Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

مولد رسول الله ﷺ

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 2344, entry [1007]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: مولد رسول الله ﷺ
page 2344, entry [1007]Open original source
ذكر مولد رسول الله ﷺ - ٨٣٤ - قال: وسأل عثمان بن عفّان قَباث بن أشْيم أخا بني عمرو بن لَيث: أنت أكبر أم رسولُ الله ﷺ؟ ؛ قال: رسول الله ﷺ أكبرُ مني، وأنا أقْدَمُ منه في الميلاد، ورأيت خَذْق الفيل أخضرَ محيلًا بعْده بعام، ورأيت أُميّة بن عبد شمس شيخًا كبيرًا يقودُه عبْدُه. فقال ابنه: يا قَبَاث، أنت أعلم وما تقول (٢). (٢: ١٥٥).٨٣٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن المطّلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة، عن أبيه، عن جده قيس بن مخرمة، قال: ولدت أنا ورسول الله ﷺ عام الفيل، فنحن لِدَان (١). (٢: ١٥٥). ٨٣٦ - وحدّثت عن هشام بن محمد، قال: وُلد عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ﷺ لأربع وعشرين مَضَت من سلطان كسرى أنوشِرْوان، وولد رسول الله ﷺ في سنة اثنتين وأربعين من سلطانه (٢). (٢: ١٥٥). ٨٣٧ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سَلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: ولد رسول الله ﷺ يومَ الإثنين عام الفيل، لاثنَتَي عشرة مضت من شهر ربيع الأول. وقيل: إنه وُلد ﷺ في الدَّار التي تُعْرَف بدار ابن يوسف؛ وقيل: إنّ رسول الله ﷺ كان وَهَبَها لعَقيل بن أبي طالب، فلم تَزَلْ في يد عَقِيل حتى توفِّي، فَبَاعها ولده من محمد بن يوسف، أخي الحجَّاج بن يوسف، فبنى دارَه التي يُقال لها دار ابن يوسف، وأدخل ذلك البيتَ في الدَّار، حتى أخرجَتْه الخيزُران فجعلَتْه مسجدًا يصلَّى فيه (٣). (٢: ١٥٦). ٨٣٨ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: يزْعُمون فيما يتحدَّث الناس - والله أعلم -: أن آمنة بنت وهب أتم رسول الله ﷺ كانت تُحدَّث: أنَّها أتِيَتْ لمّا حَمَلت برسول الله ﷺ، فقيل لها: إنك قد حملت بسيِّد هذه الأمّة فإذا وقع بالأرض فَقُولي: أعيذُه بالواحد، من شرّ كل حاسد، ثم سمّيه محمدًا. ورأتْ حين حَمَلت به: أنَّه خرج منها نور رأت منه قُصور بُصْرَى من أرض الشَّام، فلمَّا وضعته أرسلت إلى جدّه عبد المطلب: أنَّه قد ولد لك غلام فَائْته، فانظرُ إليه. فأتاه فنظر إليه، وحدَّثتْه بما رأتْ حين حملت به، وما قيل لها فيه، وما أمرِت أن تسمّيَه (٤). (٢: ١٥٦). ٨٣٩ - حدَّثني محمد بن سنان القزَّاز، قال: حدَّثنا يعقوب بن محمدالزُّهْريّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيز بن عمران، قال: حدّثني عبدُ الله بن عثمان بن أبي سُلَيمان بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه، عن ابن أبي سُوَيد الثقفيّ، عن عثمان بن أبي العاص، قال: حدّثتني أمّي: أنَّها شهدت ولادة آمنة بنت وهب أمّ رسول الله ﷺ وكان ذلك ليلَ وَلَدَتْه - قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلَّا نَوَّر، وإني لأنظُر إلى النجوم تَدْنو، حتى إني لأقول: لتقعنَّ عَلَيَّ (١). (٢: ١٥٦/ ١٥٧). ٨٣٩ / أ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: فيَزْعُمُون: أن عبد المطلب أخذَهُ فدخل به على هبَل في جوف الكَعْبة، فقام عنْدَه يدعو الله ويشْكُر ما أعطَاه، ثمَّ خرج به إلى أمّه فدفعه إليها، والْتَمَسَ له الرُّضَعَاء، فاسترضع له امرأةً من بني سعد بن بكر، يقال لها: حليمة ابنة أبي ذُؤَيب، وأبو ذؤيب: عبد الله بن الحارث بن لثِمجْنَة بن جابر بن رِزِام بن ناصرة بن فُصيّة بن سعد بن بكر بن هَوازِن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة بن قَيس بن عَيلان بن مُضَر. واسم الذي أرضعه: الحارث بن عبد العزّى بن رفاعة بن مِلَّان بن ناصرة ابن فُصيّة بن سعد بن بكْر بن هَوَازِن بن منصور بن عِكْرِمَة بن خَصَفة بن قيس بن عيلان بن مضر. واسم إخْوَته من الرَّضَاعة: عبد الله بن الحارث، وأنَيسة بنة الحارث، وخِذامة بنة الحارث، وهي الشَّيماء، غلب ذلك على اسمها فلا تعرف في قومِهَا إلَّا به. وهي حليمة بْنةُ عبد الله بن الحارث، أمّ رسول الله ﷺ؛ ويزعمون: أنّ الشّيماء كانت تَحْضُنُه مع أمّها إذ كان عندهم ﷺ. وأمَّا غير ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدّثني به الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني موسى بن شَيبَة عن عميرة ابنة عُبيد الله بن كعب بن مالك، عن بَرَّة ابنة أبي تُجْزَأة، قالت: أوَّلُ من أرضعَ رسول الله ﷺ ثوَيبة بلبنِ ابنٍ لها - يُقال له: مَسْرُوح -أيامًا قبل أن تقدَم حليمة؛ وكانت قد أرْضَعَت قبله حمزَة بن عبد المطلب، وأرْضَعَت بعدَه أبا سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ (٢). (٢: ١٥٦/ ١٥٧). ٨٤٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثني ابن إسحاق.وحدَّثنا هنَّاد بن السَّرِيّ، قال: حدَّثنا يونس بن بُكير، قال: حدَّثنا ابن إسحاق. وحدّثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: حدَّثنا المُحَاربيّ عن ابن إسحاق. وحدَّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدَّثني عمِّي محمد بن سعيد، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق عن الجهم بن أبي الجهم مولى عبد الله بن جعفر، عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، قال: كانت حليمة ابنة أبي ذُؤَيب السَّعدية أمّ رسول الله ﷺ التي أرْضَعَتْه تُحدَّث: أنها خرَجَتْ من بلدها معها زوجُها وابنٌ لها ترضعه في نسوةٍ من بني سعْد بن بكر، تَلْتمسُ الرُّضَعاء، قالت: وذلك في سَنَة شهْبَاء لم تُبْقِ شيئًا، فخَرَجْتُ على أتان لي قَمْرَاء، معنا شارفٌ لنا، والله ما تبِضّ بقطرة، وما ننام ليلَنا أجمعَ من صَبيّنا الذي معي من بكائه مِن الجوعِ، وما في ثَدْيي مَا يُغْنيه، وما في شَارِفنا ما يغذُوه، ولكنَّا نرجوا الغيثَ والفرجَ؛ فخرجتُ على أتاني تلك، فلقد أذمّت بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعَجَفًا، حتى قدمنا مكَّة نلتمِسُ الرُّضعاء، فما منَا امرأة إلَّا وقد عُرضَ عليها رسول الله ﷺ فتَأبَاه إذا قيل لها: إنَّه يتيمٌ، وذلك أنَّا إنَّما نرجو المعروفَ من أبي الصَّبيّ، فكنّا نقولُ: يتيمٌ ما عسى أن تصنع أمّهُ وجدّه؛ فكنا نكرهه لذلك؛ فما بَقِيَتْ امرأةٌ قدِمَتْ مَعي إلَّا أخَذَتْ رضيعًا، غيري فلمَّا أجمَعْنا الانطلاق، قلت لصاحبي: إني لأكْرَه أن أرجعِ من بين صوَاحباتي ولم آخذْ رضيعًا، والله لأذهبنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخُذنَّه، قال: لا عليك أن تفعلي، فعسى الله أن يجعل لنا فيه بركة! قالت: فذهبتُ إليه فأخَذْتُه وما حملني على ذلك إلَّا أني لم أجِد غيرَه. قالت: فلما أخذْتُه رجعت به إلى رحْلي، فلمَّا وضعته في حِجْري أقبَل عليه ثدْيَايَ بما شاء من لبن، فشرب حتَّى رويَ، وشربَ معه أخُوه حتى رَويَ، ثم ناما - وما كان ينامُ قبلَ ذلك - وقام زوجي إلى شارِفنا تلك، فنظر إليها فإذا إنّها لحافل، فحلبَ منها حتَّى شرِبَ وشربتُ، حتى انتهينا ريًّا وشَبَعًا، فبتْنَا بخير ليلة. قالت: يقول لي صاحبي حينَ أصبحتُ: أتعلمين والله يا حليمة لقد أخذت نسمةً مباركة! قلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثمَّ خرجنَا وركبتُ أتاني تلك، وحملتُه عَليها معي، فوالله لقَطَعَتْ بنا الرَّكْب ما يقدَمُ عليهَا شيءٌ من حُمُرِهم، حتَّى إن صواحبي ليَقُلْنَ لي: يا بنةَ أبي ذُؤَيب، اربَعِي علينا. أليسَ هذه أتانَكَ التي كنت خرجتِ عليها؟ فأقولُ لهنّ: بلى والله، إنها لهي هي! فيقلن: والله إنَّ لها لشأنًا. قالت: ثمَّ قدمنا منازِلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرضِ الله أجدبَمنها، فكانتْ غنمي تروح عليّ حين قدِمْنا به معنا شِباعًا لُبَّنًا، فنحلب، ونشرب، وما يحلب إنسانٌ قطرةً ولا يجدها في ضَرْع، حتى إن كان الحاضر من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلَكم، اسرحوا حيثُ يسرَح راعي ابنة أبي ذؤيب! فتَرُوحُ أغنامُهم جياعًا ما تَبِضّ بقطرةِ لبن، وتروح غَنَمي شِبَاعًا لُبَّنًا. فلم نزل نتعرَّف من الله زيادةَ الخير به، حتى مضت سنتان وفصلتُه. وكان يشِبُّ شبابًا لا يشَبُّه الغلمان، فلم يبلغ سَنَتَيهِ حتَّى كان غلامًا جَفْرًا، فقدِمْنا به على أمِّه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا، لما كنَّا نرى من بركته، فكلَّمنا أمَّه، وقلنا لها: يا ظِئْر، لو تركْتِ بُنيّ عندي حتى يغلُظ، فإني أخشى عليه وباء مكّة! قالت: فلم نزل بها حتَّى ردَدْناه معنا. قالت: فرجعْنا به، فوالله إنَّه بعد مقدمنا به بأشْهر مع أخيه في بَهْم لنا خلف بيوتنا، إذ أتانا أخُوه يشتدُّ، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشيّ قد جاءه رجلان عليهما ثياب بياض، فأضْجَعاه وشقَّا بطنه وهما يسوطانه. قالت: فخرجتُ أنا وأبوه نَشتدّ، فوجدناه قائمًا منتقعًا وجهه، قالت: فالتزمْتُه والتزمَه أبُوه، وقلنا له: ما لك يا بنيّ؟ ! قال: جاءني رجلان عليهما ثيابُ بياض، فأضجعاني فشقَّا بطني فالتمسا فيه شيئًا لا أدري ما هو! قالت: فرجعنا إلى خِبائنا. قالت: وقال لي أبوه: والله يا حليمة لقد خشيتُ أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألْحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك، قالت: فاحتَمَلْناه، فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمَكِ به يا ظِئْر، وقد كنت حريصةً عليه وعلى مُكْثه عندك؟ قالت: قلتُ: قد بلغ الله بابني وقضيتُ الذي عليَّ وتخوّفتُ الأحْداثَ عليه، فأدَّيتُه إليك كما تحبّين. قالت: ما هذا بشأنِك، فاصدقينِي خبَرَك، قالت: فلم تدعني حتَّى أخبرتها الخبر، قالت: فتخوّفت عليه الشيطان؟ قالت: فقلت: نعم، قالت: كلَّا والله ما للشَّيطان عليه سبيل، وإنَّ لِبُنيَّ لشأنًا، أفلا أخبِرُكِ خَبَرَهُ؟ قالت: قلت: بلى، قالت: رأيتُ حين حَمَلْتُ به: أنَّه خرج مني نُورٌ أضاءت له قصور بُصرَى من أرض الشام، ثم حملتُ به، فوالله ما رأيت من حَمْل قطُ كان أخفَّ منه ولا أيسرَ منه، ثم وقع حين ولدته وإنَّه لواضعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسه إلى السَّماء؛ دعيه عنكِ، وانطلقي راشِدَة (١). (٢: ١٥٨/ ١٥٩ / ١٦٠).٨٤١ - حدَّثنا نصرُ بن عبد الرحمن الأزْدي، قال: حدَّثنا محمد بن يَعْلَى عن عمر بن صُبَيح، عن ثَوْر بن يزيد الشَّأميّ، عن مكْحول الشأميّ، عن شدَّاد بن أوْس، قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول الله ﷺ، إذ أقبل شيخ من بني عامر، وهو مِدْرَهُ قومِه وسيّدهُم؛ من شيخ كبير يتوكأ على عصا، فَمَثَل بين يدي النبيّ ﷺ قائمًا، ونسبَه إلى جدّه، فقال: يا بن عبد المطّلب؛ إنّي أنْبِئتُ: أنّك تزعم: أنّك رسول الله إلى النَّاس، أرسلك بما أرْسَل به إبراهيمَ، وموسى، وعيسى، وغيرهم من الأنبياء، ألا وإنَّك فوّهت بعظيم، وإنَّما كانت الأنبياءُ والخلفاءُ في بيتَين من بني إسرائيل، وأنت ممَّن يَعْبُد هذه الحجارةَ والأوثان، فما لك وللنبوّة؟ ! ولكنّ لكلّ قول حقيقة، فأنبئني بحقيقة قولك، وبدء شأنك؛ قال: فأُعْجِبَ النبيّ ﷺ بمَسْألَتِه، ثم قال: يا أخا بني عامر! إنَّ لهذا الحديث الذي تسألني عنه نبأ ومجلسًا، فاجلسْ، فَثَنَى رجْليه ثم برك كما يبرك البعير، فاستَقْبَله النبيّ بالحديث فقال: يا أخا بني عامر! إن حقيقةَ قولي، وبدءَ شأني: أنّي دَعْوةُ أبي إبراهيم، وبُشْرَى أخي عيسى بن مرْيَم. وإنّي كنْتُ بِكْرَ أمّي، وإنَّها حملت بي كأثْقل ما تحمِلُ، وجعَلَتْ تشتكي إلى صواحِبها ثقلَ ما تَجِدُ. ثم إنّ أمي رأت في المنام: أنّ الَّذي في بطنها نورٌ، قالتْ: فجعلت أتْبع بصري النورَ، والنورُ يسبقُ بصري، حتى أضاءَتْ لي مشارقُ الأرض، ومغاربُها. ثم إنَّها ولَدتْني فنشأتُ، فلمَّا أن نشأتُ بُغِّضَت إليَّ أوْثانُ قريش، وبُغِّض إليَّ الشّعْر، وكنت مسترضَعًا في بني ليث بن بكر، فبينَا أنا ذات يوم منتبِذ من أهلي في بطن واد مع أتْراب لي من الصبيان نتقاذف بيننا بالجَلَّة، إذ أتانا رهْطٌ ثلاثة معهم طَسْتٌ من ذهب مُلئ ثلْجًا، فأخذوني من بين أصحابي، فخرج أصحابي هُرَّابًا حتى انتهوْا إلى شفير الوادي، ثم أقبلُوا على الرَّهط، فقالوا: ما أربُكم إلى هذا