Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

خبر اليرموك

محمد بن طاهر البرزنجي - صحيح وضعيف تاريخ الطبري · page 868, entry [330]

صحيح وضعيف تاريخ الطبري — محمد بن طاهر البرزنجي

Open narrator profile: خبر اليرموك
page 868, entry [330]Open original source
خبر اليَرْموك قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قد سمّى لكلّ أمير من أمراء الشام كُورَةً؛ فسمَّى لأبي عُبيدة بن عبد الله بن الجرّاح حِمْص، وليزيد بن أبي سفيان دِمَشق؛ ولشُرحبيل بن حَسَنة الأردنَّ، ولعمرو بن العاصِ ولعلقمة بن مُجَزّز فِلسطين، فلمّا فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مِصْر. فلمَّا شارفوا الشام، دهم كلَّ أمير منهم قومٌ كثير، فأجمع رأيهم أن يجتمعوا بمكان واحد، وأن يلقوْا جمعَ المشركين بجمع المسلمين.ولما رأى خالد أنّ المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم: هل لكم يا معشر الرؤساء في أمْرٍ يُعزّ الله به الدّين، ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة ولا مكروه؟ ! ٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغسَّاني، عن خالد وعبادة، قالا: توافَى إليها مع الأمراء والجنود الأربعة سبعةٌ وعشرون ألفًا وثلاثة آلاف من فُلّال خالد بن سعيد، أمَّر عليهم أبو بكر معاويةَ وشُرحبيل، وعشرة آلاف من أمداد أهل العراق مع خالد بن الوليد سوى ستَّة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردءًا بعد خالد بن سعيد؛ فكانوا ستّة وأربعين ألفًا، وكلّ قتالهم كان على تساند، كلّ جند وأميره، لا يجمعهم أحدٌ؛ حتَّى قدم عليهم خالد من العراق. وكان عسكر أبي عبيدة باليرْموك مجاورًا لعسكر عمرو بن العاص، وعسكر شُرَحبيل مجاورًا لعسكر يزيد بن أبي سفيان؛ فكان أبو عبيدة ربَّما صلَّى مع عمرو وشُرحبيل مع يزيد. فأما عمرو ويزيد فإنَّهما كانا لا يصلِّيان مع أبي عبيدة وشُرحبيل، وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك؛ فعسكر على حِدَة؛ فصلَّى بأهلِ العراق، ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقُون بمدَدِ الرّوم؛ عليهم باهان، ووافق الروم وهو نِشاط بمددهم، فالتقوا، فهزمهم الله حتى ألجأهم وأمدادَهم إلى الخنادق - والواقوصة أحد حدوده - فلزموا خندقهم عامّة شهر، يُحَضِّضُهم القسِّيسون، والشَّمَامشة، والرّهبان، وينعَوْن لهم النَّصرانيَّة، حتى استبصروا. فخرجوا للقتال الذي لم يكن بعد قتال مثله، في جمادى الآخرة. فلمَّا أحسّ المسلمون خروجَهم، وأرادوا الخروجَ متساندين، سار فيهم خالد بن الوليد؛ فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: إن هذا يومٌ من أيّام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلِصوا جهادَكم، وأريدوا الله بعملكم؛ فإن هذا يومٌ له ما بعده؛ ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبية؛ على تسانُد وانتشار؛ فإن ذلك لا يحلّ ولا ينبغي. وإنّ مَن وراءَكم لو يعلم علمَكم حال بينكم وبين هذا؛ فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي تروْن أنَّه الرّأي من واليكم ومحبَّته، قالوا: فهات، فما الرأي؟ قال: إنّ أبا بكر لم يبعثْنا إلّا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون، لقد جمعكم. إن الذي أنتم فيه أشدُّ على المسلمين ممَّا قدغشيَهم، وأنفعُ للمشركين من أمدادهم؛ ولقد علمت: أنّ الدنيا فرّقت بينكم، فاللهَ الله، فقد أفرِدَ كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه أن دانوا له. إنّ تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله ﷺ. هلمّوا فإنّ هؤلاء تهيَّؤوا، وهذا يوم له ما بعده، إنْ رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردّهم، وإن هزمونا لم نُفلح بعدها. فهلمّوا فلْنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضُنا اليوم، والآخر غدًا، والآخر بعد غد؛ حتى يتأمَّر كلّكم، ودعوني ألِيكُم اليوم. فأمَّروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر أطولُ ممَّا صاروا إليه؛ فخرجت الرُّوم في تعبية لم يرَ الراؤون مثلها قطّ، وخرج خالد في تعبية لم تُعبِّها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستَّة وثلاثين كُردوسًا إلى الأربعين، وقال: إنّ عدوّكم قد كثُر وَطَغَى، وليس من التعبية تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس. فجعل القلب كراديسَ، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شُرَحْبيل بن حَسنة. وجعل الميسرة كَراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان. وكان على كُرْدوس من كراديس أهلِ العراق القَعْقاع بن عمرو، وعلى كُرْدوس مذعور بن عديّ، وعياض بن غَنْم على كرْدوس، وهاشم بن عتبة على كُرْدوس، وزياد بن حنظلة على كُردوس، وخالد في كُردوس؛ وعلى فالّة خالد بن سعيد دحْيَة بن خليفة على كُردوس، وامرؤ القيس على كُرْدُوس، ويزيد بن يحنَّس على كُردوس، وأبو عبيدة على كُردوس، وعكْرمة على كُردوس، وسهيل على كُردوس، وعبد الرحمن بن خالد على كُردوس - وهو يومئذ ابن ثمانيَ عشرة سنة - وحبيب بن مَسلمة على كُرْدوس، وصفوان بن أميّة على كُردوس، وسعيد بن خالد على كُرْدوس، وأبو الأعور بن سفيان على كُرْدوس، وابن ذي الخِمار على كُرْدُوس؛ وفي الميمنة عُمارة بن مُخشّى بن خُوَيلِد على كُردوس؛ وشُرَحْبيل على كُردوس ومعه خالد بن سعيد، وعبد الله بن قيس على كُردُوس؛ وعمرو بن عَبسَة على كُرْدوس، والسِّمط