Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 1108, entry [446]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
page 1108, entry [446]Open original source
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ذكر مسير من سار إلى ذي خُشُب من أهل مصرَ وسبب مسير مَنْ سار إلى ذي المروة من أهل العراق ٢٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الأسَديّ، عن رجل من بني أسد، قال: ما زال معاويةُ يطمع فيها بعد مَقدَمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمَعوا إليه بالموسم، ثم ارتحل، فحدَا به الرّاجز:إن الأميرَ بعده علِيُّ ... وفي الزبير خَلَفٌ رضيُّ قال كعب: كَذبتَ! صاحب الشَّهْباء بعده -يعني: معاوية- فأخبِر معاوية، فسأله عن الذي بلغه، قال: نعم، أنت الأمير بعده، ولكنّها والله لا تصل إليك حتى تُكذّب بحديثي هذا. فوقعتْ في نفس معاوية. وشارَكَهم في هذا المكان أبو حارثة وأبو عثمان، عن رَجاء بن حَيوة وغيره. قالوا: فلما وردَ عثمانُ المدينة ردّ الأمرِاءَ إلى أعْمالهم، فمضَوا جميعًا، وأقام سعيد بعدَهم، فلما ودّع معاويةُ عثمان خرج من عنده وعليه ثياب السفر متقلدًا سيفه، متنكّبًا قَوسَه، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة والزبير وعليّ، فقام عليهم، فتوكّأ على قوسه بعد ما سلّم عليهم، ثم قال: إنّكم قد علمتم أنّ هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال، فلم يكن منكم أحد إلّا وفي فصيلته من يَرْئِسه، ويستبدّ عليه، وتقطع الأمرَ دونَه، ولا يُشهِده، ولا يؤامرُه، حتى بعث الله جلّ وعزّ نبيَّه ﷺ، وأكرم به من اتبعه، فكانوا يُرَئَسون من جاء من بعده، وأمرهم شُورَى بينهم، يتفاضلون بالسابقة والقُدْمة والاجتهاد؛ فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه كان الأمر أمرهم، والناس تبعا لهم، وإن أصغَوا إلى الدّنيا وطلبوها بالتغالُب سُلِبوا ذلك، وردّه الله إلى من كان يرئِسُهم. وإلّا فليَحذروا الغِيَرَ، فإنّ الله على البَدَل قادر، وله المشيئة في ملكه وأمره. إنّي قد خلّفت فيكم شيخًا فاستوصُوا به خيرًا، وكانفوه تكونوا أسعدَ منه بذلك، ثم ودّعهم ومضى؛ فقال عليّ: ما كنتُ أرى أنّ في هذا خيرًا؛ فقال الزبير: لا والله، ما كان قطّ أعظمَ في صدرك وصدورنا منه الغَداة. رجع الحديث إلى حديث سيف، عن شيوخه: وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج: يا أميرَ المؤمنين، انطلق معي إلى الشام قبل أن يَهجم عليك مَن لا قِبَل لك به، فإنّ أهل الشام على الأمر لم يزالوا. فقال: أنا لا أبيع جوار رسول الله ﷺ بشيء؛ وإن كان فيه قَطع خَيطِ عنقي. قال: فأبعثُ إليك جندًا منهم يقيم بين ظَهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينةَ أو إياك. قال: أنا أقَتِّر على جيران رسول الله ﷺ الأرزاق بجندٍ تساكنهم، وأضيّق على أهل دار الهجرة والنصرة! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتُغتالنَّ أو لتُغزَيَنّ! قال: حسبيَ الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا أيسار الجَزُور، وأينأيسار الجَزور! ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى. وقد كان أهل مصر كاتبوا أشياعَهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميعَ من أجابهم أن يثوروا خلاف أمرائهم. واتّعدوا يومًا حيث شخص أمراؤهم، فلم يستقم ذلك لأحد منهم، ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإنّ يزيد بن قيس الأرحبيّ ثار فيها، واجتمع إليه أصحابُه، وعلى الحرب يومئذ القَعقاع بن عمرو - فأتاه فأحاط النَّاس بهم وناشَدوهم؛ فقال يزيد للقَعقاع: ما سبيلك عليّ وعلى هؤلاء! فوالله إني لسامع مطيع، وإني للازم لجماعتي إلا أنّي أستعفي ومَن ترى من إمارة سعيد، فقال: استعفى الخاصةُ من أمر قد رضيَتْه العامة؟ ! قال: فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركهم والاستعفاء، ولم يستطيعوا أن يُظهروا غيرَ ذلك، فاستقبلوا سعيدًا، فردّوه من الجَرَعة، واجتمع الناسُ على أبي موسى، وأقرّه عثمان رضي الله تعالى عنه. ولما رجع الأمراء لم يكن للسّبئيّة سبيل إلى الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياعَهم من أهل الأمصار أن يتوافَوْا بالمدينة لينظروا فيما يريدون، وأظهَروا أنهم يأمرون بالمعروف، ويسألون عثمان عن أشياءَ لتطير في الناس، ولتُحقَّق عليه؛ فتوافَوا بالمدينة، وأرسل عثمان رجلين: مخزوميًّا وزُهْريًّا، فقال: انْظُرا ما يريدون، واعلما علمَهم - وكانا ممن قد ناله من عثمان أدب، فاصطَبَرا للحقّ، ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثُّوهما وأخبِروهما بما يريدون، فقالا: مَن معكم على هذا من أهل المدينة؟ قالوا: ثلاثة نَفر، فقالا: هل إلّا؟ قالوا: لا! قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا؟ قالوا: نريد أن نذكر له أشياء قد زرعنْاها في قلوب الناس، ثم نرجع إليهم فنزعم لهم أنا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب، ثم نخرج كأنا حجّاج حتى نقدم فنحيطَ به فنخلَعه، فإنْ أبى قتلناه. وكانت إيّاها، فرجعا إلى عثمان بالخبر، فضحك وقال: اللهمّ سلِّم هؤلاء، فإنك إن لم تُسلّمهم؛ شقُوا. أمَّا عمار فحَمل على عباس بن عتبة بن أبي لهب وعَرَكه. وأما محمد بن أبي بكر فإنه أُعِجب حتى رأى أنّ الحقوق لا تلزمه، وأمّا ابن سهلة فإنه يتعرّض للبلاء، فأرسل إلى الكوفيين والبصريّين، ونادى: الصلاة جامعة! وهم عنده في أصل المنبر، فأقبلَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ حتى أحاطوا بهم، فحمد الله وأثنى عليه، وأخبرَهم خبرَ القوم، وقام الرجلان، فقالوا جميعًا: اقتُلهم، فإنّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنةُ اللهفاقتلوه". وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا أحلّ لكم إلّا ما قتلتموه وأنا شريكُكم. فقال عثمان: بل نعفو ونقبل ونبصِّرهم بجهدنا، ولا نُحادّ أحدًا حتى يركب حدًّا، أو يبديَ كُفرًا، إنّ هؤلاء ذَكروا أمورًا قد علموا منها مثلَ الذي علمتم، إلّا أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليُوجبوها عليَّ عند مَن لا يعلم. وقالوا: أتمّ الصلاة في السفر، وكانت لا تُتَمُّ، ألا وإنّي قدمت بلدًا فيه أهلي، فأتممت لهذين الأمرين؛ أوَ كذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم. وقالوا: وحميتَ حمىً؛ وإني واللهِ ما حمَيتُ، حُمِيَ قبلي، والله ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلّا غلب عليه أهل المدينة، ثم لم يمنعوا من رِعْيةٍ أحدًا، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازُع، ثم ما منعوا ولا نحَّوْا منها أحدًا إلّا من ساق درهمًا؛ ومَا لِي مِن بعير غيرُ راحلتين، ومَا لِي ثاغية ولا راغية، وإنّي قد وُلِّيتُ، وإني أكثر العرب بعيرًا وشاءَ، فما لي اليوم شاة ولا بعير غير بعيرَين لحجّي، أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم. وقالوا: كان القرآن كتُبًا، فتركتَها إلّا واحدًا، ألا وإنّ القرآن واحد، جاء من عندِ واحد؛ وإنما أنا في ذلك تابع لهؤلاء؛ أكذلك؟ قالوا: نعم، وسألوه أن يقيلهم. وقالوا: إنِّي رددتُ الحَكَم وقد ستره رسولُ الله ﷺ. والحَكَم مَكَيّ، سيّره رسول الله ﷺ من مكة إلى الطائف، ثم ردّه رسول الله ﷺ، فرسول الله ﷺ سيّره، ورسولُ الله ﷺ ردّه؛ أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم. وقالوا: استعملتَ الأحداث. ولم أستعمل إلّا مجتمِعًا محتمِلًا مرضيًّا، وهؤلاء أهلُ عملهم، فسَلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده، ولقد ولّى مَن قبلي أحدثَ منهم، وقيل في ذلك لرسول الله ﷺ أشدُّ مما قيل لي في استعماله أسامة؛ أكذاك؟ قالوا: اللهمّ نعم، يعيبون للناس ما لا يفسّرون. وقالوا: إنِّي أعطيتُ ابن أبي سَرْح ما أفاء الله عليه. وإني إنما نفلتُه خُمسَ ما أفاء الله عليه من الخمس، فكان مئة ألف، وقد أنفذ مثلَ ذلك أبو بكر وعمررضي الله عنهما، فزعم الجُند أنهم يَكرهون ذلك، فرددتُه عليهم وليس ذاك لهم، أكذاك؟ قالوا: نعم. وقالوا: إني أحبّ أهل بيتي وأعطيهم؛ فأما حبّي فإنه لم يمِلْ معهم على جوْر، بل أحمل الحقوق عليهم، وأمَّا إعطاؤهم فإني ما أعطيهم من مالي، ولا أستحلّ أموال المسلمين لنفسي؛ ولا لأحد من الناس؛ ولقد كنت أعطي العطيّة الكبيرة الرغيبة من صُلْب مالي أزمانَ رسولِ الله ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄؛ وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحينَ أتيت على أسنان أهل بيتي، وفَنيَ عمري، وودّعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا! وإني والله ما حملت على مصْرٍ من الأمصار فضلًا فيجوزَ ذلك من قاله؛ ولقد رددتُه عليهم، وما قدم عليّ إلا الأخماس، ولا يحلّ لي منها شيء؛ فوليَ المسلمون وضْعها في أهلها دوني؛ ولا يُتَلفَّت من مال الله بفلْس فما فوقه؛ وما أتبلّغ منه ما آكل إلّا مالي. وقالوا: أعطيت الأرض رجالًا؛ وإنّ هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام افتُتحت؛ فمَن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله، ومَن رجع إلى أهله لم يُذْهب ذلك ما حوى الله له؛ فنظرت في الذي يُصيبهم مما أفاء الله عليهم، فبعتُه لهم بأمرهم من رجال أهل عقارٍ ببلاد العرب، فنقلتُ إليهم نصيبهم، فهو في أيديهم دوني. وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أميّة، وجعل ولده كبعض مَن يعطي، فبدأ ببني أبي العاص، فأعطى آل الحكَم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف، فأخذوا مئة ألف، وأعطى بني عثمان مثلَ ذلك، وقسم في بني العاص وفي بني العيص وفي بني حرب. ولانتْ حاشية عثمان لأولئك الطوائف، وأبي المسلمون إلّا قتلَهم، وأبَى إلّا تركهم؛ فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج؛ فتكاتبوا وقالوا: موعدُكم ضواحي المدينة في شوّال؛ حتى إذا دخل شوّال من سنة اثنتي عشرة، ضربوا كالحُجّاج فنزلوا قرب المدينة (١). (٤: ٣٤٣/ ٣٤٤ / ٣٤٥/ ٣٤٦ / ٣٤٧/ ٣٤٨).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .٢٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين خرج أهلُ مصر في أربع رِفاق على أربعة أمراء، المقلّل يقول: ستمئة، والمكثر يقول: ألف. على الرّفاق عبد الرحمن بن عُدَيس البلَويّ، وكنانة بن بشر التُّجيبيّ، وعروة بن شيبم الليثيّ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعيّ، وسواد بن رومان الأصبحيّ، وزرع بن يشكر اليافعيّ، وسودان بن حُمران السَّكونيّ، وقُتيرة بن فلان السَّكُونيّ، وعلى القوم جميعًا الغافقي بن حرب العَكّيّ، ولم يجترئوا أن يُعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب؛ وإنما أخرجوا كالحُجّاج، ومعهم ابن السوداء. وخرج أهل الكوفة في أربع رِفاق، وعلى الرّفاق زيد بن صُوحان العبْديّ، والأشتر النخعيّ، وزياد بن النضْر الحارثيّ، وعبد الله بن الأصمّ، أحد بني عامر بن صعصعة، وعددهم كعدد أهل مصر؛ وعليهم جميعًا عمرو بن الأصمّ. وخرج أهلُ البصرة في أربع رفاق، وعلى الرّفاق حُكَيم بن جبلة العبديّ، وذَريح بن عبّاد العبديّ، وبشر بن شُرَيح الحُطَم بن ضُبيعة القيسيّ وابن المَحرِّش بن عبد بن عمرو الحنفيّ وعددهم كعدد أهل مصر، وأميرهم جميعًا حُرقوص بن زهير السعديّ، سوى مَن تلاحق بهم من الناس. فأمّا أهلُ مصر فإنهم كانوا يشتهون عليًّا، وأمّا أهلُ البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة، وأما أهل الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير. فخرجوا وهل على الخروج جميع، وفي الناس شتى؛ لا تشكّ كلّ فرقة إلّا أنّ الفُلْج معها، وأن أمرَها سيتمّ دون الأخْرَيين؛ فخرجوا حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدّم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشُب، وناس من أهل الكوفةفنزلوا الأعوَص، وجاءهم ناس من أهل مصر، وتركوا عامّتهم بذي المرْوَة. ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النّضْر وعبد الله بن الأصمّ، وقالا: لا تَعجلوا ولا تُعجِلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد، فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا لنا؛ فوالله إن كان أهل المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا علمنا؛ فهم إذا علموا علْمنا أشدّ؛ وإنّ أمرنا هذا لبَاطل؛ وإن لم يستحلوا قتالنا ووجدنا الذي بلغنا باطلًا، لَنرجعنَّ إليكم بالخبر. قالوا: اذهبا، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبي ﷺ وعليًّا وطلحة والزبير، وقالا: إنما نأتمّ هذا البيت، ونستعفي هذا الواليَ من بعض عمّالنا، ما جئنا إلّا لذلك، واستأذناهم للناس بالدخول، فكلّهم أبَى، ونهى وقال: بَيْض ما يُفْرِخَنَّ، فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوْا عليًّا ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا طلحة، ومن أهل الكوفة نفر فأتوْا الزبير؛ وقال كلّ فريق منهم: إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرّقنا جماعتهم، ثم كررنا حتى نبغتَهم، فأتى المصريون عليًّا وهو في عسكر عند أحجار الزّيت، عليه حلّة أفوافٍ معتمّ بشقيقة حمراء يمانية، متقلّد السيف، ليس عليه قميص، وقد سزح الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه. فالحسنُ جالس عند عثمان، وعليّ عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جَيش ذي المرْوة وذي خُشب ملعونون على لسان محمد ﷺ، فارجعوا لا صحِبكم الله! قالوا: نعم، فانصرفوا من عنده على ذلك. وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب عليّ، وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، فسلّم البصريّون عليه وعرَضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذي المرْوة وذي خُشب والأعوَص ملعونون على لسان محمّد ﷺ. وأتى الكوفيون الزبير وهو في جماعة أخرى؛ وقد سرّح ابنه عبد الله إلى عثمان، فسلموا عليه وعرضوا له، فصاح بهم واطّردهم، وقال: لقد علم المسلمون أن جَيش ذي المَروة وذي خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ، فخرج القوم وأرَوْهم أنهم يرجعون، فانفشّوا عن ذي خشُب والأعوص، حتى انتهوا إلى عساكرهم؛ وهي ثلاث مراحل؛ كي يفترق أهلُالمدينة، ثم يكرُّوا راجعين. فافترق أهل المدينة لخروجهم. فلما بلغ القوم عساكرَهم كرُّوا بهم، فبغتوهم، فلم يفجأ أهلَ المدينة إلا والتكبير في نواحي المدينة، فنزلوا في مواضع عساكرهم، وأحاطوا بعثمان، وقالوا: مَن كفّ يده فهو آمن. وصلَّى عثمان بالناس أيامًا؛ ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحدًا من كلام، فأتاهم الناس فكلّموهم، وفيهم عليّ، فقال: ما ردّكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ قالوا: أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا؛ وأتاهم طلحة فقال البصريون مثل ذلك، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك، وقال الكوفيون والبصريون: فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا؛ كأنما كانوا على ميعاد. فقال لهم عليّ: كيف علمتم يا أهلَ الكوفة ويا أهل البصرة بما لقيَ أهل مصر؛ وقد سرتم مراحل؛ ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمرٌ أبرِم بالمدينة! قالوا: فضعوه على ما شئتم، لا حاجة لنا في هذا الرّجل، ليعتزلنا. وهو في ذلك يصلي بهم، وهم يصلّون خلفه، ويغشى من شاء عثمان وهم في عينه أدقّ من التراب؛ وكانوا لا يمنعون أحدًا من الكلام، وكانوا زُمَرًا بالمدينة، يمنعون الناس من الاجتماع. وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدّهم: بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمّا بعدُ؛ فإن الله ﷿ بعث محمدًا بالحق بشيرًا ونذيرًا، فبلّغَ عن الله ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذي عليه؛ وخلَّف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيان الأمور التي قدّر، فأمضاها على ما أحبّ العباد وكرهوا، فكان الخليفةُ أبو بكر ﵁ وعمرُ ﵁، ثم أدخلتُ في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملإ من الأمة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملإ منهم ومن الناس عليّ، على غير طلَب مني ولا محبّة؛ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعًا غير مستتبع، متّبعًا غير مبتدِع، مقتديًا غير متكلف. فلما انتهت الأمورُ، وانتكث الشرُّ بأهله؛ بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا تِرةٍ فيما مضى إلّا إمضاء الكتاب؛ فطلبوا أمرًا وأعلنوا غيره بغير حجّة ولا عذر، فعابوا عليّ أشياء مما كانوا يرضوْن، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها؛ فصبرتُ لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين وأنا أرى وأسمع؛ فازدادوا على الله ﷿ جُرأة، حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله ﷺ وحرَمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب؛ فهمكالأحزاب أيّام الأحزاب أو مَنْ غزانا بأحُد إلّا ما يُظهرون؛ فمن قدر على اللحاق بنا فلْيَلْحَق. فأتى الكتاب أهلَ الأمصار، فخرجوا على الصّعبة والذّلول؛ فبعث معاوية حبيب بن مسلمة الفهريّ، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حُديج السّكونيّ، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو. وكان من المحضّضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عُقْبةُ بن عمرو وعبد الله بن أبي أوفَى وحنظلة بن الربيع التميميّ في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ. وكان من المحضّضين بالكوفة من التابعين أصحابُ عبد الله مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد، وشُريح بن الحارث، وعبد الله بن عُكَيم؛ في أمثالهم؛ يسيرون فيها، ويطوفون على مجالسها؛ يقولون: يا أيها الناس! إن الكلام اليوم وليس به غدًا، وإنّ النظر يحسن اليوم ويقبح غدًا، وإنّ القتال يحلّ اليوم ويحرُم غدًا، انهضوا إلى خليفتكم، وعصْمة أمرِكم. وقام بالبصرة عمران بن حصين، وأنس بن مالك، وهشام بن عامر في أمثالهم من أصحاب النبي ﷺ يقولون مثل ذلك، ومن التابعين كعب بن سُور، وهرِم بن حَيّان العبديّ، وأشباه لهما يقولون ذلك! وقام بالشام عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبو أمامة في أمثالهم من أصحاب النبيّ ﷺ يقولون مثل ذلك، ومن التابعين شريك بن خُباشة النُّميريّ، وأبو مسلم الخوْلانيّ، وعبد الرحمن بن غَنْم بمثل ذلك، وقام بمصر خارجة في أشباه له؛ وقد كان بعض المحضّضين قد شهد قدومهم، فلمَّا رأوا حالهم انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم. ولما جاءت الجمعة التي على أثر نزول المصريين مسجدَ رسول الله ﷺ خرج عثمان فصلَّى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء العدَى، اللهَ اللهَ! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ؛ فامحوا الخطايا بالصواب؛ فإن الله ﷿ لا يمحو السيّئ إلّا بالحسن. فقام محمد بن مسلمة، فقال: أنا أشهدُ بذلك، فأخذه حُكَيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: ابغِني الكتاب، فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قُتَيرة فاقعده؛ وقال فأفظَع؛ وثار القوم بأجمعهم، فحصَبُوا الناسحتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صُرع عن المنبر مغشيًّا عليه، فاحتُمل فأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من أهل المدينة أن يساعدَهم إلّا في ثلاثة نفر؛ فإنهم كانوا يراسلونهم: محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حُذيفة، وعمَّار بن ياسر؛ وشمّر أناس من الناس فاستقتلوا؛ منهم سعد بن مالك، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، والحسن بن عليّ؛ فبعث إليهم عثمان بعزْمةٍ لَمَا انصرفوا. فانصرفوا، وأقبل عليٌّ ﵇ حتى دخل على عثمان، وأقبل طلحة حتى دخل عليه، وأقبل الزُّبَيْر حتى دخل عليه؛ يعودُونه من صرعته؛ ويشكُون بثّهم، ثم رجعوا إلى منازلهم. (١) (٤: ٣٤٨/ ٣٤٩ / ٣٥٠/ ٣٥١ / ٣٥٢/ ٣٥٣). ٢٤٤ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عمرو، عن الحسن، قال: قلت له: هل شهدت حَصْر عثمان؟ قال: نعم؛ وأنا يومئذ غلام في أتراب لي في المسجد، فإذا كثُر اللغط جثوتُ على ركبتيّ أو قمت؛ فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله؛ فاجتمع إليهم أناس من أهل المدينة، يُعظمون ما صنعوا. وأقبلوا على أهل المدينة يتوعّدونهم؛ فبينا هم كذلك في لَغطهم حَوْل الباب، فطلع عثمان؛ فكأنما كانت نارٌ طَفِئت، فعمَد إلى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه، فثار رجل، فأقعده رجل، وقام آخر فأقعدهآخر، ثم ثار القوم فحصَبوا عثمان حتى صرُع، فاحتُمِل فأُدخِل، فصلى بهم عشرين يومًا، ثم منعوه من الصلاة (١). (٤/ ٣٥٣). ٢٤٥ - ما حدّثني به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدَّثنا معتمر بن سليمان التيميّ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا أبو نضْرة عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاريّ، قال: سمع عثمان أنّ وفد أهل مصر قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، وكان في قرية له خارجة من المدينة -أو كما قال- فلمّا سمعوا به، أقبلوا نحوه إلى المكان الذي هو فيه -قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة أو نحوًا من ذلك- قال: فأتوْه، فقالوا له: ادعُ بالمصحف، قال: فدعا بالمصحف، قال: فقالوا له: افتح التاسعة - قال: وكانوا يسمون سورة يونس التاسعة - قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾. قال: قالوا له: قف، فقالوا له: أرأيت ما حَمَيتَ من الحمى؟ آلله أذن لك أم على الله تفتري! قال: فقال: امضِه؛ نزلت في كذا وكذا. قال: وأما الحِمَى فإنّ عمر حَمَى الحمى قبلي لإبل الصّدَقة، فلما وليت زادت إبلُ الصدقة فزدت في الحِمَى لما زاد في إبل الصدقة، امضِه. قال: فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: امضِه، نزلت في كذا وكذا - قال: والذي يتولى كلام عثمان يومئذ في سنّك، قال: يقول أبو نضرة، يقول ذاك لي أبو سعيد، قال أبو نُضْرة: وأنا في سنك يومئذ، قال: ولم يخرج وجهي يومئذ، لا أدري - ولعله قد قال مرة أخرى: وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرَج. قال: فعرفها، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قال: فأخذوا ميثاقه - قال: وأحسبه قال: وكتبوا عليه شرطًا - قال: وأخذ عليهم ألَّا يشقوا عَصًا، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم -أو كما أخذوا عليه- قال: فقال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد ألّا يأخذ أهل المدينةعطاء، فإنما هذا المال من قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله ﷺ. قال: فرضوا بذلك، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين. قال: فقام فخطب، فقال: إنّي ما رأيت والله وفدًا في الأرض هم خير لحوْباتِي من هذا الوفد الذين قدموا عليّ. وقد قال مرّة أخرى: خشيت من هذا الوفد من أهل مصر، ألا من كان له زرع فليلحق بزرعه، ومن كان له ضَرْع فليحتلب؛ ألا إنه لا مال لكم عندنا، إنما هذا المال من قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله ﷺ. قال: فغضِب الناس، وقالوا: هذا مكر بني أميّة. قال: ثم رجع الوفد المصريون راضين؛ فبينا هم في الطريق إذا هم براكب يتعرّض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم، لمّ يفارقهم ويتبيَّنُهم. قال: قالوا له: مَا لَك؟ إن لك لأمرًا! ما شأنك؟ قال: فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر؛ ففتّشوه؛ فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى عامله بمصر أن يصلّبهم أو يقتلهم أو يقطّع أيديهم وأرجلَهم من خلاف. قال: فأقبلوا حتى قدِموا المدينة، قال: فأتوْا عليًّا، فقالوا: ألم تر إلى عدوّ الله! إنه كتب فينا بكذا وكذا؛ وإنّ الله قد أحلّ دمه، قم معنا إليه، قال: والله لا أقوم معكم؛ إلى أن قالوا: فلم كَتبتَ إلينا؟ فقال: والله ما كتبتُ إليكم كتابًا قطّ؛ قال: فنظر بعضهم إلى بعض، ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون، أو لهذا تغضبون! قال: فانطلق عليّ، فخرج من المدينة إلى قرية. قال: فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان، فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا! قال: فقال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا عليّ رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلّا هو ما كتبتُ ولا أملَلْت ولا علمت. قال: وقد تعلمون أنّ الكتاب يكتَب على لسان الرّجل، وقد ينقَش الخاتم على الخاتم. قال: فقالوا: فقد والله أحلّ الله دَمك، ونقضت العهد والميثاق. قال: فحاصروه (١). (٤: ٣٥٤ - ٣٥٥ - ٣٥٦).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
Parsing and provenance details
Local passage ID
339506
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:446:916934
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين — shamela-145435 · Hadith Research Library