الغلام، فإنه ليس منّا، هذا ابن سيّد قريش، وهو مسترضع فينا؛ من غلام يتيم ليس له أب، فماذا يردّ عليكم قتلُه، وماذا تصيبون من ذلك! ولكن إن كنتم لا بدَّ قاتليه، فاختاروا منَّا أيّنا شئتم، فليأتكم مكانَه فاقتلُوُه، ودعُوا هذا الغلام فإنَّه يتيم. فلمَّا رأى الصبيان القومَ لا يُحيرون إليهم جوابًا،انطلقوا هُرَّابًا مسرعين إلى الحيّ، يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم؛ فعمَد أحدُهم فأضْجعني على الأرض إضْجَاعًا لطيفًا، ثم شقّ ما بين مفرق صدْري إلى منتهى عانتي، وأنا أنْظرُ إليه، فلم أجد لذلك مَسًّا. ثمّ أخرج أحشاءَ بطني ثمَّ غسلها بذلك الثلج فأنْعَم غسْلَها، ثم أعادها مكانَها، ثم قام الثاني منهم، فقال لصاحبه: تنحّ، فنحَّاه عني، ثم أدْخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصَدَعَه، ثم أخرج منه مُضْغَة سوداء، فرَمى بها ثم قال بيدِه يمنةً منه؛ كأنَّه يتناول شيئًا، فإذا أنا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه، فختم به قلبي، فامتلأ نورًا، وذلك نور النبوّة والحكمة، ثمّ أعادَهُ مكانَه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرًا، ثم قال الثَّالث لصاحبه: تَنَحَّ عني، فأمَرَّ يَدَه ما بين مفرِق صدْري إلى مُنْتَهى عانتي، فالتأم ذلك الشقّ بإذْن الله. ثم أخذ بيدي فأنهضَني من مكاني إنْهَاضًا لطيفًا، ثم قال للأوَّل الذي شقّ بطني: زِنْه بعشرة من أمَّتِه، فوزنوني بهم فرجحتُهم، ثم قال: زنه بمئة من أمَّتِه، فوزنوني بهم فرجَحْتُهم، ثم قال: زنه بألف من أمَّته، فوَزَنُوني بهم فرجَحْتُهم. فقال: دعوهُ، فلو وزَنْتمُوه بأمَّته كلها لرجحهم. قال: ثمَّ ضمّوني إلى صُدورهم وقبّلوا رأسي وما بينَ عينيَّ، ثم قالوا: يا حبيب! لم تُرَعْ؛ إنَّك لو تدري ما يراد بك من الخير لقَرَّتْ عيناك. قال: فبينَا نحن كذلك؛ إذ أنا بالحيّ قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمّي - وهي ظئْري - أمام الحيّ تهتف بأعْلَى صوتها، وتقول: يا ضعيفاه! قال: فانكبُّوا على، فقبَّلوا رأسي وما بين عينيّ، فقالوا: حبّذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظِئْري: يا وحيدَاه! فانكَبّوا على فضمّوني إلى صُدُورهم وقَبَّلوا رأسي وما بين عَينَيَّ، ثم قالوا: حَبَّذا أنت من وحيد وما أنتَ بوحيدَ إن الله معك وملائكتَه والمؤمنين من أهل الأرض. ثمَّ قالت ظئري: يايتيماه، اسْتُضْعِفْتَ من بين أصحابك فَقُتِلْتَ لضعْفِك، فانكبّوا عليَّ فضَمّوني إلى صدورهم وقبّلوا رأسي وما بين عَينَيّ، وقالوا: حتذا أنت من يتيم، ما أكْرَمَك على الله! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير! قال: فوصلوا بي إلى شَفِير الوادي، فلمّا بصرت بي أمّي - وهي ظئري - قالت: يا بُنيَّ ألا أراك حيًّا بعدُ! فجاءت حتَّى انكبَّتْ على وضمَّتْني إلى صدْرِها؛ فو الذي نفسي بيده، إنّي لفي حِجْرها وقد ضمّتني إليها، وإنَّ يدي في يد بعضهم، فجعلتُ ألتفتُ إليهم وظَننْتُ أنّ القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم، يقول بعض القوم: إنَّ هذا الغلامَ قد أصابه لمَم أو طائفٌ من الجنّ، فانطلقوا به إلى كاهِننا حتى ينظرإليه ويُدَاويَه. فقلت: يا هذا! ما بي شيء مما تذكر، إن آرائي سليمة وفؤادي صحيح، ليس بي قَلبَة. فقال أبي - وهو زوج ظئري - ألا ترون كلامه كلامَ صحيح! إني لأرجو ألّا يكون بابني بأسٌ، فاتّفقوا على أن يذهبوا بي إلى الكاهن فاحتملوني حتى ذهبوا بي إليه، فلمَّا قَصُّوا عليه قِصَّتي قال: اسكُتُوا حتَّى أسمعَ من الغلام، فإنَّه أعلمُ بأمره منكم، فسألني، فاقتصصت عليه أمري ما بين أوَّله وآخره، فلمَّا سمع قولي وَثَبَ إليَّ فضمَّني إلى صدْره ثم نادى بأعلى صوته: يا لَلْعَرب! يا لَلْعَرب! اقتلوا هذا الغلامَ واقتلوني معه، فو اللّات والعزَى لئن ترَكتْموه وأدرك؛ ليَبُدّلن دينكُم، وليُسفّهَنَّ عقولَكُم وعقولَ آبائكم، وليَخالفنَّ أمْرَكم، وليأتِيَنكُم بدينٍ لم تسمعوا بمثله قطّ! فَعَمَدَتْ ظِئري فانتزعَتْني من حِجْرِه وقالت: لأنْتَ أعْتَهُ وأجَنّ من ابني هذا! فلو علمتُ: أن هذا يكون من قولك ما أتيتُك بِه، فاطلب لِنَفْسِك من يقتُلُك، فإنّا غيرُ قَاتِلي هذا الغلام. ثم احتملوني فأدّوني إلى أهلي فأصبحت مُفْزَّعًا مما فعل بي، وأصبح أثر الشّقّ ما بين صدري إلى مُنْتَهَى عانتي كأنه الشِّراك. فذلك حقيقةُ قولي، وبدءُ شأني يا أخا بني عامر! فقال العامريّ: أشهدُ بالله الذي لا إله غيره: أن أمْرَك حقّ! فأنبئْني بأشياء أسألك عنها؛ قال: سل عنك - وكان النبيّ ﷺ قبل ذلك يقول للسّائل: سل عمّا شئت، وعمَّا بدا لك، فقال للعامريّ يومئذ: "سل عنْك"، لأنَّها لغةُ بني عامر، فكلَّمه بما علِم - فقال له العامريّ: أخبرني يا بنَ عبد المطلب ما يزيدُ في العِلم؟ قال: التعلّم. قال: فأخبرني ما يدلّ على العلْم؟ قال النبيّ ﷺ: السؤال. قال: فأخْبِرْني ماذا يزيدُ في الشرّ؟ قال: التمادي. قال: فأخْبرني هل ينفع البِرُّ بعد الفجور. قال: نعم، التَّوبة تغسِل الحوْبة، والحسناتُ يُذهِبْن السيئات، وإذا ذكر العبدُ ربَّه عند الرَّخاء؛ أغاثهُ عند البَلَاء. قال العامريّ: وكيف ذلك يا بنَ عبد المطلب؟ ! قال: ذلك بأنّ الله يقول: لا وعزَّتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمْنَين، ولا أجمع له أبدًا خوْفَين، إن هو خافَني في الدنيا؛ أمِنَنِي يومَ أجمعُ فيه عِبادي عندي في حظيرة الفردوس، فيدومُ له أمْنُه، ولا أمْحقُه فيمن أمحق، وإن هو أمِنَني في الدُّنيا خَافَني يوم أجْمَعُ فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدومُ له خوفُه. قال: يا بن عبد المطّلب! أخبرني إلامَ تدعو؟ قال: أدعو إلى عبادة اللهوحْدهُ لا شريكَ لَهُ، وأن تَخْلَع الأنْدَاد، وتكْفُرَ باللَّات والعزَّى، وتقرَّ بما جاء من الله من كتاب أو رسول، وتصلِّي الصلوات الخمس بحقائقهنّ، وتصوم شهرًا من السنة، وتؤدي زكاةَ مَالِكَ، يطهّرك اللهُ بها، ويُطَيِّب لك مالكَ، وتحجّ البيتَ إذا وجَدْت إليه سبيلًا، وتغتسل من الجنابة، وتؤمن بالموْت، وبالبَعْث بعد الموت، وبالجَنَّة، والنار. قال: يا بن عبد المطّلب! فإذا فعلتُ ذلك فما لي؟ قال النبيّ ﷺ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال: يا بن عبد المطّلب! هل مع هذا من الدنيا شيء؟ فإنه يُعْجبُني الوَطاءَة من العيش! قال النبي ﷺ: نعم، النَصْرُ، والتَّمكُن في البلاد. قال: فأجابَ، وأنابَ (١). (٢: ١٦١/ ١٦٢ / ١٦٣/ ١٦٤). ٨٤١ / أ - قال ابن إسحاق: هلك عبدُ الله بن عبد المطلب أبو رسول الله ﷺ، وأمُّ رسولِ الله آمنةُ بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حاملٌ به. وأمَّا هشام فإنه قال: توفِّيَ عبدُ الله أبو رسول الله بعدَ ما أتَى على رسولِ الله ﷺ ثمانيةٌ وعِشْرون شهرًا (٢). (١٦٥: ٢). ٨٤٢ - حدّثنى الحارث، قال: حدَّثنا ابن سعد، قال: قال محمد بن عمر الواقديّ: الثَّبَت عندنا مِمّا ليس بين أصحابنا فيه اختلاف: أن عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام في عِير لقريش، فنزل بالمدينة - وهو مريض - فأقام بها حتى توفِّي، ودفن في دار النابغة، في الدَّار الصّغْري إذا دخلت الدَّار على يسارك في البيت (٣). (٢: ١٦٥). ٨٤٣ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري: أن أمَّ رسول الله ﷺ آمنة، توُفِّيت - ورسولُ الله ﷺ ابنُ ستّ سنين - بالأبْوَاءِ بين مكة والمدينة، كانت قدمتبه المدينة على أخْوالِهِ من بني عدِيّ بن النَّجَّار تُزِيرُه إيَّاهم، فماتَتْ وهيَ راجعةٌ به إلى مكة (١). (٢: ١٦٥). ق ٨٤٤ - وقد حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: أخبَرنا محمد بن عمر، قال: حدَّثني ابن جريج عن عثمان بن صفوان: أنّ قبْر آمنة بنت وهب في شِعْبِ أبي ذرٍّ بمكَّة (٢). (٢: ١٦٦). ٨٤٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلمة عن ابن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن مَعْبد بن العباس، عن بعض أهله: أن عبد المطلب تُوُفِّيَ ورسول الله ﷺ ابن ثماني سنين؛ كان بعضهم يقول: تُوُفِّيَ عبد المطلب ورسول الله ابْنُ عَشْرِ سنين. (٣) (١٦٦٠٢). ٨٤٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثنا طلْحَة بن عمرو الحضْرَميّ عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ حِجْر أبي طالب بعد جدّه عبد المطَّلب، فيُصْبحُ ولد عبد المطلب غُمْصًا رُمْصًا، ويصبح ﷺ صقِيلًا دهينًا (٤). (٢: ١٦٦). ٨٤٧ - رجع الحديث إلى تمام أمْرِ كسرى بن قُباذ أنوشروان. حدثنا علي بن حرب الموصليّ، قال: حدَّثنا أبو أيّوب يَعْلى بن عمران البَجَليّ، قال: حدّثني مَخْزوم بن هانئ المخزوميّ عن أبيه - وأتت له خمسون ومئة سنة - قال: لمَّا كانت ليلة وُلِدَ فيها رسول الله؛ ﷺ ارْتَجَسَ إيوانُ كِسْرى وسقَطَتْ منه أربعَ عشرةَ شرفة، وخَمَدَتْ نار فارس، ولم تخمدْ قبل ذلك بألف عام، وغاضتْ بُحَيرة سَاوَة، ورأى الموبَذَان إبلًا صِعابًا تقود خيلًا عِرابًا، وقد قطعَتْ دِجْلَة، وانتشرتْ في بلادها. فلمَّا أصْبَح كِسْرَى؛ أفْزَعَهُ ما رأى، فصبَرَ تَشَجّعًا، ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومَرَازِبَتِهِ، فلبِسَ تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه.فلمّا اجتمعوا إليه أخبرهم بالَّذي بَعَثَ إليهم فيه ودعاهم. فبينَاهُم كذلك إذْ وَرَدَ عليه كتابٌ بخمودِ النَّارِ فازداد غمًّا إلى غمّه، فقال الموْبذان: وأنا أصلح الله المَلِكَ؛ قد رأيت في هذه الليلة ... وقصَّ عليه الرُّؤيَا في الإبل. فقال: أيّ شيء يكون هذا يا موْبذان؟ ! - وكان أعلمهم عند نفسه بذلك - فقال: حادثٌ يكون من عندِ العرب، فكتب عند ذلك: من كسْرى مَلك المُلُوك إلى النُّعمان بن المنذر، أمَّا بعد؛ فوجّهْ إليَّ رجلًا عالمًا بما أريدُ أن أسألَه عنه. فوجّه إليه عبدَ المسيح بن عمرو بن حيَّان بن بُقَيلة الغسّانيّ، فلمَّا قدم عليه، قال له: أعندك علم بما أريد أنْ أسألَكَ عنه؟ قال: ليخبرني الملك، فإنْ كان عنْدي منه علم، وإلَّا أخبرتُهُ بمن يعلمه له، فأخبَرَه بما رأى؛ فقال: علم ذلك عند خال لي يسكُن مَشَارِفَ الشأم، يقال له: سَطِيح، قال: فائْيه فاسأله عمّا سألْتك، وائْتِني بجوابه. فركب عبدُ المسيح راحِلَتَهُ حتى قدم على سَطيح - وقد أشفى على الموت - فسلَّم عليه وحيَّاه، فلم يُحِرْ سطيحٌ جوابًا، فأنشأ عبدُ المسيح يقول: أصمَّ أم يَسْمَعُ غِطرِيفُ الْيَمَنْ! ... يا فاصِلَ الْخُطَّةِ أَعْيَتْ مَنْ ومَنْ أَم فَازَ فازْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَنَنْ ... أتاكَ شَيخُ الْحَيّ مِنْ آلِ سَنَنْ وَأُمُّهُ مِن آلِ ذِئْبِ بن حَجَنْ ... أزْرَقُ مُمْهَى النَّابِ صَرَّارُ الأُذُنْ أبْيَضُ فَضْفاضُ الرِّدَاءِ وَالْبَدَنْ ... رسُولُ قَيلِ الْعُجْم يَسْرِي لِلْوَسَنْ يَجُوبُ بي الأرضَ عَلَنْدَاةٌ شَزَن ... ترْفَعُنِي وَجْنٌ وتَهْوي بِي وَجَنْ لَا يَرْهَبُ الرَّعْدَ وَلَا رَيبَ الزَّمَنْ ... حتَّى أتَى عَارِي الجآجِي والقَطَنْ تَلفَّهُ في الرِّيحِ بَوْغَاءُ الدِّمَنْ ... كأَنَّمَا حُثْحِثَ مِنْ حَضْنَي ثَكَنْ فلمّا سمع سطيح شعْرَه، رفع رأسه، وقال: عبدُ المسيح، على جمل يسيح، إلى سطيح، وقد أوْفى على الضَّريح، بَعَثك مَلِكُ بني ساسان، لارتجاس الإيوان، وخُمودِ النيران، ورؤيا الموْبَذان. رأى إبلًا صِعابًا، تقود خيلًا عِرابًا، قد قَطَعَتْ دجْلة وانتشرت في بلادها؛ يا عبدَ المسيح! إذا كَثرُت التلاوَة، وبُعِث صاحبُ الهراوة، وفاض وادي السَّماوة، وغاضَتْ بحيرةُ ساوة، وخَمَدَتْ نارُ فارس؛ فليسَت الشَّأمُ لسَطيح شأمًا؛ يملِكُ منهم ملوكٌومَلِكَات، على عَدَدِ الشُرفَات، وكلُّ ما هو آت آت. ثمَّ قضى سطيح مكانَه، فقام عبد المسيح إلى رحْلِهِ وهو يقول: شَمِّرْ فإنَّكَ مَاضِي الهَمِّ شِمِّيرُ ... لا يُفزِ عَنَّكَ تَفْرِيقٌ وتَغْييرُ إنْ يَكُ مُلْكُ بَنِي ساسانَ أفْرَطَهُمْ ... فإنَّ ذَا الدَّهْرَ أطْوارٌ دَهَارِيرُ فرُبَّمَا رُبَّمَا أضْحَوْا بمَنْزِلَةٍ ... تهَابُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المهَاصيرُ مِنْهُمْ أخو الصَّرْح مِهْرَانٌ وإخْوَتُهُ ... والهُرْمُزان وسابورٌ وسابورُ والنَّاسُ أولادُ عَلَّاتٍ فمَن عَلِموا ... أنْ قد أقَلَّ، فمَهْجُورٌ ومَحْقُورُ وهُمْ بَنُو الأمِّ لَمَّا أنْ رَأَوْا نَشَبًا ... فذَاكَ بالْغَيبِ محْفوظٌ ومَنْصُورُ والخَيرُ والشَّرُّ مقرونانِ في قَرَنٍ ... فالخيرُ مُتَّبَعٌ والشَّرُّ مَحْذُورُ فلمَّا قَدِم عبدُ المسيحِ على كِسْرى، أخبره بقول سطيح، فقال: إلى أن يملك منَّا أربعةَ عشر ملِكًا قد كانت أمور. فمَلَكَ منهم عشرةٌ أربعَ سنين، ومَلَك الباقون إلى ملْك عثمان بن عفان. وحُدّثتُ عن هشام بن محمد، قال: بعث وهْرِز بأموال وطُرَف من طُرَف اليمن إلى كسْرى، فلما صارَتْ ببلاد بني تميم، دعا صَعْصَعةُ بن ناجية بن عِقال المجاشعيّ بَني تميم إلى الوثوب عليه، فأَبَوْا ذلك، فلمَّا صارتْ في بِلادِ بني يربوع دعاهم إلى ذلك، فهابوه، فقال: يا بني يَرْبُوع! كأنّي بهذه العير قد مرَّت ببلاد بكْر بن وائِل، فوَثَبُوا عليها فاستعانوا بها على حَرْبِكُمْ! فلمَّا سمعوا ذلك؛ انْتَهَبُوها، وأخذ رجلٌ من بني سَليط يقال له: النَّطِف خُرْجًا فيهِ جوْهر، فكان يقال: "أصاب كنز النَّطِف"؛ فصار مثلًا؛ وأخذ صعْصَعة خَصَفة فيها سبائكُ فِضَّة، وصار أصحاب العير إلى هَوْذَة بن عليّ الحنفيّ باليمامة، فكساهم، وزوَّدهم وحملهم، وسار معهم حتى دخل على كسرى. وكان لَهْوذة جَمَالٌ وبَيَان، فأعجب به كسرى وحَفِظ له ما كان منه، ودعا بعِقد من دُرّ فعقد على رأسِه، وكساه قباء ديباج، مع كسوة كثيرة، فمن ثمَّ سُمّيَ هوذة ذا التاج؛ وقال كسرى لهوذة: أرَأيتَ هؤلاء القوم الذين صنعوا ما صنعوا مِنْ قومِكَ هم؟ قال: لا، قال: أصلحٌ هُم لك؟ قال: بيننا الموتُ، قال: قد أدْرَكْت بعضَ حاجتك [ونلت ثأرك]. وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم، فقيل له: إنَّ بلادَهُمْ بلادُ سوء، إنّما هي مفاوزُ وصحارى لا يهتَدَى لمسالكها، وماؤهُمْ من الآبار،ولا يؤمن أن يُغَوّرُوها فيهلك جندك. وأشيرَ إليه أن يكتبَ إلى عامِله بالبحرين وهو آزاذ فُروز بن جُشْنَس الذي سمّتْه العرب المُكَعْبِر - وإنما سمِّي المكعبر، لأنَّه كان يقطع الأيديَ والأرْجُل وآلى ألا يدع من بني تميم عينًا تطرِفُ - فَفَعَل؛ ووجَّه له رسولًا. ودعا بهوذة فجدَّدَ له كرامة وصلَةً وقال: سِرْ مع رسولي هذا فاشْفِني واشْتَفِ، فأقبل هوذة والرَّسُول معه حتى صار إلى المكعبِر، وذلك قريب من أيَّام اللُّقاط، وكان بَنُو تميم يصيرون في ذلك الوقت إلى هَجَر، للميرَةِ واللُّقاط، فنادى منادي المكَعْبِر: مَن كان ها هنا من بني تميم فلْيَحْضر فإن الملك قد أمر لَهُمْ بميرَةٍ وطعام يُقسّم فيهم؛ فحضروا، فأدخلهم المُشَقَّر - وهو حصنٌ حِيَاله حصنٌ يقال له: الصَّفا، وبينهما نهرٌ يقال له: محلّم - وكان الذي بني المشقَّر رجلًا من أساورَةِ كسرى يقال له: "بَسَك بن ماهبوذ"، كان كسرى وجَّهَهُ لبنائه، فلمَّا ابتدَأه قيل له: إنَّ هؤلاء الفَعَلَة لا يقيمون بهذا الموْضع إلَّا أن تكون معهم نساء، فإن فعلت ذلك بِهمْ تمَّ بناؤُك، وأقاموا عليهِ حتى يَفْرُغوا منه؛ فنقل إليهِم الفواجِرَ من ناحية السَّوَادِ والأهْواز، وحُمِلَتْ إليهم رَوَايا الخمْرِ من أرض فارس في البحر، فتَنَاكَحُوا، وتَوَالدوا، فكانوا جُلَّ أهل مدينة هَجَر، وتكلَّم القومُ بالعرَبيَّة، وكانت دعوَتُهم إلى عبْد القيس، فلما جاء الإسلامُ؛ قالوا لعبد القيس: قد علمتم عَدَدَنا، وعُدَّتنا، وعظيمَ غَنائنا، فأدْخلونا فيكم وزوّجونا، قالُوا: لا، ولكن أقيموا على حالكم، فأنتم إخوانُنَا وموالينا، فقال رجلٌ من عبد القيس: يا معاشر عبد القيس؛ أطيعوني وألحقوهم، فإنَّه ليس عن مثْل هؤلاء مرغَب، فقال رجل من القوم: أما تَسْتَحي! أتأمرنا أن نُدْخِل فينا من قد عَرفْتَ أوَّلَه وأصلَه! قال: إنَّكم إن لم تفعَلُوا؛ ألحقَهُمْ غيركم من العرب، قال: إذًا لا نستوحش لهم؛ فتفرَّق القوْم في العرب، وبقيتْ في عبد القيس منهم بَقيَّةٌ فانتَمَوْا إليهم، فلم يردُّوهم عن ذلك. فلما أدْخَل المكعبِرُ بَني تميم المشقّر قتل رجالهم واستبقى الغلمان، وقُتِل يومئذ قَعْنَب الرِّياحيّ - وكان فارسَ بني يَرْبُوع - قتله رجلان من شَن كانا ينوبان الملوك؛ وجعل الغلمان في السُّفن، فعبر بهم إلى فارس، فَخَصَوْا منهم بشرًا. قال هبيرة بن حُدير العَدويّ: رجع إلينا بعد ما فتحت إصطخر عدَّة منهم، أحدُهم خصِيٌّ والآخر خيَّاط. وشدَّ رجلٌ من بني تميم، يقال له: عبيد بن وَهْبٍ على سلسلة الباب فَقَطَعَها، وخَرَجَ، فقال: تذَكَّرْتُ هنْدًا لاتَ حِين تَذكُّرِ ... تذَكرْتها ودُونَهَا سَيرُ أَشْهُرِحِجَازِيَّةٌ عُلْويَّةٌ خَلَّ أهلها ... مصابَ الخريفِ بَينَ زُورٍ وَمِنْوَرِ ألا هَلْ أتى قَوْمي على النَّأْي أنَّني ... حِمَيتُ ذِماري يَوْمَ بابِ المُشَقَّر ضَرَبْتُ رِتاجَ البابِ بالسَّيفِ ضَرْبَةً ... تفرَّجَ مِنْها كلُّ بَابٍ مُضَبَّرِ وكلَّم هوذة بن عليّ المُكَعْبِر يومئذ في مئةٍ من أسْرَى بني تميمٍ، فوهبهم له يوم الفِصْح، فأعتقهم، ففي ذلك يقول الأعشى: سائِلْ تميمًا به أيَّامَ صَفْقَتِهمْ ... لمَّا أتَوْهُ أُسَارَى كلُّهم ضَرَعا وَسْطَ المُشَقّرِ في غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ... لا يَسْتَطيعونَ بَعْدَ الضُّرِّ مُنْتَفعا فقال للمَلْكِ أطْلِقْ مِنْهُمُ مئةً ... رسْلًا مِنَ القَوْلِ مَخْفُوضًا وما رَفَعا فقَكَّ عن مئَةٍ مِنْهُمْ إسارَهُم ... وأصْبَحوا كُلُّهُمْ مِنْ غُلِّهِ خُلِعا بِهِمْ تَقَرَّبَ يَوْمَ الفِصْحِ ضَاحِيَةً ... يرْجُو الإلهَ بِمَا أسْدَى ومَا صَنَعَا فلا يَرَوْنَ بذاكمْ نِعْمَة سَبَقَتْ ... إنْ قال قائِلها حَقًّا بِها وسِعَا يصف بني تميم بالكُفْر لنعمته. قال: فلما حضرت وهْرِزَ الوفاة - وذلكَ في آخر ملْك أنوشِرْوان - دعا بقوسه، ونشَّابته، ثم قال: أجلسوني، فأجلسوه، فرمى، وقال: انظروا حيث وقعت نُشَّابتي فاجعلوا ناؤوسي هناك، فوقعت نشَّابتُه من وراء الدَّير، وهي الكنيسة التي عند نُعْم، وهيَ تسمَّى اليومَ مقبرةَ وهْرِز؛ فلمَّا بلغ كسْرَى موتُ وَهْرِز، بَعَثَ إلى اليمن أسوارًا يقال له: وين، وكان جَبَّارًا مُسْرِفًا، فَعَزَلَهُ هُرْمُز بن كِسْرَى، واستعمل مكانه المَرُوزان، فأقام باليمن حتى وُلدَ له بها، وبَلَغ ولدُه. ثم هلك كِسْرَى أنوشِرْوان، وكان مُلْكُه ثمانِيًا وأربعين سنة.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Critical assessments

  • Da'IfDa'If

    بالحيّ قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمّي - وهي ظئْري - أمام الحيّ تهتف بأعْلَى صوتها، وتقول: يا ضعيفاه! قال: فانكبُّوا على، فقبَّلوا رأسي وما بين عينيّ، فقالوا: حبّذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظِئْري: يا وحيدَاه! فانكَبّوا على فضمّوني إلى صُدُورهم وقَبَّلوا رأسي وما بين عَينَيَّ، ثم قالوا: حَبَّذا أنت من وحيد وما أنتَ بوحيدَ إن الله معك وملائكتَه والم

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Da'IfDa'If

    نَّك لو تدري ما يراد بك من الخير لقَرَّتْ عيناك. قال: فبينَا نحن كذلك؛ إذ أنا بالحيّ قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أمّي - وهي ظئْري - أمام الحيّ تهتف بأعْلَى صوتها، وتقول: يا ضعيفاه! قال: فانكبُّوا على، فقبَّلوا رأسي وما بين عينيّ، فقالوا: حبّذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظِئْري: يا وحيدَاه! فانكَبّوا على فضمّوني إلى صُدُورهم وقَبَّلوا رأسي وما بين عَين

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Chronology

  • Birth Year Ah

    834

    ذكر مولد رسول الله ﷺ - ٨٣٤ - قال: وسأل عثمان بن عفّان قَباث بن أشْيم أخا بني عمرو بن لَيث: أنت أكب

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Death Year Ah

    1

    تبه المدينة على أخْوالِهِ من بني عدِيّ بن النَّجَّار تُزِيرُه إيَّاهم، فماتَتْ وهيَ راجعةٌ به إلى مكة (١). (٢: ١٦٥). ق ٨٤٤ - وقد حدَّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال:

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
339926
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:1007:917548
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
مولد رسول الله ﷺ — shamela-145435 · Hadith Research Library