page 1398, entry [642]Open original source
تتمَّة خبر قتيبة مع نِيزك قال الطبري: رجع الحديث إلى حديث عليّ بن محمد وقصّة نيزَك وظَفَر قُتيبة به حتى قتله (٣). يقول الطبري: ولما قدم مَنْ كان قتيبةُ كتب إليه يأمره بالقُدوم عليه من أهلأبْرَشَهْر وبيورْد وسرْخس وهرَاةَ على قتيبة، سار بالناس إلى مَرْوَروذ واستَخلَف على الحرب حمّاد بن مسلم، وعلى الخَراج عبد الله بن الأهتم. وبلغ مَرزُبان مَرْوَروذ إقبالُه إلى بلاده، فَهَرَب إلى بلاد الفُرْس. وقَدِم قتيبة مَرْوَروذ فأخذ ابنين له فقَتَلهما وصلَبهما، ثمّ سار إلى الطالقان فقام صاحبُها ولم يحاربْه، فكفّ عنه، وفيها لصوص، فقتلهم قتيبة وصلبهم، واستعمل على الطالقان عمرو بن مسلم، ومضى إلى الفارياب، فخرج إليه ملك الفارياب مُذْعنًا مقرًّا بطاعته، فرضيَ عنه، ولم يقتل بها أحدًا، واستعمَل عليها رجلًا من باهلة، وبلغ صاحبُ الجُوزجان خبرُهم، فترك أرضَه وخَرَج إلى الجبال هاربًا، وسار قتيبةُ إلى الجُوزجان فلقيه أهلها سامعين مطيعين، فقَبل منهم، فلم يَقتُل فيها أحدًا، واستعمل عليها عامرَ بنَ مالك الحمّانيّ، ثمّ أتى بَلْخ فلقيَه الأصبهبَذ في أهلِ بَلْخ، فدخلها فلم يُقِم بها إلّا يومًا واحدًا. ثم مضى يَتبع عبدَ الرحمن حتى أتى شعب خُلْم، وقد مضى نيزَك فعسكَر ببَغْلان، وخلف مُقاتلةً على فم الشّعب ومَضايقِه يمنعونه، ووضع مقاتِلَةً في قَلْعة حصينة من وراء الشِّعب، فأقام قتيبة أيّامًا يقاتلهم على مَضِيق الشِّعب لا يقدر منهم على شيء، ولا تقدِر على دخوله، وهو مَضيقٌ، الوادي يجري وسَطه، ولا يَعرف طريقًا يُفضي به إلى نِيزَك إلا الشِّعب أو مفازة لا تحتَمل العساكر، فبقي متلدِّدًا يلتمس الحيَل. قال: فهو في ذلك إذْ قَدِم عليه الرّوب خان مَلِك الرّوب وسمنْجان، فاستأمَنَه على أن يدلّه على مَدخَل القَلْعة التي وراءَ هذا الشِّعب، فآمنه قتيبة، وأعطاه ما سأله، وبعث معه رجالًا ليلًا، فانتهى بهم إلى القَلْعة التي من وراء شِعْب خُلْم، فطرَقُوهم وهم آمنون فقتَلوهم، وهرب مَنْ بقيَ منهم ومن كان في الشِّعب، فدخل قتيبة والناسُ الشِّعب، فأتى القلعة ثمّ مضى إلى سِمنْجان ونيزَك ببغْلان بعين تدعى فَنْج جاه، وبين سِمنْجان وبَغْلان مفازة ليست بالشديدة. قال: فأقام قتيبة بسمنْجانَ أيامًا، ثمّ سار نيزَك، وقدّم أخاه عبد الرحمن، وبلغ نيزَك فارتحَل من منزله حتى قطع وادي فَزغانة، ووجّه ثقلَه وأمواله إلى كابُل شاه، ومضى حتى نَزلَ الكرْز وعبد الرّحمن بن مسلم يَتبعه، فنزل عبدُ الرحمن وأخذ بمضايق الكرز، ونزل قُتيبة أسكيمشت بينه وبين عبد الرحمن فَرْسخان،فتحرّز نيزَك في الكرز وليس إليه مسلَك إلا من وجه واحد، وذلك الوجه صَعْب لا تُطيقه الدّوابّ، فحصَرَه قتيبة شهرَين حتى قلّ ما في يد نيزَك من الطعام، وأصابهم الجُدَرِيّ وجُدِّر جبغويه، وخاف قتيبة الشتاء، فدعا سُليمًا الناصح، فقال: انطلِق إلى نيزَك واحتَلْ لأنْ تأتيَني به بغيرِ أمان، فإنْ أعياك وأبَى فآمنه، واعلم أني إن عاينتُك وليس هو معك صلبتُك؛ فاعمل لنفسك. قال: فاكتب لي إلى عبد الرحمن لا يُخالفني؛ قال: نعم. فكتب له إلى عبد الرحمن فقَدم عليه، فقال له: ابعثْ رجالًا فليكونوا على فمِ الشِّعب. فإذا خرجت أنا ونيزَك فلْيَعطفوا من ورائنا فيَحُولوا بينَنا وبين الشِّعب. قال: فبعث عبدُ الرحمن خَيلًا فكانوا حيث أمَرَهم سُلَيم، ومضَى سُليم وقد حمل معه من الأطعمة التي تبقي أيامًا والأخْبِصة أوقارًا، حتى أتى نيزَك، فقال له نيزَك: خذلْتني يا سليم، قال: ما خذلْتُك، ولكنك عصيتني وأسأت بنفسك، خلعتَ وغدرتَ، قال: فما الرأي؟ قال: الرأيُ أن تأتيَه فقد أمحكته. وليس ببارح موضعَه هذا. قد اعتزم على أن يشتُوَ بمكانه؛ هلك أو سلم، قال: آتيه على غيرِ أمان! قال: ما أظنه يؤمنك: لما في قلبه عليك، فإنك قد ملأتَه غيظًا، ولكن أرى ألّا يعلم بك حتى تَضَع يدَك في يده، فإني أرجو إن فعلتَ ذاك أن يستحييَ ويعفوَ عنك، قال: أترى ذلك؟ قال: نعم، قال: إنّ نفسي لتأبَى هذا، وهو إنْ رآني قتَلني، فقال له سليم: ما أتَيتُك إلا لأشيرَ عليك بهذا، ولو فعلتَ لرجوتُ أن تَسلَم وأن تعودَ حالُك عندَه إلى ما كانت؛ فأما إذْ أبيتَ فإني منصرف. قال: فنغدّيك إذًا، قال: إني لأظنكم في شُغل عن تَهيئة الطعام، ومعنا طعامٌ كثير. قال: ودعا سليم بالغَداء فجاؤوا بطَعام كثير لا عَهدَ لهم بمثله منذ حصروا، فانتهبه الأتراك، فغمّ ذلك نيزَك، وقال سليم: يا أبا الهيّاج، أنا لك من الناصحين، أرى أصحابَك قد جُهِدوا، وإن طال بهم الحصار وأقمتَ على حالك لم آمَنْهم أن يستأمنوا بك، فانطَلق وائْتِ قُتيبة، قال: ما كنتُ لآمنَه على نفسي، ولا آتيه على غير أمان؛ فإنّ ظنّي به أنه قاتلي وإن آمنني، ولكنّ الأمان أعذَر لي وأرجَى، قال: فقد آمنك أفتتّهمني! قال: لا، قال: فانطلق معي، قال له أصحابه: اقبل قولَ سليم، فلم يكن ليقولَ إلا حقًّا، فدعا بدوابّه وخرج مع سليم، فلما انتهَى إلى الدرجة التي يُهبط منها إلى قرار الأرض قال: يا سليم،من كان لا يعلم متى يَموت فإني أعلَم متى أمُوت، أموتُ إذا عاينْتُ قُتيبة؛ قال: كلّا أيقتلُك مع الأمان! فركب ومضَى معه جبغويه - وقد بَرَأ من الجُدَريّ - وصُولُ وعثمانُ ابنا أخي نيزَك - وصول طَرْخان خليفة جبْغويه، وخنس طرخان صاحب شرطه - قال: فلما خرج من الشِّعب عطفت الخيلُ التي خلفها سليم على فوّهة الشعب؛ فحالوا بين الأتراك وبين الخروج، فقال نيزَك لسُلَيم: هذا أوّل الشرّ؛ لا تفعل، تخلُّف هؤلاء عنك خيرٌ لك. وأقبَل سليم ونيزَك ومن خرج معه حتى دخلوا على عبد الرحمن بن مُسلم، فأرسل رسولًا إلى قتيبة يُعلِمه، فأرسَل قتيبةُ عمرو بن أبي مهزَم إلى عبد الرحمن؛ أن اقدم بهم عليّ، فقَدِم بهم عبدُ الرحمن عليه، فحبَس أصحابَ نيزَك، ودفع نيزَك إلى ابن بسّام اللّيثي، وكتب إلى الحجّاج يستأذنه في قتل نيزَك، فجعل ابن بسام نيزَك في قُبّته، وحفر حول القبة خَنْدقًا، ووَضَع عليه حَرَسًا، ووجّه قتيبةُ معاويةَ بن عامر بن علقمة العُلَيميّ، فاستخرج ما كان في الكُرز مَنْ مَتاع ومن كان فيه، وقَدِم به على قتيبة، فحبسهم ينتظر كتابَ الحجاج فيما كتب إليه، فأتاه كتابُ الحجاج بعد أربعين يومًا يأمُره بقَتْل نيزَك. قال: فدعا به فقال: هل لك عندي عَقْد أو عند عبد الرحمن أو عند سليم؟ قال: لي عند سليم؛ قال: كذبتَ، وقام فدَخَل ورَدَّ نيزَك إلى حَبْسه، فمكث ثلاثة أيام لا يَظهرَ للناس. قال: فقام المهلب بن إياس العدويّ، وتكلّمِ في أمْر نيزَك، فقال بعضهم: ما يحِلّ له أن يقتله، وقال بعضهم: ما يحلّ له تركُه، وكثرت الأقاويلُ فيه. وخرج قتيبة اليومَ الرابع فجلس وأذن للناس، فقال: ما تَروْن في قَتْل نيزَك؟ فاختَلَفوا، فقال قائلٌ: اقتله، وقال قائل: أعطيتَهُ عَهْدًا فلا تَقتُله؛ وقال قائل: ما نأمنه على المسلمين. ودخل ضرار بن حصين الضبيّ فقال: ما تقول يا ضرار؟ قال: أقول: إنّي سمعتك تقول: أعطيتُ اللهَ عَهْدًا إنْ أمكتَك منه أن تقتُلَه، فإن لم تفعل لا ينصرنك الله عليه أبدًا، فأطرَق قُتيبةُ طويلًا، ثمّ قال: والله لو لم يبق من أجلي إلا ثلاث كلمات لقلتُ: اقتُلُوه، اقتُلُوه، اقتُلوه؛ وأرسَل إلى نيزَك فأمربقتله وأصحابه فقتِل مع سبعمئة (١). (٦: ٤٥٤ - ٤٥٨). قال عليّ: أخبَرَنا مصعَب بن حيّان، عن أبيه، قال: بعث قتيبة برأس نيزك مع محفَن بن جَزْء الكلابيّ، وسوّار بن زَهْدم الجَرْميّ، فقال الحجاج: إن كان قُتيبة لحقيقًا أن يَبعَث برأسِ نيزَك مع وَلَدِ مُسْلم، فقال سَوَّار: أقولُ لمحفَنٍ وجَرى سنيحٌ ... وآخَرُ بارح مِنْ عَنْ يَمِيني وَقَدْ جَعلَتْ بوائقُ من أمورٍ ... ترفَّع حولَه وتكفّ دوني نشدْتُكَ هَلْ يسُرّك أن سَرْجي ... وسَرْجك فوق أبغُل باذيينِ قال: فقال محْفَن: نعم وبالصّين. (٦: ٤٥٨ - ٤٥٩). قال عليّ: أخَبَرنا حمزة بن إبراهيم وعليّ بن مجاهد، عن حَنْبل بن أبي حريرة؛ عن مَرْزبان قهستان وغيرهما، أن قتيبة دعا يومًا بنيزَك وهو محبوس، فقال: ما رأيُك في السَّبَل والشذّ؟ أتراهما يأتيان إن أرسلتُ إليهما؟ قال: لا؛ قال: فأرسَل إليهما قتيبة فقَدما عليه، ودعا نيزَك وجبغويه فَدخَلا، فإذا السَّبَل والشذّ بين يديه على كرسيّين، فجلسا بإزائهما، فقال الشذّ لقتيبة: إن جبغويه - وإن كان لي عدوًّا - فهو أسَنّ منّي، وهو المَلِك وأنا كَعَبْده، فائْذن لي أدنُ منه، فأذن له، فدنا منه. فقبّل يده وسجَد له، قال: ثم استأذَنَه في السَّبَل، فأذن له فَدنَا منه فمبّل يده، فقال نيزك لقتيبة: ائذن لي أن من الشذّ، فإني عَبْدُه، فأذن له، فدنا منه فقبّل يَده، ثم أذن قتيبة للسَّبَل والشذّ فانصرَفَا إلى بلادهما، وضم إلى الشذّ الحجَّاج القينيّ، وكان من وُجوه أهلِ خُراسان. وقتل قتيبةُ نيزَك، فأخذ الزبيرُ مولَى عابس الباهليّ خُفًّا لنيزَك فيه جوهر، وكان أكثرَ من في بلاده مالًا وعقارًا؛ من ذلك الجوهر الذي أصابه في خُفّة، فسَوّغه إياه قُتَيبة، فلم يَزَل مُوسرًا حتى هَلَك بكابُل في ولاية أبي داود. (٦: ٤٥٩).