page 1870, entry [947]Open original source
القول في كم قدر جميع الزمان من ابتدائه إلى انتهائه وأوله إلى آخره اختلف السلف قبلنا من أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: قدْر جميع ذلك سبعة آلاف سنة. ذكر من قال ذلك: ١ - حدثنا ابن حُميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا يحيى بن يعقوب عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة، فقد مضى ستة آلاف سنة ومئتي سنة، وليأتينّ عليها مئون [من] سنين، ليس عليها موحد (١). (١: ١٠). وقال آخرون: قدر جميع ذلك ستة آلاف سنة. ذكر من قال ذلك: ٢ - حدثنا أبو هشام، قال: حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي صالح، قال: قال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة (٢). (١: ١٠). ٣ - حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: قد خلا من الدنيا خمسة آلاف سنة وستمئة سنة، وإني لأعرف كلّ زمان منها، ما كان فيه من الملوك والأنبياء. قلت لوهب بن منبِّه: كم الدنيا؟ قال: ستة آلاف سنة (٣). (١: ١٠).٤ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا ابن عُيَينة عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال النبي عند غروب الشمس: "إنما مثلُ ما بقيَ من الدنيا فيما مضى منها كبقية يومكم هذا فيما مضى منه" (١). (١: ١٢). ٥ - حدثنا محمد بن يزيد الأدَمِي، قال: حدثنا أبو ضمرة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعديّ: أنّ رسول الله قال: "بُعثتُ والساعة كهاتين" - وضم بين إصبعيه الوسطى؛ والتي تلي الإبهام - وقال: "ما مثلي ومثل الساعة إلَّا كفرسَي رِهان"، ثم قال: "ما مثلي ومثل الساعة إلَّا كمثل رجل بعثه قوم طليعة، فلما خشِيَ أن يُسبق ألَاح بثوبه: أُتيتم، أُتِيتم، أنا ذاك أنا ذاك" (٢). (١: ١٤). ٦ - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو نعيم عن بشير بن المهاجر، قال: حدثني عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: سمعتُ رسول الله يقول: "بعثت أنا والساعة جميعًا، إن كادت لَتسبِقني" (٣). (١: ١٥). ٧ - حدثني محمد بن عمر بن هياج، قال: حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبيدة بن الأسود عن مجالد، عن قيس بِن أبي حازم، عن المستورد بن شداد الفهريّ، عن النبي أنه قال: "بعثت في نَفس الساعة، سبقتُها كما سبقتْ هذه هذه"، لإصبعيه السبابة والوسطى، ووصف لنا أبو عبد الله، وجَمعهما (٤). (١: ١٥). ٨ - كان بينًا أن أوْلَى القولين - اللذين ذكرتُ في مبلغ قدر مدة جميع الزمان، اللذين أحدهما عن ابن عباس، والآخر منهما عن كعب - بالصواب، وأشبههما بما دلت عليه الأخبار الواردة عن رسول الله قولُ ابن عباس، الذي روينا عنه أنه قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة (٥).وإذا كان ذلك كذلك، وكان الخبرُ عن رسول الله ﷺ صحيحًا: أنه أخبر عن الباقي من ذلك في حياته أنه نصف يوم، وذلك خمسمئة عام؛ إذْ كان ذلك نصف يوم من الأيام التي قدر اليوم الواحد منها ألف عام كان معلومًا: أن الماضيَ من الدنيا إلى وقت قول النبي ما رويناه عن أبي ثعلبة الخشني عنه، كان قدر ستة آلاف سنة وخمسمئة سنة، أو نحوًا من ذلك وقريبًا منه. والله أعلم. فهذا الذي قلنا - في قدر مدة أزمان الدنيا، من مبدأ أوّلها إلى منتهى آخرها - مِنْ أثبتِ ما قيل في ذلك عندنا من القول، للشواهد الدالة التي بيناها على صحة ذلك. (١: ١٦/ ١٧). ٩ - وقد روي عن رسول الله خبرٌ يدلُّ على صحة قول من قال: إن الدنيا كلها ستة آلاف سنة، لو كان صحيحًا سنده لم نعدُ القولَ به إلى غيره؟ وذلك ما حدّثني به محمد بن سنان القزاز، قال: حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا زبّان، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله قال: "الحُقْب ثمانون عامًا، اليوم منها سدس الدنيا" (١). فبيّن في هذا الخبر أن الدنيا كلها ستة آلاف سنة، وذلك أن اليومَ الذي هو من أيام الآخرة إذا كان مقداره ألفَ سنة من سنِي الدنيا، وكان اليوم الواحد من ذلك سدس الدنيا، كان معلومًا بذلك أن جميعها ستة أيام من أيام الآخرة، وذلك ستة آلاف سنة. (١: ١٧). ١٠ - وقد زعم اليهود أن جميعَ ما ثبت عندهم - على ما في التوراة مما هو فيها من لدن خلق الله آدم إلى وقت الهجرة، وذلك في التوراة التي هي في أيديهم اليوم أربعةُ آلاف سنة وستمئة سنة واثنتان وأربعون سنة، وقد ذكروا تفصيل ذلك بولادة رجل رجل، ونبي نبي، وموته من عهد آدم إلى هجرة نبينا محمد. وسأذكر تفصيلهم ذلك إن شاء الله، وتفصيل غيرهم ممن فصّله من علماء أهل الكتب وغيرهم من أهل العلم بالسير وأخبار الناس إذا انتهيت إليه إن شاء الله. وأما اليونانية من النصارى فإنها تزعم أن الذي ادّعته اليهود من ذلك باطل، وأن الصحيحَ من القول في قدْر مدّة أيام الدنيا - من لدُنْ خلق الله آدم إلى وقتهجرة نبينا محمد على سياق ما عندهم في التوراة التي هي في أيديهم - خمسة آلاف سنة وتسعمئة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر. وذكروا تفصيل ما ادّعوه من ذلك بولادة نبيّ نبيّ، وملك ملك، ووفاته من عهد آدم إلى وقت هجرة رسول الله، وزعموا أن اليهودَ إنما نقصُوا ما نقصُوا من عدد سني ما بين تاريخهم وتاريخ النصارى دفعًا منهم لنبوّة عيسى ابن مريم ﵇ إذ كانت صفته ووقت مبعثه مثبَتة في التوراة. وقالوا: لم يأت الوقت الذي وُقّت لنا في التوراة أن الذي صفته صفة عيسى يكون فيه، وهم ينتظرون - بزعمهم - خروجَه ووقته (١). (١: ١٧/ ١٨). ١١ - وأحسب أن الذي ينتظرونه ويدّعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدّجال الذي وصفه رسول الله لأمته، وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود؛ فإن كان ذلك هو عبد الله بن صياد، فهو من نسل اليهود. وأما المجوس فإنهم يزعمون أن قدْر مدة الزمان من لدن ملك جيُومَرت إلى وقت هجرة نبينا ثلاثة آلاف سنة ومئة سنة وتسع وثلاثون سنة، وهم لا يذكرون مع ذلك نسبًا يعرف فوق جيُومرْت، ويزعمون: أنه آدم أبو البشر. ﷺ وعلى جميع أنبياء الله ورسله. ثم أهلُ الأخبار بعدُ في أمره مختلفون؛ فمن قائل منهم فيه مثل قول المجوس، ومن قائل منهم إنه تَسمّى بآدم بعد أن ملك الأقاليم السبعة، وأنه إنما هو جامر بن يافِث بن نوح، كان بنوح ﵇ برًّا ولخدمته ملازمًا، وعليه حَدِبًا شفيقًا، فدعا اللهَ له ولذريته [نوح]- لذلك من بره به وخدمته له - بطول العمر، والتمكين في البلاد؟ والنصر على من ناوأه وإياهم، واتصال الملك له ولذريته، ودوامه له ولهم؟ فاستجيب له فيه، فأعطى جيُومَرت ذلك وولده، فهو أبو الفرس، ولم يزل الملك فيه وفي ولده إلى أن زال عنهم بدخول المسلمين مدائن كسرى، وغلَبة أهل الإسلام إياهم على ملكهم. ومن قائل غير ذلك؛ وسنذكر إن شاء الله ما انتهى إلينا من القول فيه إذا انتهيناإلى ذكرنا تأريخ الملوك ومبالغ أعمارهم، وأنسابهم وأسباب ملكهم (١). (١: ١٨/ ١٩).