page 405, entry [212]Open original source
ذكر الخبر عمّا كان من أَمر نبيِّ الله ﷺ عند ابتداء الله تعالى ذكره إيّاه بِإكرامه بِإرسال جبريل ﵇ إِليه بوحيه ٨ - قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ بعضَ الأخبار الواردة عن أوّل وقت مجيء جبريل نبينا محمّدًا ﷺ بالوحْي من الله، وكم كان سنّ النبيّ ﷺ يومئذ؛ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير إليه، وظهوره له بتنزيل ربّه. فحدّثني أحمد بن عثمان المعروف بأبي الجوزاء، قال: حدَّثنا وهب بن جرير، قال: حدَّثنا أبي، قال: سمعتُ النُّعمان بن راشد، يحدّث عن الزّهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة أنها قالت: كان أوّل ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من الوَحْي الرؤيا الصادقة، كانت تجيء مثلَ فَلَق الصبْح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان بغار حراء يتحنَّث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله، فيتزوّد لمثلها؛ حتى فجأه الحقّ، فأتاه، فقال: يا محمّد، أنتَ رسول الله! قال رسول الله ﷺ: فجثوْتُ لركبتي وأنا قائم، ثمّ زحفتُ ترجُفُ بوادِرِي، ثمّ دخلت على خديجة، فقلت: زمّلوني، زمّلوني! حتى ذهب عني الرَّوْع، ثم أتاني فقال: يا محمّد، أنت رسولُ الله. قال: فلقد هممت أن أطرَح نفسي من حَالِتي من جبل، فتبدَّى لي حين همصت بذلك، فقال: يا محمّد، أنا جبريل، وأنت رسول الله. ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ؟ قال: فأخذني فغطَّني ثلاث مرات، حتى بلغ منّي الجهد، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقرأتُ. فأتيتُ خديجة. فقلت: لقد أشفقتُ على نفسي، فأخبرتها خبرِي، فقالت: أبشِرْ، فوالله لا يُخزِيكَ الله أبدًا؛ ووالله إنّك لتَصِلُ الرَّحم، وتصدقُ الحديث، وتؤدّي الأمانة، وتحملُ الكَلَّ وتَقْرِي الضّيف، وتُعين على نوائب الحقّ، ثم انطلقتْ بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك، فسألني فأخبرته خبري، فقال: هذا الناموسُ الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جَذَعٌ! ليتني أكون حيًّا حينَ يخرجُك قومُك! قلت: أمُخْرِجيَّ هم؟ قال: نعم؛ إنه لم يجئ رجُلٌ قطُّ بما جئتَ به إلّا عُودِيَ، ولئن أدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزّرًا (١)."ثم كان أول ما نزل علي من القرآن بعد "اقرأ" ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، و ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ " (٢: ٢٩٨/ ٢٩٩). ٩ - حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حَدّثني عُرْوة، أنّ عائشة أخبرته. ثم ذكر نحوه؛ غير أنه لم يَقُلْ: "ثم كان أوّل ما أنزل عليّ من القرآن" (١). إلى آخره. (٢: ٢٩٩). ١٠ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني وهب بن كَيسان مولى آل الزُّبَيْر، قال: سمعتُ عبدَ الله بن الزُّبير، وهو يقول لعُبيد بن عمير بن قَتَادة الليثيّ: حدِّثنا يا عُبَيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوّة حين جاء جبريل ﵇؟ فقال عُبيد -وأنا حاضر يحدّث عبد الله بن الزُّبير ومَنْ عنده من النّاس-: كان رسول الله ﷺ في حراء من كلِّ سنة شهرًا، وكان ذلك مما تحنّثُ به قريش في الجاهلية -والتحنث: التبرّر- وقال أبو طالب: "وَرَاقٍ لِيَرْقى في حِرَاءَ ونَازِل" فكان رسول الله ﷺ يجاورُ ذلك الشهر من كلّ سنة، يطعم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قَضَى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذلك، كان أوّل ما يبدأ به -إذا انصرف من جواره- الكعبة قبل أن يدخُل بيته، فيطوف بها سبعًا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله ﷿ فيهما أراد من كرامته، من السّنة التي بعثه فيها، وذلك في شهر رمضان، خرج رسول الله ﷺ إلى حِرَاء -كما كان يخرج لجواره- معه أهله؛ حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله ﷺ: فجاءني وأنا نائم بنَمَطٍ من ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟ فغتّني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ؟ وما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي؛ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرفَ عنّي وهببْت من نومي؛ وكأنّما كتب في قلبي كتابًا. قال: ولم يكن من خَلْق الله أحدٌ أبغضَ إليّ من شاعر أو مجنون؛ كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت إنّ الأبْعَدَ -يعني نفسه- لشَاعر أو مجنون، لا تحدّث بها عنّي قريش أبدًا! لأعمدنّ إلى حَالِقٍ من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنّها فلأستريحنّ. قال: فخرجت أريد ذلك؛ حتى إذا كنت في وسط من الجبل؛ سمعت صوتًا من السماء يقول: يا محمّد، أنتَ رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعتُ رأسي إلى السّماء؛ فإذا جبْرئيلُ في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمّد، أنت رسول الله وأنا جبرئيل. قال: فوقفت أنظرُ إليه، وشغلني ذلك عمّا أردت؛ فما أتقدّم وما أتأخّر، وجعلت أصرفُ وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلتُ واقفًا ما أتقدّم أمامي، ولا أرجع ورائي؛ حتى بعثتْ خديجة رسلَها في طلبي؛ حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعًا إلى أهلي؛ حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذِها مُضيفًا فقالت: يا أبا القاسم؛ أين كنت؟ فوالله لقد بعثتُ رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ. قال: قلت لها: إنَّ الأبْعَدَ لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم! ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منكَ من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك! وما ذاك يا بن عمّ! لعلّك رأيت شيئًا؟ قال: فقلت لها: نعم. ثمّ حدّثتُها بالذي رأيت؛ فقالت: أبشرْ يابن عمّ واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبيّ هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها،ثم انطلقتْ إلى ورقة بن نوفل بن أسد - وهو ابن عمّها، وكان ورقة قد تنصّر وقرأ الكتب، وسمع من أهلِ التوراة والإنجيل- فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قُدُّوس، قُدُّوس! والذي نفس ورَقَة بيده، لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه النّاموس الأكبر -يعني بالنّاموس جبْرئيل ﵇ الذي كان يأتي موسى- وإنه لنبيّ هذه الأمّة، فقولي له فليثبُتْ. فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته بقول ورقة، فسهَّل ذلك عليه بعضَ ما هو فيه من الهمّ، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره، وانصرف صنع كما كان يصنع؛ وبدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيَه ورقة بن نوفل، وهو يطوفُ بالبيت، فقال: يابن أخي، أخبِرْني بما رأيت أو سمعت، فأخبره رسول الله ﷺ، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبيّ هذه الأمّة، ولقد جاءك النّاموس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتُكذبنَّهْ ولتؤذينَّهْ، وَلتُخرَجنَّهْ، ولتقاتلنّهْ؛ ولئن أنا أدركتُ ذلك لأنصرنّ الله نصرًا يعلمُه. ثم أدنى رأسَه فقبّل يافُوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ، إلى منزله (١). (٢: ٣٠٠/ ٣٠١ / ٣٠٢). ١١ - حدثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حَدّثنا عليّ بن المبارك، عن يحيى -يعني ابن أبي كثير- قال: سألتُ أبا سلمة: أيّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾! فقال أبو سلمَة: سألتُ جابرَ بن عبد الله: أيُّ القرآن أنزِل أوّل؟ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، فقال: لا أخبرك إلّا ما حدَّثنا النبيّ ﷺ، قال: جاورتُ في حِرَاء، فلما قضيتُ جِواري، هبطتُ فاستبطنت الوادي، فنوديتُ، فنظرتُ عن يميني وعن شمالي، وخلْفي وقُدّامي، فلم أرَ شيئًا، فنظرتُ فوقَ رأسي، فإذا هو جالسٌ عَلَى عرشٍ بين السّماء والأرض، فخشيتُ منه - قالابن المثنّى: هكذا قال عثمان بن عمر، وإنما هو "فجُئثت منه" (١) فلقيتُ خديجة، فقلت: دَثِّروني، فدَثّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، وأنزل عليّ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (٢: ٣٠٣ - ٣٠٤). ١٢ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا وكيع عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كَثير، قال: سألتُ أبا سلَمة عن أوّلِ ما نزل من القرآن، قال: نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أوّل، قال: قلت: إنّهم يقولُون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ خَلَقَ﴾، فقال: سألت جابر بن عبد الله، فقال: لا أحدّثك إلا ما حدَّثنا رسول الله ﷺ، قال: جاورتُ بحراء، فلمَا قضيت جواري، هبطت فسمعت صوتًا، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئًا وعن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئًا، ونظرت خَلْفي فلم أرَ شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دَثِّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً، قال: فدثَّرُوني وصبُّوا عليَّ ماء باردًا، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٢). (٢: ٣٠٤). ١٣ - حدّثني أحمد بن محمد بن حبيب الطّوسي، قال: حدَّثنا أبو داود الطيالسيّ، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القُرشيّ، قال: أخبرني عمر بن عروة بن الزبير، قال: سمعتُ عروة بن الزبير يحدِّث عن أبي ذَرّ الغِفَاريّقال: قلتُ: يا رسولَ الله، كيف علمتَ أنك نبيّ أوّل ما علمت، حتى علمت ذلك واستيقنت؟ قال: يا أبا ذَرّ، أتاني مَلَكان وأنا ببعض بطْحَاء مكة، فوقع أحدُهما في الأرض والآخر بين السّماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنْه برجُل، فوُزِنْت برجل فرجحتُه، ثم قال: زِنْه بعشرة، فوزنني بعشرة فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة، فوزنني بمئة فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف، فوزنني بألف فرجحتهم، فجعلوا ينتثرون على كفّة الميزان، قال: فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمّته رَجَحها، ثم قال أحدهُما لصاحبه: شُقَّ بطنَه فشقّ بطنِي، ثم قال أحدهما: أخرج قلبَه -أو قال: شقَّ قلبَه- فشقّ قلبي، فأخرج منه مغْمَز الشيطان وعلَقَ الدّم، فطرحها، ثم قال أحدهما للآخر: اغسِلْ بطنه غَسْل الإناء، واغسلْ قلبه غسْل الإناء -أو اغسِلْ قلبه غسل المُلاءة- ثم دعا بالسَّكينة، كأنّها وجه هِرَّة بيضاء فأدخِلَتْ قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خِطْ بطنَه، فخاطا بطنِي، وجعلا الخاتم بين كتِفيّ، فما هو إلا أن ولَّيا عنّي فكأنّما أعاين الأمرَ معاينة (١). (٢: ٣٠٤/ ٣٠٥).١٤ - حدَّثنا محمّد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا ابن ثَوْر، عن معمَر، عن الزّهريّ، قال: فَتَر الوحيُ عن رسول الله ﷺ فترةً، فحزن حزنًا شديدًا، جعل يغدو إلى رؤوس شواهق الجبال ليتردّى منها، فكلّما أوْفى بذرْوَة جَبل تبدّى له جبْرئيل، فيقول: إنك نبي الله؛ فيسكن لذلك جأشُهُ، وترجع إليه نفسه، فكان النبي ﷺ يحدّث عن ذلك، قال: بينا أنا أمشي يومًا، إذ رأيتُ الملَك الذي كان يأتيني بحراءٍ، على كرسيّ بين السّماء والأرض، فجُئثتُ منه رعبًا، فرجعت إلى خديجة، فقلت: زمِّلوني، فزمّلناه -أي دثّرناه، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال الزهري: فكان أوّل شيء أنزِل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) (٢: ٣٠٥/ ٣٠٦). ١٥ - حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهْب، قال: أخبرَني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرّحمن، أنّ جابر بنَ عبد الله الأنصاريّ، قال: قال رسول الله ﷺ وهو يحدّث عن فَتْرة الوحي: بينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السّماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسًا على كرسيّ بين السّماء والأرض. قال رسول الله ﷺ: فجُئثت منه فَرَقًا، وجئت فقلت: زمّلوني، زمّلوني! فدثّروني، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَاالْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾، قال: ثم تتابع الوحي (١). (٢: ٣٠٦). ١٦ - قال أبو جعفر: فلما أمرَ الله ﷿ نبيه محمّدًا ﷺ أن يقوم بإنذار قومه عقابَ الله على ما كانوا عليه مقيمين من كفرهم بربّهم وعبادتهم الآلهة والأصنام دون الذي خلقهم ورزقهم؛ وأن يحدّث بنعمة ربه عليه بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، وذلك -فيما زعم ابن إسحاق- النبوّة. حدثنا ابنُ حُميَد، قال: حدثنا سلمَة، عن ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، أي ما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوّة فحدّث؛ اذكرها وادعُ إليها. قال: فجعلَ رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله عليه وعلى العباد به من النبوّة سرًّا إلى مَنْ يطمئنّ إليه من أهله؛ فكان أوّل مَنْ صدّقه وآمن به واتّبعه من خلْق الله -فيما ذكر- زوجته خديجة رحمها الله (٢). (٢: ٣٠٦/ ٣٠٧). ١٧ - حدّثني الحارث، قال: حدَّثنا ابنُ سعد، قال: قال الواقدي: أصحابُنَا مجمعون على أنّ أوّلَ أهل القبلة استجاب لرسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد رحمها الله (٣). (٢: ٣٠٧).قال أبو جعفر: ثم اختلف السَّلف فيمن اتّبع رسول الله ﷺ وآمن به وصدّقه على ما جاء به من عندِ الله من الحقّ بعد زوجته خديجة بنت خويلد، وصلّى معه. فقال بعضهم: كان أوّل ذَكَرٍ آمن برسول الله ﷺ وصلّى معه وصدّقه بما جاءه من عند الله عليّ بن أبي طالب ﵇. ذكر بعض من قال ذلك ممن حضرنا ذكره ١٨ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا إبراهيم بن المختار، عن شعبة، عن أبي بلَج، عن عمرو بن ميمون، عن ابن عباس، قال: أوّل مَنْ صلّى عليّ (١). (٢: ٣٠٩/ ٣١٠). ١٩ - حدَّثنا زكريّاء بن يحيى الضّرير، قال: حدثنا عبد الحميد بن بحر، قال: أخبرنا شريك عن عبد الله بن محمّد بن عَقيل، عن جابر، قال: بُعث النبيّ ﷺ يوم الإثنين، وصلّى عليّ يوم الثلاثاء (٢). (٢: ٣١٠).٢٠ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حمزة، عن زيد بن أرْقم، قال: أوّل مَنْ أسلمَ مع رسول الله ﷺ عليٌّ بن أبي طالب. قال: فذكرتُهُ للنَّخَعِيّ، فأنكره، وقال: أبو بكر أوّلُ مَنْ أسلم (١). (٢: ٣١٠). ٢١ - حدَّثنا أبو كُريب قال: حدَّثنا وكيع، عن شُعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حَمْزة مولى الأنصار، عن زيد بن أرقم، قال: أوّلُ مَنْ أسلم مع رسول الله ﷺ عليٌّ بن أبي طالب ﵇ (٢). (٢: ٣١٠). ٢٢ - حدثنا أبو كريب، قال: حدَّثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سمعت أبا حمزة (رجلًا من الأنصار)، يقول: سمعت زيد بن أرقم، يقول: أوّلُ رجل صلّى مع رسول الله ﷺ عليٌّ ﵇ (٣). (٣١٠: ٢). ٢٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، قال: كان مِنْ نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، وما صنعَ الله له وأراده به من الخير، أنّ قريشًا أصابتْهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيالٍ كثير؛ فقال رسول الله ﷺ للعبّاس عَمّه - وكان من أيسَرِ بني هاشم: يا عبّاس؛ إنّ أخاك أبا طالب كثيرُ العيال، وقد أصاب النّاس ما تَرى من هذه الأزْمة، فانطلِقْ بنا فلنخفِّف عنه من عياله؛ آخذ من بنيه رجلًا، وتأخذ من بنيه رجلًا، فنكفّهما عنه. قال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: إنّا نريد أن نخفّفعنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عَقيلًا فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله ﷺ عليًّا فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفرًا فضمّه إليه، فلم يزل عليّ بن أبي طالب مع رسول الله ﷺ حتى بعثَه الله نبيًّا، فاتّبعه عليّ فآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه (١). (٢: ٣١٣). ٢٤ - حدثني ابنُ عبد الرحيم البَرْقيّ، قال: حدَّثنا عمرو بن أبي سَلمة، قال: حدَّثنا صدقَة، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن ابن عائذ، عن جبير بن نفير، قال: كان أبو ذرّ وابن عَبَسة كلاهما يقول: لقد رأيتُني رُبْع الإسلام، ولم يُسْلِم قَبْلِي إلا النبيّ وأبو بكر وبلال، كلاهما لا يدري متَى أسلم الآخر (٢). (٢: ٣١٥).٢٥ - حدَّثنا أبو كُريَب، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: قال إبراهيم النَّخعيّ: أبو بكر أوّل مَنْ أَسلم (١). (٢: ٣١٥). ٢٦ - وأما ابن إسحاق، فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه: ثم أسلمَ زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ فكان أوّل ذَكَرٍ أسلم، وصلّى بعد علي بن أبي طالب، ثم أسلم أبو بكر بن أبي قُحافة الصدّيق، فلما أسلم أظهر إسلامَه، ودعا إلى الله ﷿ وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلًا مألفًا لقومه، محببًا سهلًا، وكان أنسَب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير أو شرّ، وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلق ومعروفٍ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه وتجاربِهِ وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام مَنْ وثِق به من قومِه ممّن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه -فيما بلغني-: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له، فأسلموا وصلَّوْا، فكان هؤلاء الثمانية، النّفر الذين سبقوا إلى الإسلام، فصلَّوْا وصدّقُوا برسول الله ﷺ وآمنوا بما جاء به من عند الله؛ ثم تتابع الناسُ في الدخول في الإسلام؛ الرجال منهم والنساء؛ حتى فشا ذِكْرُ الإسلام بمكّة وتحدّث به الناس (٢). (٢: ٣١٦/ ٣١٧).٢٧ - ثم إنّ الله ﷿ أمر نبيّه محمّدًا ﷺ بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدِع بما جاءه منه، وأن يبادِيَ الناسَ بأمره، ويدعوَ إليه، فقال له: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وكان قبل ذلك - في السّنين الثلاث من مبعثه؛ إلى أن أمر بإظهار الدّعاء إلى الله - مستسرًّا مخفيًا أمره ﷺ، وأنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قال: وكان أصحابُ رسول الله ﷺ إذا صلَّوْا ذهبوا إلى الشِّعاب، فاستخفوْا من قومهم؛ فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب النبي ﷺ في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلُّون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون؛ حتى قاتلوهم، فاقتتلوا، فضرب سعد بن أبي وقّاص يومئذ رجلًا من المشركين بلَحْيِ جملٍ فشجّه، فكان أوّلَ دم أهَرِيق في الإسلام. فحدّثنا أبو كُرَيب وأبو السائب، قالا: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سَعيد بن جُبير، عن ابن عبّاس، قال: صعِد رسول الله ﷺ ذات يوم الصَّفَا، فقال: يا صَبَاحاه! فاجتمعتْ إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ قال: أرأيتكم إنْ أخبرتكم أنّ العدوّ مصبّحكم أو ممسِّيكم، أما كنتم تصدّقونني؟ ! قالوا: بَلى؟ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا دعوتنا -أو جمعتنا! فأنزل الله ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (١) إلى آخر السورة. (٢: ٣١٨/ ٣١٩). ٢٨ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْعَشِيَرتَكَ الأقَرَبِينَ﴾، خرج رسول الله ﷺ حتى صعِد الصّفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمّد، فقال: يا بني فلان، يا بني عبد المطَلب، يا بني عبد مناف! فاجتمعوا إليه، فقال: أرأيتكم لو أخبرتُكم أنّ خيلًا تخرج بسفْح هذا الجَبَل، أكنتم مصَدِّقيَّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد. فقال أبو لهب: تبًّا لك! ما جمعتنا إلّا لهذا! ثم قام، فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة (١). (٣١٩: ٢). ٢٩ - فحدّثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلمة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: لما نزلتْ هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله ﷺ بالأبطحِ، ثم قال: يا بني عبد المطّلب، يا بني عند مناف، يا بني قصيّ - قال: ثم فخَذ قريشًا قبيلة قبيلة، حتى مرّ على آخرهم - إني أدعوكم إلى الله وأنذركم عذابه (٢). (٣٢٢: ٢).٣٠ - حدَّثنا علي بن نصر بن علي الجهضميّ، وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث -قال علي بن نصر: حدَّثنا عبدُ الصّمد بن عبد الوارث، وقال عبدُ الوارث: حدّثني أبي- قال: حدَّثنا أبان العطّار، قال: حدَّثنا هشام بن عُروة، عن عُروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنّه -يعني رسول الله ﷺ لمّا دعا قومه لمَا بعثه الله من الهُدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعُدوا منه أوّل ما دعاهم، وكادوا يسمعون له؛ حتى ذكر طواغيتَهم. وقدم ناس من الطائف من قُريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدُّوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم]، وأغرَوْا به مَنْ أطاعهم، فانصفق عنه عامّةُ الناس، فتركوه إلّا من حفظه الله منهم؛ وهم قليل؛ فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتِنوا مَنْ تبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على مَن اتَّبع رسول الله ﷺ من أهل الإسلام؛ فافتتن مَن افتتن، وعَصَم الله منهم مَنْ شاء؛ فلمّا فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجُوا إلى أرض الحبَشة - وكان بالحبشة مَلِكٌ صالح يقال له النجاشيّ، لا يُظلَم أحدٌ بأرضه، وكان يُثْنَى عليه مع ذلك صلاح، وكانت أرض الحبشة مَتْجرًا لقريش يتّجرون فيها، يجدون فيها رَفاغًا من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا - فأمرهم بها رسول الله ﷺ، فذهب إليها عامّتهم لما قهِروا بمكّة، وخافعليهم الفتن، ومكث هو فلم يبْرح، فمكث بذلك سنوات؛ يشتدّون على مَنْ أسلم منهم. ثم إنه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم (١). (٢: ٣٢٩/ ٣٢٨). قال أبو جعفر: فاختُلف في عدد مَنْ خَرَج إلى أرض الحبَشة، وهاجر إليها هذه الهجرة، وهي الهجْرة الأولى. فقال بعضهم: كانوا أحدَ عشرَ رجلًا وأرْبَعَ نسوة (٢). (٢: ٣٢٩).. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .