحن بأشدّ حُبًّا لَك منهم؛ ولو ظنّوا أنك تلْقَى حربًا ماتخلّفوا عنك. يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى رسولُ الله ﷺ عليه خيرًا، ودعا له بخير. ثم بُني لرسول الله ﷺ عريشٌ، فكان فيه؛ وقد ارتحلت قريش حينأصبحت، فأقبلتْ، فلمَّا رآها رسولُ الله ﷺ تصوّب من العَقَنْقل - وهو الكثيب الذي منه جاؤوا إلى الوادي - قال: اللهمّ هذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تُحادُّك وتُكذّب رسولَك؛ اللهُمَّ فنصرَك الذي وعدتَني؛ اللهم فأحْنِهِم الغَداة! وقد قال رسولُ الله ﷺ ورأى عتبة بن ربيعة في القوم، على جمل له أحمر-: إن يكنْ عندَ أحد من القوم خيرٌ؛ فعند صاحب الجمل الأحمر؛ إن يُطيعوه يَرشُدُوا. وقد كان خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغِفاريّ -أو أبوه إيماء بن رَحَضة - بعث إلى قريش حين مَرُّوا به ابنًا له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن أمِدّكم بسلاح ورجال؛ فَعلنا، فأرسلوا إليه مع ابنه: أنْ وصلتْك الرّحم! فقد قضيت الذي عليك؛ فلَعمري لئن كنّا إنما نقاتل الناس؛ ما بينا ضعفٌ عنهم؛ ولئن كنا نقاتل الله -كما يزعم محمد- فما لأحد بالله من طاقة. فلمّا نزل الناس، أقبل نفر من قريش؛ حتى وردوا حوضَ رسول الله ﷺ، فيهم حَكِيم بن حِزام، على فرس له، فقال رسول الله ﷺ: دعوهم؛ فما شرب منهم رجل إلا قُتل يومئذ؛ إلَّا ما كان من حَكِيم بن حزام، فإنَّه لم يُقتل؛ نجا على فرس له يقال له الوجيه، وأسلم بعد ذلك، فحسن إسلامه؛ فكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا والذي نجَّاني يوم بدر (١)! (٢: ٤٤٠/ ٤٤١). ١٢٨ - قال أبو جعفر: وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان، كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق؛ كما حدَّثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين. وحدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني حَبَّان بن واسع بن حَبَّان بن واسع، عن أشياخ من قومه، أن رسولَ الله ﷺ عدَّل صفوفَ أصحابهيوم بدر، وفي يده قِدْحٌ يعدّلُ به القوم، فمرّ بسَواد بن غَزِيّة، حليف بني عديّ بن النجار، وهو مُسْتنتل من الصفّ، فطعَن رسولُ الله ﷺ في بطنه بالقِدْح، وقال: اسْتَو يا سوادَ بن غزيّة؛ قال: يا رسولَ الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحقّ، فأقِدْني. قال: فكشف رسولُ الله ﷺ عن بطنه ثم قال: استقِدْ، قال: فاعتنقَه وقبَّل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سَوَاد؟ فقال: يا رسول الله حضَر ما ترى فلم آمن القتْل، فأردتُ أن يكون آخرَ العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير، وقال له خيرًا. ثم عدّل رسولُ الله ﷺ الصّفوفَ، ورجع إلى العريش، ودخلَه، ومعه فيه أبو بكر ليس معه فيه غيره، ورسولُ الله ﷺ يناشد ربّه ما وعده من النَّصر، ويقول فيما يقول: اللهمّ إنك إن تَهْلِكْ هذه العِصابة اليوم -يعني: المسلمين- لا تُعبَد بعد اليوم، وأبو بكر يقول: يا نبيّ الله، بعضَ مناشدتك ربّك! فإن الله ﷿ منجز لك ما وعدك (١). ١٢٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدَّثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أنّ عوْف بن الحارث -وهو ابن عفراء- قال: يا رسول الله، ما يُضْحِكُ الربَّ من عبده؟ قال: غَمْسُه يدَه في العدوّ حاسرًا. فنزع درْعًا كانت عليه، فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتِل (٢). (٢: ٤٤٨/ ٤٤٩). ١٣٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمَة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدّثني العباس بن عبد الله بن مَعْبَد، عن بعض أهله، عن ابن عباس: أنرسول الله ﷺ قال لأصحابه يومئذ: إنّي قد عرفت أنّ رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد أخرِجُوا كرْهًا، لا حاجة لهم بقتالهم، فمَنْ لقِيَ منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله، ومَنْ لقِي أبا البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومَنْ لقِيَ العبّاس بن عبد المطلب عمّ رسول الله فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرَهًا. قال: فقال أبو حُذيفة بن عُتْبة بن ربيعة: أنقتلُ آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتَنا، ونترك العباس! والله لئن لقيتُه لألْحِمنَّه السيف. فبلغتْ رسولَ الله ﷺ، فجعل يقول لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص! أما تسمع إلى قول أبي حُذَيفة؟ ! يقول: أضرب وجه عمّ رسول الله بالسيف! فقال عمر: يا رسولَ الله! دعْنِي فلأضربنَّ عنقَه بالسيف؛ فوالله لقد نافَقَ. قال عمر: والله إنه لأوّلُ يوم كنّاني فيه رسول الله ﷺ بأبي حفص. قال: فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمِنٍ من تلك الكلمة التي قلتُ يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلَّا أن تكفّرها عني الشهادة. فقُتِل يوم اليمامة شهيدًا. قال: وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبي البَخْتريّ، لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله وهو بمكّة، كان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه؛ وكان ممَّن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش علي بني هاشم وبني المطّلب، فلقيه المُجَذَّرُ بن ذياد البَلَويّ، حليف الأنصار من بني عديّ، فقال المجذَّر بن ذياد لأبي البختريّ: إنَّ رسول الله ﷺ قد نهى عن قتلك - ومع أبي البختريّ زميلٌ له خرج معه من مكة، وهو جُنادة بن مُلَيحَة بنت زهَير بن الحارث بن أسَد، وجُنادة رجل من بني لَيث. واسم أبي البختريّ العاص بن هشام بن الحارث بن أسد - قال: وزميلي؟ فقال: المجذَّر: لا والله ما نحن بتاركي زميلَك؛ ما أمرَنا رسولُ الله ﷺ إلَّا بك وحدَك، قال: لا والله إذًا، لأَمُوتَنَّ أنا وهو جميعًا، لا تحدّث عنّي نساء قريش من أهل مكة أنِّي تركتُ زميلي حِرْصًا على الحياة. فقال أبو البختريّ حين نازله المجذَّر، وأبى إلّا القتال، وهو يرتجز: لَنْ يُسْلِمَ ابنُ حُرَّةٍ أكِيلَهْ ... حتَّى يموتَ أَوْ يرى سَبيلَهْ فاقتتلا، فقتله المجذَّر بن ذياد. قال: ثم أتى المجذّر بن ذياد رسولَ الله ﷺ , فقال: والذِي بعثَك بالحقّ،لقد جهِدتُ عليه أن يستأسِرَ فآتيَك به؛ فأبى إلَّا القتال، فقاتلته فقتلتُه (١). (٢: ٤٤٩/ ٤٥٠ / ٤٥١). ١٣١ - حدثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر: أنَّه حُدّث عن ابن عبَّاس، أن ابن عباس، قال: حدَّثني رجلٌ من بني غِفار، قال: أقبلتُ أنا وابنُ عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشْرف بنا على بدْر، ونحن مشرِكان، ننتظر الوقْعة على مَنْ تكون الدَّبْرَة، فننتهب مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل؛ إذ دنت منّا سحابة، فسمعنا فيها حَمْحَمة الخيل، فسمعت قائلًا يقول: أقدِم حَيزُوم. قال: فأمَّا ابن عمّي فانكشف قِناعُ قلبه فمات مكانه؛ وأمّا أنا فكدتُ أهلِك، ثم تماسكت (٢). (٢: ٤٥٣). ١٣٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني أبي إسحاق بن يَسار عن رجال من بني مازن بن النَّجار، عن أبي داود المازنيّ - وكان شهد بدرًا - قال: إني لأتْبَعُ رجلًا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذْ وقع رأسه قبل أن يصِلَ إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري (٣). (٢: ٤٥٣). ١٣٣ - حدّثني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ، قال: حدَّثنا يحيى بن بُكير، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى الإسكندرانيّ عن العَلاء بن كثير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المِسْوَر بن مخرَمة، عن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيف، قال: قال لي أبي: يا بُنيَّ، لقد رأيتُنا يوم بدر؛ وإنَّ أحَدنا ليشيرُ بسيفه إلى المشرك فيقع رأسُه عن جسده قبل أن يصلَ إليه السيف (٤). (٢: ٤٥٣/ ٤٥٤). ١٣٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني الحسن بن عُمارة، عن الحَكَم بن عتيبة، عن مِقْسم مولى عبد الله بنالحارث، عن عبد الله بن عباس، قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيضًا قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرًا، ولم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر. وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عُدَدًا ومدَدًا لا يضربون (١). (٢: ٤٥٤). ١٣٥ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ: أن رسول الله ﷺ يوم قال هذه المقالة: قال: يا أهلَ القَلِيب، بئس عشيرة النبيّ كنتم لنبيّكم! كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني النَّاس، وقاتلتموني ونصرني الناس. ثم قال: هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقًّا؟ للمقالة التي قال: قال: ولما أمر بهم رسول الله ﷺ أن يُلْقَوْا في القَلِيب، أخِذ عتبة بن ربيعة فسحِب إلى القَلِيب، فنظر رسول الله ﷺ فيما بلغني - في وجه أبي حُذيفة بن عتبة؛ فإذا هو كئيب قد تغيّر، فقال: يا أبا حذيفة؛ لعلَّك دخلك مِنْ شأن أبيك شيء! -أو كما قال ﷺ فقال: لا والله يا نبيّ الله! ما شككتُ في أبي ولا في مصرعه؛ ولكنِّي كنتُ أعرِف من أبي رأيًا وَحِلْمًا وفضلًا؛ فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام؛ فلما رأيتُ ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنتُ أرجو له؛ حَزَنَني ذلك، قال: فدعا رسولُ الله ﷺ له بخير، وقال له خيرًا. ثم إنَّ رسول الله ﷺ أمر بما في العسكر ممَّا جَمَع الناس فجُمع؛ فاختلف المسلمون فيه، فقال مَنْ جمعه: هو لنا؛ قد كان رسول الله ﷺ نفل كلّ امرئ ما أصاب، فقال الذين كانوا يقاتلون العَدُوّ ويطلبونهم: لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلْنا القوم عنكم حتى أصبتم ما أصبتم. فقال الذين يَحْرسون رسولَ الله ﷺ مخافة أن يخالِف إليه العدوّ: والله ما أنتم بأحَقَّ به منَّا؛ لقد رأينا أن نقتلَ العدوّ إذْ ولَّانا الله، ومنحنا أكتافهم؛ ولقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه مَنْ يمنعه؛ ولكن خِفْنا على رسول الله ﷺ كرَّة العدوّ، فقمنا دونه؛ فما أنتم بأحقَّ به منَّا (٢). (٢: ٤٥٧/ ٤٥٨).١٣٦ - ثم ارتحل رسولُ الله ﷺ حتى إذا كان بالرَّوْحاء، لقيَهُ المسلمون يُهنّئونه بما فتَح الله عليه ومَنْ معه من المسلمين، فقال سلمة بن سلامة بن وقْش كما حدَّثنا ابن حميد، فقال: حدثنا سَلمة، قال: قال محمد بن إسحاق، كما حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة، ويزيد بن رومان: وما الذي تُهنّئون به! فوالله إن لقينا إلا عجائز صُلعًا كالبُدْن المعَقَّلَة، فنحرناها. فتبسَّمَ رسول الله ﷺ، وقال: يا بنَ أخي، أولئك الملأ قال: ومع رسول الله ﷺ الأسارى من المشركين وكانوا أربعة وأربعين أسيرًا، وكان من القتلى مثل ذلك وفي الأسارى عُقْبة بن أبي مُعَيط، والنَّضر بن الحارث بن كَلَدَة - حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصّفراء، قتل النَّضْر بن الحارث، قتَله عليّ بن أبي طالب ﵁ (١). (٢: ٤٥٩). ١٣٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، قال: قُدِم بالأسارى حين قُدم بهم وسَوْدَة بنت زَمْعة زوج النبي ﷺ عند آل عَفرَاء في مَنَاحتهم على عَوْف ومُعوّذ ابنَي عفراء - قال: وذلك قبل أن يُضرَب عليهنّ الحجاب - قال: تقول سَوْدة: والله إني لَعندهم إذ أتينا، فقيل: هؤلاء الأسارى قد أُتِيَ بهم، قالت: فرُحْت إلى بيتي ورسولُ الله ﷺ فيه؛ وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحُجْرة، مجموعة يداه إلى عنقه بحبْل، قالت: فوالله ما ملكتُ نفسي حين رأيتُ أبا يزيد كذلك أن قلت: يا أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم، ألا متّم كرامًا! فوالله ما أنْبهني إلَّا قول رسول الله ﷺ من البيت: يا سودة، أعَلى الله وعلى رسوله! قالت: قلت: يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحقِّ ما ملكتُ نفسي حين رأيت أبا يزيدَ مجموعةً يداه إلى عنقه بحبْل أن قلت ما قلت (٢). (٢: ٤٦٠).١٣٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني نُبَيه بن وهب، أخو بني عبد الدَّار، أن رسولَ الله ﷺ حين أقبل بالأسارَى فرَّقهم في أصحابه، وقال: استوصُوا بالأسارى خيرًا -قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمّه في الأسارى- قال: فقال أبو عزيز: مَرَّ بي أخي مصعب بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شُد يَديك به؛ فإن أمه ذاتُ متاع، لعلَّها أن تفتديَه منك. قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدْر؛ فكانوا إذا قدّموا غَدَاءهم وعشاءهم خصُّوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصيَّة رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نَفحني بها. قال: فأستحي، فأردّها على أحدهم فيردّها عليّ ما يَمسُّها (١). (٢: ٤٦٠/ ٤٦١). ١٣٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: وكان أوّل مَنْ قدم مكة بمُصاب قريش الْحَيسُمان بن عبد الله بن إياس بن ضُبَيعة بن مازن بن كعب بن عمرو الخزاعيّ -قال أبو جعفر: وقال الواقديّ: الحيسُمان بن حابس الخزاعي- قالوا: ما وراءك؟ قال: قُتل عتبة بن ربيعة،وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبو البختريّ بن هشام ونُبَيه ومنبه ابنا الحجاج. قال: فلمّا جعل يعدّد أشراف قريش، قال صَفْوان بن أمية وهو قاعد في الحِجْر: والله إنْ يعقل هذا فَسلُوه عني، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالسًا في الحِجْر، وقد والله رأيتُ أباه وأخاه حين قتلا (١). (٢: ٤٦١). ١٤٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: حدَّثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكْرمة مولى ابن عبَّاس، قال: قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلامًا للعبّاس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلَنا أهل البيت، وأسلمتْ أمّ الفضل وأسلمتُ، وكان العبَّاس يهاب قومه، ويكره أن يخالفَهم، وكان يكتم إسلامَه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه، وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلَّف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلَّا بعثَ مكانه رجلًا، فلمّا جاء الخبر عن مُصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزًّا. قال: وكنت رجلًا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح، أنحتُها في حُجْرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القِداح، وعندي أمّ الفضْل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبلَ الفاسق أبو لهب يجرّ رجلية بشرّ، حتى جلس على طُنُب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري؛ فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب قد قدِم. قال: فقال أبو لهب: هلمَّ إليَّ يا بنَ أخي! فعندك الخبر. قال: فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا بن أخي! أخبِرْني؛ كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء؛ والله إن كان إلَّا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا، يقتُلوننا ويأسرون كيف شاؤوا؛ وأيمُ الله مع ذلك ما لُمْتُ الناس؛ لقينا رجالًا بِيضًا على خيل بُلْقٍ بين السماء والأرض؛ ما تُليق شيئًا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طُنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يدَه فضرب وجهي ضربة شديدة، قال:فثاورتُه، فاحتملني، فضرب بي الأرضَ ثم برَك عليّ يضربني -وكنت رجلًا ضعيفًا- فقامت أمّ الفضل إلى عَمُود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فَلَعَتْ في رأسه شجَّة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيّده! فقام مولِّيًا ذليلًا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله ﷿ بالعَدَسة فقتلته، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثًا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته - وكانت قريش تتّقي العَدسة وعَدْوَتَها كما يتّقي الناس الطاعون - حتى قال لهما رجل من قريش: ويحكما! ألا تستحيان أن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيِّبانه! فقال: إنا نخشى هذه القَرْحة، قال: فانطلِقا فأنا معكما، فما غسلوه إلا قذْفًا بالماء عليه من بعيد، ما يمسُّونه، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكّة إلى جدار، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروْه (١). (٢: ٤٦١/ ٤٦٢). ١٤١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة بن الفضل، قال: قال محمد بن إسحاق: وحدَّثني العبّاس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله، عن عبد الله بن عبّاس، قال: لمّا أمسى القوم من يوم بدْر، والأسارى محبوسون في الوَثاق، باتَ رسول الله ﷺ ساهرًا أوّل ليلة، فقال له أصحابه: يا رسول الله! مالك لا تنام؟ ! فقال: سمعت تضوّرَ العبَّاس في وَثاقه، قال: فقاموا إلى العبَّاس فأطلقوه، فنام رسول الله ﷺ (٢). (٢: ٤٦٣). ١٤٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني يحيى بن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد، قال: ناحتْ قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا، فيبلُغَ ذلك محمدًا وأصحابَه، فيشمَت بكم،ولا تبعثوا في فداء أسراكم حتى تستأنوا بهم؛ لا يتأرَّب عليكم محمد وأصحابُه في الفداء. قال: وكان الأسود بن عبد المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زَمْعة بن الأسود؛ وعقيل بن الأسود، والحارث بن الأسود؛ وكان يحبّ أن يبكِيَ على بنيه؛ فبينا هو كذلك؛ إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هل أحِلَّ النَّحبُ؟ هل بَكت قريش على قتلاها؟ لعلّي أبكي على أبي حكيمة -يعني زَمْعة- فإنَّ جَوْفي قد احترق! قال: فلما رجع إليه الغلام، قال: إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلَّتْه. قال: فذلك حين يقول: أتَبْكي أنْ يَضِلَّ لها بَعِيرٌ ... ويَمْنَعُها مِن النَّوْمِ السُّهُودُ فلا تَبْكي على بَكْرٍ ولكنْ ... على بَدْرٍ تَقَاصرَتِ الجدُودُ على بَدْرٍ سَراةِ بَني هُصَيصٍ ... ومَخْزُومٍ ورَهْطِ أبي الوَلِيدِ وبَكِّي إنْ بَكَيتِ على عَقِيلٍ ... وبَكِّي حارِثًا أسَدَ الأُسُودِ وبَكِّيهمْ ولا تَسَمِي جَميعًا ... فما لأبي حَكِيمَةَ منْ ندِيدِ ألا قد ساد بَعْدَهُمُ رجالٌ ... ولَوْلا يومُ بدْرٍ لَمْ يَسُودُوا قال: وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضُبيرة السَّهْميّ، فقال رسولُ الله ﷺ: إن له ابنًا تاجرًا كيّسًا ذا مال؛ وكأنكم به قد جاءكم في فداء أبيه! قال: فلمَّا قالت قريش: لا تعجلوا في فداء أسرائكم لا يتأرَّب عليكم محمد وأصحابه، قال المطّلب بن أبي وداعة -وهو الذي كان رسول الله ﷺ عَنَى-: صدقتم، لا تعجلوا بفداء أسرائكم. ثم انسلَّ من الليل، فقَدِم المدينة، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، ثم انطلق به، ثم بعثت قريش في فداء الأسارَى، فقدم مِكرَزُ بن حفص بن الأخيف في فداء سُهيل بن عمرو، وكان الذي أسَرَه مالك بن الدُّخْشُم، أخو بني سالم بن عوف، وكان سهيل بن عمرو أعْلَمَ من شَفَته السُّفْلَى (١). (٢: ٤٦٣/ ٤٦٤ / ٤٦٥). ١٤٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: قال محمد بن إسحاق:فحدَّثني محمد بن عمرو بن عطاء بن عيّاش بن علقمة، أخو بني عامر بن لؤيّ: أنّ عمر بن الخطاب قال لرسول الله ﷺ: يا رسولَ الله انتزع ثنيَّتَي سُهَيل بن عمرو السّفْليَين يَدْلَعْ لسانه، فلا يقوم عليك خَطيبًا في موطن أبدًا، فقال رسول الله ﷺ: لا أمثِّلُ به فيمثل الله بي؛ وإن كنت نبيًّا (١). (٢: ٤٦٥). قال: وقد بلغني: أن رسولَ الله ﷺ قال لعمر في هذا الحديث: إنَّه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمّه؛ فلمّا قاولهم فيه مِكْرَز، وانتهى إلى رضاهم، قالوا: هات الذي لنا. قال: اجعلُوا رجلي مكان رجْله، وخلُّوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه. قال: فخلُّوا سبيل سُهيل، وحبسوا مِكرزًا مكانَه عنْدهم (٢). (٢: ٤٦٥). ١٤٤ - حدَّثنا ابنُ حميد؛ قال: حدَّثنا سلَمة بن الفضل عن محمد، قال: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: كان عمرو بن أبي سفيان بن حرب -وكان لابن عُقْبة بن أبي مُعيط- أسيرًا في يدي رسول الله ﷺ من أسارى بدر، فقيل لأبي سفيان: أفْدِ عَمْرًا، قال: أيجمع عليّ دمي ومالي! قتلوا حَنْظلَة وأفدي عمرًا! دَعُوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينا هو كذلك محبوسٌ عند رسولِ الله ﷺ، خرج سعدُ بن النُّعمان بن أكّال، أخو بني عمرو بن عوف، ثم أحد بني معاوية معتمرًا، ومعه مُرَيّة له؛ وكان شيخًا كبيرًا مسلمًا في غنم له بالنقيع؛ فخرج من هنالك معتمرًا؛ ولا يخشى الذي صُنع به؛ لم يظن أن يُحْبس بمكَّة؛ إنما جاء معتمرًا؛ وقد عَهِد قريشًا لا تعترض لأحد حاجًّا أو معتمرًا إلَّا بخير؛ فعدَا عليه أبو سفيان بن حرب، فحبسه بمكّة بابنه عمرو بن أبي سفيان، ثم قال أبو سفيان: أرَهْطَ ابْنِ أكَّالٍ أجيبُوا دُعاءَه ... تعاقدتمُ لا تُسْلِمُوا السَّيِّد الكَهْلا فِإنَّ بَني عَمْرٍو لئامٌ أذِلَّةٌ ... لئنْ لم يَفُكُّوا عن أسيرِهِمُ الكَبْلا (٣) (٢: ٤٦٦/ ٤٦٧). ١٤٥ - قال: فمشى بنُو عمرو بن عوف إلى رسولِ الله ﷺ؛ فأخبروه خبره،وسألوه أن يعطيَهم عمرو بن أبي سفيان فيفكُّوا شيخَهم؛ ففعل رسولُ الله ﷺ؛ فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلَّى سبيل سعد. قال: وكان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العُزَّى بن عبد شمس ختَنُ رسول الله ﷺ، زوج ابنته زَينَب، وكان أبو العاص من رجال مكَّة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وكان لهالة بنت خُوَيلدِ، وكانت خديجة خالته، فسألت خديجة رسولَ الله ﷺ أن يزوّجه؛ وكان رسولُ الله ﷺ لا يخالفها؛ وذلك قبل أن ينزَل عليه، فزوَّجه؛ فكانت تعدُّه بمنزلة ولدها؛ فلما أكرمَ الله ﷿ رسولَه بنُبُوّته آمنت به خديجة وبناته، فصدَّقنهُ وشهِدْنَ أن ما جاء به هو الحقُّ؛ ودِن بدينه؛ وثبتَ أبو العاص على شِرْكه. وكان رسولُ الله ﷺ قد زوَّج عتبة بن أبي لهب إحدى ابنتيه رُقيَّة أو أمّ كلثوم؛ فلما بادى قريشًا بأمر الله ﷿ وباعدوه، قالوا: إنكم قد فرّغتم محمّدًا من همّه؛ فردوا عليه بناته، فاشغَلُوه بهنَّ، فمشوا إلى أبي العاص بن الربيع، فقالوا له: فارقْ صاحبتَك؛ ونحن نزوّجك أيّ امرأة شئت من قريش، قال: لا ها الله إذًا؛ لا أفارق صاحبتي وما أحبّ أنّ لي بامرأتي امرأة من قريش؛ وكان رسولُ الله ﷺ يثنِي عليه في صهْره خيرًا فيما بلغني. قال: ثم مشوا إلى الفاسق ابن الفاسق، عُتبة بن أبي لهب، فقالوا له: طلِّق ابنةَ محمد ونحن نزوجك أيّ امرأة من قريش شئت؛ فقال: إن زوّجتموني ابنة أبان بن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتُها. فزوّجوه ابنة سعيد بن العاص وفارقها، ولم يكن عدوّ الله دخل بها فأخرجها الله من يده كرامة لها، وهوانًا له؛ فخلفَ عليها عثمان بن عفَّان بعده؛ وكان رسولُ الله ﷺ لا يُحِلَّ بمكَّة ولا يحرم مغلوبًا على أمره، وكان الإسلام قد فرّق بين زينب بنت رسول الله ﷺ حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع؛ إلَّا أن رسولَ الله ﷺ كان لا يقدر على أن يفرّق بينهما؛ فأقامت معه على إسلامها وهو على شِرْكه؛ حتى هاجر رسولُ الله ﷺ، فلمَّا سارت قريش إلى بدْر سار فيهم أبوالعاص بن الرّبيع؛ فأصيب في الأسارى يوم بدر، فكان بالمدينة عند رسول الله ﷺ (١). (٢: ٤٦٧/ ٤٦٨).١٤٦ - فحدَّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، قال: حُدِّثت عن زينب أنَّها قالت: بينا أنا أتجهَّزُ بمكَّة للّحوق بأبي، لقيتْنِي هنْد بنت عُتْبة، فقالت: أي ابنة محمد؛ ألم يَبْلغْني أنَّك تريدين اللحوق بأبيك! قالت: فقلت: ما أردتُ ذلك، قالت: أي ابنةَ عمي، لا تفعلي؛ إن كانت لكِ حاجة بمتاع مما يرفُق بك في سفرك، أو بمال تبلُغين به إلى أبيك، فإنَّ عندي حاجَتك فلا تضطنِي (١) منّي؛ فإنَّه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال. قالت: ووالله ما أراها قالت ذلك إلَّا لتفعل. قالت: ولكني خفْتُها، فأنكرتُ أن أكون أريد ذلك، وتجهَّزْت. فلمّا فرغت ابنةُ رسول الله ﷺ من جِهازها قدّم لها حمُوها كِنَانة بن الربيع أخو زوجها بعيرًا فركبتْه، وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهارًا يقود بها، وهي في هوْدج لها. وتحدّث بذلك رجال قريش، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طَوى، فكان أوّل مَنْ سبق إليها هَبَّار بن الأسود بن المطَّلب بن أسد بن عبد العُزَّى ونافع بن عبد القيس، والفهريّ. فروّعها هبَّار بالرّمح وهي في هودجها -وكانت المرأة حاملًا؛ فيما يزعمون- فلمّا رجَعَت طرحَتْ ذات بطنها، وبرك حَمُوها، ونثر كنانته ثم قال: والله لا يدنُو مني رجُلٌ إلَّا وضعت فيه سهمًا، فتكركر النَّاس عنه، وأتاه أبو سفيان في جِلة قريش، فقال: أيّها الرجل، كفّ عنا نَبْلَك حتى نكلِّمك، فكفّ. فأقبل أبو سفيان حتَّى وقف عليه، فقال: إنَّك لم تُصِبْ، خرجتَ بالمرأة على رؤوس الرّجال علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتَنا وما دخل علينا من محمّد، فيظنّ الناس إذا خُرج بابنته علانيةً من بين أظهُرنا أن ذلك عن ذلّ أصابنا عن مصيبتنا، ونكبتنا التي كانت، وأنَّ ذلك منّا ضعفٌ ووَهَنٌ، لَعَمْرِي ما لنا حاجة في حبسها عن أبيها، وما لنا في ذلك من ثؤرة؛ ولكن أرجع المرأة، فإذا هدأ الصوت، وتحدَّث النَّاس أنا قد رددناها، فسُلَّها سرًّا فألحِقْها بأبيها. ففعل حتى إذا هدأ الصوتُ خرج بها ليلًا؛ حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحِبه، فقدِما بها على رسول الله ﷺ. قال: فأقام أبو العاص بمكَّة، وأقامت زينبُ عند رسول الله ﷺ بالمدينة، قدفرَّق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبَيل الفتح خرج تاجرًا إلى الشام - وكان رجلًا مأمونًا بمال له، وأموال رجالٍ من قريش أبضعوها معه- فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلًا، لقِيتْه سرِيّة لرسول الله ﷺ، فأصابوا ما معه، وأعجزهم هربًا، فلما قدِمت السريّة بما أصابوا من ماله، أقبل أبو العاص تحت الليل؛ حتى دخل على زينب بنت رسول الله ﷺ، فاستجار بها، فأجارته في طلب ماله، فلمَّا خرج رسول الله ﷺ إلى الصبْح (١). (٢: ٤٦٩/ ٤٧٠ / ٤٧١). ١٤٧ - فحدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: كما حدَّثني يزيد بن رومان فكبَّر وكبَّر الناس معه، صرخت زينب من صُفَّة النساء: أيها الناس، إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما سلَّم رسولُ الله ﷺ من الصلاة، أقبل على النَّاس، فقال: أيّها النَّاس، هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: أما والَّذي نفس محمد بيده! ما علمت بشيء كان حتى سمعت منه ما سمعتم؛ إنه يجير على المسلمين أدناهم. ثم انصرف رسولُ الله ﷺ، فدخل على ابنته، فقال: أي بنيّة أكرمي مثواه ولا يخلُصْ إليك، فإنك لا تَحِلِّين له (٢). (٢: ٤٧١).