بن الأسود على كُردوس، وذو الكَلاع على كُردوس، ومعاوية بن حُدَيج على آخر؛ وجُنْدب بن عمرو بن حُمَمَة على كُردوس، وعمرو بن فلان على كردوس؛ ولَقيط بن عبد القيس بن بجرة حليف لبني ظَفَر من بني فزارة على كُرْدوس، وفيالمَيسَرة يزيد بن أبي سفيان على كُرْدوس، والزُّبير على كُرْدوس، وحَوْشب ذو ظُليم على كُرْدوس، وقيس بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن -حليف لبني النَّجَّار- على كُردوس، وعِصْمة بن عبد الله - حليف لبني النجار من بني أسد - على كُردوس، وضِرار بن الأزور على كُردوس، ومسروق بن فلان على كُرْدُوس، وعُتْبة بن ربيعة بن بَهْز - حليف لبني عِصْمة - على كُردوس، وجارية بن عبد الله الأشجعيّ - حليف لبني سلِمة - على كُردوس، وقَباث على كردوس. وكان القاضي أبو الدرداء، وكان القاصَّ أبو سفيان بن حرب، وكان على الطَّلائع قَباث بن أشيَم؛ وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود (١). (٣: ٣٩٣/ ٣٩٤ / ٣٩٥/ ٣٩٦). ٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغَسَّاني، عن عبادة وخالد؛ قالا: شهد اليَرْموكَ ألفٌ من أصحاب رسول الله ﷺ، فيهم نحو من مئة من أهل بدر. قالا: وكان أبو سفيان يسيرُ فيقِف على الكراديس، فيقول: الله اللهَ! إنكم ذَادةُ العرب، وأنصارُ الإسلام، وإنهم ذَادة الرُّوم وأنصار الشرك! اللهمّ إنّ هذا يومٌ من أيَّامك؛ اللهم أنزلْ نصرك على عبادك! قالا: وقال رجل لخالد: ما أكثرَ الرومَ وأقلّ المسلمين! فقال خالد: ما أقلَّ الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثُر الجنود بالنَّصر وتقلّ بالخذلان؛ لا بعددالرِّجال؛ والله لوددت أنّ الأشقر بَراءٌ من توجّيه؛ وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفِيَ في مسيره - قالا: فأمر خالد عِكرمة والقَعْقاع، وكانا على مجنَّبتي القَلْب، فأنشبا القِتال، وارتجز القعقاع وقال: يا ليتني ألقاك في الطِّرادِ ... قبلَ اعتِرام الجَحْفَلِ الوَرَّادِ وأنت في حَلْبتك الورادِ وقال عِكْرمة: قد عَلِمتْ بَهْكَنةُ الجواري ... أنِّي على مَكْرُمةٍ أحامِي فنشب القتال، والتحمَ النَّاس، وتطارد الفرسان؛ فإنَّهم على ذلك؛ إذ قدم البريد من المدينة؛ فأخذته الخيول؛ وسألوه الخَبر؛ فلم يخبرهم إلّا بسلامة، وأخبرهم عن أمداد؛ وإنما جاء بموت أبي بكر ﵀ وتأمير أبي عبيدة، فأبلغوه خالدًا، فأخبره خبَر أبي بكر، أسرّه إليه، وأخبره بالَّذي أخبر به الجندَ. قال: أحسنتَ فقفْ، وأخذ الكتاب وجعله في كنانته؛ وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند؛ فوقف محميَة بن زُنَيم مع خالد؛ وهو الرسول، وخرج جَرَجة؛ حتى كان بين الصفَّين، ونادى: ليخرجْ إليّ خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه، فوافقه بين الصّفَّين؛ حتى اختلفت أعناق دابَّتيهما، وقد أمَّن أحدُهما صاحبه، فقال جَرَجَة: يا خالد! اصدقْني، ولا تكذِبْني؛ فإنّ الحرّ لا يكذِب، ولا تخادعني؛ فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله: هل أنزل الله على نبيّكم سيفًا من السماء فأعطاكه، فلا تسلَّه على قوم إلّا هزمتهم؟ قال: لا، قال: فبمَ سُميت سيف الله؟ قال: إن الله ﷿ بعث فينا نبيَّه ﷺ، فدعانا فنفرْنا عنه ونأينا عنه جميعًا. ثم إنّ بعضنا صدّقه وتابعه؛ وبعضنا باعده وكذّبه؛ فكنت فيمن كذّبه وباعده وقاتله. ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا؛ فهدانا به، فتابعناه. فقال: "أنت سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين! ". ودعا لي بالنّصر؛ فسُمِّيت سيف الله بذلك؛ فأنا من أشدّ المسلمين على المشركين. قال: صدقتَني، ثم أعاد عليه جَرَجة: يا خالد! أخبرْني إلامَ تدعوني؟ قال: إلى شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمنْ لم يُجبْكم؟ قال: فالجِزْيَة ونمنعهم، قال: فإن لم يعطِها، قال: نؤذنه بحرب، ثم نقاتله. قال: فما منزلةُ الَّذِي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمراليوم؟ قال: منزلتُنا واحدة فيما افترضَ الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأوّلنا وآخرنا. ثم أعاد عليه جَرَجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالدُ مثل ما لكم من الأجر والذُّخْر؟ قال: نعم، وأفضل؛ قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ قال: إنَّا دخلْنا في هذا الأمر، وبايَعْنا نبينا ﷺ وهو حيّ بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحقّ لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا، أن يُسْلِم ويبايع؛ وإنكم أنتم لم تروْا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحُجَج؛ فَمنْ دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونيَّة كان أفضَل منَّا. قال جرجة: بالله لقد صدَقتني ولم تخادعْني ولم تألّفني! قال: بالله لقد صدقتُك وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة! وإنَّ الله لَوليُّ ما سألت عنه. فقال: صدقتَني؛ وقلب التّرس ومال مع خالد، وقال: عَلِّمْني الإسلام، فمال به خالد إلى فَسطاطه، فشنّ عليه قِربَة من ماء، ثم صلَّى ركعتين؛ وحملت الرُّوم مع انقلابه إلى خالد؛ وهم يروْن أنَّها منه حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عِكرمة والحارث بن هشام. وركب خالدٌ ومعه جَرجة والرُّوم خلال المسلمين؛ فتنادَى الناس، فثابوا، وتراجعت الرُّوم إلى مواقفهم، فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيُّوف، فضرب فيهم خالد وجَرَجَة من لدن ارتفاع النهار إلى جُنُوح الشمس للغروب، ثم أصِيبَ جرجَة ولم يصلِّ صلاة سجد فيها إلا الرّكعتين اللَّتين أسلم عليهما، وصلَّى الناس الأولى والعصر إيماءً، وتضعضع الروم، ونَهَد خالد بالقلب حتَّى كان بين خيلهِم ورجْلهم، وكان مقاتلهُم واسعَ المطَّرد، ضيّق المهرب؛ فلمَّا وجدت خيلُهم مذهَبًا؛ ذهبت وتركوا رَجْلهم في مصافِّهم؛ وخرجت خيلُهم تشتدّ بهم في الصحراء، وأخَّر النَّاس الصلاة حتى صلّوا بعد الفتح. ولما رأى المسلمون خيلَ الروم توجَّهت للهَرب؛ أفرجوا لها، ولم يحرّجوها؛ فذهبت فتفرّقت في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرّجْل ففضّوهم؛ فكأنما هُدِم بهم حائط؛ فاقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم فعَمَدوا إلى الواقوصة، حتى هوى فيها المقترنون وغيرُهم، فمَنْ صبر من المقترنين للقتال هوى به من خشَعتْ نفسُه، فيهوي الواحد بالعشرة لا يطيقونه؛ كلَّما هوى اثنان كانت البقيَّة أضعف، فتهافت في الواقوصة عشرون ومئة ألف؛ ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق؛ سوى مَنْ قُتِل في المعركة من الخيل والرّجل؛ فكان سهم الفارس يومئذ ألفًا وخمسمئة، وتجلّل الفيقار وأشرافٌ منأشراف الرُّوم برانسَهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحبّ أن نرى يوم السَّوء إذْ لم نستطع أن نرى يوم السرور؛ وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانيَّة؛ فأصيبوا في تزمّلهم (١). (٣: ٣٩٦/ ٣٩٧ / ٣٩٨/ ٣٩٩ / ٤٠٠). ٤٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة؛ قالا: أصبح خالد من تلك اللَّيلة، وهو في رِواق تَذارِق، لمَّا دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله، وقاتل الناسُ حتى أصبحوا (٢). (٣: ٤٠٠/ ٤٠١). ٤٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عُميس، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة -وكان شهد اليَرْموك هو وعُبادة بن الصامت- أنّ النساء قَاتلْنَ يوم اليَرْموك في جَوْلة، فخرجت جُوَيرِية بنة أبي سفيان في جَوْلة، وكانت مع زوجها [وأصيبت] بعد قتال شديد، وأصيبت يومئذ عينُ أبي سفيان، فأخرج السهم من عينه أبو حثْمة (٣). (٣: ٤٠١). ٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وخالد: وكان ممَّن أصيب في الثلاثة الآلاف الَّذين أصيبوا يوم اليَرْموك عِكرمة، وعمرو بن عِكْرمة، وسلمَة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد - وأثبِت خالد بن سعيد فلا يُدرَى أين ماتَ بَعْد - وجُنْدَب بن عمرو بن حُمَمَة الدَّوْسِيّ، والطّفَيل بن عمرو، وضرار بن الأزور أثبت، فبقَي، وطُلَيب بن عُمَير بن وَهْب من بني عبد بن قُصيّ، وهَبَّار بن سُفْيان، وهشام بن العاصي (٤). (٣: ٤٠٢). ٥١ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سَيف، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال: لقي خالدًا مقدمَه الشام مغيثًا لأهل اليرموك رجلٌ من يوم العرب، فقال: يا خالد! إنّ الروم في جمع كثير؛ مئتي ألف أو يزيدون؛ فإنْ رأيت أن ترجعَ عَلَى حامِيتك فافعل؛ فقال خالد: أبالرّوم تخوّفني؟ ! والله لودِدْتُ أنّالأشقر بَراءٌ من تَوَجّيه، وأنَّهم أضعفوا ضعْفَهم، فهزمهم الله على يديه! (١) (٤٠٢: ٣). ٥٢ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بن ميمون، قالوا: وقد كان هرقل حجّ قبل مهزم خالد بن سعيد، فحجّ بيت المقدس، فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقُرْب الجنود منه، فجمع الرُّوم، وقال: أرى من الرأي ألّا تقاتِلُوا هؤلاء القوم، وأن تُصالحوهم؛ فوالله لأن تُعطوهم نصفَ ما أخرجت الشام؛ وتأخذوا نصفًا وتقِرَّ لكم جبال الرُّوم؛ خيرٌ لكم من أن يبلغوكم على الشام، ويشاركوكم في جبال الرّوم؛ فنخر أخوه ونخر خَتَنُه؛ وتصدّع عنه مَن كان حوله؛ فلمَّا رآهم يعصونه ويردّون عليه بعث أخاه، وأمَّر الأمراء، ووجَّه إلى كلّ جند جندًا. فلما اجتمع المسلمون، أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين، فنزلوا بالواقوصة، وخرج فنزل حِمْص، فلمَّا بلغه أن خالدًا قد طلع على سُوَى، وانتسف أهلَه وأموالهم، وعَمَد إلى بُصْرَى وافتتحها وأباح عَذْراء، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم! فإنَّه لا قِوامَ لكم مع هؤلاء القوم؛ إنّ دينهم دينٌ جديد يجدّد لهم ثِبارَهم، فلا يقوم لهم أحد حتى يُبْلَى. فقالوا: قاتِل عن دينك ولا تُجبّن النَّاس، واقض الذي عليك؛ قال: وأيَّ شيء أطلب إلّا توفيرَ دينكم! ولما نزلت جنود المسلمين اليَرْموك، بعث إليهم المسلمون: إنَّا نريد كلامَ أميركم وملاقاته؛ فدعُونا نأتِه ونكلّمه، فأبلغوه فأذِن لهم. فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان كالرسول، والحارث بن هشام وضِرار بن الأزور وأبو جَنْدل بن سُهيل؛ ومع أخي الملك يومئذ ثلاثون رِواقًا في عسكره وثلاثون سُرادِقًا، كلُّها من ديباج؛ فلمَّا انتهوْا إليها أبوْا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحلّ الحرير فابْرز لنا. فبرز إلى فُرُش ممهَّدة؛ وبلغ ذلك هرقل، فقال: ألم أقل لكم! هذا أوّلُ الذُّلّ، أما الشام فلا شام؛ وويل للروم من المولود المشؤوم! ولم يتأتّ بينهم وبين المسلمين صُلْح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه، واتَّعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح (٢). (٣: ٤٠٢/ ٤٠٣).٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُطَّرح، عن القاسم، عن أبي أمامة وأبي عثمان، عن يزيد بن سنان، عن رجال من أهل الشام ومن أشياخهم؛ قالوا: لمَّا كان اليوم الَّذِي تأمّر فيه خالد؛ هزم الله الرُّوم مع الليلِ، وصعد المسلمون العَقَبة، وأصابوا ما في العسكر، وقتل الله صناديدَهم ورؤوسهم وفرسانهم، وقتل الله أخا هِرَقْل، وأخِذ التَّذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دُون مدينة حِمْص، فارتحل فجعل حِمْص بينه وبينهم، وأمَّر عليها أميرًا وخلَّفه فيها، كما كان أمَّر على دمشق، وأتبع المسلمون الرُّوم حين هزموهم خيولًا يَثْفِنونهم. ولمَّا صار إلى أبي عبيدة الأمرُ بعد الهزيمة؛ نادى بالرّحيل، وارتحل المسلمون بزحْفهم حتى وضعوا عساكرَهم بمَرْج الصُّفَّر. قال أبو أمامة: فبُعِثت طليعة من مرَج الصُّفَّر، معي فارسان؛ حتى دخلت الغُوطة فجُسْتها بين أبياتها وشجراتها، فقال أحد صاحبَيّ: قد بلغتَ حيث أمِرت فانصرف لا تهلكْنا، فقلت: قِفْ مكانَك حتى تصبح أو آتيَك. فسِرْتُ حتى دفعت إلى باب المدينة؛ وليس في الأرض أحدٌ ظاهر، فنزعت لجام فرسِي وعلَّقت عليها مخلاتها، وركزت رمحي، ثم وضعت رأسي فلم أشعُر إلّا بالمفتاح يحرَّك عند الباب ليُفتح؛ فقصت فصلَّيت الغداة، ثم ركبت فرسي، فحملت عليه، فطعنت البوّاب فقتلته، ثم انكفأت راجعًا؛ فخرجوا يطلبونني، فجعلوا يكفّون عنِّي مخافة أن يكون لي كمين، فدفعت إلى صاحبي الأدْنى الَّذي أمرتُه أن يقف، فلمَّا رأوْه قالوا: هذا كمين انتهى إلى كمينه. فانصرفوا وسرت أنا وصاحبي، حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني، فسِرْنا حتى انتهينا إلى المسلمين؛ وقد عزم أبو عبيدة ألّا يبرح حتى يأتيَه رأيُ عمر وأمْرُه؛ فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دِمَشق، وخلّف باليَرْمُوك بشير بن كعب بن أبيّ الحميريّ في خَيْل (١). (٣: ٤٠٣/ ٤٠٤). ٥٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان: أنّ أبا بكر ﵀ حين سار القوم خرج مع يَزيد بن أبي سفيان يُوصيه، وأبو بكر يمشي ويزيد راكب، فلمَّا فرغ من وصيَّته قال: أقرئُكالسلام، وأستودعك الله. ثم انصرف ومضى يزيد، فأخذ التَّبُوكيَّة ثم تبعه شُرَحبيل بن حَسَنة ثم أبو عبيدة بن الجرّاح مددًا لهما على رُبْع، فسلكوا ذلك الطريق، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل بغَمْر العَرَبات، ونزلت الرُّوم بثَنِيَّة جِلّق بأعلَى فلسطين في سبعين ألفًا، عليهم تَذَارِق أخو هِرَقْل لأبيه وأمِّه. فكتب عَمْرو بن العاص إلى أبي بكر، يذكر له أمرَ الرُّوم ويستمدُّه. وخرج خالد بن سعيد بن العاصي، وهو بمرج الصُّفَّر من أرض الشام في يوم مَطير يستمطر فيه؛ فتعاوَى عليه أعلاجُ الروم، فقتلوه، وقد كان عمرو بن العاص كتب إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمدّه. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحِيرة، يأمره أن يمدّ أهلَ الشام بِمَن معه من أهل القوّة، ويخرج فيهم، ويستخلف على ضَعفة النَّاس رجلًا منهم؛ فلمَّا أتى خالدًا كتابُ أبي بكر بذلك، قال خالد: هذا عمل الأعيسر بن أمّ شَمْلَة -يعني: عمر بن الخطاب- حسدني أن يكون فتْح العراق على يديّ. فسار خالد بأهل القوّة من الناس وردّ الضعفاء والنّساء إلى المدينة، مدينة رسول الله ﷺ، وأمّر عليهم عُمير بن سعد الأنصاريّ، واستخلف خالد على مَن أسلم بالعراق من رَبيعة وغيرهم المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ. ثم سار حتى نزل على عَين التَّمْر، فأغار على أهلها، فأصاب منهم، ورابط حِصْنًا بها فيه مقاتلةٌ كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم، فضرب أعناقهم، وسَبَى من عَين التَّمْر ومن أبناء تلك المرابِطة سبايا كثيرة، فبعث بها إلى أبي بكر؛ فكان مِن تلك السَّبَايا أبو عَمْرة مولى شبّان؛ وهو أبو عبد الأعلى بن أبي عمرة، وأبو عبيدة مولى المعلَّى من الأنصار من بني زُريق، وأبو عبد الله مولى زُهرة، وخَير مولى أبي داود الأنصاريّ ثم أحد بني مازن بن النَّجار، ويَسار وهو جدّ محمد بن إسحاق مولى قيس بن مَخْرمة بن المطَّلب بن عبد مناف، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاريّ ثم أحد بني مالك بن النَّجار، وحُمران بن أبان مَوْلى عثمان بن عفان. وقَتَل خالد بن الوليد هلال بن عَقّة بن بشر النّمَريّ وصلَبه بعين التّمر، ثم أراد السَّير مفوّزًا من قُراقر - وهو ماء لكلب إلى سُوَى، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال - فلم يهتدِ خالد الطريق، فالتمس دليلًا، فدُلّ على رافع بن عميرة الطائيِّ؛ فقال له خالد: انطلق بالنَّاس،فقال له رافع: إنَّك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال؛ والله إنّ الراكب المفرد ليخافُها على نفسه وما يسلُكها إلا مغرّرًا؛ إنها لخمس ليال جِياد لا يُصاب فيها ماء مع مَضَلَّتها، فقال له خالد: ويحك! إنه والله إنْ لي بدٌّ من ذلك، إنه قد أتتني من الأمير عَزمة بذلك، فمرْ بأمرك، قال: استكثروا من الماء؛ مَنِ استطاع منكم أن يصرّ أذن ناقته على ماء فليفعل؛ فإنها المهالك إلا ما دفع الله؛ ابْغنِي عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا مَسانَّ. فأتاه بهنّ خالد، فعمد إليهنّ رافع فظمَّأهن، حتى إذا أجهدهنّ عطشًا أوردهنّ فشربن حتى إذا تملأَن عمَد إليهنّ، فقطع مشافرهنّ، ثم كَعمهنّ لئلا يجتررن، ثم أخلى أدبارهنّ. ثم قال لخالد: سر؛ فسار خالد معه مُغِذًّا بالخيول والأثقال؛ فكُلَّمَا نزل منزلًا افتظّ أربعًا من تلك الشَّوارف؛ فأخذ ما في أكراشها، فسقاه الخيل؛ ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء؛ فلما خشِيَ خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد: ويحكَ يا رافع! ما عندك؟ قال: أدركتَ الرِّيّ إن شاء الله؛ فلمَّا دنا من العلَمين، قال للناس: انظروا هل ترون شُجيرة من عَوْسج كقِعْدة الرجل؟ قالوا: ما نراها. قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! هلكتم والله إذًا وهلكتُ؛ لا أبالكم! انظروا، فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقيت منها بقيَّة، فلمَّا رآها المسلمون كبَّروا وكبَّر رافع بن عميرة؛ ثم قال: احفروا في أصلها، فحفروا فاستخرجوا عينًا، فشربوا حتى رَويَ النَّاس، فاتّصلتْ بعد ذلك لخالد المنازل، فقال رافع: والله ما وردتُ هذا الماءَ قطّ إلا مرةً واحدة، وردته مع أبي وأنا غلام، فقال شاعر من المسلمين: لله عَينا رافِعٍ أنّى اهْتَدَى ... فَوّزَ من قُراقرٍ إلى سُوَى! خمْسًا إذا ما سارها الجَيشُ بكى ... ما سارها قَبْلك إنسيٌّ يُرَى فلمَّا انتهى خالد إلى سُوَى، أغار على أهله - وهم بَهْراء - قبيل الصُّبح، وناس منهم يشربونَ خَمْرًا لهم في جَفْنة قد اجتمعوا عليها، ومغنِّيهم يقول: ألا علّلانِي قبل جيش أبي بكرِ ... لعلّ منايانا قريب وما نَدْرِي ألا علّلاني بالزُّجاج وكرِّرا ... عَليَّ كُمَيتَ اللونِ صافيةً تَجْرِي ألا علّلاني من سُلافة قهوةٍ ... تسلِّي همومَ النفس من جيِّدِ الخمرِ أظُنُّ خيولَ المسلمين وخالدًا ... ستطرُقكمْ قبل الصَّبَاح من البِشْرِفهل لكُمُ في السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصراتِ من الخِدْر! فيزعمون: أن مغنّيَهم ذلك قتِل تحت الغارة، فسال دمُه في تلك الجفنة. ثم سار خالدٌ على وجهه ذلك، حتى أغار على غَسَّان بمرْج راهط، ثم سار حتى نزلَ على قناة بُصْرَى، وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشُرَحْبيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان؛ فاجتمعوا عليها، فرابطوها حتى صالحت بُصرى على الجِزْية، وفتحها الله على المسلمين، فكانتْ أوّلَ مدينة من مَدائن الشام فتحت في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعًا إلى فِلِسطين مددًا لعمرو بن العاص، وعمرو مقيم بالعَرباتِ مِنْ غَوْر فِلِسطين، وسمعت الرُّوم بهم، فانكشفوا عن جلَّق إلى أجْنادِين؛ وعليهم تَذَارق أخُو هِرَقْل لأبيه وأمِّه - وأجنادين بلد بين الرّملة وبيت جَبْرين من أرض فلسطين - وسار عمرو بن العاص حينَ سمع بأبي عبيدة بن الجرّاح وشُرَحبْيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان حتى لقيَهم، فاجتمعوا بأجنادين؛ حتى عسكروا عليهم (١). (٣: ٤٠٥/ ٤٠٦ / ٤١٥/ ٤١٦ / ٤١٧).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .٥٥ - قال أبو جعفر: وأمَّا أبو زيد؛ فحدّثني عن عليّ بن محمد بالإسناد الذي قد ذكرت قبلُ: أن أبا بكر ﵀ وجَّه بعد خروج يزيد بن أبي سفيان موجّهًا إلى الشام بأيام شُرَحبيلَ بن حَسَنة - قال: وهو شُرَحْبيل بن عبد الله بن المطاع بن عمرو، من كِنْدة، ويقال من الأزد - فسار في سبعة آلاف، ثم أبا عبيدة بن الجرّاح في سبعة آلاف، فنزل يزيد البَلْقاء، ونزل شُرحبيل الأرْدُنّ - ويقال بُصْرَى - ونزل أبو عبيدة الجابِية، ثم أمدّهم بعمرو بن العاص، فنزل بغَمْر العرَبات، ثم رغِب الناس في الجهاد؛ فكانوا يأتون المدينة فيوجّههم أبو بكر إلىالشَّام فمنهم مَن يصير مع أبي عبيدة، ومنهم مَن يصير مع يزيد، يصير كلّ قوم مع من أحبّوا. قالوا: فأوّل صُلْح كان بالشام صلح مَآبَ؛ وهي فسطاط ليست بمدينة، مرّ أبو عبيدة بهم في طريقه، وهي قرية من البَلْقاء، فقاتلوه، ثم سألوه الصُّلْح فصالحهم. واجتمع الرُّوم جمعًا بالعَرَبة من أرضِ فلسطين؛ فوجَّه إليهم يزيدُ بن أبي سفيان أبا أمامة الباهليّ؛ ففضَّ ذلك الجمع. قالوا: فأوّل حرب كانت بالشام بعد سريّة أسامة بالعَرَبة. ثم أتوا الدّاثنة - ويقال: الدّاثن - فهزمهم أبو أمامة الباهليُّ، وقتل بِطْريقًا منهم. ثم كانت مَرْج الصّفَّر، استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاصي، أتاهم أدْرُنْجار في أربعة آلاف وهم غارُّون، فاستُشهد خالد وعدّة من المسلمين. قال أبو جعفر: وقيل: إنّ المقتول في هذه الغزوة كان ابنًا لخالد بن سعيد، وإنّ خالدًا انحاز حين قُتل ابنه، فوجَّه أبو بكر خالد بن الوليد أميرًا على الأمراء الذين بالشام، ضمَّهم إليه؛ فشخص خالد من الحِيرة في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمئة - ويقال: في خَمْسمئة - واستخلف على عَمَلهِ المثنَّى بن حارثة، فلَقيه عدوّ بَصَنْدَوْدَاء، فظفر بهم، وخلَّف بها ابن حَرام الأنصاريّ؛ ولقيَ جمعًا بالمُصيّخ، والحُصَيد، عليهم ربيعة بن بُجير التَّغلبِيّ، فهزمهم وسَبَى وغَنِم، وسار ففوّز من قُراقِر إلى سُوَى؛ فأغار على أهل سُوَى؛ واكتسح أموالهم، وقتل حُرْقُوص بن النُّعمان البَهرانيّ، ثم أتى أرَك فصالحوه، وأتى تَدْمُر فتحصّنوا، ثم صالحوه؛ ثم أتى القريتين، فقاتلهم، فظفر بهم، وغَنِم، وأتى حُوَّارين؛ فقاتلهم فهَزَمهم وقتلَ وسبَى، وأتى قُصَم فصالحه بنو مَشْجَعة من قُضاعة، وأتى مَرْج راهِط، فأغار على غَسَّان في يوم فِصْحهم، فقتل وسَبَى، ووجَّه بُسْر بن أبي أرطاة وحبيب بن مَسْلَمة إلى الغوطة، فأتوْا كنيسة فسَبوا الرّجال والنِّساء، وساقُوا العِيال إلى خالد. قال: فوافى خالدًا كتابُ أبي بكر بالحيرة منصرفَه من حجّهِ: أن سِرْ حتَّى تأتيَ جموعَ المسلمين باليَرْموك، فإنهم قد شَجُوا وأشْجَوْا، وإيّاك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشجِ الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجَى من الناس نزعك. فليهنئك أبا سليمان النيَّة والحُظوة؛ فأتمِم يُتمم الله لك،ولا يدخلنَّك عُجب فتخسَر وتُخْذَل؛ وإيّاك أن تُدِلّ بعمل، فإن الله ﷿ له المنّ، وهو وليّ الجَزاء. رجع الحديث إلى حديث أبي زيد عن علي بن محمد بإسناده الذي قد مضى ذكره، قال: وأتَى خالدٌ دمشقَ فجمع له صاحِب بصرى، فسار إليه هو وأبو عُبيدة؛ فلقيَهم أدرنجا، فظفِر بهم، وهزمهم؛ فدخلوا حصنَهم؛ وطلبوا الصُّلْح، فصالحهم على كلّ رأس دينار في كلِّ عام وجريب حنطة. ثم رجع العدوُّ للمسلمين، فتوافَتْ جنود المسلمين والرُّوم بأجنادين، فالتقَوْا يوم السبت لليلتين بقِيَتا من جُمادى الأولى سنة ثلاث عشرة؛ فظهر المسلمون، وهزم الله المشركين، وقتل خليفة هِرَقل، واستشهد رجالٌ من المسلمين؛ ثم رجع هِرَقْل للمسلمين، فالتقوْا بالواقوصة فقاتلوهم؛ وقاتلهم العدوّ، وجاءتهم وفاة أبي بكر وهم مصافُّون وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب (١). (٣: ٤٠٦/ ٤٠٧ / ٤١٨/ ٤١٩). ٥٦ - كتب إليَّ السريّ عنِ شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظَفر بن دهي، ومحمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، والمهلَّب بن عقبة عن عبد الرحمن بن سِياه الأحمريّ، قالوا: كان أبو بكر قد وجَّه خالدَ بن سعيد بن العاصي إلى الشام حيث وجَّه خالد بن الوليد إلى العراق، وأوصاه بمثل الَّذي أوصى به خالدًا. وإن خالد بن سعيد سار حتى نزلَ على الشام ولم يقتحم؛ واستجلب النَّاس فعزَّ، فهابته الرُّوم، فأحجموا عنه، فلم يصبر على أمر أبي بكر ولكن تورّدها فاستطردت له الرُّوم، حتى أوردوه الصُّفَّر، ثم تعطَّفُوا عليه بعد ما أمِن؛ فوافقوا ابنَه سعيد بن خالد مستمطِرًا؛ فقتلوه هو ومَن معه، وأتى الخبرُ خالدًا، فخرج هاربًا؛ حتى يأتي البرّ، فينزل منزلًا، واجتمعت الرُّوم إلى اليَرْموك؛ فنزلوا به، وقالوا: والله لنشغلن أبا بكر في نفسه عن تورّد بلادنا بخيوله. وكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بالَّذي كان، فكتب أبو بكر إلى عمرو بن العاص - وكان في بلاد قُضاعة - بالسَّير إلى اليرموك، ففعل. وبعث أبا عبيدة بنالجراح ويزيد بن أبي سفيان، وأمر كلّ واحد منهما بالغارة، وألّا تُوغلوا حتى لا يكون وراءكم أحدٌ من عدوِّكم. وقدم عليه شُرَحبْيل بن حَسَنة بفتح من فتوح خالد، فسرّحه نحو الشام في جُنْد، وسمّى لكلّ رجل من أمراء الأجناد كورةً من كور الشام، فتوافوا باليَرْموك، فلمّا رأت الروم توافيَهم ندموا على الذي ظهر منهم، ونَسوا الذي كانوا يتوعّدون به أبا بكر، واهتموا وهمَّتهم أنفسهم، وأشْجَوْهم وشجوا بهم، ثم نزلوا الواقوصة. وقال أبو بكر: والله لأنْسِيَنّ الرُّوم وساوسَ الشيطان بخالد بن الوليد، فكتب إليه بهذا الكتاب الَّذي فوق هذا الحديث، وأمَره أن يستخلِف المثنَّى بن حارثة على العِراق في نصف الناس، فإذا فتح الله على المسلمين الشَّام، فارجعْ إلى عملك بالعراق. وبعث خالد بالأخماس إلّا ما نفّل منها مع عُمَير بن سعد الأنصاريّ وبمسيره إلى الشام. ودعا خالد الأدلَّة، فارتحل من الحيرة سائرًا إلى دُومة، ثم طعن في البرّ إلى قراقر، ثم قال: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم! فإني إن استقبلتها حبستني عن غِياث المسلمين، فكلّهم قال: لا نعرف إلا طريقًا لا يحمل الجيوش، يأخذه الفذّ الراكب، فإيَّاك أن تغرّر بالمسلمين. فعزم عليهم ولم يُجِبْه إلى ذلك إلّا رافع بن عُميرةَ على تهيُّبٍ شديد، فقام فيهم، فقال: لا يختلفنّ هَدْيُكم، ولا يضعفنّ يقينكم، واعلموا أنّ المعونة تأتي على قدر النيَّة، والأجر على قدر الحِسْبة؛ وإنّ المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له، فقالوا له: أنت رَجُلٌ قد جمع الله لك الخير، فشأنَك. فطابقوه ونووا واحتسبوا، واشتهوا مثلَ الذي اشتهى خالد، فأمرهم خالد، فتروَّوا للشَّفة لخمس، وأمر صاحب كلّ خيل بقدر ما يسقيها، فظمَّأ كل قائد من الإبل الشُّرُفِ الجِلال ما يكتفي به، ثم سَقْوها العَلَل بعد النَّهلِ؛ ثم صرُّوا آذان الإبل وكعموها، وخلَّوا أدبارها، ثم ركبوا من قراقر مفوّزين إلى سُوَى - وهي على جانبها الآخر ممَّا يلي الشام - فلما ساروا يومًا افتظّوا لكل عِدّة من الخيل عشرًا من تلك الإبل فمزجوا ما في كُروشها بما كان من الألبان، ثم سَقَوا الخيلَ، وشربوا للشفة جَرْعًا، ففعلوا ذلك أربعة أيام (١). (٣: ٤٠٨/ ٤٠٩).٥٧ - قال أبو جعفر الطبريّ: وشاركهم محمَّد وطلحة، قالوا: لما نزل بسُوَى وخشِيَ أن يفضحهم حرُّ الشمس؛ نادى خالد رافعًا: ما عندك؟ قال: خير، أدكتم الرِّيّ، وأنتم على الماء! وشجَّعهم وهو متحيّر أرمد، وقال: أيُّها النَّاس، انظروا عَلمَين كأنهما ثَدْيان. فأتوْا عليهما، وقالوا: عَلَمان، فقام عليهما فقال: اضربوا يمْنةً ويَسْرَةً - لعَوْسجة كقِعدة الرجل - فوجدوا جِذْمها، فقالوا: جذمٌ، ولا نرى شجرة، فقال: احتفروا حيث شئتمْ، فاستثاروا أو شالًا وأحساءً رَواءً، فقال رافع: أيّها الأمير، والله ما وردتُ هذا الماء منذ ثلاثين سنة، وما وردته إلّا مرّة وأنا غلام مع أبي. فاستعدُّوا ثم أغاروا والقوم لا يروْن أنّ جيشًا يقطع إليهم (١). (٣: ٤٠٩/ ٤١٠). ٥٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظفر بن دهي، قال: فأغار بنا خالد من سُوَى على مُصَيَّخ بَهْرَاءَ بالقُصْوانَى - ماء من المياه - فصبَّح المُصَيَّخ والنَّمِر؛ وإنهم لغارّون، وإن رفقة لتشرب في وجه الصُّبْح، وساقيهم يغنِّيهم، ويقول: ألا صبّحاني قَبْلَ جَيشِ أبي بكرِ فضُربت عنُقه، فاختلط دمُه بخمره (٢). (٣: ٤١٠). ٥٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد بإسناده الذي تقدّم ذكره، قال: ولمّا بلغ غسَّان خروج خالد على سُوى وانتسافها، وغارتُه على مصيَّخ بَهْراء وانتسافها، فاجتمعوا بمرْج راهط، وبلغ ذلك خالدًا، وقد خلّف ثُغور الرُّوم وجنودها ممَّا يلي العراق، فصار بينهم وبين اليرموك، صمد لهم؛ فخرج من سُوَى بعد ما رجع إليها بسبْي بَهْراء، فنزل الرُّمانَتين -عَلَمين على الطِريق- ثم نزل الكَثَب، حتى صار إلى دمشق، ثم مَرْج الصُّفَّر، فلقِيَ عليه غَسّان وعليهم الحارث بن الأيهَم، فانتسف عسكرهم وعيالاتِهم. ونزل بالمَرْج أيَّامًا، وبعث إلى أبي بكر بالأخماس مع بلال بن الحارث المُزَنيّ، ثم خرج من المرْج حتى ينزل قناة بُصْرَى؛ فكانت أوّلَ مدينة افتُتحت بالشام علىيديْ خالد فيمن معه من جُنُود العراق، وخرج منها، فوافَى المسلمين بالواقُوصة، فنازلهم بها في تسعة آلاف (١). (٣: ٤١٠/ ٤١١). ٦٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا: ولما رجع خالدٌ من حجِّه وافاه كتاب أبي بكر بالخُروج في شَطْر الناس، وأن يخلّف على الشَّطْر الباقي المثنَّى بن حارثة، وقال: لا تأخذنْ نجدًا إلّا خلَّفت له نجدًا، فإذا فتح الله عليكم فاردُدْهم إلى العراق، وأنت معهم، ثم أنت على عَمَلِك. وأحضر خالدٌ أصحابَ رسول الله ﷺ واستأثر بهم على المثنَّى، وترك للمثنَّى أعدادهم من أهل القناعة ممن لم يكن له صحبة، ثم نظر فيمن بقيَ، فاختلج مَن كان قدِم على النبيّ ﷺ وافدًا أو غير وافد، وترك للمثنَّى أعدادَهم من أهل القناعة، ثم قسَم الجند نصفين، فقال المثنّى: والله لا أقيم إلّا على إنفاذ أمر أبي بكر كلِّه في استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف، وبالله ما أرجو النَّصر إلّا بهم، فأنَّى تُعرِيني منهم! فلما رأى ذلك خالد بعد ما تلكَّأ عليه أعاضه منهم حتى رضيَ، وكان فيمن أعاضه منهم فُرات بن حيَّان العجليّ، وبَشِير بن الخَصَاصِيّة، والحارث بن حسّان الذُّهليَّان، ومعبَد بن أمّ معبد الأسلميّ، وعبد الله بن أبي أوفى الأسلميّ، والحارث بن بِلال المُزنيّ، وعاصم بن عمرو التميميّ؛ حتى إذا رضيَ المثنَّى وأخذ حاجَتَه؛ انجذب خالد فمضَى لوجهه وشيَّعه المثنَى إلى قُراقر، ثم رجع إلى الحيرة في المرحّم، فأقام في سلطانه، ووضع في المسلحة التي كان فيها على السَّيب أخاه، ومكان ضرار بن الخطاب عتبةَ بن النّهاس، ومكان ضرار بن الأزور مسعودًا أخاه الآخر، وسدّ أماكن كل مَن خرج من الأمراء برجالٍ أمثالهم من أهل الغَناء، ووضع مذعور بن عديّ في بعض تلك الأماكن، وأستقام أهل فارس - على رأس سنة من مقدَم خالد الحيرة، بعد خروج خالد بقليل؛ وذلك في سنة ثلاث عشرة - على شَهْرَبَراز بن أردشير بن شهريار ممّن يُناسب إلى كسرى، ثم إلى سابور. فوجَّه إلى المثنَّى جندًا عظيمًا عليهم هُرْمُز جاذوَيه في عشرة آلاف، ومعه فيل، وكتبت المسالح إلى المثنَّى بإقباله، فخرج المثنَّى من الحِيرة نحوه، وضمّ إليه المسالح، وجعل على مجنَّبَتَيه المُعَنَّى ومسعودًا ابنَي حارثة، وأقام له ببابل، وأقبلَ هُرمز جاذويه، وعلى مجنَّبَتيهالكوكبد والخرُكبْذ. وكتب إلى المثنَّى: من شهر براز إلى المثنَّى؛ إني قد بعثتُ إليك جندًا من وخش أهل فارس، إنما هم رُعاة الدّجاج والخنازير؛ ولست أقاتلك إلّا بهم. فأجابه المثنَّى: من المثنَّى إلى شهر براز؛ إنما أنتَ أحدُ رجلين: إما باغٍ فذلك شرٌّ لك وخيرٌ لنا، وإمَّا كاذب فأعظم الكذّابين عقوبةً وفضيحة عند الله في الناس الملوك. وأما الذي يدلّنا عليه الرأي؛ فإنَّكم إنما اضطررتم إليهم؛ فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدّجاج والخنازير. فجزع أهلُ فارس من كتابه، وقالوا: إنما أتِيَ شهربراز من شؤم مولده ولؤم مَنشئه - وكان يسكن ميسان - وبعض البلدان شَينٌ على مَنْ يسكنه. وقالوا له: جرّأت علينا عدوَّنا بالَّذي كتبت به إليهم؛ فإذا كاتبت أحدًا فاسْتَشِرْ. فالتقوْا ببابل، فاقتتلوا بعُدوة الصَّراة الدُّنيا على الطريق الأوّل قتالًا شديدًا. ثم إن المثنّى وناسًا من المسلمين اعتورُوا الفيل - وقد كان يفرّق بين الصفوف والكراديس - فأصابوا مقتَله، فقتلوه وهزموا أهلَ فارس، واتّبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى جازوا بهم مسالِحَهُمْ، فأقاموا فيها، وتتبَّع الطلب الفالَّة؛ حتى انتهوْا إلى المدائن؛ وفي ذلك يقول عَبْدة بن الطبيب السعديّ، وكان عَبْدة قد هاجَر لمهاجَرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل؛ فلما آيسته رجع إلى البادية، فقال: هل حَبْلُ خَولَة بَعْدَ البَيْن موصولُ ... أم أنت عنها بَعِيدُ الدارِ مشغولُ! وللأَحِبَّة أيّامٌ تَذكَّرُها ... وللنّوى قبل يوم البين تأويل حَلَّتْ خُوَيلةُ في حَيّ عَهِدتهُمُ ... دُونَ المَدائنِ فيها الدِّيكُ والفيلُ يُقارِعون رؤوَس العُجْم ضاحِيَةً ... مِنْهُم فوارِسُ لا عُزلٌ ولا مِيلُ القصيدة. وقال الفرزدق يعدّد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنّى وقَتْلَه الفيل: وبَيْتُ المُثنّى قاتِلِ الفيلِ عَنْوةً ... ببابلَ إذ في فارِسٍ مُلكُ بابِل ومات شهر براز منهزَمَ هرمز جاذويه. واختلف أهل فارس، وبقي ما دون دِجْلة وبُرْس من السَّواد في يدي المثنَّى والمسلمين.ثم إنّ أهل فارس اجتمعوا بعد شهر براز على دُخْت زَنان ابنة كسرى؛ فلم ينفذ لها أمرٌ فخُلعت. ومُلِّكَ سابور بن شهربراز. قالوا: ولما ملك سابور بن شهر براز قام بأمره الفَرُّخزاذ بن البِنْدَوان، فسأله أن يزوّجه آزَرْمِيدُخْت ابنة كِسْرى، ففعل، فغضبت من ذلك، وقالت: يا بن عَمّ! أتزوّجني عبدي؟ ! قال: استحْيِي من هذا الكلام ولا تعيديه عليّ، فإنَّه زوجُك، فبعثت إلى سِياوَخْش الرازيّ - وكان من فتَّاك الأعاجم - فشكَتْ إليه الَّذي تخاف، فقال لها: إن كنتِ كارهة لهذا فلا تعاودِيه فيه، وأرسلي إليه وقولي له: فليقل له فليأتك؛ فأنا أكفيكه. ففعلت وفعل؛ واستعدّ سياوَخْش، فلمَّا كان ليلة العُرْس أقبل الفرُّخزاذ حتى دخلَ، فثار به سياوَخْش فقتله ومَن معه، ثم نَهدَ بها معه إلى سابور، فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه، ومُلّكَتْ آزر ميدخت بنت كسرى، وتشاغلوا بذلك؛ وأبطأ خبر أبي بكر على المسلمين فخلّف المثنّى على المسلمين بشير بن الخصاصيَّة، ووضع مكانه في المسالح سعيدَ بن مُرّة العِجْلي؛ وخرج المثنَّى نحو أبي بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين، وليستأذنه في الاستعانة بمن قد ظهرت توبتُه وندمُه من أهل الرّدة مِمن يستطعمه الغزوَ، وليخبره أنه لم يخلّف أحدًا أنشط إلى قتال فارس وحربهما ومعونة المهاجرين منهم. فقدم المدينة وأبو بكر مريض، وقد كان مرض أبو بكر بعد مخرج خالد إلى الشام - مرضته التي مرض فيها - بأشهر، فقدم المثنَّى وقد أشفى، وعقد لعمر، فأخبره الخبر، فقال: عليّ بعمر، فجاء فقال له: اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إنِّي لأرجُو أن أموتَ من يومي هذا - وذلك يوم الإثنين - فإن أنا مِتّ فلا تمسينّ حتى تندُب الناس مع المثنَّى، وإن تأخِّرتُ إلى الليل فلا تُصْبحنّ حتى تندب الناس مع المثنَّى، ولا تشغلنَّكم مصيبة وإن عَظُمت عن أمر دينكم، ووصية ربِّكم، وقد رأيتُنِي متوفَّى رسولِ الله ﷺ وما صنعت، ولم يصَب الخلق بمثله؛ وبالله لو أنِّي أنِي عن أمر رسوله؛ لخذلَنا، ولعاقبَنا، فاضطرمت المدينة نارًا. وإن فتح الله على أمراء الشام؛ فاردُدْ أصحابَ خالد إلى العراق، فإنَّهم أهله وولاة أمره وحدّه وأهل الضّراوة منهم والجراءة عليهم. ومات أبو بكر ﵀ مع الليل، فدفنه عمرُ ليلًا، وصلى عليه في المسجد، وندب الناس مع المثنَّى بعد ما سُوِّيَ على أبي بكر، وقال عمر: كانأبو بكر قد عَلِم أنه يَسُوءني أنْ أؤمّر خالدًا على حرب العراق؛ حين أمرني بصرف أصحابي، وترَك ذكره. قال أبو جعفر: وإلى آزر ميدخت انتهى شأن أبي بكر، وأحدُ شِقَّي السَّواد في سلطانه، ثم مات وتشاغل أهلُ فارس بينهم عن إزالة المسلمين عن السَّواد، فيما بين ملك أبي بكر إلى قيام عمر ورجوع المثنَّى مع أبي عبيد إلى العراق، والجمهور من جُنْد أهل العراق بالحيرة، والمسالح بالسّيب، والغارات تنتهي بهم إلى شاطئ دِجْلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم. فهذا حديث العراق في إمارة أبي بكر من مبتدئه إلى منتهاه (١). (٣: ٤١١/ ٤١٢ / ٤١٣/ ٤١٤). ٦١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبَير، عن عُروة بن الزبير: أنَّه قال: كان على الرّوم رجل منهم يقال له: القُبُقْلار؛ وكان هِرَقل استخلفه على أمَرَاء الشام حين سار إلى القسطنطينيّة، وإليه انصرف تذَارق بمنْ معه من الروم. فأمّا علماء الشام فيزعُمون أنّما كان على الرّوم تَذارِق. والله أعلم (٢). (٣: ٤١٧). ٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة، قال: لما تدانَى العسكران بعث القُبُقْلار رجلًا عربيًّا - قال: فحدّثت: أنّ ذلكَ الرجل رجلٌ من قضاعة من تزيد بن حَيدَان، يقال له ابن هزارف - فقال: ادْخُل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يومًا وليلة، ثم ائتني بخبرهم. قال: فدخل في النَّاس رجلٌ عربي لا ينكَر؛ فأقام فيهم يومًا وليلة، ثم أتاه فقال له: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سَرق ابنُ ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رُجِم؛ لإقامة الحقّ فيهم. فقال له القبقلار: لئن كنتَ صدقتني لبَطنُ الأرض خيرٌ من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولودِدْتُ: أنّ حظّي من الله أن يخلَّى بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصُرهم عليّ. قال: ثم تزاحف النَّاس، فاقتتلوا، فلما رأى القُبُقْلار ما رأى من قتال المسلمين؛ قال للروم: لفُّوا رأسِي بثوب، قالوا له: لِمَ؟ قال: يوم البئيس، لا أحبّ أن أراه!ما رأيت في الدُّنيا يومًا أشدّ من هذا! قال: فاحتزَّ المسلمون رأسَه، وإنّه لملفَّف. وكانت [وقعة] أجنادين في سنة ثلاث عشرة لليلتين بقِيَتَا من جُمادى الأولى. وقتل يومئذ من المسلمين جماعةٌ؛ منهم سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبّار بن الأسود بن عبد الأسد، ونعيم بن عبد الله النحَّام، وهشام بن العاصي بن وائل، وجماعة أخَر من قُريش. قال: ولم يسمَّ لنا من الأنصار أحدٌ أصيب بها. وفيها تُوُفِّي أبو بكر لثمانِ ليالٍ بقينَ -أو سبع بقينَ- من جُمادى الآخرة (١). (٣: ٤١٧/ ٤١٨).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
Parsing and provenance details
Local passage ID
339426
Book record
shamela-145435
Source record
dedupe:330:916854
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
خبر اليرموك — shamela-145435 · Hadith Research Library