page 2301, entry [1006]Open original source
ذكر بقيّة خبر تُبّع أيام قُباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها ٨١٦ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: كان تُبّع الآخر وهو تُبّان أسعد أبو كَرِب حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مرّ بها في بدءته لم يُهِج أهلها، وخلّفبين أظهرهم ابنًا له، فقتل غِيلة، فقدمها وهو مُجْمع لإخرابها، واستئصال أهلها وقطع نخلها؛ فجمع له هذا الحيّ من الأنصار حين سمعوا بذلك من أمره ليمتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن الطلّة، أحد بني النجّار، ثم أحد بني عمرو بن مبذول؛ فخرجوا لقتاله. وكان تُبّع حين نزل بهم، قد قتل رجل منهم -من بني عديّ بن النجار يقال له: أحمر- رجلًا من أصحاب تُبّع، وجده في عَذْق له يجُدّه، فضربه بِمنْجله فقتله، وقال: إنما الثمرُ لمن أبَرّه، ثم ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة يقال لها: ذات تومان. فزاد ذلك تُبّعًا عليهم حَنَقًا. فبينا تُبّع على ذلك من حربه وحربهم يقاتلهم ويقاتلونه -قال: فتزعُمُ الأنصار: أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويَقْرُونه بالليل فيُعجِبه ذلك منهم؛ ويقول: والله إنّ قومَنا هؤلاء لكرام- إذ جاءه حَبْران من أحبار يهود من بني قريظة، عالمان راسخان حين سمعا منه ما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل؛ فإنّك إن أبيت إلّا ما تريد حِيلَ بينك وبينها، ولم نأمنْ عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ فقالا: هي مهاجَر نبيّ يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره. فتناهَى عند ذلك من قولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علْمًا، وأعجبه ما سمع منهما. فانصرف عن المدينة، وخرج بهما معه إلى اليمن واتّبعهما على دينهما. وكان اسم الحبْرَين كعبًا وأسدًا، وكانا من بني قريظة، وكانا ابني عم، وكانا أعلم أهل زمانهما كما ذكر لي ابن حميد عن سَلمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عمرو، عن أبان بن أبي عيّاش، عن أنس بن مالك، عن أشياخ من قومه ممن أدرك الجاهلية؛ فقال شاعر من الأنصار وهو خال ابن عبد العُزّى بن غزيّة بن عمرو بن عَبْد بن عوف بن غَنْم بن مالك بن النجّار، في حربهم وحرب تُبّع، يفتخر بعمرو بن طَلّة ويذكر فضله وامتناعه: أصَحا أم انْتَهَى ذُكَرَهْ ... أمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهْ أمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا ... ذكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ! إنَّها حَرْبٌ ربَاعِيَةٌ ... مثْلُهَا آتى الْفَتَى عِبَرَهْ فَسَلا عِمْرَانَ أَوْ فَسَلا ... أسْدًا إذْ يَغْدُو مَعَ الزُّهَرَهْ فيلَقٌ فيهَا أَبو كَرِبٍ ... سابِغًا أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْثمَّ قالُوا مَنْ يؤمُّ بهَا ... أبَنِي عَوْفٍ أَم النَّجَرَهْ يا بَني النَّجَّارِ إنّ لَنَا ... فيهِمُ قَبْلَ الأَوَانِ تِرَهْ فتَلَقَّتْهُمْ عَشَنَّقَةٌ ... مَدُّهَا كَالْغَبْيَةِ النَّثِرَهْ سَيّدٌ سَامَى المُلُوكَ ومَنْ ... يَغْزُ عَمْرًا لَا يَجِدْ قَدَرَه وقال رجل من الأنصار، يذكر امتناعهم من تُبّع: تُكلِّفُني مِنْ تَكَالِيفَها ... نَخِيلَ الأسَاويفِ والمَنْصَعَهْ نَخِيلًا حَمتْهَا بَنُو مَالِكٍ ... خُيُولَ أَبي كَرِبَ المُفْظَعَهْ قال: وكانَ تُبّع وقومه أصحابَ أوثان يعبدونها، فوجّه إلى مكّة -وهي طريقه إلى اليمن- حتى إذا كان بالدُّفّ من جُمْدان بين عُسْفان وأمَجِ، في طريقه بين مكّة والمدينة؛ أتاه نفر من هُذيل، فقالوا له: أيُّها الملك! ألا ندلّك على بيت مال داثر، قد أغفلته الملوك قبلك، فيه اللؤلؤ والزبرجَد والياقوت والذهب والفضة؟ قال: بلى! قالوا: بيت بمكّة يعبده أهله، ويصلّون عندَه. وإنما يُريد الهُذليُّون بذلك هلاكَه لما قد عرفوا من هلاك مَنْ أراده من الملوك، وبغَى عنده. فلما أجمع لما قالوا، أرسل إلى الحَبْرين، فسألهما عن ذلك، فقالا له: ما أراد القومُ إلّا هلاكك وهلاك جُنْدِك؛ ولئن فعلت ما دعوْك إليه لتهلِكنّ وليهلكنّ مَنْ معك جميعًا، قال: فماذا تأمرانني أن أصنغ إذا قدمت عليه؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهلُه، تطوف به وتعظّمه وتكرّمه، وتحلق عنده رأسك وتتذلّل له حتى تخرج من عنده. قال: فما يمنعكما أنتما من ذلك؟ قالا: أمَّا والله إنه لَبيت أبينا إبراهيم، وإنّه لَكما أخبرناك؛ ولكنّ أهلَه حالوا بيننا وبينه بالأوثان التي نصَبوا حوله، وبالدّماء التي يُهريقون عنده، وهم نجس أهل شِرْك. أو كما قالا له. فعرف نصحَهما وصِدْق حديثهما، فقرّب النفَر من هُذَيل، فقطّع أيديَهم وأرجلهم. ثم مضى حتى قدم مكّة، وأري في المنام أن يكسوَ البيت، فكساه الخَصَف ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المَعَافر، ثم أرِيَ أن يكسوَه أحسن من ذلك، فكساه المُلاء والوصائل؛ فكان تُبّع -فيما يزعمون- أوّلَ من كساه وأوصى به ولاتَه من جُرْهم، وأمرهم بتطهيره، وألّا يقربوه دمًا ولا ميتة ولا مئلاثًا وهي المحائض، وجعل له بابا ومفتاحًا، ثم خرج متوجّهًا إلى اليمن بمن معه من جنوده، وبالحَبْرين، حتى إذا دخل اليمن دعا قومَه إلى الدخول فيمادخل فيه، فأبوْا عليه حتى يحاكموه إلى النّار التي كانت باليمن (١). ٨١٧ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن بعض أصحابه: أنّ الحَبْرين ومَنْ خرج معهما من حِمْير؛ إنما اتّبعوا النار ليردّوها، وقالوا: مَنْ ردّها فهو أوْلى بالحقّ، فدنا منها رجالٌ من حِمْير بأوثانهم ليردُّوها، فدنت منهم لتأكلَهم، فحادوا عنها فلم يستطيعوا ردّها، ودنا منها الحَبْران بعد ذلك، وجَعلا يتلُوَان التوراة وتنكُص، حتى ردّاها إلى مخرجها الذي خرجت منه؛ فأصفقت عند ذلك حميَر على دينهما، وكان رئام بيتًا لهم يعظّمونه، وينحرون عنده، ويُكلَّمون منه إذْ كانوا على شِرْكهم، فقال الحَبْران لتبّع: إنما هو شيطان يَفْتِنهُم ويلدب بهم، فخلّ بيننا وبينه، قال: فشأنكما به؛ فاستخرجا منه -فيما يزعم أهل اليمن- كلبًا أسود، فذبحاه وهدما ذلك البيت؛ فبقاياه اليوم باليمن -كما ذكر لي- وهو رئام به آثار الدّماء التي كانت تُهراق عليه. فقال تبّع في مسيره ذلك وما كان هتم به من أمر المدينة وشأن البيت وما صنع برجال هذيل الذين قالوا له ما قالوا، وما صنع بالبيت حين قدم مكّة من كسوته وتطهيره، وما ذكر له الحبْران من أمر رسول الله ﷺ: مَا بَالُ نَوْمِكَ مِثْلَ نَوْمِ الأَرْمَدِ ... أرِقًا كَأَنَكَ لَا تَزَالُ تُسَهَّدُ حنَقًا على سِبْطَينِ حَلَّا يَثْرِبًا ... أوْلَى لهُمْ بعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ! ولَقَدْ نَزَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ مَنْزِلًا ... طابَ الْمَبيتُ به وَطَابَ المَرْقَدُ وَجَعَلْتُ عَرْصَةَ مَنْزِلٍ بِرُباوةٍ ... بينَ الْعَقِيقِ إلى بقيعِ الْغَرْقَدِ ولقدْ تَرَكْنَا لابَهَا وَقَرَارَهَا ... وسِبَاخَهَا فُرِشَتْ بِقَاعٍ أجْرَدِ ولقد هَبَطْنَا يَثْرِبًا وَصدُورُنَا ... تغْلِي بَلابِلُهَا بقَتْلٍ مُحْصِدِ ولقدْ حَلَفْتُ يَمِينَ صَبْرٍ مُؤْليًا ... قسَمًا لَعَمْرُكَ لَيسَ بالمُتَرَدِّدِ إنْ جِئْتُ يَثْربَ لا أُغَادرُ وَسْطَهَا ... عذْقًا ولا بُسْرًا بيَثْرِبَ يَخْلُدُ حتى أَتاني منْ قُرَيظَةَ عالِمٌ ... حبْرٌ لَعَمْرُكَ في الْيهُودِ مُسَوَّدُ قال ازْدَجِرْ عَنْ قَرْيَةٍ مَحْفُوظَةٍ ... لنَبيّ مَكَّةَ مِنْ قُرَيشٍ مُهْتَدِ فَعَفوْتُ عَنْهُمْ عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍ ... وتركْتُهُمْ لِعقابِ يوْمٍ سَرْمَدِوتركْتُهُمْ للهِ أرْجُو عَفْوَهُ ... يومَ الْحِسَابِ مِنَ الْجَحِيمِ الْمُوقَدِ ولقدْ تَرَكْتُ بِهَا لَهُ مِنْ قَوْمِنا ... نفرًا أُولي حَسَبٍ وبأسٍ يُحْمَدُ نَفَرًا يكونُ النَّصْرُ في أَعْقابهمْ. أرْجُو بِذاكَ ثوابَ رَبِّ مُحَمَّدِ ما كنْتُ أحْسِبُ أَنَّ بَيتًا طاهِرًا ... لله في بَطْحاءِ مَكَّةَ يُعْبَدُ حتى أتاني منْ هُذَيل أعْبُدٌ ... بالدُّفِّ منْ جُمْدان فَوْقَ الْمسْندِ قالوا بمَكَّةَ بيتُ مَالٍ داثِرٍ ... وكنوزُهُ منْ لُؤْلؤٍ وزَبَرْجَدِ فأرَدْتُ أمرًا حال رَبِّي دُونَه ... واللهُ يَدْفَعُ عَنْ خَرَابِ الْمَسْجِدِ فَرَدَدتُ ما أمَّلْتُ فيه وفيهمُ ... وتَرَكْتُهم مَثَلًا لأهْلِ الْمشْهَدِ قد كانَ ذُو القَرْنَينِ قَبْلي مُسْلِمًا ... ملِكًا تَدينُ له الْملُوكُ وتُحْشَدُ ملَكَ الْمَشارِقَ والْمَغاربَ يبْتَغِي ... أسْبَابَ علْم منْ حَكيمٍ مُرْشدِ فرأى مغيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُروبها ... في عَينِ ذي خُلْبٍ وثأْطٍ حَرْمَدِ مِن قَبْلِهِ بلْقيسُ كانَتْ عَمّتِي ... ملَكَتْهُمُ حتى أتاها الهُدْهُدُ (١) (٢: ١٠٩/ ١١٠). ٨١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، قال: حدّثني ابن إسحاق، قال: هذا الحيّ من الأنصار يزعمون: أنّه إنما كان حنَق تُبّع على هذا الحيّ من يهود الذين كانوا بين أظهرهم، وأنّه أراد هلاكهم حين قدم عليهم المدينة، فمنعوه منهم، حتى انصرف عنهم ولذلك قال في شعره: حنَقًا على سِبْطين حلَّا يثربًا ... أوْلَى لهم بِعقابِ يوم مُفْسِدِ (٢) (٢: ١١٠/ ١١١). ٨١٩ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدثنا سَلمة عن ابن إسحاق، قال: وقد كان قدِم على تُبّع قبل ذلك شافع بن كُلَيب الصَّدَفيّ، وكان كاهنًا، فأقام عنده، فلما أراد توديعَه قال تُبّع: ما بَقيَ مِنْ علمك؟ قال: بقيَ خبر ناطق، وعلم صادق، قال: فهل تجِدُ لقوم مُلْكًا يوازي ملكي؟ قال: لا إلا لملك غسان نَجْل، قال: فهل تجد ملكًا يزيد عليه؟ قال: نعم، قال: ولمن؟ قال أجده لبارّ مبرور، أيِّد بالقَهور، ووُصف في الزّبور، وفُضّلَتْ أمّته في السّفور، يفرّج الظلم بالنور،أحمد النبيّ، طوبى لأمته حين يجى، أحد بني لؤيّ، ثم أحد بني قصيّ. فبعث تُبّع إلى الزَّبُور فنظر فيها، فإذا هو يجد صفة النبيّ ﷺ (١). (٢: ١١١). ٨٢٠ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عمنّ حدّثه، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عباس وغيره من علماء أهل اليمن ممّن يروي الأحاديث، فحدّث بعضهم بعض الحديث، وكلّ ذلك قد اجتمع في هذا الحديث: أنّ مَلِكًا من لَخْم، كان باليمن فيما بين التبابعة من حِمير، يقال له: ربيعة بن نَصْر، وقد كان قبْل ملكه باليمن مَلَك تبّع الأوَل، وهو زيد بن عمرو ذي الأذعار بن أبرهة ذي المنار بن الرائش بن قيس بن صيفيّ بن سبأ الأصغر بن كهف الظلم بن زيد بن سَهْل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جُشَم بن وائل بن الغوث بن قطَن بن عَريب بن زُهير بن أيمن بن هَمَيسع بن العرَنجج حِمْير بن سبأ الأكبر بن يعْرُب بن يَشْجُب بن قَحطان. وكان اسم سبأ عَبْد شمْس؛ وإنما سُمّيَ سبأ -فيما يزعمون- لأنه كان أول من سبَى في العرب. فهذا بيت مملكة حمير الذي فيه كانت التّبابعة، ثم كان بعد تُبّع الأول زيد بن عمرو، وشَمِر يُرْعش بن ياسر يُنعم بن عمرو ذي الأذعار، ابنُ عمّه. وشمِر يُرْعش الذي غزا الصين وبنى سَمَرْقَنْد وحَيَّرَ الحيرة، وهو الذي يقول: أنا شَمِرٌ أبو كَرِبَ الْيَماني ... جلَبْتُ الْخَيلَ من يَمَنٍ وشامٍ لآتيَ أَعْبُدًا مَرَدُوا عَلَينَا ... ورَاءَ الصِّينِ في عَثْمِ ويامِ فَنحْكُم في بلادِهمُ بحُكْمٍ ... سواءً لا يُجاوزه غُلام القصيدة كلُّها (٢). (٢: ١١١/ ١١٢). ٨٢٠ / أ- قال: ثم كان بعد شمِر يُرعش بن ياسر يُنعم تُبّع الأصغر، وهو تُبَّان أسعد أبو كرب بن مَلِكيكرب بن زيد بن تُبّع الأول بن عمرو ذي الأذعار، وهو الذي قدم المدينة، وساق الحبْرين من يهود إلى اليمن، وعمر البيت الحراموكساه، وقال ما قال من الشِّعر فكلّ هؤلاء ملْكه قبل ملك ربيعة بن نصر اللخميّ؛ فلما هلَك ربيعة بن نصر، رجع مُلْك اليمن كلّه إلى حسان بن تُبَّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار (١). (٢: ١١٢). ٨٢١ - حدَّثنا ابن حُمَيد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدّثني ابن إسحاق عن بعض أهل العلم: أنّ ربيعة بن نَصْر رأى رؤيا هالته، وفَظِعَ بها، فلما رآها بعث في أهل مملكته، فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا منجّمًا إلّا جَمَعه إليه، ثم قال لهم: إنّي قد رأيت رؤيا هالتْني، وفظعت بها، فأخبروني بتأويلها، قالوا له: اقصصها علينا لنخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئنّ إلى خبركم عن تأويلها، إنَّه لا يعرف تأويلَها إلّا من يعرفها قبل أن أخبِره بها. فلما قال لهم ذلك قال رجل من القوم الذين جمعوا لذلك: فإن كان الملك يريد هذا فليبعثْ إلى سَطيح وشِقّ، فإنّه ليس أحدٌ أعلم منهما، فهما يخبرانك بما سألت - واسم سَطِيح ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عديّ بن مازن بن غسّان، وكان يقال لسطيح: الذّئبيّ، لنسبته إلى ذئب بن عبدّي، وشِقّ بن صعب بن يشكر بن رُهْم بن أفرك بن نذير بن قيس بن عَبْقر بن أنمار. فلما قالوا له ذلك؛ بعث إليهما، فقدِم عليه قبل شِقّ سَطِيح، ولم يكن في زمانهما مثلهما من الكُهّان، فلما قدم عليه سطيح دعاه فقال له: يا سطيح! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها، فأخبرني بها فإنّك إن أصبتَها أصبت تأويلها، قال- أفعل، رأيتَ جُمْجُمة- قال أبو جعفر: وقد وجدته في مواضع أخر، رأيت حُمَمة- خرجت من ظُلُمَة، فوقعت بأرض ثهْمَة، فأكلتْ منها كلّ ذات جُمْجُمة، فقال له الملك: ما أخطأتَ منها شيئًا يا سَطِيح، فما عندك في تأويلها؟ فقال: أحلف بما بين الحرّتين من حَنَش، ليهبِطَنّ أرضَكم الحَبَش، فليملكُنَّ ما بين أبْينَ إلى جُرَش. قال له الملك: وأبيكَ يا سطيح؛ إنّ هذا لغائظ مُوجِع، فمتى هو كائن يا سطيح؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا بل بعده بحين، أكثر من ستّين أو سبعين، يمضين من السنين. قال: فهل يدوم ذلك من مُلكهم أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع لبضع وسبعين، يمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعون، ويخرجون منهاهاربين. قال الملك: ومَنْ ذا الذي يلي ذلك مِنْ قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذي يَزَن، يخرج عليهم من عَدَن، فلا يترك منهم أحدًا باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومَنْ يقطعه؟ قال: نبيّ زكيّ، يأتيه الوحي من العليّ. قال: وممّن هذا النبيّ؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدّهر يا سطيح من آخر؟ قال: نعم، يوم يُجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحقُّ ما تخبرنا يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتّسق، إنّ ما أنبأتك به لحقّ. فلمّا فرغ قدِم عليه شِقّ، فدعاه، فقال له: يا شِقّ! إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظِعْتُ بها، فأخبرني عنها، فإنك إن أصبتَها أصبت تأويلها -كما قال لسطيح؛ وقد كتمه ما قال سطيح لينظر: أيتفِقان، أم يختلفان- قال: نعم، رأيتَ جُمجمة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت منها كلُّ ذات نَسَمة. فلما رأى ذلك الملك من قولهما شيئًا واحدًا، قال له: ما أخطأت يا شِقّ منها شيئًا، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلِف بما بين الحرّتين من إنسان، لينزلنّ أرضَكم السودان، فليغلبُنّ على كلّ طَفْلة البنان، وليَملِكُنّ ما بين أبْينَ إلى نجران. فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ إن هذا لنا لغائظ مُوجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: بل بعدك بزمان، ثم يستنقذُكم منه عظيم ذو شان، ويذيقهم أشدّ الهوان. قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟ قال: غلام ليس بدنيّ ولا مُدَنّ، يخرج من بيت ذي يَزن، قال: فهل يدوم سلطانه أو ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول مرسَل، يأتي بالحقّ والعدل بين أهل الدين والفضل؛ يكون المُلْك في قومه إلى يوم الفَصْل، قال: وما يوم الفصل؟ قال: يوم يجْزي فيه الولاة، يُدْعى من السماء بدعوات، يَسمع منها الأحياء والأموات، ويُجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتَّقى الفوز والخيرات. قال: أحقّ ما تقول يا شِقّ؟ ! قال: إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخَفْض: إنّ ما نبّأتك لحقّ ما فيه أمْض. فلما فرغ من مسألتهما، وقع في نفسه: أنّ الذي قالا له كائن من أمر الحبشة، فجهّزَ بنِيه وأهلَ بيته إلى العراق بما يُصْلِحهم، وكتب لهم إلى مَلِك من ملوك فارس يقال له: سابور بن خرّزاذ، فأسكنهم الحيرة، فمن بقيّة ربيعة بن نصر كانالنعمان بن المنذر ملك الحيرة، وهو النّعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر. ذلك الملك في نسب أهل اليمن وعلمهم (١). ٨٢٢ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، قال: ولما قال سَطِيح، وشِقّ لربيعة بن نصر ذلك، وصنع ربيعة بولده وأهل بيته ما صنع، ذهب ذكر ذلك في العرب، وتحدّثوا حتى فشا ذكره وعلمه فيهم، فلما نزلت الحبشة اليمن، ووقع الأمر الذي كانوا يتحدّثون به من أمر الكاهنين، قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكريّ، في بعض ما يقول، وهو يذكر ما وقع من أمر ذينك الكاهنين: سطيح، وشِقّ: ما نَظَرَتْ ذاتُ أشْفارٍ كنظْرتِها ... حقًّا كما نَطَقَ الذِّئبيُّ إذْ سَجَعا وكان سَطِيح إنما يدعوه العرب الذئبيّ، لأنّه من ولد ذئب بن عديّ. فلما هلك ربيعة بن نصر، واجتمع مُلك اليمن إلى حسّان بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكْيكَرِب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار، كان ممّا هاج أمر الحبشة وتحوّل الملك عن حِمْير وانقطاع مدّة سلطانهم -ولكلّ أمر سبب-: أنّ حسان بن تُبّان أسعد أبي كرب، سار بأهل اليمن يريد أن يطأ بهم أرضَ العرب وأرض العجم، كما كانت التبابعة قبْله تفعل؛ حتى إذا كان ببعض أرض العراق، كرِهت حِمْير وقبائل اليمن السير معه، وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم وأهليهم؛ فكلّموا أخًا له كان معه في جيشه، يقال له: عمرو، فقالوا له: اقتل أخاك حسان؛ نملّكك علينا مكانه، وترجع بنا إلى بلادنا. فتابعهم على ذلك، فأجمع أخوه ومن معه من حِمْير وقبائل اليمن على قَتْل حَسّان، إلّا ما كان من ذي رُعَين الحميَريّ، فإنّه نهاه عن ذلك، وقال له: إنكم أهل بيت مملكتنا، لا تقتل أخاك ولا تشتِّت أمر أهل بيتك -أو كما قال له- فلما لم يقبل منه قوله -وكان ذو رُعَين شريفًا من حميَر- عَمَد إلى صحيفة فكتب فيها: ألا مَن يشتَري سَهرًا بِنَوْمٍ ... سعيدٌ مَن يَبيتُ قَريرَ عَينِ فإمَّا حِمْيَرٌ غَدَرتْ وخَانَتْ ... فمعْذِرَةُ الإلهِ لذِي رُعَينِثم ختم عليها. ثم أتى بها عمرًا، فقال له: ضع لي عندك هذا الكتاب؛ فإنّ لي فيه بغيةً وحاجة، ففعل. فلما بلغ حسّان ما أجمع عليه أخوه عمرو وحمْير وقبائل اليمن من قتله؛ قال لعمرو: يا عَمْرُو لا تُعْجِلْ عَلَيَّ مَنِيَّتي ... فالمُلْكُ تأخُذُه بغَيرِ حُشودِ فأبى إلا قتلَه، فقَتله ثم رجع بمن معه من جنده إلى اليمن. فقال قائل من حمير: إنّ للهِ مَن رأَى مِثْل حَسَّا ... نَ قَتيلًا في سَالِفِ الأحقَابِ قَتَلَتْه الأقْيالُ مِن خَشيةِ الْجيـ ... ـش وقالُوا له لَبابِ لَبَابِ مَيتُكم خَيرُنا وحَيُّكُمُ ... رَبٌّ عَلَينا وكُلُّكُمْ أرْبابي فلمّا نزل عمرو بن تُبّان أسعد أبي كرب اليمن مُنع منه النّوم، وسلّط عليه السهر -فيما يزعمون- فجعل لا ينام، فلما جَهده ذلك؛ جعل يسأل الأطبّاء والحُزاة من الكهّان والعرّافين عمّا به، ويقول: منع منيّ النوم فلا أقدر عليه، وقد جَهدني السهر، فقال له قائل منهم: والله ما قتلَ رجل أخاه قطّ أو ذا رحِم بغيًا على مثل ما قتلت عليه أخاك إلّا ذهب نومُه، وسلّط عليه السّهر، فلما قيل له ذلك؛ جعل يقتُل كلَّ مَنْ كان أمرَه بقتل أخيه حسّان من أشراف حمير وقبائل اليمن؛ حتى خلص إلى ذي رُعين، فلما أراد قتله؛ قال: إنّ لي عندك براءة ممّا تريد أن تصنع بي، قال له: وما براءتك عندي؟ قال: أخرِج الكتاب الذي كنت استودعتكه ووضعته عندك، فأخرج له الكتاب، فإذا فيه ذانك البيتان من الشعر: أَلا مَنْ يشتَرِي سَهَرًا بنومٍ ... سعيدٌ مَنْ يبيتُ قريرَ عَينِ فإمَّا حِمْيَرٌ غدرتْ وخانت ... فمعذرة الإله لذي رُعَينِ فلمّا قرأهما عمرو قال له ذو رُعين: قد كنت نهيتُك عن قتل أخيك فعصيتَني، فلما أبيت عليّ وضعتُ هذا الكتاب عندك حجّة لي عليك، وعذرا لي عندك، وتخوّفت أن يصيبك إن أنت قتلتَه الذي أصابك، فإن أردت بي ما أراك تصنع بمن كان أمرك بقتل أخيك، كان هذا الكتاب نجاةً لي عندك، فتركه عمرو بن تُبّان أسعد فلم يقتله من بين أشراف حمير، ورأى أن قد نصحه لو قبل منه نصيحته. وقال عمرو بن تُبّان أسعد حين قتل من قتل من حمْيَر وأهل اليمن ممّن كان أمره بقتل أخيه حسان، فقال:شَرَيْنا النَّوْمَ إذْ عُصِبَتْ عَلابِ ... بتَسهِيدٍ وعَقْدٍ غَيرِ مَينِ تَنَادَوْا عِنْدَ غَدْرِهِمُ: لَبابِ ... وقدْ بَرَزَتْ مَعَاذِرُ ذِي رُعَينِ قَتَلْنا مَنْ تولَّى المكْرَ منهمْ ... بَواءً بابْنِ رُهْمٍ غيرَ دَينِ قتَلْناهُمْ بحَسّانَ بن رُهْمٍ ... وحسّان قَتيل الثَّائرَينِ قتَلْناهُم فلا بُقْيَا عليهمْ ... وقرَّتْ عِنْدَ ذاكُمْ كلُّ عَينِ عُيونُ نَوَادبٍ يَبْكِينَ شَجْوًا ... حرائرَ من نسَاءِ الفيلَقَينِ أوانِسَ بالعِشَاءِ وهُنَّ حُور ... إذَا طلَعَتْ فُروعُ الشِّعْرَيَينِ فنُعْرَفُ بالوَفاءِ إذا انْتَمَينا ... ومَنْ يَغْدرْ نُبايِنْهُ ببينِ فَضلْنا الناسَ كلَّهُمُ جميعًا ... كفَضْلِ الإبْرِزيّ على اللُّجَينِ مَلَكْنَا النَّاسَ كلّهُم جَمِيعًا ... لنا الأسْبَابُ بعدَ التُّبَّعينِ مَلَكْنا بعدَ داوُدٍ زمانًا ... وعَبَّدْنا ملُوكَ المشْرقَينِ زَبَرْنا في ظَفارِ زبورَ مَجْدٍ ... ليقرَأَه قُرومُ الْقريتَينِ فنحن الطَّالبونَ لكلِّ وَتْرٍ ... إذا قال المقَاولُ أينَ أينِ! سَأشْفي مِنْ وُلاةِ المكرِ نَفْسي ... وكَانَ المكرُ حَينَهُمُ وحَيني أطَعْتُهُمُ فلم أرْشُدْ وَكَانوا ... غواةً أهلَكوا حَسَبي وزَيني قال: ثم لم يلبث عمرو بن تُبّان أسعد أن هلك. قال هشام بن محمد: عمرو بن تبّع هذا يدعى موثَبان؛ لأنه وثب على أخيه حَسّان بفُرْضة نُعْم فقتله- قال: وفُرضة نُعْم رَحَبة طوق بن مالك، وكانت نُعْم سريّة تبّع حسان بن أسعد (١). (٢: ١١٤/ ١١٦ / ١١٥/ ١١٧). ٨٢٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحادتى. قال: فمرِج أمرُ حميَر عند ذلك، وتفرّقوا، فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم، يقال له: لخنيعة ينوف ذوشناتر، فملَكهم فقتل خيارهم، وعبث ببيوت أهل المملكة منهم، فقال قائل من حمْير، يذكر ما ضيّعت حمْير من أمرها، وفرّقت جماعتها، ونفت من خيارها: تقتِّلُ أبْناها وتَنفِي سَرَاتَها ... وتَبنِي بأيديهمْ لَهَا الذلَّ حمْيَرُتُدمِّرُ دُنْياها بطَيش حُلُومِهَا ... ومَا ضَيَّعَتْ مِنْ دِينَها فَهُوَ أْكْثَرُ كذَاكَ القُرونُ قَبْلَ ذَاكَ بظلْمِها ... وإسرَافِها تأتِي الشُّرورَ فتَخْسَرُ وكان لخنيعة يحْوف ذو شناتر يصنع ذلك بهم -وكان امرأً فاسقًا يزعمون: أنه كان يعمل عمل قوم لوط، ثم كان -مع الذي بلغ منهم من القتل والبغْي- إذا سمع بالغلام من أبناء الملوك قد بلغ أرسل إليه فوقع عليه في مَشْرَبة له قد صنعها لذلك، لئلّا يملك بعد ذلك أبدًا، ثم يطلع من مَشْرَبته تلك إلى حَرسه ومَن حضر من جنده، وهم أسفل منه، قد أخذ سواكًا، فجعله في فيه -أي ليعلمهم أنه قد فرغ منه ثم يخلّي سبيله، فيخرج على حَرَسه وعلى الناس وقد فضحه؛ حتى إذا كان آخر أبناء تلك الملوك زُرْعة ذو نواس بن تُبّان أسعد أبي كرب بن مَلِكيكَرب بن زيد بن عمرو ذي الأذعار أخو حسّان -وزُرْعة كان صبيًّا صغيرًا حين أصيب أخوه، فشبّ غلامًا جميلًا وسيمًا ذا هيئة وعَقْل- فبعث إليه لخنيعة ينوف ذوشُناتر؛ ليفعل به كما كان يفعل بأبناء الملوك قبْله، فلما أتاه رسوله عرف الذي يريد به، فأخذ سِكّينًا حديدًا لطيفًا، فجعله بين نعله وقدمه، ثم انطلق إليه مع رسوله، فلمّا خلا به في مشربته تلك أغلقَها عليه وعليه، ثم وثب عليه وواثبه ذو نواس بالسكِّين فطعنه به حتى قتله، ثم احتزّ رأسَه، فجعله في كُوّة مشربته تلك التي يطلع منها إلى حرسه وجنده، ثم أخذ سِواكه ذلك، فجعله في فيه ثم خرج على الناس، فقالوا له: ذو نواس، أرطبٌ أم يَباس؟ فقال: سل تحماس استرطبان ذو نواس، استرطبان؛ لا باس. فذهبوا ينظرون حين قال لهم ما قال، فإذا رأس لخنيعة ينوف ذي شناتر في الكُوّة مقطوع في فيه سواكه، قد وضعه ذو نواس فيها. فخرجت حمير والأحراس في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا له: ما ينبغي لنا أن يملكنا إلّا أنت؛ إذ أرحتَنا من هذا الخبيث. فملّكوه واستجمعت عليه حمْير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير. وتهوّد وتهوّدت معه حِمْير، وتسمّى "يوسف"، فأقام في ملكه زمانًا. وبنجْران بقايا من أهل دين عيسى على الإنجيل؛ أهل فضل واستقامة، لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن الثّامر؛ وكان موقع أصل ذلك الدين بنَجْران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان، وأهلها وسائر العرب كلّها أهل أوثان يعبدونها. ثم إنّرجلًا من بقايا أهل ذلك الدّين وقع بين أظهرهم يقال له: فيميون، فحملهم عليه فدانوا به. قال هشام: زرعة ذو نواس؛ فلما تهوّد سمي يوسف، وهو الذي خدّ الخدود بنجران، وقتل النصارى (١). (٢: ١١٧/ ١١٨ / ١١٩). ٨٢٤ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن المغيرة بن أبي لبيد مولى الأخنس، عن وهب بن منبّه اليمانيّ: أنه حدّثهم أن موقع ذلك الدّين بنجْران كان أنّ رجلًا من بقايا أهل دين عيسى بن مريم يقال له: فيمِيُون، وكان رجلًا صالحًا مجتهدًا زاهدًا في الدنيا، مجاب الدّعوة، وكان سائحًا ينزل القرى، لا يُعرف بقرية إلّا خرج منها إلى قرية لا يُعرَف فيها وكان لا يأكل إلّا من كَسْب يده، وكان بنّاءً يعمل الطّين، وكان يعظّم الأحد، فإذا كان الأحد لم يعمل فيه شيئًا، وخرج إلى فلاة من الأرض فصلّى بها حتى يُمسي، وكان في قرية من قرى الشّأم يعمل عمله ذلك مستخفيًا؛ إذ فطِن لشأنه رجل من أهلها، يقال له: صالح، فأحبّه صالح حبًّا لم يحبّه شيئًا كان قبله، فكان يتّبعه حيث ذهب، ولا يفطن له فيميون حتى خرج مرّة في يوم الأحد إلى فلاة من الأرض كما كان يصنع، وقد اتّبعه صالح، وفيميون لا يدري، فجلس صالح منه منظر العين، مستخفيًا منه لا يحبّ أن يعلم مكانه، وقام فيميون يصلّي، فبينا هو يصلّي إذ أقبل نحوه التنّين -الحية ذات الرؤوس السبعة- فلما رآها فيميُون دعا عليها فماتت، ورآها صالح، ولم يدرِ ما أصابها، فخافها عليه فعيل عَوْلُه، فصرخ: يا فيميون، التنين قد أقبل نحوك! فلم يلتفت إليه، وأقبل عَلى صلاته حتى فرغ وأمسى، وانصرف وعرف أنه قد عرِف، وعرف صالح أنه قد رأى مكانه، فكلّمه، فقال: يا فيميون، يعلم الله ما أحببت شيئًا حبّك قطّ، وقد أردت صُحبَتك والكينونة معك حيثما كنت. قال: ما شئت، أمري كما ترى؛ فإن ظننت أنك تقوى عليه؛ فنعم. فلزمه صالح، وقد كاد أهل القَرية أن يفطَنوا لشأنه، وكان إذا فاجأه العبدُ به ضرّ؛ دعا له فشُفِي، وإذا دُعِي إلى أحد به الضرّ؛ لم يأته. وكان لرجل من أهل القرية ابن ضرير، فسأل عن شأن فيميون، فقيل له: إنّه لا يأتي أحدًا إذا دعاه، ولكنّه رجل يعمل للناس البنيان بالأجر، فعمدالرجل إلى ابنه ذلك فوضعه في حجرته، وألقى عليه ثوبًا، ثم جاءه فقال له: يا فيميون! إنّي قد أردت أن أعمل في بيتي عملًا، فانطلق معي حتى تنظر إليه فأشارطك عليه، فانطلق معه حتى دخل حُجرته، ثم قال: ما تريد أن تعمل في بيتك؟ قال: كذا وكذا. ثم انتشط الرجل الثوبَ عن الصبيّ، ثم قال: يا فيميون! عبد من عباد الله أصابه ما ترى، فادع الله له، فقال فيميون حين رأى الصبيّ: اللهم عبد من عبادك دخل عليه عدوّك في نعمتك ليفسدها عليه فاشفِه وعافه، وامنعه منه، فقام الصبيّ ليس به بأس. وعرف فيميون: أنه قد عُرِف، فخرج من القرية، واتّبعه صالح، فبينما هو يمشي في بعض الشأم مرّ بشجرة عظيمة، فناداه منها رجل، فقال: أفيميون! قال: نعم، قال: ما زلت أنتظرك وأقول: متى هوجاء؟ حتى سمعت صوتك، فعرفت: أنك هو، لا تبرح حتى تقوم عليّ، فإني ميّت الآن. قال: فمات، وقام عليه حتى واراه ثم انصرف ومعه صالح، حتى وطئا بعضَ أرض العرب، فعدِي عليهما فاختطفتهما سيّارة من بعض العرب، فخرجوا بهما حتى باعوهما بينجران - وأهل نجران يومئذ على دين العرب، تعبد نخلة طويلة بين أظهرهم، لهم عيد كلّ سنة؛ إذا كان ذلك العيدُ علّقوا عليها كلَّ ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء. ثم خرجوا، فعكفوا عليها يومًا -فابتاع رجل من أشرافهم فيميون، وابتاع رجل آخر صالحًا، فكان فيمجون إذا قام من الليل- في بيت له أسكنه إياه سيّده الذي ابتاعه- يصلّي، استسرج له البيت نورًا، حتى يصبح من غير مصباح، فرأى ذلك سيّده، فأعجبه ما رأى، فسأله عن دينه فأخبره به، فقال له فيميون: إنّما أنتم في باطل؛ وإنّ هذه النخلة لا تضرّ ولا تنفع؛ لو دعوت عليها الذي أعبد أهلَكها، وهو الله وحدَه لا شريك له. قال: فقال له سيّده: فافعل؛ فإنك إن فعلت دخلنا في دينك، وتركنا ما كنّا عليه، قال: فقام فيميون، فتطهّر ثم صلّى ركعتين، ثم دعا الله عليها، فأرسل الله ريحًا فجعفتْها من أصلها فألقتها، فاتّبعه عند ذلك أهل نجران على دينه، فحملهم على الشريعة من دين عيسى بن مريم. ثم دخل عليهم بعد ذلك الأحداث التي دخلت على أهل دينهم بكلّ أرض. فمن هنالك كانت النصرانيّة بنجران في أرضِ العرب.فهذا حديث وهب بن منبّه في خبر أهل نجران (١). (٢: ١١٩/ ١٢٠ / ١٢١). ٨٢٥ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد -مولى لبني هاشم- عن محمد بن كعب القرَظيّ. قال: وحدّثني محمد بن إسحاق أيضًا عن بعض أهل نَجْران: أنّ أهلَ نجران كانوا أهلَ شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قُراها قريبًا من نجران -ونجْران القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد -ساحر يعلّم غلمانَ أهل نجران السّحر، فلما أن نزلها فيميون- قال: ولم يسمّوه باسمه الذي سمّاه به وهبُ بن منبِّه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نَجْران وبين تلك القرية التي بها الساحر، فجعل أهل نَجْران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلّمهم السحر، فبعث الثامر ابنَه عبد الله بن الثّامر مع غلمان أهل نَجْران، فكان إذا مرّ بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من صلاته وعبادته، فجعل يجلس إليه، ويسمع منه حتى أسلم، فوحّد الله وعَبَده وجعل يسأله عن الاسم الأعظم -وكان يعلمه- فكتمه إيّاه، وقال: يا بن أخي، إنك لن تحتمله؛ أخشى ضعفَك عنه. فلما أبى عليه -والثامر أبو عبد الله لا يظنّ إلّا أنّ ابنه عبد الله يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان- فلما رأى عبد الله أنّ صاحبه قد ضنّ به عنه، وتخوّف ضعفه فيه عَمَد إلى قِدَاح فجمعها، ثم لم يُبْقِ لله اسمًا يعلمه إلا كتبه في قِدْح؛ لكل اسم قِدْح، حتى إذا أحصاها أوقد لها نارًا، ثم جعل يقْذفُها فيها قِدْحًا قِدْحًا؛ حتى إذا مرّ بالإسم الأعظم قذف فيها بقِدْحه، فوثب القِدْح حمَى خرج منها، لم يضرّه شيء، فقام إليه فأخذه، ثم أتى صاحبه، فأخبره أنه قد علم الإسم الذي كتمه، فقال له: ما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: وكيف علمتَه؟ فأخبره كيف صنع، قال: فقال: يا بن أخي! قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظنّ أن تفعل. فجعل عبد الله بن الثامر إذا أتى نَجْران لم يلق أحدًا به ضرّ إلّا قال له: يا عبد الله، أتوحّد الله وتدخل في ديني فأدعو الله فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم، فيوحّد الله ويسلم، ويدعو له، فيشفى، حتى لم يبق أحدٌ بنجْران به ضُرّ إلّا أتاه فاتّبعه على أمره، ودعا له، فعُوفي، حتى رُفع شأنه إلى ملك نجْران، فدعاه فقال له: أفسدت عليّ أهل قريتي، وخالفتَ ديني ودين آبائي، لأمثِّلنّ بك! قال: لا تقدرعلى ذلك، فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيُطرح عن رأسه فيقع على الأرض، ليس به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجْران بُحور، لا يقَع فيها شيء إلّا هلَك، فَيُلقَى فيها فيخرج ليس به بأس، فلما غلبه، قال عبد الله بن الثامر: إنّك والله لا تقدر على قتلي حتى توحِّدَ الله فتؤمن بما آمنت به؛ فإنك إن فعلت ذلك سُلّطت عليّ فقتلتني، فوحّد الله ذلك الملك، وشهد بشهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصًا في يده فشجّه شجّة غير كبيرة، فقتله، فهلك الملك مكانه، واستجمع أهلُ نجْران على دين عبد الله بن الثَّامر، وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم من الإنجيل وحكمه، ثمّ أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل النّصرانية بنجران. فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن ذلك. والله أعلم. قال: فسار إليهم ذو نُواس بجنوده من حِمْير وقبائل اليمن، فجمعهم ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيّرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فخدّ لهم الأخدود، فحرّق بالنار، وقتّل بالسيف؟ ومثّل بهم كلّ مُثْلة، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا، وأفلت منهم رجل يقال له: دَوْس ذو ثعلبان، على فرس له، فسلك الرَّملَ فأعجزهم. قال: وقد سمعت بعضَ أهل اليمن يقول: إنّ الذي أفلت منهم رجل من أهل نَجْران يقال له: جبّار بن فيض. قال: وأثبت الحديثين عندي الذي حدّثني: أنه دوْس ذو ثعلبان. ثم رجع ذو نُواس بمن معه من جنوده إلى صنعاء من أرض اليمن. ففي ذي نواس وجنوده تلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: أنزل الله على رسوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ إلى قوله: ﴿بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. يقال: كان فيمن قَتل ذو نُواس عبد الله بن الثامر رئيسهم وإمامهم. ويقال: عبد الله بن الثامر قُتِل قبل ذلك، قَتله ملك كان قَبْله، هو كان أصل ذلكالدين؛ وإنما قَتل ذو نواس مَنْ كان بعده من أهل دينه (١). (٢: ١٢٠/ ١٢١ / ١٢٢/ ١٢٣).