١٤٨ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق، قال: وحدَّثني عبدُ الله بن أبي بكر: أن رسولَ الله ﷺ بعث إلى السريّة الذين أصابوا مال أبي العاص، فقال لهم: إنَّ هذا الرّجل منَّا حيث قد علمتم، وقد أصَبْتم له مالًا، فإن تُحسنوا تردّوا عليه الذي له؛ فإنا نحبّ ذلك؛ وإن أبيتم فهو فَيء الله الذي أفاءه عليكم؛ فأنتم أحق به. قالوا: يا رسولَ الله، بل نردّه عليه! قال: فردّوا عليه ماله حتى إنَّ الرجلَ ليأتي بالحبْل، ويأتي الرجل بالشَّنَّة والإدَاوة؛ حتى إنَّ أحدهم ليأتي بالشِّظاظ؛ حتى رَدُّوا عليه ماله بأسره؛ لا يفقد منه شيئًا. ثم احتَمل إلى مكَّة، فأدّى إلى كلّ ذي مال من قريش ماله ممن كان أبْضَع معه، ثم قال: يا معشرَ قريش! هل بَقِي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا فجزاك الله خيرًا؛ فقد وجدناك وفيًّا كريمًا، قال: فإني أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ والله ما منعني من الإسلام عنده إلَّا تخوُّفُ أن تظنوا أنّي إنما أردت أكلَ أموالكم؛ فلما أدّاها الله إليكم، وفرغت منها؛ أسلمت. ثم خرج حتى قدِم على رسول الله ﷺ (١). (٢: ٤٧١/ ٤٧٢). ١٤٩ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني داود بن الحُصين، عن عِكْرمة مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: ردّ عليه رسولُ الله ﷺ زينب بالنِّكاح الأول، ولم يُحْدِثْ شيئًا بعد ستّ سنين (٢). (٢: ٤٧٢).١٥٠ - حدَّثَني سلم بن جُنادة، قال: حدَّثنا أبو معاوية، قال: حدَّثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: لمَّا كان يوم بدْر، وجيء بالأسرى؛ قال رسولُ الله ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسولَ الله، قومُك وأهلُك، استَبْقِهم واستَأنِهم؛ لعلّ الله أن يتوبَ عليهم. وقال عُمَر: يا رسولَ الله كذّبوك وأخرجوك، قَدِّمهم فضرِّبْ أعناقهم. وقال عبدُ الله بن رَوَاحَة: يا رسول الله، انظر وَادِيًا كثير الحطب فأدْخِلْهم فيه، ثم أضْرِمه عليهم نارًا. قال: فقال له العبّاس: قطعتْك رحمك! قال: فسكت رسولُ الله ﷺ فلم يُجِبهُمْ، ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج عليهم رسول الله، فقال: إنَّ الله ﷿ ليلِينُ قلوبَ رجال فيه حتى تكون ألْيَنَ من اللَّبن؛ وإن الله ليشدّد قلوب رجال فيه حتى تكون أشَدَّ من الحجارة؛ وإنَّ مثلك يا أبا بكر مثلُ إبراهيم، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ , ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ , ومثلك كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ثم قال رسول الله ﷺ: أنتم اليوم عَالةٌ فلا يفلتنّ منهمأحدٌ إلا بفداء أو ضرب عُنق؛ قال عبد الله بن مسعود: إلا سُهَيل بن بَيضاء؛ فإني سمعته يذكر الإسلام. فسكتَ رسول الله ﷺ، فما رأيتُني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء منّي في ذلك اليوم؛ حتى قال رسول الله ﷺ: "إلَّا سهيل بن بيضاء" قال: فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ... ﴾ إلى آخر الآيات الثلاث (١). (٢: ٤٧٦/ ٤٧٧). ١٥١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق: لما نزلت -يعني هذه الآية: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، قال رسولُ الله ﷺ: لو نزل عَذَابٌ من السَّماء لم يَنْجُ منه إلَّا سعد بن معاذ، لقوله: يا نبيَّ الله، كان الإثْخَانُ في القتل أحبَّ إليَّ من استبقاء الرجال (٢). (٢: ٤٧٧). ١٥٢ - قال أبو جعفر: وكان جميعُ مَنْ شهد بدرًا من المهاجرين، ومن ضَرَب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجْرِه ثلاثةً وثمانين رجلًا في قول ابن إسحاق. حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عنه: وجميع من شهد من الأوْس معه ومن ضَرَب له بسهمه واحدٌ وستون رجلًا. وجميع من شهد معه من الخزرج مئة وسبعون رجلًا في قول ابن إسحاق، وجميعُ مَن استشهد من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلًا، ستَّة من المهاجرين وثمانية من الأنصار (٣). (٢: ٤٧٧). ١٥٣ - وكان المشركون - فيما زعم الواقدي - تسعمئة وخمسين مقاتلًا؛ وكانت خيلهم مئة فرس. ورَدَّ رسولُ الله ﷺ يومئذ جماعة استصغرهم - فيما زعم الواقدي- فمنهم فيما زعم عبدُ الله بن عمر، ورافع بن خَدِيح، والبَرَاءُ بن عازب، وزيد بن ثابت، وأسَيد بن ظُهَير، وعُمَير بن أبي وقاص ثم أجاز عميرًا بعد أن رَدَّه فقتل يومئذ.وكان رسولُ الله ﷺ قد بعث قبل أن يخرج من المدينة طَلْحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفَيل إلى طريق الشام يتحسَّسان الأخبار عن العير، ثم رجعا إلى المدينة، فَقَدِماها يوم وقْعَة بدر، فاستقبلا رسولَ الله ﷺ بتُرْبَان؛ وهو منحدرٌ من بدر يريد المدينة. قال الواقدي: كان خروج رسول الله ﷺ من المدينة في ثلاثمئة رجل وخمسة، وكان المهاجرون أربعةً وسبعين رجلًا، وسائرهم من الأنصار، وضرب لثمانية بأجورهم وسُهمانهم: ثلاثة من المهاجرين؛ أحدهم عثمان بن عفان كان تخلّف على ابنة رسول الله ﷺ حتى ماتت، وطَلْحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد، كان بَعَثهما يتحسَّسان الخبر عن العير، وخمسة من الأنصار: أبو لُبابة بشير بن عبد المنذر، خلَّفه على المدينة، وعاصم بن عديّ بن العجلان؛ خلَّفه على العالية، والحارث بن حاطب؛ ردَّه من الرَّوْحاء إلى بني عمرو بن عوف لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصِّمة؛ كُسِرَ بالرَّوْحاء، وهو من بني مالك بن النَّجار، وخَوَّاتُ بن جُبَير، كسر من بني عمرو بن عوف. قال: وكانت الإبل سبعين بعيرًا، والخيل فرسين: فرس للمِقْداد بن عمرو، وفرس لمَرثَد بن أبي مَرْثَد (١). (٢: ٤٧٧/ ٤٧٨). ١٥٤ - قال أبو جعفر: وروي عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، عن محمد بن هلال، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ورئيَ رسول الله ﷺ في أثر المشركين يوم بدر مُصْلِتًا السَّيفَ، يتلو هذه الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٢). (٢: ٤٧٨). قال: وفيها غنم جَمَلَ أبي جَهْل؛ وكان مَهْرِيًّا يغزو عليه ويضرب في لِقاحه. قال أبو جعفر: ثم أقام رسولُ الله ﷺ بالمدينة، مُنْصَرَفه من بدر، وكان قد وادع حين قدم المدينة يهودَها؛ على أن لا يُعِينوا عليه أحدًا؛ وأنَّه إن دَهمَه بها عَدوٌّ نصروه. فلمَّا قَتَل رسولُ الله ﷺ مَنْ قتل ببدر من مشركي قريش، أظهروا لهالحسدَ والبغي، وقالوا: لم يلق محمدٌ من يُحْسنُ القتال؛ ولو لقيَنَا؛ لاقى عندنا قتالًا لا يشبهه قتال أحد؛ وأظْهَرُوا نقْضَ العهد (١). (٢: ٤٧٩).

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    احتملني، فضرب بي الأرضَ ثم برَك عليّ يضربني -وكنت رجلًا ضعيفًا- فقامت أمّ الفضل إلى عَمُود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فَلَعَتْ في رأسه شجَّة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيّده! فقام مولِّيًا ذليلًا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله ﷿ بالعَدَسة فقتلته، فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثًا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته - وكانت

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    ن المغيرة وكذلك صنعوا، لم يتخلَّف رجل إلَّا بعثَ مكانه رجلًا، فلمّا جاء الخبر عن مُصاب أصحاب بدر من قريش، كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّة وعزًّا. قال: وكنت رجلًا ضعيفًا، وكنت أعمل القِداح، أنحتُها في حُجْرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت القِداح، وعندي أمّ الفضْل جالسة، وقد سرَّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبلَ الفاسق أبو لهب يجرّ رجلي

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    و رافع: فرفعت طُنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك الملائكة. قال: فرفع أبو لهب يدَه فضرب وجهي ضربة شديدة، قال:فثاورتُه، فاحتملني، فضرب بي الأرضَ ثم برَك عليّ يضربني -وكنت رجلًا ضعيفًا- فقامت أمّ الفضل إلى عَمُود من عُمُد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فَلَعَتْ في رأسه شجَّة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيّده! فقام مولِّيًا ذليلًا، فوالله ما عاش إ

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
339954
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1042:917576
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate