page 513, entry [232]Open original source
ثم دخلت السنة الثالثة من الهجرة خبر كعب بن الأشرف ١١٣ - كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث بن أبي بُرْدة بن أسير الظَّفْرِيّ، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، قال: كلٌّ قد حدثني بعض حديثه، قال: قال كعب بن الأشرف - وكان رجلًا من طيء، ثم أحد بني نَبْهان، وكانت أمّه من بني النَّضير، فقال حين بلغه الخبر: ويلكم أحَقٌّ هذا! أتروْن أنّ محمدًا قتل هؤلاء الَّذين يسمِّي هذان الرجلان -يعني زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة؟ وهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس. والله لئن كان محمَّد أصاب هؤلاء القوم لبَطنُ الأرضِ خيرٌ لنا من ظهرها. فلما تيقَّن عدوُّ الله الخبر، خرج حتَّى قدم مكَّة، فنزل على المطَّلب بن أبي وَدَاعة بن ضُبَيرة السَّهمي، وعنده عاتكة بنت أسَيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس، فأنزلَتْه وأكرمتْه، وجعل يحَرّض على رسول الله ﷺ، وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القَليب الذين أصيبوا ببدر من قريش. ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة، فشبَّبَ بأم الفضل بنت الحارث، فقال: أَرَاحِلٌ أنْتَ لم تَحْلُل بمَنقَبةٍ ... وتاركٌ أنت أُمَّ الفضل بالحَرَمِ! صفْرَاءُ رادعةٌ لو تُعْصَرُ انْعَصرت ... منْ ذي القوارير والحنَّاء والكَتم يرْتَجُّ ما بين كعبيها ومرْفقها ... إذا تأتّتْ قيامًا ثم لم تَقُم أشباهُ أُمَّ حكيمٍ إذْ تُوَاصِلُنا ... والحبْلُ منها مَتين غيرُ مُنْجَذمِ إحْدَى بنِي عامرٍ جُنَّ الفُؤادُ بها ... ولو تَشاء شَفتْ كعبًا من الشَّقمِ فرعُ النَّساءِ وفرعُ القومِ والدُها ... أهلُ التَّحِلَّةِ والإيفاءِ بالذِّمَم لم أرَ شمسًا بليلٍ قبلها طَلَعتْ ... حتى تجَلّتْ لنا في ليلةِ الظُّلَم ثم شَبَّبَ بنساء من نساء المسلمين حتى آذاهم؛ فقال النبيّ ﷺ كما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن المغيث بن أبي بُرْدة: مَنْ لي من ابن الأشرف! قال: فقال محمد بن مسلمة، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رَسولَ الله، أنا أقتله. قال: فافْعَل إن قَدَرْت على ذلك، فرجع محمَّد بن مسلمة، فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب. إلّا ما يعلّقُ [به] نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فدعاه فقال له: لِمَ تركتَ الطعام والشراب؟ قال: يا رسول الله، قلت قولًا لا أدري أفِي به أم لا! قال: إنما عليك الجَهْد، قال: يا رسول الله، إنه لابُدَّ لنا من أن نقول. قال: قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلّ من ذلك! قال: فاجتمع في قتله محمَّد بن مسلمة وسِلْكَان بن سلامة بن وَقْش - وهو أبو نائلة أحدُ بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب من الرّضاعة - وعَبَّادُ بن بشر بن وقْش، أحد بني عبد الأشْهَل، والحارث بن أوس بن مُعاذ، أحد بني عبد الأشهل، وأبو عَبْس بن جَبْر، أخو بني حارثة. ثم قَدَّموا إلى ابن الأشرف قبل أنيأتوه سِلْكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدَّث معه ساعة، وتناشدا شعرًا -وكان أبو نائلة يقول الشعر- ثم قال: ويحك يا بن الأشرف! إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتُم عليّ، قال: أفعل، قال: كان قدوم هذا الرّجل بلاءً [علينا] عادَتْنا العرب ورَموْنا عن قوسٍ واحدة، وقطعَتْ عنا السُّبُلُ حتى ضاع العِيَال، وجُهِدَتِ الأنفس، وأصبحنا قد جُهدنا وجُهد عيالُنا! فقال كعب: أنا ابن الأشرف، أما والله لقد كنتُ أخبرتك يا بنَ سلامة أنّ الأمْرَ سيصير إلى ما كنت أقول، فقال سلْكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعامًا ونَرْهَنك ونُوثق ذلك، وتُحْسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم! فقال: لقد أردت أن تفضَحنَا! إن معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيَك بهم فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحَلْقَةِ ما فيه لك وفاء - وأراد سِلْكان ألّا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها - فقال: إنّ في الحلقة لوفاء، قال: فرجع سِلْكان إلى أصحابه، فأخبرهم خبَره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح فينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله ﷺ (١) (٢: ٤٨٧/ ٤٨٨ / ٤٨٩). ١١٣ / أ - حدَّثنا عليُّ بن عبد الله حدَّثنا سفيانُ قال عمروٌ: سمعتُ جابرَ بن عبد الله ﵄ يقول: "قال رسول الله ﷺ: منْ لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله. فقام محمدُ بن مَسْلمة فقال: يا رسول الله، أتحِبُّ أنْ أقتُلَه؟ قال: نعم. قال: فائْذَنْ لي أن أقولَ شيئًا. قال: قل: فأتاهُ محمدُ بن مسلمةَ فقال: إنَّ هذا الرجلَ قد سألنا صدَقةً، وإنه قد عَنّانا، وإني قد أتيتُك أستسلِفُك قال: وأيضًا والله لتملنَّه. قال: إنا قد اتبَعْناهُ، فلا نحِبُّ أن نَدَعَهُ حتى ننظرَ إلى أيِّ شيءٍ يصيرُ شأنه، وقد أردْنا أن تُسلِفَنا وَسْقًا أو وَسْقَين - وحدَّثنا عمرو غيرَ مرة فلم يذكر "وسقًا أو وَسقين" أو فقلت له: فيه "وسقًا أو وسقين"؟ فقال: أرى فيه "وسقًا أو وسقين"- فقال: نعم. ارهَنُوني. قالوا: أيُّ شيء تريد؟ قال: ارْهَنُوني نساءَكم. قالوا: كيف نَرهَنُكَ نساءنا وأنتَ أجملُ العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قالوا: كيف نَرْهَنُكَ أبناءنا فيُسَبُّ أحُدهم فيقال: رُهِنَ بوَسْق أو وسقَين، هذا عارٌ علينا، ولكنّا نرهَنكَ اللأمَةَ. قال سفيان: يعني السلاحَ. فواعَدَهَ أنيأتيه، فجاءهُ ليلًا ومعه أبو نائلةً - وهو أخو كعب من الرَّضاعة - فدَعاهم إلى الحِصْنِ، فَنزَلَ إليهم. فقالت له امرأتهُ: أينَ تخرُج هذه الساعة؟ فقال: إنما هو محمدُ بن مَسْلمةَ وأخي أبو نائلة. وقال غيرُ عمروٍ: قالت أسمعُ صوتًا كأنهُ يَقْطُرُ منه الدَّمُ. قال: إنما هو أخي محمدُ بن مَسلمة ورضيعي أبو نائلة. إن الكريمَ لو دُعِي إِلى طَعْنةٍ بليلٍ لأجاب. قال: ويُدْخِلُ محمدُ بن مَسلمةَ معهُ رجلَين - قيل لسفيان: سماهم عمروٌ؟ قال: سَمى بعضَهم. قال عمروٌ: جاء معه برجلَين، وقال غيرُ عمرو: أبو عَبسِ بن جَبر والحارثُ بن أولسٍ وعبّاد بن بشر- قال عمرو جاء معه برجلين فقال: إذا ما جاء فإني قائلٌ بشَعَرِه فأَشُمُّه، فإذا رأيتموني استمكَنْتُ مِنْ رِأسِه فدونكم فاضربوه. وقال مرَّةً: ثم أُشِمُّكم. فنزَلَ إليهم مُتوشِّحًا وهو يَنْفحُ منه رِيحُ الطِّيبِ فقال: ما رأيتُ كاليوم ريحًا -أي أطيبَ- وقال غيرُ عمرو: قال عندي أعْطرُ نساءِ العرب وأكملُ العرب. قال عمرو فقال: أتأذنُ لي أَنْ أَشُمَّ رأسَك؟ قال: نعم. فَشَمَّهُ، ثم أشَمَّ أصحابَه ثم قال: أتأذنُ لي؟ قال: نعم. فلما اسْتَمْكَنَ منهُ قال: دُونكم. فقَتلوه. ثُمَّ أتَوُا النبيَّ ﷺ فأخبروه" (١). ١١٤ - حدَّثنا ابنُ حميد قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمَّد بن إسحاق قال: فحدّثني ثَوْر بن زيد الدّيليّ، عن عِكْرمة مولى ابن عبّاس، عن ابن عباس، قال: مشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغَرْقَد، ثم وجَّههم وقال: انطلقوا على اسم الله، اللَّهمَّ أعِنْهم. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته في ليلة مُقْمِرة، فأقبلوا حتى انتهوْا إلى حصنه، فهَتَفَ به أبو نائلة -وكان حديثَ عهد بعُرْس- فوثب في مِلْحَفتِهِ؛ فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ مُحاربٌ؛ وإنّ صاحبَ الحرب لا ينزِل في مثل هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة" لو وجدني نائمًا لما أيقظنِي، قالت: والله إني لأعرِف في صوته السرّ. قال: يقول لها كعب: لو دُعِيَ الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدَّث معهم ساعة، وتحدّثوا معه، ثم قالوا له: هل لك يا بن الأشرف، أن نتماشى إلى شِعْب العجوز فنتحدّث به بقية ليلتنا هذه! قال: إنْ شئتم! فخرجوا يتماشوْن، فمشوْا ساعة. ثم إنّ أبا نائلة شام يدَه في فَوْدِرأسه، ثم شمّ يدَه، فقال: ما رأيتُ كاللَّيلة طيبًا أعطَرَ قطّ. ثم مَشى ساعة ثم عاد لمثلها، حتى اطمأنّ ثمّ مشى ساعة، فعاد لمثلها، فأخذ بفودَي رأسه، ثم قال: اضربوا عدوّ الله؛ فاختلَفتْ عليه أسيافهم، فلم تُغْنِ شيئًا. قال محمَّد بن مسلمة: فذكرت مغْوَلًا في سيفي حين رأيتُ أسيافنا لا تغني شيئًا، فأخذته، ؤقد صاح عدوُّ الله صيحة لم يبق حولَنا حِصنٌ إلّا أوقدت عليه نار. قال: فوضعته في ثُنْدوته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانَتَه، ووقع عدوُّ الله، وقد أصيب الحارث بن أوْس بن معاذ بجُرْح في رأسه أو رجله، أصابه بعضُ أسيافنا. قال: فخرجنا حتى سلكْنا علي بني أميَّة بن زيد، ثم علي بني قرَيظة، ثم على بُعاث حتى أسْنَدْنا في حرّة العُرَيض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزَفه الدّمُ، فوقفْنَا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا. قال: فاحتملناه فجئنا به رسول الله ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلّي، فسلَّمنَا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقتل عدوّ الله، وتفل على جُرْح صاحبنا، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدوِّ الله، فليس بها يهوديّ إلّا وهو يخاف على نفسه (١). (٢: ٤٩٠/ ٤٩١).