٨٢٥ / أ- وأما هشام بن محمد فإنه قال: لم يزل مُلْك اليمن متصلًا لا يطمع فيه طامع، حتى ظهرت الحبشة على بلادهم في زمن أنوشِرْوان. قال: وكانَ سببُ ظهورهم أن ذا نُواس الحمْيريّ ملك اليمن في ذلك الزمان، وكان يهوديًّا، فقدم عليه يهوديّ، يقال له: دَوْس من أهل نَجْران، فأخبره: أنّ أهل نجران قتلوا ابنين له ظلمًا، واستنصره عليهم -وأهل نَجْران نصارى- فحمِيَ ذو نُواس لليهوديّة،فغزا أهلَ نجران، فأكثر فيهم القتل، فخرج رجل من أهل نَجْران، حتى قدِم على ملك الحبشة، فأعلمه ما ركبوا به، وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النارُ بعضه، فقال له: الرّجال عندي كثير، وليست عندي سفن، وأنا كاتب إلى قيصر في البَعْثة إليّ بسفن أحمل فيها الرجال. فكتب إلى قيصر في ذلك، وبعث إليه بالإنجيل المحرّق، فبعث إليه قيصر بسفن كثيرة (١). (٢: ١٢٣/ ١٢٤). ٨٢٥ / ب- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أنه حدّث أنّ رجلًا من أهل نَجْران في زمن عمر بن الخطاب حفر خِربة من خِرب نَجْران لبعض حاجاته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دَفن منها قاعدًا واضعًا يده على ضَرْبة في رأسه ممسكًا عليها بيده؛ فإذا أخرت يده عنهما انثعبت دمًا، وإذا أرسلت يده ردّها عليها، فأمسك دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: "ربّي الله". فكتب فيه إلى عمر يخبره بأمره، فكتب إليهم عمر: أنْ أقرُّوه على حاله، وردُّوا عليه الدّفْن الذي كان عليه. ففعلوا (٢). (٢: ١٢٤). ٨٢٦ - وخرج دَوْس ذو ثَعْلبان، حين أعجز القومَ على وجهه ذلك؛ حتى قدم على قيصر صاحب الروم، فاستنصره على ذي نُواس وجنوده، وأخبره بما بلغ منهم، فقال له قيصر: بعُدتْ بلادك من بلادنا، ونأت عنا، فلا نقدر على أن نتناولها بالجنود؛ ولكنِّي سأكتب لك إلى ملك الحبشة؛ فإنه على هذا الدّين، وهو أقرب إلى بلادك منّا فينصرك ويمنعك ويطلب لك بثأرك ممّن ظلمك، واستحلّ منك ومن أهل دينك ما استحلّ. فكتب معه قيصر إلى مَلِك الحبشة يذكر له حقّه وما بلغ منه ومن أهل دينه، ويأمره بنصره، وطلب ثأرِه ممّن بغى عليه وعلى أهل دينه. فلما قدم دَوْس ذو ثَعْلبان بكتاب قيصر على النّجاشيّ صاحب الحبشة، بعث معه سبعين ألفًا من الحبشة وأمّر عليهم رجلًا منهم من أهل الحبشة، يقال له: أرياط؛ وعهد إليه: إن أنت ظهرت عليهم فاقتل ثلث رجالهم، وأخْرِب ثلث بلادهم، واسْبِ ثُلث نسائهم وأبنائهم. فخرج أرياط ومعه جنوده، وفي جنوده أبرَهة الأشرم، فركب البحر ومعه دَوْس ذو ثعْلبان،حتى نزلوا بساحل اليمن، وسمع بهم ذُو نُواس فجمع إليه حِمْير ومَنْ أطاعه من قبائل اليمن، فاجتمعوا إليه على اختلاف وتفرّق، لانقطاع المدّة وحلول البلاء والنِّقْمة، فلم يكن له حرب غير أنَّه ناوش ذو نُواس شيئًا من قتال، ثم انهزموا، ودخلها أرياط بجموعه، فلما رأى ذو نُواس ما رأى ممّا نزل به وبقومه وجّه فرسه إلى البحر، ثم ضربه فدخل فيه فخاض به ضَحْضَاح البحر، حتى أفضى به إلى غَمْرة، فأقحمه فيه، فكان آخرَ العهد به. ووطئ أرياط اليمن بالحبشة، فقتل ثلثَ رجالها، وأخرب ثلثَ بلادها، وبعث إلى النجاشيّ بثلث سباياها ثم أقام بها، قد ضبطها وأذلّها، فقال قائل من أهل اليمن، وهو يذكر ما ساق إليهم دَوْس ذو ثعلبان من أمر الحبشة؛ فقال: "لا كدَوْس ولا كأعلاقِ رَحْلِهْ" يعني: ما ساق إليهم من الحبشة، فهي مَثَل باليمن إلى اليوم (١). (٢: ١٢٤/ ١٢٥). ٨٢٧ / أ- وقال ذو جَدن الحميريّ وهو يذكر حِمْير، وما دخل عليها من الذُّلّ بعد العزّ الذي كانوا فيه، وما هُدِم من حصون اليمن، وكان أرياط قد أخرب مع ما أخرب من أرض اليمن سِلْحين، وبينون، وغُمْدان حصونًا لم يكن في الناس مثلها، فقال: هَوْنَكِ ليسَ يَرُدُّ الدَّمْعُ ما فاتا ... لا تَهْلِكي أسَفًا في ذِكْرِ مَنْ مَاتا أبَعْدَ بَينُونَ لا عَيْنٌ وَلَا أثَرٌ ... وبَعْدَ سِلْحينَ يبْني النَّاسُ أَبْياتًا! وقال ذو جَدَنٍ الحميريّ في ذلك: دَعِيني لا أبا لكِ لَنْ تُطِيقي ... لحاكِ اللهُ قَدْ أنْزَفْتِ رِيقي لدَى عَزْفِ الْقِيانِ إذِ انْتَشَينا ... وإذ نُسْقَى منَ الخمْرِ الرّحيقِ وَشُرْبُ الْخمْرِ لَيسَ عَلَيَّ عَارًا ... إذَا لم يشْكُنيِ فيها رفيقي فإنَّ الموْتَ لَا يَنْهَاهُ نَاهٍ ... ولَوْ شَرِبَ الشِّفاءَ مَعَ النَّشُوق وَلا متَرَهِّبٌ في اسْطُوانٍ ... يناطِحُ جُدْرُه بَيضَ الأَنُوق وغُمْدَان الَّذِي حُدِّثتْ عَنْهُ ... بنَوْهُ مُمْسِكًا في رَأْسِ نيقِ بِمَنْهَمَةٍ وأسفَله جُروبٌ ... وحُرُّ الموْحَلِ اللَّثِقِ الزَّليقِ مَصَابيحُ السَّليطِ تَلُوحُ فيه ... إذَا يُمْسِي كتَوْماضِ البُرُوقِونَخْلَتُه التي غُرِسَتْ إليه ... يكاد الْبُسْرُ يَهْصِرُ بالعُذوقِ فأصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَمَادًا ... وغيَّرَ حُسْنَه لَهَبُ الْحَريقِ وَأَسْلَمَ ذُو نُوَاسٍ مُسْتَمِيتًا ... وحَذَّرَ قَومَهُ ضَنْك المَضِيقِ وقال ابن الذئبة الثّقفيّ، وهو يذكر حميَر حين نزل بها السودان وما أصابوا منهم: لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى مِنْ مَفَرّ ... مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقه والْكِبَرْ لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى صُحرَةٌ ... لعَمْرُكَ ما إنْ لَه مِن وَزَرْ أبَعْدَ قَبَائلَ مِنْ حِمْيَرٍ ... أتُوا ذَا صَبَاحٍ بِذَاتِ العَبَرْ بأَلْبِ ألُوبٍ وحَرَّابةٍ ... كمِثْلٍ السَّماء قُبَيلَ الْمَطَرْ يُصِمُّ صِيَاحُهُمُ الْمُقْرَبَات ... وينْفُون منْ قَاتَلُوا بالزُّمَرْ سَعَالى كمِثْلِ عَديدِ التُّرَاب ... يَيبَسُ منهم رطابُ الشَّجرْ وأما هشام بن محمد، فإنّه زَعم: أنّ السفن لما قدمت على النجاشيّ من عند قيصر حَمل جيشه فيها، فخرجوا في ساحل المنْدب. قال: فلما سمع بهم ذو نُواس كتب إلى المقَاول يدعوهم إلى مُظاهرته، وأن يكون أمرُهم في محاربة الحبشة ودفعهم عن بلادهم واحدًا، فأبوْا، وقالوا: يقاتل كلّ رجل عن مَقوْلَته وناحيته. فلما رأى ذلك صنع مفاتيح كثيرة، ثم حملها على عِدّة من الإبل، وخرج حتى لقيَ جمعَهم، فقال: هذه مفاتيح خزائن اليمن قد جئتكم بها، فلكم المال والأرض، واستبقوا الرجال والذرّيّة. فقال عظيمهم: اكتب بذلك إلى الملك، فكتب إلى النّجاشي، فكتب إليه يأمره بقبول ذلك منهم، فسار بهِم ذو نُواس حتى إذا دخل بهم صنعاء، قال لعظيمهم: وجِّهْ ثقاتِ أصحابك في قبْض هذه الخزائن. ففزق أصحابه في قبضها ودفَع إليهم المفاتيح، وسبقت كتُب ذي نواس إلى كلّ ناحية: أن اذبحوا كلّ ثور أسودَ في بلدكم؛ فقتلت الحبشة، فلم يبق منهم إلا الشّريد. وبلغ النجاشيّ ما كان من ذي نُواس، فجهز إليه سبعين ألفًا، عليهم قائدان: أحدهما أبرهة الأشرم؛ فلما صاروا إلى صنعاء ورأى ذو نُواس ألّا طاقة له بهم ركب فرسه، واعترض البحر فاقتحمه، فكان آخرَ العهد به وأقام أبرهة ملكًا على صنعاء ومخاليفها، ولم يبعث إلى النجاشي بشيء. فقيل للنجاشيّ: إنه قد خلعَ طاعتك، ورأى: أنه قد استغنى بنفسه، فوجّه إليهجيشًا به رجل من أصحابه، يقال له: أرْياط، فلما حلّ بساحته؛ بعث إليه أبرهة أنّه يجمعني وإياك البلاد والدّين، والواجبُ عليّ وعليك أن ننظر لأهل بلادنا وديننا ممّن معي ومعك، فإن شئت فبارزني؛ فأيُّنا ظفر بصاحبه كان المُلْك له، ولم يقتل الحبشة فيما بيننا. فرضيَ بذلك أرياط، وأجمع أبرهة على المكْر به، فاتّعدا موضعًا يلتقيان فيه، وأكمن أبرهة لإرياط عبدًا له يقال له: أرنجده، في وَهْدةٍ قريب من الموضع الذي التقيا فيه، فلما التقيا سبق أرياط فزرق أبرهة بحربته، فزالت الحربة عن رأسه وشرمت أنفه فسمِّي الأشرم، ونهض أرنجده من الحُفْرة، فزرق أرياط فأنفذه، فقتله، فقال أبرهة لأرنجده: احتَكمْ، فقال: لا تدخل امرأة في اليمن على زوجها حتى يُبدَأ بي، قال: لك ذاك، فغبر بذلك زمانًا. ثم إن أهل اليمن عَدَوْا عليه فقتلوه، فقال أبرهة: قد أنَى لكم أن تكونوا أحرارًا، وبلغ النجاشيَّ قتلُ أرياط، فآلى ألّا يكون له ناهية دون أن يُهريق دم أبرهة، ويطأ بلادَه، وبلغ أبرهة أليّتُه، فكتب إليه: أيُّها الملك! إنّما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، قدِم عليّ يريد توهينَ ملكك، وقتل جندك، فسألته أن يكفّ عن قتالي إلى أن أوجّه إليك رسولًا، فإن أمرته بالكفّ عني، وإلّا سلمت إليه جميع ما أنا فيه، فأبى إلّا محاربتي، فحاربته فظهرت عليه، وإنّما سلطاني لك، وقد بلغني: أنّك حلفت ألّا تنتهيَ حتى تُهريق دمي، وتطأ بلادي. وقد بعثت إليك بقارورة من دمي، وجراب من تراب أرضي؛ وفي ذلك خروجك من يمينك، فاستتمّ أيّها الملك يدك عندي؛ فإنما أنا عبدك وعزّي عزّك. فرضيَ عنه النجاشي وأقرّه على عمله (١). (٢: ١٢٤/ ١٢٥ / ١٢٦/ ١٢٧ / ١٢٨). ٨٢٨ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فأقام أرياط باليمن سنين في سلطانه ذلك، ثم نازعه في أمر الحبشة باليمن أبرهة الحبشيّ، وكان في جنده حتى تفرّقت الحبشة عليهما، فانحاز إلى كلّ واحد منهما طائفة منهم؛ ثم سار أحدهما إلى الآخر، فلما تقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط: إنّك لن تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها ببعض حتى تُفنيَها شيئًا؛ فابرز لي وأبرز لك، فأيّنا ما أصاب صاحبه انصرف إليه جنده.فأرسل إليه أرياط: أن قد أنصفتَني فاخرج. فخرج إليه أبرهة، وكان رجلًا قصيرًا لحيمًا حادرًا، وكان ذا دين في النصرانيّة، وخرج إليه أرياط وكان رجلًا عظيمًا طويلًا وسيمًا وفي يده حربة وخلف أبرهة ربوة تمنع ظهره وفيها غلام له يقال له عَتْودَة، فلما دنا أحدهما من صاحبه رفع أرياط الحربة فضرب بها على رأس أبرهة -يريد يافوخه- فوقعت الحربة على جبهة أبرهة، فشرمتْ حاجبه وعينه وأنفه وشفته؛ فبذلك سمِّي أبرهة الأشرم، وحمل غلام أبرهة عَتْودة على أرياط من خلف أبرهة فقتله، وانصرف جند أرياط إلى أبرهة، فاجتمعت عليه الحبشة باليمن، فقال عَتْوَدة في قتله أرياط: "أنا عَتْوَدَهْ، من فرقة أرِدَّه، لا أبٌ ولا أمّ نجده"، أي يقول: قتلك عبدُه، قال: فقال الأشرم عند ذلك لعْتودة: حكمك يا عتودة وإن كنت قتلته، ولا ينبغي لنا ذلك إلا ديته، فقال عَتْودة: حكمي ألّا تدخل عروس من أهل اليمن على زوجها منهم حتى أصيبها قبله. فقال: ذلك لك، ثم أخرج دية أرياط، وكان كلّ ما صنع أبرهة بغير علم النجاشيّ ملك الحبشة، فلما بلغه ذلك غضب غضبًا شديدًا، وقال: عدا على أميري، فقتله بغير أمري. ثم حلف ألّا يدع أبرهة حتى يطأ بلادَه، ويجزّ ناصيته؛ فلما بلغ ذلك أبرهة حلق رأسه، ثم ملأ جرابًا من تُراب اليمن، ثم بعث به إلى النجاشيّ، وكتب إليه: أيُّها الملك؛ إنما كان أرياط عبدك، وأنا عبدك، فاختلفنا في أمرك، وكلٌّ طاعته لك، إلّا أني كنت أقوى منه على أمر الحبشة، وأضبَط لها وأسوش لها، وقد حلقت رأسي كلّه حين بلغني قَسَم الملك، وبعثت إليه بجراب من تُراب أرض اليمن، ليضعَه تحت قدميه فيبرّ قسمُه. فلما انتهى ذلك إلى النّجاشيّ رضي عنه، وكتب إليه: أن اثبت على عملك بأرض اليمن، حتى يأتيَك أمري فلما رأى أبرهة: أنّ النجاشيّ قد رضي عنه، وملّكه على الحبشة وأرض اليمن بعث إلى أبي مرّة بن ذي يزَن، فنزع منه امرأته ريحانة ابنة علْقمة بن مالك بن زيد بن كَهْلان- وأبو ريحانة ذو جَدَن، وقد كانت ولدت لأبي مرة معد يكرب بن أبي مرة، وولدت لأبرهة بعد أبي مرة مسروق بن أبرهة، وبسباسة ابنة أبرهة، وهرب منه أبو مرّة فأقام أبرهة باليمن وغلامه عَتْودة يصنع باليمن ما كان أعطاه من حكمه حينًا، ثم عدا على عَتَوْدة رجل من حِمْير -أو من خثعم- فقتله، فلما بلغ أبرهة قتله- وكان رجلًا حليمًا سيدًا شريفًا ورعًافي دينه من النصرانية- قال: قد أنَى لكم يا أهل اليمن أن يكونَ فيكم رجل حازم، يأنف مما يأنف منه الرجال؛ إنّي والله لو علمت حين حكّمته أنّه يسأل الذي سأل ما حكّمتُه، ولا أنعمته عينًا، وأيم الله لا يُؤخذ منكم فيه عَقْل، ولا يتبعكم منّي في قتله شيء تكرهونه. قال: ثم إنّ أبرهة بني القُلَّيْس بصنعاء، فبنى كنيسة لم يُر مثلها في زمانها بشيء من الأرض، ثم كتب إلى النّجاشيّ ملك الحبشة: إني قد بنيت لك أيها الملك كنيسة لم يُبن مثلها لملك كان قبلك، ولست بمنتهٍ حتى أصرفَ إليها حاجّ العرب. فلما تحدّثت العرب بكتاب أبرهة ذلك إلى النجاشيّ غضب رجل من النّسَأة أحد بني فقيم، ثم أحد بني مالك، فخرج حتى أتى القُلَّيس فقعد فيها، ثم خرج فلحق بأرضه؛ فأخبر بذلك أبرهة، فقال: من صنع هذا؟ فقيلَ: صنعه رجل من أهل هذا البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة؛ لما سمع من قولك: أصرف إليه حاجّ العرب، فغضب فجاء فقعد فيها؛ أي أنها ليست لذلك بأهل. فغضِب عند ذلك أبرهة، وحلف ليسيرَنّ إلى البيت فيهدمه، وعند أبرهة رجال من العرب، قد قدموا عليه يلتمسون فضله، منهم محمد بن خُزاعيّ بن حزابة الذكوانيّ، ثم السُّلَمي، في نفر من قومه، معه أخ له، يقال له: قيس بن خُزاعيّ؛ فبينا هم عنده غشيَهم عبد لأبرهة، فبعث إليهم فيه بغدائه، وكان يأكل الخُصَى، فلما أتي القوم بغدائه؛ قالوا: والله لئن أكلنا هذا لا تزال تعيجنا به العرب ما بقينا، فقام محمد بن خزاعيّ، فجاء أبرهة فقال: أيها الملك! هذا يوم عيد لنا، لا نأكل فيه إلا الجُنوب والأيدي، فقال له أبرهة: فسنبعث إليكم ما أحببتم؛ فإنما أكرمتكم بغدَائي لمنزلتكم مني. ثم إن أبرهة توّج محمد بن خُزاعيّ، وأمّره على مُضَر، وأمره أن يسير في الناس يدعوهم إلى حجِّ القُلَّيس؛ كنيسته التي بناها. فسار محمد بن خُزاعيّ، حتى إذا نزل ببعض أرض بني كنانة -وقد بلغ أهلَ تِهامة أمرُه، وما جاء له- بعثوا إليه رجلًا من هُذيل، يقال له: عروة بن حياض الملاصيّ، فرماه بسهم فقتله. وكان مع محمد بن خُزاعيّ أخوه قيس، فهرب حين قُتل أخوه، فلحق بأبرهة،فأخبره بقتله، فزاد ذلك أبرهة غضبًا وحَنقًا، وحلَف ليغزوَنّ بني كنانة وليهدمنّ البيت. وأما هشام بن محمّد، فإنه قال: بنَى أبرهة بعد أن رضيَ عنه النّجاشي وأقرّه على عمله كنيسة صنعاء، فبناها بناء معجِبًا لم يُرَ مثله بالذهب والأصباغ المعجبة، وكتب إلى قيصر يعلمه أنّه يريد بناء كنيسة بصنعاء، يبقى أثرُها وذكْرها، وسأله المعونةَ له على ذلك فأعانه بالصنّاع والفُسَيفساء والرّخام، وكتب أبرهة إلى النجاشيّ حين استتمّ بناؤها: إنّي أريد أن أصرف إليها حاجّ العرب. فلما سمعت بذلك العرب أعظمته، وكُبر عليها، فخرج رجل من بني مالك بن كنانة حتى قدم اليمن، فدخل الهيكل، فأحدث فيه، فغضب أبرهة، وأجمع على غزو مكة وهدْم البيت، فخرج سائرًا بالحبشة ومعه الفيل، فلقيَه ذو نَفْر الحميريّ، فقاتله فأسره، فقال: أيها الملك! إنما أنا عبدك فاستبقني، فإنّ حياتي خير لك مِنْ قتلي، فاستبقاه، ثم سار فلقيَه نُفيل بن حبيب الخثعميّ، فقاتله فهزم أصحابه، وأسرَه، فسأله أن يستبقيَه، ففعل وجعله دليله في أرض العرب (١). (٢: ١٢٨/ ١٢٩ / ١٣٠/ ١٣١ / ١٣٢). ٨٢٩ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: ثم إن أبرهة حين أجمع السّير إلى البيت؛ أمر الحبشان فتهيّأت وتجهّزت، وخرج معه بالفيل -قال: وسمعت العرب بذلك، فأعظموه، وفظِعوا به، ورأوْا جهاده حقًّا عليهم حين سمعوا: أنه يريد هدم الكعبة بيت الله الحرام- فخرج له رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له: ذو نفْر، فدعا قومه ومن أجابه منهم من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وإخرابه، فأجابه مَنْ أجابه إلى ذلك، وعرض له فقاتله، فهُزِم ذو نفْر وأصحابه، وأخذ له ذو نفر أسيرًا، فأتِيَ به، فلما أراد قتله قال له ذو نفْر: أيُّها الملك! لا تقتلني؛ فإنّه عسى أن يكون كوني معك خيرًا لك من قتلي. فتركه من القتل وحبسه عنده في وثاق -وكان أبرهة رجلًا حليمًا- ثم مضى أبرهة على وجهه ذلك، يريد ما خرج له، حتى إذا كان بأرض خَثْعم؛ عرض له نُفَيل ابن حبيب الخثعميّ في قبيليخثعم: شهران وناهس ومَنْ تبِعه من قبائل العرب، فقاتله فهزمه أبرهة، وأخِذ له نُفيل أسيرًا، فأتى به؛ فلما همّ بقتله؛ قال له نُفَيل: أيُّها الملك! لا تقتلني فإني دليلك بأرض العرب، وهاتان يدايَ لك على قبيلي خثعم؟ شهران، وناهس بالسمع والطّاعة، فأعفاه وخلّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق، حتى إذا مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن معتّب في رجال ثقيف، فقال له: أيُّها الملك! إنّما نحن عبيدُك، سامعون لك مطيعون ليس لك عندنا خلاف، وليس بيتنا هذا بالبيت الذي تريد -يعنون اللّات- إنما تريد البيتَ الذي بمكّة -يعنون الكعبة- ونحن نبعث معك مَنْ يدلك. فتجاوز عنهم، وبعثوا معه أبا رِغال، فخرج أبرهة ومعه أبو رِغال، حتى أنزله المغمِّس، فلما أنزله به مات أبو رغال هنالك، فرجمت العرب قَبرَه، فهو القبر الذي يرجُم الناس بالمغمِّس. ولما نزل أبرهة المغمّس؛ بعث رجلًا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مقصود على خيل له حتى انتهى إلى مكة، فساق إليه أموال أهل مكة من قُريش وغيرهم، وأصاب منها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم؛ وهو يومئذ كبير قريش وسيّدها، فهمّت قريش وكنانة وهذيل ومَنْ كان بالحرَم من سائر الناس بقتاله، ثم عرفوا: أنّه لا طاقة لهم به؛ فتركوا ذلك، وبعث أبرهة حُناطة الحميريّ إلى مكة، وقال له: سلْ عن ستد هذا البلد وشريفهم؛ ثم قل له: إن الملك يقول لكنم: إني لم آتِ لحربكم؛ إنما جئت لهدم البيت؛ فإن لم تعرضوا دونه بحرب، فلا حاجةَ لي بدمائكم؛ فإن لم يُرِدْ حربي فَائْتني به. فلما دخل حُنَاطة مكّة سأل عن سيّد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ، فجاءه، فقال له ما أمره به أبرهة. فقال له عبد المطّلب: والله ما نريد حربَه، وما لنا بذلك من طاقة؛ هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم -أو كما قال- فإنْ يمنعْه فهو بيته وحَرمه، وإن يخلّ بينه وبينه، فوالله ما عندنا من دَفْع عنه -أو كما قال له- فقال له حُناطة: فانطلِق إلى الملِك، فإنّه قد أمرني أن آتيَه بك- فانطلق معه عبد المطلب، ومعه بعض بنيه، حتى أتى العسكر، فسأل عن ذي نفْر- وكان له صديقًا- حتى دُلّ عليه، وهو في محبسه، فقال له: يا ذا نفْر! هل عندك غَناء فيما نزل بنا؟ فقال له ذو نفْر: وما غَناء رجل أسير بيدي ملك ينتظر أن يقتله غدوًّا أو عشيًّا! ما عندي غناء فيشيء مما نزل بك إلّا أن أنيسًا سائس الفيل لي صديق، فسأرسل إليه فأوصيه بك، وأعظّم عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك على الملك فتكلّمه بما تريد، ويشفع لك عنده بخير؛ إن قدر على ذلك. قال: حسبي. فبعث ذو نفْر إلى أنَيس، فجاء به، فقال: يا أنَيس! إن عبد المطلب سيّد قريش وصاحب عير مكة يطعم الناس بالسّهل، والوحوش في رؤوس الجبال، وقد أصاب له الملك مئتي بعير فاستأذِنْ له عليه، وانفعه عنده بما استطعت. قال: أفعل، فكلّم أنيس أبرهة، فقال: أيها الملك! هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك، وهو صاحب عِير مكّة يطعم الناس بالسهل، والوحوش في رؤوس الجبال، فَائْذنْ له عليك، فيكلِّمك بحاجته وأحْسِن إليه. قال: فأذن له أبرهة -وكان عبد المطلب رجلًا عظيمًا وسيمًا جسيمًا- فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه أن يجلس تحته، وكره أن تراه الحبشة يُجلسه معه على سرير مُلْكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على بساطه، وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له حاجَتك إلى الملك، فقال له ذلك التّرجمان، فقال عبد المطّلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ عليّ مئتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتُك، ثم زهدت فيك حين كلّمتَني؛ أتكلّمني في مئتي بعير قد أصبتُها لك وتتركُ بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه لا تكلّمني فيه! قال له عبد المطلب: إنّي أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه، قال: ما كان ليمنع منّي، قال: أنت وذاك، اردد إليّ إبلي. وكان -فيما زعم بعض أهل العلم- قد ذهب مع عبد المطّلب إلى أبرهة حين بحث إليه حُناطة: يعمر بن نُفاثة بن عديّ بن الدُّئِل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة -وهو يومئذ سيّد بني كنانة- وخويلد بن واثلة الهذلي -وهو يومئذ سيد هُذَيل- فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تِهامة على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم. والله أعلم. وكان أبرهة قد ردّ على عبد المطلب الإبل التي أصاب له، فلما انصرفوا عنه؛ انصرف عبد المطّلب إلى قُريش، فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة، والتحرّز في شَعَف الجبال والشِّعاب تخوُّفًا عليهم معرّة الجيش، ثم قام عبد المطّلب فأخذ بحلْقة الباب باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون اللهويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب، وهو آخذ بحلْقة باب الكعبة: يَا رَبِّ لَا أرْجُو لَهْم سواكَا ... يا رَبّ فامْنَعْ مِنْهُمُ حِمَاكا إنَّ عَدُوَّ الْبَيتِ مَن عاداكا ... امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا ثم قال أيضًا: لاهُمَّ إنَّ الْعَبْدَ يَمْـ ... ـنعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حِلالكْ لا يغلبنَّ صَلِيبُهُمْ ... ومِحالُهُم غَدْوًا مِحَالك فلَئِنْ فَعَلْتَ فَرُبَّمَا ... أوْلى فأَمْرٌ ما بدا لَك ولئنْ فَعَلْتَ فإِنَّه ... أمْرٌ تُتِمُّ بِهِ فِعالكْ جَرُّوا جُموعَ بِلادِهم ... والْفِيلَ كَي يَسْبُوا عِيالكْ عَمَدُوا حِمَاكَ بكَيدِهِمْ ... جهْلًا ومَا رَقِبُوا جَلالكْ [وقال أيضًا]: وَكُنْتَ إذا أَتَى باغٍ بِسِلْمٍ ... نُرَجّي أَنْ تَكُونَ لَنا كذَلِكْ فَوَلّوْا لم ينالُوا غَيرَ خِزْيٍ ... وكانَ الْحَينُ يُهْلِكُهُمْ هُنَالِكْ ولم أَسْمَعْ بأرْجَسَ من رِجالٍ ... أرَادوا العِزَّ فانْتهكُوا حَرَامَكْ ثم أرسل عبد المطلب حَلْقة الباب، باب الكعبة، وانطلق هو ومَنْ معه من قريش إلى شعَف الجبال، فتحرّزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكّة إذا دخلها. فلما أصبح أبرهة تهيّأ لدخول مكة، وهيأ فيلَه، وعبَّى جيشه -وكان اسم الفيل محمودًا- وأبرهة مجمع لهدْم البيت ثم الانصراف إلى اليمن؛ فلما وجَّهوا الفيل أقبل نُفيل بن حَبيب الخَثْعَميّ حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بإذنه، فقال: ابْرُكْ محمُود، وارجعْ راشدًا من حيث جئت؛ فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل وخرج نُفيل بن حبيب يشتدّ حتى صعد في الجبل، وضربوا الفيل ليقومَ فأبى، وضربوا في رأسه بالطّبرزين ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجنَ لهم في مَرَاقّه فبزَغوه ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعًا إلى اليمن، فقام يهرول، ووجّهوه إلى الشأم ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجّهوه إلى مكّة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كلّ طير منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في مِنقاره، وحجران في رجليه مثل الحمّص،والعَدَس لا تصيب منهم أحدًا إلَّا هلك، وليس كلُّهم أصابت، وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاؤوا، ويسألون عن نُفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلي اليمن، فقال نُفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته: أَينَ الْمَفرّ والإلهُ الطَّالِبْ ... والأشْرَمُ الْمَغْلوبُ غَيرُ الغالبْ! وقال نفيل أيضًا: ألا حُيِّيتِ عَنَّا يا رُدَيْنا ... نعِمْناكمْ مَعَ الإصْباح عَينا أتانا قابِسٌ مِنكمْ عِشاءً ... فلَمْ يُقدَرْ لقَابِسِكمْ لدَينا رُدينَةُ لوْ رَأَيتِ ولَم تَرَيهِ ... لدَى جَنْبِ المُحَصَّبِ مَا رَأَينا إذًا لَعَذَرْتني وحَمِدْتِ رَأْيي ... ولم تأسَي عَلَى ما فاتَ بَينا حَمِدْتُ اللهَ إذْ عَايَنْتُ طيرًا ... وخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَينَا فكلُّ القَوْمِ يَسْألُ عن نُفَيلٍ ... كأَنَّ عَلَيَّ لِلْحِبْشَانِ دَينَا! فخرجوا يتساقطون بكلّ طريق، ويهلكون بكل مهلكٍ على كلِّ منهَل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم تسقط أنامله أنمُلةً أنمُلةً، كلّما سقطت منه أنملة اتبعتها منه مِدّة تَمُثّ قيحًا ودمًا حتى قَدموا به صنعاء؛ وهو مثل فرخ الطّير، فما مات حتى انصدع صدره من قلبه -فيما يزعمون (١) (٢: ١٣٣/ ١٣٢ / ١٣٤/ ١٣٥ / ١٣٦). ٨٣٠ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا محمد بن سعد، قال: حدَّثنا محمد بن عمر، قال: حدَّثنا عبد الله بن عثمان بن أبي سُليمان عن أبيه، قال: وحدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن السّلمانيّ عن أبيه، قال: وحدّثنا عبد الله بن عمرو بن زهير الكَعْبيّ عن أبي مالك الحِمْيريّ عن عطاء بن يسار، قال: وحدّثنا محمد بن أبي سعيد الثَّقَفيّ عن يَعلَى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس، عن عمّه أبي رَزين العُقَيلي، قال: وحدّثنا سعيد بن مُسْلم عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد، عن ابن عبّاس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: كان النجاشي قد وجّه أرياط أبا صحم في أربعة آلاف إلى اليمن، فأداخها وغلب عليها، فأعطى الملوك، واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: أبرهة الأشرمأبو يكسوم، فدعا إلى طاعته، فأجابوه، فقتل أرياط، وغلب على اليمن، ورأى الناس يتجهّزون أيام الموسم للحجّ إلى البيت الحرام، فسأل: أين يذهب الناس؟ فقالوا: يحجّون إلى بيت الله بمكة، قال: ممّ هو؟ قالوا: من حجارة، قال: فما كسوته؟ قالوا: ما يأتي ها هنا من الوصائل، قال: والمسيح لأبنيَنّ لكم خيرًا منه! فبنى لهم بيتًا، عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلّاه بالذهب والفضة، وحفَّه بالجوهر، وجعل له أبوابًا عليها صفائح الذهب ومسامير الذهب، وفصل بينها بالجوهر، وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل لها حجابًا، وكان يوقد بالمْندَل، ويلطّخ جُدُره بالمِسك، فيسوّده حتى يغيب الجوهر. وأمر الناس فحجّوه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون، ونَسَكوا له، وكان نُفيل الخثعميّ يؤرِّض له ما يكره، فلما كان ليلة من الليالي لم ير أحدًا يتحرّك، فقامَ فجاء بعَذرة فلطّخ بها قبْلته، وجمع جِيفًا فألقاها فيه. فأخبر أبرهة بذلك، فغضب غضبًا شديدًا، وقال: إنّما فعلت هذا العرب غضبًا لبيتهم، لأنقضنّه حجرًا حجرًا. وكتب إلى النجاشيّ يخبره بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بفيله "محمود" -وكان فيلًا لم يُر مثله في الأرض عِظَمًا وجسمًا وقوّة- فبعث به إليه، فلما قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه مَلِك حِمْير، ونُفَيل بن حبيب الخثعميّ، فلما دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نَعم الناس، فأصابوا إبلًا لعبد المطلب، وكان نُفَيل صديقًا لعبد المطّلب، فكلّمه في إبله، فكلّم نُفَيل أبرهة، فقال: أيُّها الملك، قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم قَدْرًا، وأقدمهم شرفًا، يحمل على الجياد ويعطى الأموال، ويُطعِم ما هبّت الريح. فأدخله على أبرهة، فقال: حاجتك! قال: تردّ عليّ إبلي، فقال: ما أرى ما بلغني عنك إلا الغُرور، وقد ظننت أنّك تكلّمني في بيتكم الذي هو شرفُكم، فقال عبد المطلب: ارددْ عليّ إبلي، ودونك البيت؛ فإن له ربًّا سيمنعه. فأمر بردّ إبله عليه، فلما قبضها قلّدها النّعال، وأشعرها، وجعلها هَدْيًا، وبثّها في الحرَم لكي يصاب منها شيء فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطلب على حراء ومعه عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومُطعم بن عديّ وأبو مسعود الثقفيّ، فقال عبد المطلب: لَا هُمَّ إنَّ المَرْء يَمْـ ... ـنَعُ رَحْلَه فامْنَعْ حِلالكْ لا يَغلِبنَّ صَلِيبُهُمْ ... ومِحالُهُمْ غَدْوًا مِحالكْإنْ كنْتَ تاركَهم وَقِبْـ ... ـلتنا فأمْرٌ ما بَدَا لكْ قال: فأقبلت الطّير من البحر أبابيل، مع كلّ طير [منها] ثلاثة أحجار: حجَران في رجليه، وحجر في مِنقاره، فقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئًا إلا هشّمته، وإلّا نفَط ذلك الموضع، فكان ذلك أول ما كان الجُدريّ، والحصبة، والأشجار المرّة، فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلًا أتِيًّا، فذهب بهم فألقاهم في البحر. قال: وولّى أبرهة ومَنْ بَقِيَ معه هُرّابًا، فجعل أبرهة يسقط عضوًا عضوًا. وأما "محمود" فيل النجاشيّ فربَض ولم يشجع على الحرَم فنجا، وأما الفيل الآخر فشجع فحُصب. ويقال: كانت ثلاثة عشر فيلًا، ونزل عبد المطّلب من حراء، فأقبل رجلان من الحبشة فقبّلا رأسه وقالا: أنت كنت أعلم. حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، أنه حدّث أنّ أول ما رُئيَتِ الحصبة والجدريّ بأرض العرب ذلك العام، وأنه أوّل ما رئي بها مُرار الشجر: الحَرْمل والحنظل والعُشر، ذلك العام (١). (٢: ١٣٧/ ١٣٨ / ١٣٩). ٨٣١ - قال ابن إسحاق: ولما هلك أبرهة ملك اليمن ابنُه في الحبشة يكسوم بن أبرهة -وبه كان يكنى- فذلّت حِمير وقبائل اليمن ووطئتهم الحبشة؛ فنكحوا نساءهم، وقتلوا رجالهم، واتّخذوا أبناءهم تراجمة بينهم وبين العرب. قال: ولما ردّ الله الحبشة عن مكّة، فأصابهم ما أصابهم من النقمة، عَظّمت العرب قريشًا، وقالوا: أهل الله، قاتل الله عنهم، فكفَاهم مؤونة عدوّهم. قال: ولما هلك يكسوم بن أبرهة ملكَ اليمن في الحبشة أخوه مسروق بن أبرهة، فلما طال البلاء على أهل اليمن -وكان ملك الحبشة باليمن فيما بين أن دخلها أرياط إلى أن قتلت الفرس مسروقًا، وأخرجوا الحبشة من اليمن ثنتين وسبعين سنة، توارث ذلك منهم أربعة ملوك: أرياط، ثم أبرهة، ثم يكسوم بن أبرهة، ثم مسروق بن أبرهة- خرج سيف بن ذي يَزن الحميريّ، وكان يكنى بأبي مُرّة، حتى قدم على قيصر ملك الروم، فشكا ما همْ فيه، وطلب إليه أنيخرجَهم عنه، ويليهم هو، ويبعث إليهم مَنْ شاء من الروم، فيكون له ملك اليمن، فلم يُشْكه، ولم يجد عنده شيئًا مما يريد، فخرج حتى قدم الحيرة على النعمان بن المنذر -وهو عامل كسرى على الحيرة وما يليها من أرض العرب من العراق- فشكا إليه ما همْ فيه من البلاء والذلّ، فقال له النعمان: إنّ لي على كسرى وفادة في كلّ عام، فأقِم عندي حتى يكون ذلك، فأخرج بك معي. قال: فأقام عنده حتى خرج النّعمان إلى كسرى، فخرج معه إلى كِسرى، فلما قدِم النّعمان على كسرى وفرغ من حاجته؛ ذكر له سيف بن ذي يزن، وما قدم له، وسأل أن يأذنَ له عليه، ففعل. وكان كسرى إنما يجلس في إيوان مجلسه الذي فيه تاجه، وكان تاجه مثل القَنْقَل العظيم، مضروبًا فيه الياقوت، والزبرجد، واللؤلؤ، والذهب، والفضة معلّقًا بسلسلة من ذهب في رأس طاق مجلسه ذلك، كانت عنقه لا تحمل تاجه، إنما يُستر بالثياب حتى يجلس في مجلسه ذلك، ثم يدخل رأسه في تاجه، فإذا استوى في مجلسه كشف الثياب عنه فلا يراه رجل لم يره قبل ذلك إلّا برك هيبة له. فلما دخل عليه سيف بن ذي يزنَ برك، ثم قال: أيّها الملك! غلبتْنا على بلادنا الأغربة، فقال كسرى: أيّ الأغربة؟ الحبشة أم السّند؟ قال: بل الحبشة، فجئتك لتنصرَني عليهم، وتخرِجهم عنّي، ويكون مُلْك بلادي لك، فأنت أحبّ إلينا منهم. قال: بعدث أرضك من أرضنا، وهي أرض قليلة الخير؛ إنّما بها الشاء والبعير، وذلك ممّا لا حاجة لنا به، فلم أكن لأورّط جيشًا من فارس بأرض العرب. لا حاجة لي بذلك! ثم أمر فأجيز بعشرة آلاف درهم وافٍ، وكساه كسوة حسنة. فلما قبض ذلك سيف بن ذي يزن؛ خرج فجعل ينثُر الورِق للناس يُنْهِبها الصبيان والعبيد والإماء، فلم يلبث ذلك أنّ دخل على كسرى، فقيل له: العربيّ الذي أعطيتَه ما أعطيته ينثُرْ دراهمه للناس جممهِبها العبيد والصبيان والإماء. فقال كسرى: إنّ لهذا الرجل لشأنًا، ائتوني به، فلما دخل عليه قال: عمَدت إلى حِباء الملك الذي حَباك به تنثره للناس! قال: وما أصنع بالذي أعطاني الملك! ما جبالُ أرضي التي جئت منها إلّا ذهب وفضة -يرغبه فيها؛ لما رأى من زهادته فيها- إنّما جئت الملك ليمنعَني من الظلم، ويدفع عني الذلّ، فقال له كسرى: أقم عندي حتى أنظر في أمرك. فأقام عنده.وجمع كسرى مَرَازبته، وأهلَ الرأي ممّن كان يستشيره في أمره، فقال: ما ترون في أمر هذا الرجل، وما جاء له؟ فقال قائل منهم: أيُّها الملك، إن في سجونك رجالًا قد حبستَهم للقتل، فلو أنّك بعثتهم معه، فإن هلكوا كان الذي أردتَ بهم، وإن ظهروا على بلاده كان مُلكًا ازددته إلى ملكك. فقال: إنّ هذا الرأي! أحصوا لي كمْ في سجوني من الرجال؛ فحسبوا له، فوجدوا في سجونه ثمانمئة رجل، فقال: انظروا إلى أفضل رجل منهم حَسَبًا، وبيتًا، اجعلوه عليهم. فوجدوا أفضلَهم حسبًا وبيتًا وَهْرِز -وكان ذا سنّ- فبعثه مع سيف، وأمّره على أصحابه، ثم حملهم في ثماني سفائن، في كلّ سفينة مئة رجل، وما يصلحهم في البحر. فخرجوا حتى إذا لجَّجوا في البحر، غرقت من السفن سفينتان بما فيهما، فخلَص إلى ساحل اليمن من أرْض عدن ستّ سفائن، فيهنّ ستمئة رجل، فيهم وهرِز، وسيف بن ذي يزن، فلما اطمأنّا بأرض اليمن، قال وهْرِز لسيف: ما عندك؟ قال: ما شئتَ من رجل عربيّ، وفرس عربيّ؛ ثم اجعل رجلي مع رجلك؛ حتى نموت جميعًا أو نظهر جميعًا. قال وَهْرِز: أنصفت، وأحسنت! فجمعَ إليه سيف مَن استطاع من قومه، وسمع بهم مسروق بن أبرهة فجمع إليه جنده من الحبشة، ثم سار إليهم حتى إذا تقارب العسكران، ونزل الناسُ بعضهم إلى بعض بعث وهرِز ابنًا له كان معه -يقال له: نَوْزاذ- على جريدة خَيل، فقال له: ناوشهم القتال، حتى ننظر كيف قتالهم. فخرج إليهم فناوشهم شيئًا من قتال، ثم تورّط في مكان لم يستطع الخروج منه، فقتلوه، فزاد ذلك وهرِز حنقًا عليهم، وجِدًّا على قتالهم. فلما تواقف الناس على مصافّهم قال وهرِز: أروني ملِكهم، فقالوا: ترى رجلًا على الفيل عاقدًا تاجَه على رأسه، بين عينيه ياقوتة حمراء، قال: نعم، قالوا: ذاك ملكهم، قال: اتركوه. فوقفوا طويلًا، ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحوّل على الفرس، فقال: اتركوه، فوقفوا طويلًا، ثم قال: علام هو؟ قالوا: قد تحوّل على البغلة، قال: ابنة الحمار! ذلّ وذلّ ملكه، هل تسمعون أنّي سأرميه، فإن رأيتم أصحابه وقوفًا لم يتحرّكوا فاثبتوا حتى أوذنكم، فإنّي قدأخطأت الرجل، وإن رأيتم القوم قد استداروا ولاثوا به، فقد أصبت الرجل، فاحملوا عليهم. ثم أوْتَر قوسه -وكانت فيما زعموا لا يوتِرها غيره من شدّتها- ثم أمر بحاجبيه فعُصِّبا له، ثم وضع في قوسه نُشابة فمغَط فيها حتى إذا ملأها أرسلها فصكّ بها الياقوتة التي بين عينيه، فتغلغلت النّشابة في رأسه، حتى خرجت من قفاه، وتنكّس عن دابّته، واستدارت الحبشة، ولاثت به، وحملت عليهم الفُرْس، وانهزمت الحبشة، فقتِلوا وهرب شريدهم في كلّ وجه، فأقبل وَهْرِز يريد صنعاء يدخلها؛ حتى إذا أتى بابها قال: لا تدخل رايتي منكّسة أبدًا، اهدموا الباب. فهدم باب صنعاء، ثم دخلها ناصبًا رايتَه يُسار بها بين يديه. فلما ملك اليمن ونفى عنها الحبشة كتب إلى كسرى: إنّي قد ضبطت لك اليمن، وأخرجت مَنْ كان بها من الحبشة؛ وبعث إليه بالأموال. فكتب إليه كسرى يأمره أن يملّك سيف بن ذي يزن على اليمن وأرضها، وفرض كسرى على سيف بن ذي يزن جِزْية وخرجًا يؤديه إليه في كلّ عام معلوم، يُبْعث إليه في كلّ عام. وكتب إلى وهرِز أن ينصرف إليه. فانصرف إليه وهرز، وملِّك سيف بن ذي يزن على اليمن، وكان أبوه ذو يزن من ملوك اليمن. فهذا ما حدثنا به ابن حميد عن سلمة، عن ابن إسحاق من أمر حِمْير، والحبشة، وملكهم وتوجيه كسرى من وجّه لحرب الحبشة باليمن (١). (٢: ١٤٢/ ١٤١). ٨٣٢ - وأمّا هشام بن محمد، فإنَّه قال: ملك بعد أبرهة يكسوم، ثم مسروق. قال: وهو الذي قتله وهرِز في مُلك كسرى بن قُباذ، ونفى الحبشة عن اليمن. قال: وكان من حديثه: أن أبا مُرّة الفيَّاض ذا يزن، كان من أشراف اليمن، وكانت تحته ريحانة ابنة ذي جَدن، فولدت له غلامًا سمّاه: مَعْدِ يكرب، وكانت ذاتَ جمال، فانتزعها الأشرم من أبي مُرّة، فاستنكحها، فخرج أبو مرّة من اليمن، فلحق ببعض ملوك بني المنذر -أظنُّه عمرو بن هند- فسأله أن يكتب لهإلى كسرى كتابًا، يعلمه فيه قدرَه وشرفه ونزوعه إليه فيما نزع إليه فيه. فقال: لا تعجَل، فإنّ لي عليه في كلّ سنة وفادة، وهذا وقتها، فأقام قِبَله حتى وفَد عليه معه، فدخل عمرو بن هند على كِسرى، فذكر له شرفَ ذي يزن وحاله، واستأذن له، فدخل فأوسع له عمرو، فلما رأى ذلك كسرى علم أن عمرًا لم يصنع به ذلك بين يديه إلا لشرفه، فأقبل عليه فألطفه، وأحسن مسألته، وقال له: ما الأمر الذي نزع بك؟ قال: أيها الملك، إن السُّودان قد غلبونا على بلادنا، وركبوا منّا أمورًا شنيعة، أجلّ الملك عن ذكرها، فلو أنّ الملِك تناولنا بنصره من غير أن نستنصره، لكان حقيقًا بذلك لفضله وكرمه وتقدّمه لسائر الملوك. فكيف وقد نزعنا إليه مؤمّلين له، راجين أن يقصِم الله عدوّنا وينصرنا عليهم، وينتقم لنا به منهم! فإن رأى الملك أن يصدّق ظنّنا، ويحقّق رجاءنا، ويوجّهَ معي جيشًا ينفون هذا العدوّ عن بلادنا فيزدادها إلى ملكه -فإنّها من أخصب البلدان وأكثرها خيرًا، وليست كما يلي الملِك من بلاد العرب- فعل. قال: قد علمت: أنّ بلادكم كما وصفْت، فأيّ السّودان غلبوا عليها؟ الحبشة أم السّند؟ قال: بل الحبشة، قال أنوشِرْوان: إنّي لأحبّ أن أصدّق ظنَّك، وأن تنصرف بحاجتك؛ ولكنّ المسلكَ للجيش إلى بلادكَ صعب، وأكره أن أغرّره بجندي، ولي فيما سألتَ نظَر، وأنت على ما تحبّ. وأمر بإنزاله وإكرامه؛ فلم يزل مقيمًا عنده حتى هلك. وقد كان أبو مرّة قال قصيدة بالحِمْيريّة يمتدح فيها كسرى، فلما ترجِمت له، أعجب بها. وولدت ريحانة ابنة ذي جَدَن لأبرهة الأشرم غلامًا، فسمّاه مسروقًا، ونشأ معد يكرب بن ذي يزن مع أمّه ريحانة في حِجْر أبرهة فسبّه ابن لأبرهة، فقال له: لعنك الله، ولعن أباك! وكان معد يكرب لا يحسب إلّا أنّ الأشرم أبوه، فأتى أمه فقال لها: مَنْ أبي؟ قالت: الأشرم، قال: لا والله، ما هو أبي، ولو كان أبي ما سبَّني فلان، فأخبرتْه أنّ أباه أبو مرّة الفيّاض، واقتصّت عليه خبره، فوقع ذلك في نفس الغلام، ولبِث بعد ذلك لبثًا. ثم إنّ الأشرم مات، ومات ابنه يكسوم، فخرج ابن ذي يزن قاصدًا إلى ملِك الرّوم، وتجنّب كسرى لإبطائه عن نصر أبيه، فلم يجد عند ملك الرُّوم ما يحبّ، ووجده يحامي عن الحَبشة لموافقتهم إيّاه على الدّين، فانكفأ راجعًاإلى كسرى، فاعترضَه يومًا وقد ركب، فصاح به: أيّها الملك، إنّ لي عندك ميراثًا. فدعا به كسرى لمّا نزل، وقال: مَنْ أنت؟ وما ميراثك؟ قال: أنا ابن الشيخ اليمانيّ ذي يزَن، الذي وعدتَه أن تنصره، فمات ببابك وحَضْرتك، فتلك العِدةُ حقّ لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه. فرقّ له كسرى، وأمر له بمال. فخرج الغلام، فجعل ينثر الدراهم، فانتهبها الناس. فأرسل إليه كسرى: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: إنّي لم آتك للمال، إنّما جئتك للرجال، ولتمنعَني من الذّلّ. فأعجَب ذلك كسرى، فبعث إليه: أن أقمْ حتى أنظرَ في أمرك. ثم إنّ كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه، فقال له الموْبذان: إن لهذا الغلام حقًّا بنزوعه وموت أبيه بباب الملك وحضرته، وما تقدّم من عِدَته إياه، وفي سجون الملك رجال ذوو نجدة وبأس، فلو أن الملك وجّههم معه، فإن أصابوا ظفرًا كان له، وإن هلكوا كان قد استراح وأراح أهلَ مملكته منهم، ولم يكن ذلك ببعيد من الصواب. قال كسرى: هذا الرّأي، وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرْب، فأحصوا فبلغوا ثمانمئة نفر، فقوّد عليهم قائدًا من أساورته، يقال له: وهْرِز، كان كسرى يعدِ له بألف أسوار، وقوّاهم وجهّزهم وأمر بحملهم في ثمانيَ سفائن، في كُلّ سفينة مئة رجل، فركبوا البحر، فغرقت من الثماني السفن سفينتان، وسلِمت ستّ، فخرجوا بساحل حَضْرموت، وسار إليهم مسروق في مئة ألف من الحبشة وحِمْير والأعراب، ولحِق بابن ذي يزن بَشَرٌ كثير، ونزل وهْرِز على سِيف البحر، وجعل البحر وراء ظهره، فلمّا نظر مسروق إلى قلّتهم طمع فيهم، فأرسل إلى وهرز: ما جاء بك، وليس معك إلَّا من أرى، ومعي مَنْ ترى! لقد غرّرت بنفسك وأصحابك، فإن أحببت أذِنت لك؛ فرجعت إلى بلادك ولم أهجك؛ ولم ينلك ولا أحدًا من أصحابك منّي ولا من أحد من أصحابي مكروه، وإن أحببتَ ناجزتُك الساعة، وإن أحببت أجّلتك حتى تنظرَ في أمرك، وتشاور أصحابك. فأعظم وهْرِز أمرَهم، ورأى: أنّه لا طاقة له بهم، فأرسل إلى مسروق، بل تضرب بيني وبينَك أجلًا، وتعطيني موثِقًا وعهدًا، وتأخذ مثله منّي؛ ألا يقاتل بعضنا بعضًا حتى ينقضي الأجلُ، ونرى رأينا.ففعل ذلك مسروق، ثم أقام كلّ واحد منهما في عسكره، حتى إذا مضى من الأجل عشرة أيام، خرج ابن وهْرز يسير على فرس له، حتى دنا من عسكرهم، وحمله فرسُه، فتوسط به عسكرهم، فقتلوه - ووهْرِز لا يشعر به - فلما بلغه قتلُ ابنه أرسل إلى مسروق: قد كان بيني وبينكم ما قد علمتم، فَلِمَ قتلتم ابني؟ فأرسل إليه مسروق: إنّ ابنك حَمَل علينا، وتوشط عسكرنا، فثار إليه سفهاء من سفهائنا، فقتلوه، وقد كنت لقتله كارهًا. قال وهْرز للرّسول: قل له: إنه لم يكن ابني، إنما كان ابنَ زانية، ولو كان ابني لصبر ولم يغدر حتى ينقضي الأجل الذي بيننا. ثم أمر فرمِيَ به في الصعيد حيث ينظَر إلى جُثمانه، وحلف الّا يشرب خمرًا، ولا يدهن رأسه حتى ينقضي الأجل بينه وبينهم. فلما انقضى الأجل إلَّا يومًا واحدًا، أمر بالسّفن التي كانوا فيها فأحرقت بالنار، وأمر بما كان معهم من فَضل كسوة فأحرِق، ولم يدع منه إلَّا ما كان على أجسادهم، ثم دعا بكلّ زاد معهم. فقال لأصحابه: كلوا هذا الزاد، فأكلوه، فلما انتهوْا أمر بفضله فألْقيَ في البحر، ثم قام فيهم خطيبًا، فقال: أمَّا ما حرّقتُ من سفنكم، فإني أردت أن تعلموا أنه لا سبيل إلى بلادكم أبدًا، وأما ما حرّقت من ثيابكم، فإنَّه كان يغيظني إن ظفرتْ بكم الحبش أن يصير ذلك إليهم، وأمّا ما ألقيت من زادكم في البحر، فإنّي كرهت أن يطمع أحد منكم أن يكون معه زاد يعيش به يومًا واحدًا، فإن كنتم قومًا تقاتلون معي، وتصبرون؟ أعلمتموني ذلك. وإن كنتم لا تفعلون اعتمدت على سيفي هذا حتى يخرج من ظهري؛ فإني لم أكن لأمكّنَهم من نفسي أبدًا. فانظروا ما تكون حالكم، إذا كنت رئيسكم وفعلت هذا بنفسي! فقالوا: لا بل نقاتل معك حتى نموت عن آخرنا، أو نظفَر. فلما كان صبح اليوم الذي انقضى فيه الأجلُ عبَّأ أصحابَه، وجعل البحر خلْفه، وأقبل عليهم يحضّهم على الصبر، ويعلمهم أنهم منه بين خَلّتين، إمَّا ظفروا بعدوّهم، وإمّا ماتوا كرامًا، وأمرهم أن تكون قستهم موتَرة، وقال: إذا أمرتكم أن ترموا فارموهم رشْقًا بالبَنْجكان - ولم يكن أهل اليمن رأوا النشّاب قبل ذلك - وأقبل مسروق في جَمْع لا يرى طرفاه على فيل على رأسه تاج، بين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة، لا تزى أنّ دونَ الظفر شيئًا. وكان وهْرِز قد كل بصره فقال: أروني عظيمَهم، فقالوا: هو صاحب الفيل؛ ثم لم يلبث مسروق أن نزلفركب فرسًا، فقالوا: قد ركب فرسًا، فقال: ارفعوا لي حاجبَيّ، وقد كانا سقطا على عينيه من الكِبَر، فرفعوهما بعصابة، ثم أخرج نُشّابة، فوضعها في كبد قوسِه، وقال: أشيروا لي إلى مسروق، فأشاروا له إليه حتى أثبته، ثم قال لهم: ارموا، فرموْا، ونزع في قوسه حتى إذا ملأها سرح النشابة، فأقبلت كأنهما رِشاء، حتى صكّت جبهة مسروق، فسقط عن دابَّته، وقتل في ذلك الرّشق منهم جماعة كثيرة، وانفضّ صفّهم لمّا رأوا صاحبَهم صريعًا، فلم يكن دون الهزيمة شيء، وأمر وهْرز بجثّة ابنه من ساعته فوريت، وأمر بجثة مسروق، فألقيت مكانَها، وغَنم من عسكرهم ما لا يُحصى ولا يُعدّ كثرة، وجعل الأُسوار يأخذ من الحبشة ومن حِمْير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتّفين، لا يمتنعون منه. فقال وهْرِز: أمّا حمير والأعراب فكفّوا عنهم، واقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحدًا. فقتلت الحبشة يومئذ حتى لم يبق منهم كثير أحد، وهرب رجل من الأعراب على جَمَل له؛ فركضه يومًا وليلة، ثم التفت، فإذا في الحقيبة نُشّابة، فقال: لأمك الويل! أبُعْدٌ أم طول مسير - حسب أن النشابة لحقته. وأقبل وهْرز حتى دخل صنعاء، وغلب على بلاد اليمن، وفرّق عمَّاله في المخاليف. وفي ابن ذي يزن وما كان منه ومن وهْرز والفُرس، يقول أبو الصّلْت أبو أميّة بن أبي الصَّلت الثقفيُّ: لِيَطْلُبِ الْوتْرَ أمْثَالُ ابنِ ذي يَزَنٍ ... ريَّمَ في البحر للأعداءِ أحوالا أتى هِرْقَلَ وقد شالتْ نَعامنُهُمْ ... فلَمْ يجِدْ عِنْدَه بَعْضَ الذي قالا ثمّ انْتَحَى نَحْوَ كِسْرَى بَعْدَ سَابعةٍ ... منَ السِّنين لقَدْ أَبْعَدْتَ إيغالا حتى أتى بِبَني الأحْرَارِ يَحْمِلُهُمْ ... إنْكَ لَعَمْري لقَدْ أَطْوَلْتَ قلْقالا مَنْ مِثْلُ كِسْرَى شَهَنْشَاهِ الملُوكِ له ... أو مِثْلُ وهْرِزيَوْمَ الْجَيشِ إذْ صالا! لله دَرُّهمُ مِنْ عُصْبةٍ خرجوا ... ما إنْ تَرَى لَهُمُ في النّاس أمثَالا غُرٌّ جَحَاجحَةٌ بيضٌ مَرَازبةٌ ... أسْدٌ تُرَبِّبُ في الغيضَاتِ أَشْبَالا يرْمُونَ عن شدُفٍ كأنَّها عُبُطٌ ... في زَمْخَرٍ يُعْجِلُ المرمِيّ إعجَالا أُرْسَلْتَ أُسْدًا على سُودِ الكلابِ فقَدْ ... أضْحَى شَرِيدُهُمُ في الأرْضِ فُلَّالا فاشْرَبْ هَنيئًا عَلَيكَ التَّاجُ مُتكِّئًا ... في رأسِ غُمْدَان دَارًا مِنْكَ مِحْلَالا وَأَطْلِ بالْمِسْكِ إذْ شَالتْ نَعامَتُهُمْ ... وأسْبِلِ اليَوْمَ في بُرْدَيكَ إسْبَالاتِلكَ المَكارِمُ لَا قَعْبانِ من لَبَنٍ ... شِيبَا بماءً فعَادَا بعدُ أَبْوالا (١) (٢: ١٤٢ - ١٤٨). ٨٣٣ - رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما انصرف وهرِز إلى كسرى، وملّك سيفًا على اليمن، عدا على الحبشة فجعل يقتّلها ويبقر النساء عمّا في بطونها، حتى إذا أفناها إلَّا بقايا ذليلة قليلة، فاتّخذهم خَوَلًا، واتخذ منهم جمّازين يسعوْن بين يديه بحرابهم، فمكث بذلك حينًا غير كثير. ثم إنه خرج يومًا والحبشة تسعى بين يديه بحرابهم؛ حتى إذا كان في وسط منهم وجؤوه بالحراب حتى قتلوه، ووثب بهم رجل من الحبشة، فقتل باليمن وأوعث، فأفسد، فلما بلغ ذلك كسرى بعث إليهم وهْرِز في أربعة آلاف من الفُرْس، وأمره ألا يترك باليمن أسْوَد ولا ولدَ عربيَّة من أسْوَد إلَّا قتله، صغيرًا أو كبيرًا، ولا يدع رجلًا جَعْدًا قَططًا قد شرك فيه السودان إلَّا قتله. فأقبل وهْرِز، حتى دخل اليمن، ففعل ذلك؟ ولم يترك بها حبشيًّا إلَّا قتله، ثم كتب إلى كسرى بذلك، فأمّره كسرى عليها. فكان عليها، وكان يَجْبِيها إلى كسرى حتى هلَك، وأمّر كسرى بعده ابنه المرزبان بن وهرِز، فكان عليها حتى هلك، فأمّر كسرى بعده البينجان بن المرزبان بن وهرز حتى هلك، ثم أمّر كسرى بعده خُرَّ خسْرَه بن البينجان بن المرزبان بن وهْرز، فكان عليها. ثم إنَّ كسرى غضِب عليه، فحلف ليأتينّه به أهلُ اليمن يحملونه على أعناقهم ففعلوا، فلما قدِم على كسرى تلقّاه رجل من عظماء فارس، فألقى عليه سيفًا لأبي كسرى، فأجاره كسرى بذلك من القَتْل ونزعه، وبعث باذان إلى اليمن، فلم يزل عليها حتى بعث الله رسوله محمدًا ﷺ. وكان -فيما ذُكِر- بين كسرى أنوشِرْزوان وبين يخطيانوس ملك الروم موادعة وهدنة، فوقع بين رجل من العرب كان ملّكه يخطيانوس على عرب الشأم - يقال له: خالد بن جبَلة - وبين رجل من لَخْم، كان ملّكه كسرى على ما بين عُمان والبَحْرين واليَمامة إلى الطائف وسائر الحجاز ومَنْ فيها من العرب؛ يقال له: المنذر بن النّعمان - نائرة، فأغار خالد بن جَبَلة على حيّز المنذر، فقتل منأصحابه مقْتلة عظيمة، وغَنِم أموالًا من أمواله. فشكا ذلك المنذر إلى كسرى، وسأله الكتاب إلى ملك الروم في إنصافه من خالد. فكتب كسرى إلى يخطيانوس، يذكر ما بينهما من العهد على الهدنة والصلح، ويعلمه ما لقِيَ المنذر عامله على العرب من خالد بن جَبَلة الذي ملّكه على مَنْ في بلاده من العرب، ويسأله أن يأمر خالدًا أن يردّ على المنذر ما غنم من حَيّزه وبلاده، ويدفع إليه دية مَنْ قتل من عربها. وينصف المنذر من خالد، وألّا يستخفّ بما كتب به من ذلك، فيكون انتقاض ما بينهما من العهد والهدنة بسببه. وواتَر الكُتب إلى يخطيانوس في إنصاف المنذر، فلم يحفِل بها، فاستعدّ كسرى، فغزا بلاد يخطيانوس في بضعة وتسعين ألف مقاتل، فأخذ مدينة دارا، ومدينة الرُّهاء، ومدينة مَنْبج، ومدينة قِنّسْرِين، ومدينة حَلب، ومدينة أنْطاكية - وكانت أفضل مدينة بالشأم - ومدينة فامِية، ومدينة حِمْص؛ ومدنًا كثيرة متاخمة لهذه المدائن؛ عَنْوة، واحتوى على ما كان فيها من الأموال والعروض، وسَبَى أهلَ مدينة أنطاكيَة، ونقلَهم إلى أرض السواد، وأمر فبنيت لهم مدينة إلى جنب مدينة طَيسَبُون علي بناء مدينة أنطاكيَة - على ما قد ذكرت قبل - وأسكنهم إياها؛ وهي التي تسمّى الروميّة، وكَوّر لها كورة، وجعل لها خمسة طساسيج: طسُّوج نهْروان الأعلى، وطَسُّوج نهروان الأوسط، وطَسّوج نهروان الأسفل، وطَسّوج بادريا، وطَسُّوج باكُسايا، وأجرى على السَّبْي الذين نَقَلهم من أنطاكيَة إلى الروميّة الأرزاق. وولّى القيام بأمورهم رجلًا من نصارى أهل الأهواز، كان ولَّاه الرّياسة على أصحاب صناعاته - يقال له: بَراز - رِقّة منه لذلك السَّبي، إرادة أن يستأنسوا ببراز لحال ملّته، ويسكنوا إليه. وأمّا سائر مدن الشام ومصر فإنّ يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمة حملها إليه، وضمِن له فدية يحملها إليه في كلّ سنة على ألا يغزوَ بلاده، وكتب لكسرى بذلك كتابًا، وختم هو وعظماء الروم عليه، فكانوا يحملونها إليه في كلِّ عام. وكان ملوك فارس يأخذون من كُوَر من كُوَرِهم قبل ملك كسرى أنوشِرْوان في خراجها الثُلث، ومن كُوَر الرّبع، ومن كُوَر الخمس، ومن كُوَر السدس؛ على قدر شَرْبها وعمارتها، ومن جزية الجماجم شيئًا معلومًا، فأمر الملك قُباذ بن فَيروز في آخر ملكه بمسْح الأرض؟ سهلها وجبلها ليصحّ الخراج عليها،فمُسِحت؛ غير أن قُباذ هلك قبل أن يستحكِم له أمرُ تلك المساحة؛ حتى إذا ملك ابنه كسرى أمر باستتمامها وإحصاء النخّل والزيتون والجماجم، ثم أمر كتّابه فاستخرجوا جُمل ذلك، وأذن للناس إذنًا عامًّا، وأمر كاتب خراجه أن يقرأ عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلّات الأرض، وعدد النخل والزيتون والجماجم، فقرأ ذلك عليهم، ثم قال لهم كسرى: إنا قد رأينا أن نضع على ما أحْصِي من جِرْبان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضاخ، ونأمر بإنجامها في السنة في ثلاثة أنْجُم، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثَغْر من ثغورنا، أو طَرَف من أطرافنا فَتْق أو شيء نكرهه، واحتجنا إلى تداركه أو حَسْمه ببذلنا فيه مالًا؛ كانت الأموال عندنا معدّة موجودة، ولم نُرد استئناف اجتبائها على تلك الحال. فما ترون فيما رأينا من ذلك وأجمعنا عليه؟ فلم يُشِر عليه أحد منهم فيه بمشورة، ولم ينبِس بكلمة، فكرّر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات. فقام رجل من عُرْضهم وقال لكسرى: أتضعُ أيها الملك - عمّرك الله - الخالدَ من هذا الخراج على الفاني من كَرْمٍ يموت، وزَرْع يَهيج، ونهرٍ يغور، وعين أو قناة ينقطع ماؤها! فقال له كسرى: يا ذا الكلْفة المشؤوم، منْ أي طبقات الناس أنت؟ قال: أنا رجل من الكتّاب، فقال كسرى: اضربوه بالدُّويِّ حتى يموت، فضربه بها الكتَّاب خاصة تبرّؤًا منهم إلى كسرى من رأيه وما جاء منه، حتى قتلوه. وقال الناس: نحن راضون أيُّها الملك بما أنت مُلزِمنا من خراج. وإنّ كسرى اختار رجالًا من أهل الرأي والنصيحة، فأمرهم بالنظر في أصناف ما ارتفع إليه من المساحة وعدّة النخل والزيتون ورؤوس أهل الجزية. ووضع الوَضائع على ذلك بقدر ما يرون أنّ فيه صلاح رعيته، ورفاعة معاشهم، ورفعه إليه، فتكلّم كلّ امرئ منهم بمبلغ رأيه في ذلك من تلك الوضائع، وأداروا الأمر بينهم، فاجتمعت كلمتهم على وَضْع الخراج على ما يعصم الناس والبهائم، وهو الحنطة والشعير والأرزّ والكَرْم والرِّطاب والنخل والزيتون؛ وكان الذي وضعوا على كلّ جَريب أرض مِنْ مزارع الحنطة والشعير درهمًا، وعلى كلّ جَريب أرض كَرْم ثمانية دراهم؛ وعلى كل جَريب أرض رِطاب سبعة دراهم، وعلى كل أربع نخلات فارسيّة درهمًا، وعلى كلّ ستّ نخلات دَقَل مثل ذلك؛وعلى كلّ ستة أصول زيتون مثل ذلك؛ ولم يضعوا إلَّا على كلّ نخل [في] حديقة، أو مجتمع غير شاذّ، وتركوا ما سوى ذلك من الغلّات السّبع. فقويَ الناس في معاشهم، وألزمُوا الناس الجِزْية ما خلا أهلَ البيوتات والعظماء والمقاتلة والهرابذة والكتّاب؛ ومَنْ كان في خدمة الملك، وصيّروها على طبقات: اثني عشر درهمًا، وثمانية، وستة، وأربعة، كقَدْر إكثار الرجل وإقلاله، ولم يُلزِموا الجزية مَنْ كان أتى له من السنّ دون العشرين أو فوق الخمسين، ورفعوا وضائعهم إلى كسرى فرضيَها وأمر بإمضائها والاجتباء عليها في السنة في ثلاثة أنجُم، كلّ نجم أربعة أشهر وسماها أبراسيار، وتأويله "الأمر المتراضَى"؛ وهي الوضائع التي اقْتدى بها عمر بن الخطاب حين افتتح بلاد الفرس، وأمر باجتباء أهل الذمّة عليها، إلَّا أنه وضع على كلّ جَريب أرض غامر على قدر احتماله؛ مثل الذي وضع على الأرض المزروعة، وزاد على كلّ جريب أرض مزارع حنطة أو شعير قفيزًا من حِنْطة إلى القفيزين، ورزق منه الجند. ولم يخالف عمر بالعراق خاصّة وضائعَ كسرى على جِرْبان الأرض، وعلى النخل، والزيتون، والجماجم، وألغى ما كان كسرى ألغاه من معايش الناس. وأمر كسرى فدوّنت وضائعه نُسخًا، فاتُّخذت نسخة منها في ديوانه قِبَله، ودفعت نسخة إلى عمّال الخراج، ليجتبوا خراجَهم عليها، ونسخة إلى قضاة الكُور، وأمر القضاة أن يحولوا بين عُمّال الكُوَر والزيادة على أهل الخراج فوق ما في الديوان الذي دفعت إليه نسخته، وأن يرفعوا الخراج عن كلّ مَنْ أصاب زرعه أو شيئًا من غلّاته آفة بقدر مبلغ تلك الآفة، وعَمّن هلك من أهل الجزية أو جاوز خمسين سنة، ويكتبوا إليه بما يرفعون من ذلك؛ ليأمر بحسبه للعمّال، وألّا يخلُّوا بين العمّال وبين اجتباء مَنْ أتى له دون عشرين سنة. وكان كسرى ولّى رجلًا من الكتّاب - نابهًا بالنبل، والمروءة، والغَناء، والكفاية، يقال له: بابك بن البيروان - ديوان المقاتلة، فقال لكسرى: إنّ أمري لا يتمّ إلَّا بإزاحة علّتي في كلّ ما بي إليه الحاجة من صلاح أمر الملك في جنده. فأعطاه ذلك، فأمر بابك فبنيت له في الموضع الذي كان يعرض فيه الجند مصطبة وفرش له عليها بساط سُوسَنجرد، ونَمَط صوف فوقه، ووضعت له وسائد لتُكَأته، ثم جلس على ما فُرِش له، ثم نادى مناديه في شاهد عسكر كسرى منالجند أن يحضره الفرسان على كُراعهم وأسلحتهم والرجّالة على ما يلزمهم من السّلاح، فاجتمع إليه الجُند على ما أمرهم أن يحضروه عليه، ولم يعاين كسرى فيهم؛ فأمرَهم بالانصراف، ونادى مناديه في اليوم الثاني بمثل ذلك، فاجتمع إليه الجند. فلما لم ير كسرى فيهم أمرهم أن ينصرفوا، ويغدوا إليه، وأمر مناديه أن ينادى في اليوم الثالث: ألا يتخلف عنه من شاهد العسكر أحد، ولا من أُكرِم بتاج وسرير؛ فإنه عَزْم لا رُخصة فيه ولا محاباة. فبلغ ذلك كسرى، فوضع تاجه على رأسه وتسلّح بسلاح المقاتلة، ثم أتى بابك ليعترض عليه، وكان الذي يؤخذ به الفارس من الجند تجافيف ودرعًا، وجَوْشنًا، وساقين، وسيفًا، ورمحًا، وترسًا، وجُرْزًا تلزمه منطقة، وطبرزينا أو عمودًا، وجعبة فيها قوسان بوتَريهما، وثلاثين نشّابة ووتَرين مضفورين يعلّقهما الفارس في مِغْفر له ظهريًّا. فاعترض كسرى على بابك بسلاح تامّ ما خلا الوتَرين اللذين كان يستظهر بهما. فلم يجز بابك عن اسمه، وقال له: إنّك أيها الملك واقف في موضع المعْدَلة التي لا محاباة تكون منِّي معها ولا هوادة، فهلمّ كلّ ما يلزمك من صنوف الأسلحة. فذكر كسرى قصة الوترين فتعلّقهما، ثم غرّد داعي بابك بصوته، وقال: للكميّ سيّد الكماة أربعة آلاف درهم، وأجاز بابك عن اسمه، ثم الصرف. وكان يفضّل الملك في العطاء على أكثر المقاتلة عطاء بدرهم. فلما قام بابك من مجلسه ذلك أتى كسرى، فقال: إن غِلْظَتي في الأمر الذي أغلظت فيه عليك اليوم أيها الملك؛ إنما هي لأن ينفُذ لي عليه الأمر الذي وضعتني بسبيله، وسبب من أوثق الأسباب لما يريد الملك إحكامه لمكاني. فقال كسرى: ما غلُظ علينا أمرٌ أريد به صلاح رعيتنا، وأقيم عليه أوَدُ ذي الأوَد منهم. ثم إنّ كسرى وجّه مع رجل من أهل اليمن يقال له: سَيفان بن مَعْد يكرب - ومن الناس من يقول: إنّه كان يسمى سيف بن ذي يزن - جيشًا إلى اليمن؛ فقتلوا من بها من السودان، واستوْلوا عليها. فلمّا دانت لكسرى بلاد اليمن وجّه إلى سَرَنْديب من بلاد الهند - وهي أرض الجوهر - قائدًا من قوّاده في جند كثيف، فقاتل ملكها فقتله، واستولَى عليها، وحمل إلى كسرى منها أموالًا عظيمة، وجوهرًا كثيرًا.ولم يكن ببلاد الفرس بناتُ آوى، فتساقطت إليها من بلاد الترك في مُلْك كسرى أنوشِرْوان؛ فبلغ ذلك كسرى؛ فبلغ ذلك منه مشقّة، فدعا بموْبَذان موْبذ، فقال: إنه بلغنا تساقط هذه السباع إلى بلادنا، وقد تعاظم الناسُ ذلك، فتعجّبنا من استعظامهم أمرها لهوانها، فأخْبِرْنا برأيك في ذلك. فقال له موبذان مَوْبَذ: فإنّي سمعت أيها الملك - عمّرك الله - فقهاءنا يقولون: متى لا يغمر في بلدة العدلُ الجورَ، ويمْحق؛ بُلِيَ أهلها بغزو أعدائهم لهم، وتساقط إليه ما يكرهون، وقد تخوّفت أن يكون تساقط هذه السباع إلى بلادك لما أعلمتك من هذا الخطب. فلم يلبث كسرى أنْ تناهى إليه أنّ فتيانًا من الترك قد غزوا أقصى بلاده، فأمر وزراءه وأصحاب أعماله ألا يتعدَّوْا فيما هم بسبيله العدل، ولا يعملوا في شيء منه إلَّا به، فصرَف الله لما جرى من العدل ذلك العدوّ عن بلاده من غير أن يكون حارَبهم، أو كلف مؤونة في أمرهم. وكان لكسرى أولاد متأدّبون، فجعل الملْك من بعده لهُرمُز ابنه الذي كانت أمّه ابنة خاتون وخاقان لمعرفة كسرى إياه بالاقتصاد والأخذ بالوثيقة وما رجا بذلك من ضبط هُرمُز الملْك وقدرته على تدبير الملْك ورعيّته ومعاملتهم. وكان مولد رسول الله ﷺ في عهد كسرى أنوشِروان، عام قَدِم أبرهة الأشرم أبو يكسوم مع الحبشة إلى مكّة، وساق فيه إليها الفيل، يريد هدم بيت الله الحرام؛ وذلك لمضيّ اثنتين وأربعين سنة من ملك كسرى أنوشروان. وفي هذا العام كان يوم جَبلَة، وهو يوم من أيّام العرب مذكور (١). (٢: ١٤٨/ ١٥٤).