Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

Passage 339928

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 2361, entry [1009]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

page 2361, entry [1009]Open original source
[ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز] ثم مَلَك كِسرى أبَرْويز بن هرمز بن كسرى أنوشِروان، وكان من أشدّ ملوكهم بطشًا، وأنْفِذهم رأيًا، وأبْعدهم غوْرًا، وبلغ -فيما ذُكر- من البأس والنَّجْدة والنَّصر والظَّفَر وجمْع الأمْوال والكنوز ومُساعدة القَدَر ومساعفة الدَّهْر إيّاه ما لم يتهيَّأ لملك أكثر منه، ولذلك سُمَّي أبْرويز، وتفسيرُه بالعربية: "المظفّر". وذُكر: أنه لمَّا استوْحش من أبيه هرمز - لِمَا كان من احْتِيال بهرام جوبين في ذلك، حتَّى أوْهم هرمز: أنَّه على أن يقوم بالملْك لنفسه دونه - سار إلى آذربيجان مكتَتِمًا، ثم أظهر أمره بعد ذلك، فلمَّا صار في النَّاحية اجتمعت إليه جماعة ممَّن كان هناك من الإصْبَهْبَذين وغيرهم، فأعْطوْه بيعتَهم على نُصْرته؛ فلم يُحْدث في الأمر شيئًا. وقيل: إنَّه لما قتل آذينْجُشْنَس المُوَجَّه لمحاربة بهرام جوبين، انفَضَّ الجمعْ الذي كان معه حتى وافوا المدائن، واتَّبعهم جوبين، فاضطرب أمر هرمز، وكتَبَتْ أختُ آذينْجُشْنَس إلى أربرْويز - وكانت تِرْبه - تخبره بضعْف هرمز للحادث في آذِينجُشْنَس، وأنَّ العظماءَ قد أجْمعوا على خلعه، وأعْلمته: أن جوبين إن سَبَقَه إلى المدائن قبل مُوَافاته احتوى علَيها. فلمَّا ورد الكتاب على أبَرْويز، جمع من أمْكنه من أرْمينِيَة وآذربيجان، وصار بهم إلى المدائن، واجتمع إليه الوجوهُ والأشراف مسرورين بِمُوَافاته، فتتَوّج بتاج الملْك، وجلس على سريره، وقال: إنَّ من ملّتنا إيثارَ البِرّ، ومن رأينا العمل بالخير، وإنّ جدَّنا كِسْرى بن قُباذ كان لكم بمنزلة الوالد، وإنَّ هرمز أبانَا كان لكم قاضيًا عادلًا، فعليكم بلزوم السَّمع والطاعة. فلما كان في اليوم الثالث؛ أتى أباه فسجد له، وقال: عمَرك الله أيها الملك! إنَّك تعلم أنِّي بريءٌ مما أتىإليك المنافقون، وأني إنَّما تواريت ولحقت بآذربيجان خوفًا من إقدامك على القتل، فصدَّقه هرمز، وقال له: إنَّ لي إليك يا بُنيَّ حاجتين، فأسْعِفني بهما؛ إحداهما: أن تنْتقم لي ممَّن عاون على خلْعِي والسَّمْل لعينيَّ، ولا تأخذْك فيهم رأفة؛ والأخرى: أن تُؤْنسنِي كلَّ يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأي، وتأذن لهم في الدخول عليّ. فتواضع له أبَرْويز وقال: عمّرك الله أيُّها الملك! إنَّ المارق بهرام قد أظلَّنا ومعه الشجاعةُ والنَّجدة، ولسْنا نقدر أن نمدَّ يدًا إلى من آتى إليك ما آتى، فإن أدالِني اللهُ على المنافق؛ فأنا خليفتُك وطوْعُ يدك. وبلغ بَهرامَ قدومُ كِسْرى، وتمليك الناس إياه، فأقبل بجنده حثيثًا نحو المدائن، وأذكى أبَرْويزُ العيون عليه، فلمَّا قرُبَ منه رأى أبَرْويز: أن التَّرفُّق به أصْلح، فتسلَّح وأمر بِنْدُويه وبِسْطام وناسًا كان يَثِقُ بهم من العظماءِ وألفَ رجُل من جنْده، فتزيَّنوا وتسلَّحوا، وخرج بهم أبَرْويز من قصْره نحو بهرام، والنَّاس يدعون له، وقد احْتوَشه بِنْدُويه وبِسطام وغيرُهما من الوجوه حتَّى وقف على شاطئ النَّهْرَوان، فلمَّا عرف بهرام مكانَه، ركب بِرْذَوْنًا له أبلقَ كان معجبًا بِه، وأقْبَل حاسِرًا ومعه إيزَدْجُشْنَس وثلاثةُ نفر من قرابة مَلِك الترك كانوا جَعَلوا لبهرام على أنفْسهم أن يأتوه بابَرْويز أسيرًا، وأعْطاهم بهرامُ على ذلك أموالًا عظيمة. ولمَّا رأى بَهْرام بِزَّة كسرى وزينتَه والتاجَ، يُسَايره معه "دِرَفْش كابيان" علَمُهُمِ الأعْظم منشورًا، وأبصر بِنْدُويَه وبِسْطام وسائرَ العُظماء وحسنَ تسلحِهم وفراهة دوابِّهم؛ اكْتأب لذلك، وقال لمن معه: ألا تَروْن ابنَ الفاعلة قد ألْحَمَ وأشْحم، وتحوَّل من الحداثة إلى الحُنْكة، واسْتَوَتْ لِحْيَتهُ وكَملَ شبابهُ، وعظُم بَدَنُه؛ فبينا هو يتكلَّم بهذا وقد وقف على شاطئ النَّهروان؛ إذ قال كِسْرى لبعض منْ كان واقفًا: أيّ هؤلاء بهرام؟ فقال أخ لبهرام يسمَّى كُرْدي لم يزل مُطيعًا لأَبَرْويز مُؤْثرًا له: عمَّرك الله! صاحبُ البِرْذون الأبلق. فبدأ كِسرى فقال: إنَّك يا بهرام رُكنٌ لمملكتنا وسنادٌ لرعيَّتنا، وقد حَسُن بلاؤُك عندنا، وقد رأينا أن نخْتار لك يومًا صالحًا لنُولِّيَكَ فيه إصْبَهْبَذَةَ بلاد الفرس جميعًا؛ فقال له بهرام - وازداد من كِسْرى قربًا -: لكنِّي أختار لك يومًا أصلبك فيه، فامتلأ كِسْرى حُزنًا من غير أن يبدوَ في وجْهه من ذلك شيء، وامتدَّ بينهما الكلام، فقال بهرام لأَبَرْويز: يا بن الزانية المُرَبَّى في خيام الأكراد! هذا ومثله، ولم يقبل شيئًا ممَّا عرضه عليه، وجرىذِكْر إيرش جدّ بهرام، فقرَّعه أبَرْويز بطاعة إيرش كانت لِمنوشِهْر جدّه، وتفرَّقا وكلُّ واحد منهما على غاية الوحْشة لصاحبه. وكانت لبهرامَ أختٌ يقال لها: كُرْدية، من أتمِّ النساء وأكملهنَّ، وكان تزوَّجَها، فعاتبت بهرام على سوء مُلافظته كانت لكِسْرى، وأرَادَتْه على الدُّخول في طاعته، فلم يقبل ذلك، وكانت بين كِسْرى وبهرام مُباينة، فيُقَال: إنَّه لما كان من غدِ الليلة التي كان البيات فيها؛ أبْرز كسرى نفسْه، فلما رآه الأتْراك الثلاثة؛ قصدوه، فقتلهم بيده أبَرْويز، وحرَّض الناسَ على القتال فتبيَّن فشلًا، فأجمع أبَرْويز على إتيان بعض الملوك للاسْتجاشة به، فصار إلى أبيه وشاوره، فرأى له المصير إلى ملك الروم، فأحْرَزَ نساءَه وشَخَص في عذة يسيرة، فيهم: بِنْدُويه، وبِسطام، وكُرْدي أخو بهرام، فلمَّا خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يردّ هرمز إلى الملْك، ويكتُبَ إلى ملك الروم عنه في ردّهم فَيُتْلَفوا، فأعلموا أبَرْويز ذلك، واستأذَنُوهُ في إتلاف هرمز فلم يحِرْ جوابًا، فانصرف بِندُويه وبِسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خَنْقًا، ثم رجعوا إلى كِسْرى وقالوا: سِرْ على خير طائر، فححوا دوائهم وصاروا إلى الفُرَات فقطعوه، وأخذوا طريقَ المفازة بدلالة رجل يقال له: خُرْشيذان، وصاروا إلى بعض الدِّيارات التي في أطراف العمارة، فلما أوطنوا إلى الراحة غشِيَتْهم خيلُ بهرام، يرأسُها رجلٌ يقال له بهرام بن سِياوَش، فلمَّا نذِروا بهم أنبه بنْدُوَيه أبَرْويزَ من نومه وقال له: احتلْ لنفسك، فإنَّ القوم قد أطلّوك؛ قال كسرى: ما عندي حيلة، فأعلمه بِنْدُوَيه: أنَّه يبذل نفسه دونه، وسأله أن يدفع إليه بِزَّته ويخرج ومن معه من الدَّير، ففعلوا ذلك، وبادروا القومَ حتى تَوَارَوْا بالجبل، فلمَّا وافى بهرام بن سياوش، اطَّلع عليه من فوق الدَّير بِنْدويه وعليه بِزَّة أبَرْويز، فَوَهّمه بذلك أنه أبَرْويز، وسأله أن يُنْظِره إلى غده ليصير في يده سلمًا، فأمسك عنه، ثم ظهر بعد ذلك على حيلته، فانصرف به إلى جوبين، فحبسه في يدي بهرام بن سِياوش. ويقال: إنَّ بهرام دخل دُور الملك بالمدائن، وقعد على سريره، واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع في أبَرْويز، وذمَّه، ودار بينه وبين الوجوه مناظرات [وكلام] كان كقهم منصرفًا عنه، إلَّا أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوَّج وانْقادَ له الناس خوفًا - ويقال: إنَّ بهرام بن سِيَاوش واطَأ بِنْدويه على الفتْكبجوبين، وإنَّ جوبين ظهر على ذلك فقتله، وأفلت بِنْدويه فلحق بآذربيجان، وسَار أبَرْويز حتى أتى أنطاكيَة، وكاتب مَوْريق ملك الزوم منها، وأرْسل إليه بجماعة ممَّن كان معه وسأله نُصْرَته، فأجابَه إلى ذلك، وقادته الأمور إلى أن زَوّجه مريم ابنتَه وحملها إليها، وبعث إليه بنياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل، عليهم رجل يقال له: سرْجِس، يتولّى تدبير أمرهم، ورجلٌ آخر كانت قوّته تعدل بقوّة ألف رجل، واشترط عليه حياطته، وألّا يسْأله الإتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوكَ الروم، فلمَّا ورد القوم على أبَرْويز اغتبط، وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام، ثمَّ عرضهم وعرَّف عليهم العرفاء، وفي القوْم ثياذوس، وسَرْجِس، والكَمِيّ الذي يعدل بألف رجل؛ وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان، ونزل صحراء تدعى الدنق. فوافاه هناك بِنْدُوَيه ورجل مَنْ أصْبهْبَذِي الناحية يقال له: مُوسِيل في أربعين ألف مقاتل، وانقضّ الناس من فارس وأصْبَهان وخُراسان إلى أبَرْويز، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدَّنق، فشخص نحوه من المدائن، فجرت بينهما حرْب شديدة قُتِل فيها الكميُّ الرّوميّ، ويقال: إن أبَرْويز حارب بهرام منفردًا من العسكر بأربعة عشر رجلًا - منهم كُرْدِي أخو