page 1682, entry [827]Open original source
[ذكر خبر خروج عبد الله بن عليّ وهزيمته] فمما كان فيها من ذلك قدُوم المنصور أبي جعفر من مكة ونزولُه الحيرة، فوجد عيسى بن موسى قد شخص إلى الأنبار، واستخلف على الكوفة طَلْحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، فدخل أبو جعفر الكُوفة فصلَّى بأهلها الجمعة يوم الجمعة، وخطبهم وأعلمهم أنه راحل عنهم، ووافاه أبو مسلم بالحِيرة، ثم شخص أبو جعفر إلى الأنبار وأقام بها، وجمع إليه أطرافه. وذكر عليّ بن محمد عن الوليد، عن أبيه، أنّ عيسى بن موسى كان قد أحرز بيوت الأموال والخزائن والدّواوين؛ حتى قدم عليه أبو جعفر الأنبار، فبايع الناس له بالخلافة، ثم لعيسى بن موسى من بعده، فسلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الأمْر؛ وقد كان عيسى بن موسى بعث أبا غَسّان -واسمه يزيد بن زياد، وهو حاجب أبي العباس- إلى عبد الله بن عليّ ببيعة أبي جعفر؛ وذلك بأمرِ أبي العباس قبل أن يموت حين أمر الناس بالبيعة لأبي جعفر من بعده، فقدم أبو غسان على عبد الله بن عليّ بأفواه الدروب متوجّهًا يريد الروم؛ فلما قدم عليه أبو غسان بوفاة أبي العباس وهو نازل بموضع يقال له دُلوك، أمر مناديًا فنادى: الصلاة جامعة فاجتمع إليه القوّاد والجند، فقرأ عليهم الكتاب بوفاة أبي العباس، ودعا الناس إلى نفسه، وأخبرهم أن أبا العباس حين أراد أن يُوجّه الجنود إلى مَرْوان بن محمد دعا بني أبيه؛ فأرادهم على المسير إلى مروان بن محمد، وقال: من انتدب منكم فسار إليه فهو وليّ عهدي، فلم ينتدب له غيري؛فعلى هذا خرجتُ من عنده، قتلتُ من قتلت. فقام أبو غانم الطائيّ وخُفاف المروروذيّ في عدّة من قوّاد أهل خُراسان، فشهدوا له بذلك؛ فبايعه أبو غانم وخُفاف وأبو الأصبغ وجميعُ مَنْ كان معه من أولئك القوّاد، فيهم حُمَيد بن قَحْطبة وخُفاف الجرجانيّ وحيّاش بن حبيب ومخارق بن غِفار وتُرَارخُدا وغيرهم من أهل خُراسان والشام والجزيرة، وقد نزل تلّ محمد، فلما فرغ من البَيعة ارتحل فنزل حَرّان، وبها مُقاتل العكيّ -وكان أبو جعفر استخلفه لما قدم على أبي العباس- فأراد مقاتلًا على البيعة فلم يجبْه، وتحصّن منه، فأقام عليه وحصره حتى استنزله من حِصْنه فقتله. وسرّح أبو جَعفر لقتال عبد الله بن عليّ أبا مسلم، فلما بلغ عبدَ الله إقبالُ أبي مسلم أقام بحرّان، وقال أبو جعفر لأبي مسلم: إنما هو أنا أو أنت؛ فسار أبو مسلم نحو عبد الله بحَرّان، وقد جمع إليه الجنود والسلاح، وخندق وجمع إليه الطعام والعلوفة وما يصلحه، ومضى أبو مسلم سائرًا من الأنبار؛ ولم يتخلَّف عنه من القوّاد أحدٌ، وبعث على مقدمته مالك بن الهيثم الخزاعيّ؛ وكان معه الحسن وحميد ابنا قحطبة، وكان حميد قد فارق عبد الله بن عليّ، وكان عبد الله أراد قتله، وخرج معه أبو إسحاق وأخوه وأبو حُميد وأخوه وجماعة من أهل خراسان، وكان أبو مسلم استخلف على خراسان حيث شخص خالد بن إبراهيم أبا داود (١). قال عليّ: قال هشام بن عمرو التّغلبيّ: كنت في عسكر أبي مسلم، فتحدّث الناس يومًا، فقيل: أي الناس أشدّ؟ فقال: قولوا حتى أسمع، فقال رجل: أهل خراسان، وقال آخر: أهل الشأم، فقال أبو مسلم: كلّ قوم في دولتهم أشدّ الناس، قال: ثم التقينا، فحمل علينا أصحاب عبد الله بن عليّ فصدمونا صدمةًأزالونا بها عن مواضعنا، ثم انصرفوا، وشدّ علينا عبد الصمد في خيل مجرّدة، فقتل منا ثمانية عشر رجلًا، ثم رجع في أصحابه، ثم تجمعوا فرموْا بأنفسهم: فأزالوا صفّنا وجُلْنَا جَوْلة، فقلت لأبي مسلم: لو حرّكتُ دابتي حتى أشرف على هذا التلّ فأصيح بالناس، فقد انهزموا! فقال: افعل، قال: قلت: وأنت أيضًا فتحرّك دابتك، فقال: إن أهل الحِجَى لا يعطفون دوابهم على هذه الحال، نادِ: يا أهل خُراسان ارجعوا؛ فإن العاقبة لمن اتقى. قال: ففعلت، فتراجع الناس، وارتجز أبو مسلم يومئذ فقال: مَنْ كان ينوي أَهله فلا رجَعْ ... فَرَّ من الموت وفي الموت وقَعْ قال: وكان قد عُمِل لأبي مسلم عريش، فكان يجلس عليه إذا التقى الناس فينظر إلى القتال، فإن رأى خللًا في الميمنة أو في الميسرة أرسل إلى صاحبها: إنّ في ناحيتِك انتشارًا، فاتّق ألّا نؤتَى من قِبَلك؛ فافعل كذا، قدّم خيلك كذا، أو تأخّر كذا إلى موضع كذا، فإنما رسله تختلف إليهم برأيه حتى ينصرف بعضهم عن بعض. قال: فلما كان يوم الثلاثاء -أو الأربعاء- لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين ومئة -أو سبع وثلاثين ومئة- التقوْا فاقتتلوا قتالًا شديدًا. فلما رأى ذلك أبو مسلم مكَر بهم، فأرسل إلى الحسن بن قحطبة -وكان على ميمنته- أن أعْرِ الميمنة، وضُمَّ أكثرها إلى الميسرة، وليكن في الميمنة حماة أصحابك وأشدّاؤهم، فلما رأى ذلك أهلُ الشأم أعرَوْا ميسرتهَم، وانضموا إلى ميمنتهم بإزاء ميسرة أبي مسلم، ثم أرسل أبو مسلم إلى الحسن أن مُرْ أهل القلب فليحملوا مع مَنْ بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشأم، فحملوا عليهم فحطموهم، رجال أهل القلب والميمنة. قال: وركبهم أهلُ خراسان، فكانت الهزيمة، فقال عبد الله بن عليّ لابن سراقة الأزديّ- وكان معه: يابن سراقة، ما ترى؟ قال: أرى والله أن تصبروتقاتل حتى تموت؛ فإنّ الفرار قبيح بمثلك، وقبلُ عبتَه على مَرْوان، فقلتَ: قبح الله مَرْوان! جزع من الموت ففرّ! قال: فإني آتي العراق، قال: فأنا معك، فانهزموا وتركوا عسكرهم، فاحتواه أبو مسلم، وكتب بذلك إلى أبي جعفر، فأرسل أبو جعفر أبا الخصيب مولاه يُحصِي ما أصابوا في عسكر عبد الله بن عليّ، فغضب من ذلك أبو مسلم، ومضى عبد الله بن عليّ وعبد الصمد بن علي، فأما عبد الصمد فقدم الكوفة فاستأمن له عيسى بن موسى فآمنه أبو جعفر، وأما عبد الله بن عليّ فأتى سليمانَ بن عليّ بالبصرة، فأقام عنده، وآمن أبو مسلم الناسَ فلم يقتل أحدًا، وأمر بالكفّ عنهم (١).