بهرام، وبِنْدُويه، وبِسطام، وسَابُور بن أفريان بن فرُّخزاد، وَفرْخْهُرْمُز - حربًا شديدًا وصل فيها بعضُهم إلى بعض. والمجوس تزعم: أن أبَرْويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام، فلمَّا ظن: أنه قد تمكّنَ منه؛ رفعه إلى الجبل شيء لا يوقف عليه. وذُكِر: أن المنجّمين أجمعت: أن أبَرْويز يملك ثمانيًا وأربعين سنة. وقد كان أبرَويز بَارَزَ بهْرام فاختطف رُمْحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصَّف، فاضطرب على بهرام أمرُه ووجِل، وعلم: أنَّه لا حيلة له في أبَرْويز فانحاز نحوَ خراسان، ثم صار إلى التّرك، وصار أبَرْويز إلى المدائن بعد أن فرَّق في جنود الرُّوم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق. ويقال: إنَّ أبَرْويز كتب للنَّصارى كتابًا أطلق لهم فيه عمارة بِيَعِهِم وأنْ يدخل في ملّتِهم منِ أحبَّ الدخولَ فيها من غير المجوس، واحتجَّ في ذلك: أنّ أنُوشِرْوان كان هادَن قيصَر في الإتاوة التي أخذها منه على اسْتِصْلاح من في بلده من أهْل بلده، واتّخاذ بيوت النيران هنالك، وإنَّ قيصر اشترط مثل ذلك في النصارى؛ ولبث بهرام في الترك مكرَّمًا عند الملك، حتى احتال له أبَرْويز بتوْجيه رجل يقال له: هُرْمز، وجَّهه إلى التَرْك بجوْهر نفيس وغيره حتى احتال لخاتون امرأة الملك ولاطَفَها بذلك إدجوهر وغيره، حتَّىدَسَّت لبهرام مَنْ قتله. فيقال: إنَّ خاقان اغتمَّ لقتْله وأرسل إلى كردية أخته وامْرَأتِه يُعْلمها بلوغ الحادث ببهرام منه، ويسألُها أن تُزوّج نفْسها نطرًا أخاه، وطلَّق خاتون بهذا السَّبب، فيقال: إن كردية أجابت خاقان جوابًا ليّنًا وصرفت نطرًا، وإنَّها ضمَّت إليها من كان جمع أخيها من المُقَاتلة وخرجت بهم من بلاد التّرك إلى حدود مَمْلكة فارس، وإنَّ نطرًا التركي اتَبَعها في اثنيْ عشر ألف مقاتل، وإنَّ كردية قتلت نطرًا بِيَدِها ومضت لوجْهِها، وكَتَبتْ إلى أخيها كردي فأخذ لها أمانًا من أبَرْويز، فلمَّا قدمت عليه تزوَّجَهَا أبَرْويز واغْتَبَط بها وشكر لها ما كان من عِتابها لبهرام، وأقبل أبَرْويزُ على بِرّ مورِيق وإلطافه. وإنَّ الروم خَلَعُوا - بعْد أن ملك كسرى أربع عشرة سنة - موريقَ وقتلوه وأبادوا وَرَثَتَهُ - خلا ابن له هرب إلى كسرى - وملَّكوا عليهم رجلًا يقال له: قُوفا. فلمَّا بلغ كِسْرى نكثُ الروم عهدَ موريق وقَتْلُهم إيَّاه؛ امتعض من ذلك وأنِفَ منه، وأخذته الحفيظة، فآوى ابنَ موريق اللّاجئَ إليه، وتوّجَه وملَّكه على الروم، ووجَّه معه ثلاثة نفر من قُوَّاده في جنود كثيفة. أمَّا أحدهم فكان يقال له: رُميوزان، وجَّهه إلى بلاد الشامِ فدوَّخها حتى انتهى إلى أرض فِلَسْطين، وورد مدينة بيت المَقْدس فأخذ أسْقُفها ومن كان فيها من القِسِّيسين وسائر النصارى بخشبة الصَّليب، وكانت وُضعت في تابوت من ذهب، وطُمِر في بُسْتان وزُرعَ فَوْقه مبقلة، وألحَّ عليهم حتى دلُّوه على موضعها، فاحتفر عنها بيده واستَخْرجها، وبعث بها إلى كِسْرى في أربع وعشرين من ملكه. وأمَّا القائدُ الآخر - وكان يقال له: شاهين، وكان فاذوسبان المغرب - فإنّه سار حتى احتوى على مصر والإسكندرية وبلادِ نُوبة، وبعث إلى كِسْرى بمفاتيح مدينة إسكندرتة في سنة ثمان وعشرين من ملكه. وأما القائد الثالث فكان يقال له: فَرُّهان، وتدعى مرتبته شَهْربَراز. وإنَّه قصد القُسْطنْطِينيَّة حتى أناخ على ضَفَّة الخليج القريب منها، وخيَّم هنالك، فأمره كِسْرى فخرَّب بلاد الرُّوم غضبًا ممَّا انتهكوا من موريق، وانتقامًا له منهم، ولم يخضع لابن موريق من الرّوم أحد ولم يمنحه الطاعة، غير أنَّهم قتلوا قوفا الملكَ الذي كانوا ملّكوه عليهم لِمَا ظَهَرَ لهم من فجوره وجرْأته على الله وسوء تدبيره، وملَّكوا عليهم رجلًا يقال له: هِرَقْل. فلمَّا رأى هرقل عظيم ما فيه بلادُ الروم من تخْريب جنود فارس إيَّاها وقَتْلِهامُقَاتِلتهم وسبيهم ذرارِيّهم واسْتِباحَتِهم أموالهم وانْتِهاكِهم ما بحضْرتهم؛ بكى إلى الله وتضرَّع إليه وسأله أن يُنْقِذه وأهلَ ممْلكته من جنود فارس، فرأى في منامه رجلًا ضخْمَ الجثَّة رفيعَ المجلس، عليه بِزّة، قائمًا في ناحية عنه، فدخل عليهما داخل، فألقى ذلك الرَّجل عن مجلسه، وقال لهرقل: إني قدْ أسلمته في يدك، فلم يقصُصْ رؤْياه تلكَ في يقظته على أحد، ورأى الليلة الثانية في منامه: أن الرَّجل الذي رآه في حلمه جالس في مجْلس رفيع، وأنَّ الرَّجل الدَّاخلَ عليهما أتاهُ وبيَدِه سلْسِلة طويلة، فألقاها في عُنُق صاحب المجلس وأمكنه منْه، وقال له: هأَنذا قد دفعتُ إليك كِسْرى بِرُمَّته، فاغْزُه فإنَّ الظفر لك، وإنَّك مدالٌ عليه ونائلٌ أمْنيتك في غَزَاتك. فلمَّا تتابعت عليه هذه الأحلام، قصَّها على عظماء الروم وذوي الرأي منهم. فأخبروه: أنَّه مدالٌ عليه، وأشاروا عليه أن يغزوَه، فاستعدّ هِرَقل واستخلف ابنًا له على مدينة قسطنطينِيَّة، وأخذ غير الطريق الذي فيه شَهْرَبراز، وسار حتَّى أوغل في بلاد أرمينيَة، ونزل نَصيبين بعد سنة، وكان شاهين - فاذوسبانُ المغرب - بباب كِسْرى حين ورد هِرَقْل نَصيبين لموْجدة كانت من كسرى عليه، وعزله إيَّاه عن ذلك الثَّغْر، وكان شهربراز مُرابطًا للموضع الذي كان فيه لتقدّم كسرى كان إليه في الجثوم فيه، وترك البراح منه، فبلغ كسْرَى خبرُ تساقط هِرَقْل في جنوده إلى نَصيبين، فوجَّه لمحاربة هرقْل رجلًا من قُوَّاده يقال له: راهزار، في اثني عشر ألف مقاتل، وأمره أن يقيم بنِينَوَى من مدينة الموْصِل على شاطئ دجلة، ويمنع الرومِ أن يجوزوها - وكان كِسْرَى حين بَلَغه خبرُ هِرَقْل مقيمًا بدَسْكَرة الملك - فنفذ راهزار لأمرْ كسرى، وعسْكر حيث أمره، فقطع هِرقْلِ دِجْلة في موضع آخر إلى الناحية التي كان فيها جندٌ فارس، فأذْكى راهزار العيونْ عليه، فانْصَرَفُوا إليه وأخبروه: أنَّه في سبعين ألف مقاتل، وأيقنَ راهزار: أنَّه ومَنْ معه من الجنود عاجُزون عن مناهضة سبعين ألف مُقَاتل، فكتب إلى كِسْرَى غيرَ مرَّة دَهْم هرقْلٍ إيَّاه بمن لا طاقة له ولمن معه بهم، لكثرتهم وحسنِ عدّتهم، كلُّ ذلك يجيبه كسرى في كتابه: أنَّه إن عجز عن أولئك الرُّوم فلنْ يعجز عن اسْتِقْتَالهم وبذْل دمائهم في طاعته، فلمَّا تتابعت على راهزار جواباتُ كُتُبِه إلى كِسْرى بذلك؛ عبَّى جندَه وناهض الرُّوم، فقتلت الرُّوم راهزار وستَّة آلاف رجُل،وانهَزَم بَقيَّتُهُم وهَرَبُوا على وجوههم، وبلغ كِسْرى قتلُ الرُّوم راهزار وما نَال هرقل من الظَّفر، فهدّه ذلك وانحاز من دَسْكَرة الملك إلى المدائن، وتحصَّن فيها لعجْزه عن محاربة هرقل. وسَار هِرَقل حتَّى كان قريبًا من المدائن، فلمَّا تساقط إلى كِسْرى خبرُه واستعدَّ لقتاله؛ انصَرَف إلى أرض الرُّوم وكتب كِسْرى إلى قُوَّاد الجُنْد الذين انهزموا يأمرهم أن يدُلّوه على كلّ رجل منهم ومن أصحابهم، ممّن فشل في تلك الحرب ولم يرابِطْ مركزه فيها، فيأمر أن يعاقب بقدر ما اسْتَوجَب، فأحْرجهم بهذا الكتاب إلى الخلاف عليه، وطلب الحِيَل لنجاة أنفسهم منه، وكتب إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه ويستعجله في ذلك، ويصفُ ما كان من أمْر الرُّوم في عمله. وقد قيل: إنّ قول الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إنما نزل في أمر أبَرْويز ملك فارس وملك الرُّوم هِرَقل، وما كان بينهما ممَّا قد ذكرت من هذه الأخبار (١). (٢: ١٦٨/ ١٨٤). ٨٤٨ - حدثنا القاسم، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثنا حجَّاج عن أبي بكْر، عن عِكْرمة، قال: كانت في فارس امرأة لا تَلِدُ إلَّا الملوك الأبطال، فدعاها كِسْرى، فقال: إنّي أريدُ أن أبْعَثَ إلى الرُّوم جيشًا وأستعْمِل عليهم رجلًا من بنيك، فأشِيري عليَّ أيّهم أستعمل، قالت: هذا فلانٌ وهو أروغ من ثعْلب، وأحذر من صقْر؛ وهذا فَرُّخان وهو أنفذُ من سِنان، وهذا شَهْربراز وهو أحْلم من كذا؛ فاستعملْ أيَّهم شئت، قال: فإنيّ قد استعملت الحلِيم، فاستعمل شَهْربَراز، فسار إلى الرُّوم بأهلِ فارس وظهر عليهم، فقتَّلَهم وخرَّب مدائِنَهم، وقطع زيتونهم. قال أبو بكر: فحَدَّثْتُ هذا الحديثَ عَطاء الخراسانيّ فقال: أما رأيت بلاد الشام؛ قلت: لا، قال: أما إنَّك لو أتيتَها لرأيتَ المدائنَ التي خُرّبت والزَّيتون الذي قُطع؛ فأتيتُ الشَّام بعد ذلكَ فرأيته. قال عَطاءُ الخراسانيّ: حدَّثني يحيى بن يَعْمَر: أن قَيصَر بعث رجلًا يُدْعىقطمة بجيش من الرُّوم، وبعث كِسْرى بشَهْربَراز، فالتقيا بأذْرِعَات وبُصرى - وهي أدْنَى الشَّأم إليكم - فلقيت فارسُ الرومَ فغلبتهْم فارس، ففرح بذلك كُفَّار قريش وكرهه المُسْلِمُون، فأنْزَل الله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢). . .﴾ الآيات. ثم ذي مثل حديث عِكْرمة، وزاد: فلم يبرح شَهْربَراز يطَؤهم ويخرِّب مدائنهم حتَّى بلغ الخليج، ثمَّ مات كسرى فبلغهم موتُه، فانهزم شَهْرَبَراز وأصحابُه، وأدِيلت عليهم الرُّوم عند ذلك، فاتّبعوهم يُقَتِّلونهم. قال: وقال عِكرمة في حديثه: لمّا ظهرت فارِس على الرُّوم؛ جلس فَرُّخان يشرب، فقال لأصحابه: لقد رأيتُ كأني جالس على سرير كسرى؛ فبلغت كِسْرى، فكتب إلى شَهْربَراز: إذا أتاك كتابي؛ فابعث إليٍّ برأس فَرُّخان. فكتب إليه: أيّها الملك؛ إنَّك لن تجد مثل فَرُّخان؛ إنَّ له نكاية وصوْتًا في العدِوّ فلا تفعل. فكتب إليه: إنَّ في رجال فارس خَلفًا منه، فعجِّل علي برأسه. فراجعه، فغضب كِسْرى فلم يجِبْه، وبعث بريدًا إلى أهْل فارس: إني قد نزعتُ عنكم شَهْربَراز، واستعملتُ عليكم فَرُّخان. ثمَّ دفع إلى البريد صحيفةً صغيرة. وقال: إذا وليَ فَرُّخان الملْك وانقادَ له أخوه؛ فأعطِه هذه الصحيفةَ، فلمَّا قرأ شَهْربَراز الكتاب، قال: سمعًا وطاعةً، ونزل عن سريره وجلس فَرُّخان، ودفع الصَّحيفةَ إليه فقال: ائتوني بِشَهْربَراز، فقدَّمه؛ ليضرب عُنُقَه، فقال: لا تعجل حتَّى أكتب وصِيَّتي، قال: نعم، فدعا بالسَّفَط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعتُ فيكَ كِسْرى، وأنت أردتَ أن تقتلني بكتاب واحد! فردَّ المُلْكَ إلى أخيه، وكتب شَهْربَراز إلى قَيصَر ملك الرُّوم: إنَّ لي إليك حاجةً لا تحملها البُرُد ولا تبلّغها الصُّحف، فالقَنِي، ولا تلقني إلَّا في خمسين روميًّا، فإني ألقاك في خمسين فارسيًّا، فأقبل قيصَرُ في خمسمئة ألف روميّ، وجعل يَضعُ العُيُون بين يديه في الطريق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتَّى أتاه عيُونُه: أنَّه ليس معه إلَّا خمسون رجلًا، ثم بُسِط لهما والتقيا في قُبَّة ديباج ضُربت لهما، مع كلِّ واحد منهما سكِّين، فدَعَوْا تُرْجمانًا بينهما، فقال شَهْرِبراز: إن الذين خرَّبوا مدائِنَك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإنَّ كِسْرى حسدنا فأراد أنْ أقتلَ أخي، فأبَيتُ، ثمَّ أمر أخِي أن يقتلني؛ فقد خَلَعْناه جميعًا فنحنُ نقاتله معك. قال: قد أصَبتُما، ثمَّ أشارَ أحدُهما إلى صاحبه: أن السرَّ بين اثنين، فإذا جاوز اثنين فَشَا، قال: أجَلْ،فقتلا التّرْجمان جميعًا بسِكِّينَهما؛ فأهلك الله كِسْرى، وجاء الخبرُ إلى رسول الله ﷺ يومَ الحُدَيبِيَة، ففرح ومن معه. وحُدِّثت عن هشام بن محمد: أنه قال: في سنة عشرين من مُلْك كِسْرى أَبَرْويز، بعث الله محمدًا ﷺ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وهاجر في سنة ثلاث وثلاثين من مُلْكِه إلى المدينة (١). (٢: ١٨٥/ ١٨٦ / ١٨٧).
Parsing and provenance details
Local passage ID
339928
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1009:917550
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
low
Entry type
Uncertain