page 162, entry [198]Open original source
١٧٧ - خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب (٢). المعروف بالجندي ضياء الدين أبو المودة الإمام العلامة العالم العاملالقدوة الحجة الفهامة، حامل لواء المذهب بزمانه بمصر، ذكره ابن فرحون في الأصل وقال: إنه من أجناد الحلقة المنصورة يلبس زيهم متقشفًا منقبضًا عن أهل الدنيا، جامع بين العلم والعمل مقبلًا على نشر العلم والعمل، حضرت بالقاهرة مجلس إقرائه الفقه والحديث والعربية، كان صدرًا في علماء القاهرة مجمعًا على فضله وديانته أستاذًا ممتعًا من أهل التحقيق، ثاقب الذهن أصيل البحث مشاركًا في فنون من فقه وعربية وفرائض فاضلًا في مذهبه، صحيح النقل نفع اللَّه به المسلمين. ألّف شرح ابن الحاجب شرحًا حسنًا وضع اللَّه عليه القبول وعكف الناس على تحصيله، ومختصرًا في المذهب بيّن فيه المشهور مجردًا عن خلاف، فيه فروع كثيرة جدًا مع الإيجاز البليغ، أقبل عليه الطلبة ودرسوه، وكانت مقاصده جميلة، حج وجاور وله منسك وتقاييد مفيدة -اهـ- ملخصًا. قال ابن حجر في الدرر الكامنة: سمع من ابن عبد الهادي، وقرأ على الرشيدي في العربية والأصول وعلى الشيخ المنوفي في فقه المالكية وشرح في الاشتغال بعد شيخه وتخرج به جماعة، ثم درس بالشيخونية وأفتى وأفاد، ولم يغير زي الجند، وكان صينًا عفيفًا نزيهًا، شرح ابن الحاجب في ست مجلدات انتقاه من ابن عبد السلام وزاد فيه عزو الأقوال وإيضاح ما فيه من الأشكال، وله مختصر في الفقه نسج فيه على منوال الحاوي، وجمع ترجمة لشيخه المنوفي تدل على معرفته بالأصول، وكان أبوه حنفيًا يلازم الشيخ أبا عبد اللَّه بن الحاج ويعتقده فشغل (١) ولده مالكيًا بسببه- اهـ. وقال أبو الفضل بن مرزوق الحفيد: تلقيت من غير واحد ممن لقيته بالديار المصرية وغيرها أن خليلًا من أهل الدين والصلاح والاجتهاد في العلم إلى الغاية حتى إنه لا ينام في بعض الأوقات إلا زمنًا يسيرًا بعد طلوع الفجر ليريح النفس من جهد المطالعة والكتب، وكان مدرّس المالكية بالشيخونيةوهي أكبر مدرسة بمصر وبيده وظائف أخر تتبعها، وكان يرتزق على الجندية لأن سلفه منهم. وحدثني الإمام العلامة المحقق الفاضل قاضي القضاة بمصر والاسكندرية الناصر التنسي أنه اجتمع به حين أخذت الاسكندرية في عشر السبعين وسبعمائة وكان نزل من القاهرة مع الجيش لاستخلاصها من أيدي العدو قال التنسي: واختبر فهمي بقول ابن الحاجب: "والصرف في الذمة والصرف في الدين الحال يصح خلافًا لأشهب- اهـ". ومن تصانيفه شرحه على ابن الحاجب، شرح مبارك لين تلقاه الناس بالقبول، وهو دليل على حسن طويته، يجتهد في عزو الأنقال (١)، ويعتمد كثيرًا على اختيارات ابن عبد السلام وأنقاله وأبحاثه، وهو دليل على علمه بمكانة الرجل، وإنما يعرف الفضل من الناس ذووه. ورأيت شيئًا من شرح ألفية ابن مالك قيل إنه من موضوعاته -اهـ- كلام ابن مرزوق. قلت: وله شرح على المدونة ولم يكمل وصل فيه إلى كتاب الحج. قال ابن غازي: كان عالمًا مشتغلًا بما يعنيه، حتى حكى أنه أقام عشرين سنة لم ير النيل بمصر، وحكي عنه أنه جاء يومًا لمنزله بعض شيوخه فوجد كنيف المنزل مفتوحًا ولم يجد الشيخ هناك فسأل عنه فقيل له: إنه يشوشه أمر هذا الكنيف فذهب يطلب من يستأجر له على تنقيته فقال خليل: أنا أولى بتنقيته فشمّر ونزل ينقيه وجاء الشيخ فوجده على تلك الحال والناس قد حلقوا عليه ينظرون إليه تعجبًا من فعله، فقال الشيخ من هذا؟ قالوا خليل، فاستعظم الشيخ ذلك وبالغ في الدعاء له عن قريحة ونية صادقة فنال بركة دعائة ووضع اللَّه تعالى البركة في عمره. وحدثنا شيخنا أبو زيد الكاواني عمن رأى خليلًا بمصر عليه ثياب قصيرة أظنه قال يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وسمعت شيخنا القوري يقول: إنه من المكاشفين وأنه مر بطباخ دلسيبيع لحم الميتة فكاشفه فأقرّ وتاب على يده- اهـ. قلت: وغالب ظني أن مسألة الطباخ ذكرها الشيخ خليل في ترجمة المنوفي من كرامات شيخه واللَّه أعلم. وذكر التتائي عن ابن الفرات أن خليلًا ريء بعد موته فقيل له: ما فعل اللَّه بك؟ فقال: غفر لي ولكل من صلّى علي- اهـ. قلت: ولقد وضع اللَّه تعالى القبول على مختصره وتوضيحه من زمنه إلى الآن، فعكف الناس عليهما شرقًا وغربًا حتى لقد آل الحال في هذه الأزمنة المتأخرة إلى الاقتصار على المختصر في هذه البلاد المغربية مراكش وفاس وغيرهما، فقلّ أن ترى أحدًا يعتني بابن الحاجب فضلًا عن المدونة بل قصاراهم الرسالة وخليل، وذلك علامة دروس الفقه وذهابه، وأما التوضيح فهو كتاب الناس شرقًا وغربًا ليس من شروحه على كثرتها ما هو أنفع منه ولا أشهر، اعتمد عليه الناس بل وأئمة المغرب من أصحاب ابن عرفة وغيرهم مع حفظهم للمذهب، وكفى بذلك حجة على إمامته، ولقد حكي عن العلامة شيخ شيوخنا ناصر الدين اللقاني أنه حيث عورض كلام خليل بكلام غيره كان يقول: نحن أناس خليليون إن ضلّ ضللنا، مبالغة في الحرص على متابعته. ومدح مختصره الشيخ ابن غازي فقال: إنه من أفضل نفائس الأعلاق، وأحق ما رتق بالأحداق، وصرفت له همم الحذاق، عظيم الجدوى، بليغ الفحوى، بين ما به الفتوى. وجمع مع الاختصار شدة الضبط والتهذيب، واقتدر على حسن المساق والترتيب، فما نسج على منواله، ولا سمح أحد بمثاله- اهـ. ولذلك كثر عليه الشروح والتعاليق حتى وضع عليه أكثر من ستين تعليقًا ما بين شرح وحاشية، وقد يسرّ اللَّه تعالى لي في وضع شرح عليه جمعت فيها لباب كلام من وقفت عليه من شراحه وهم أزيد من عشرة، مع الاختصار والاعتناء بتقرير ألفاظه منطوقًا ومفهومًا وتنزيله على النقول بحيث لو كمل لما احتح -غالبًا- إلى غيره، ثم وقعت علينا محنة وشتت شملنا وذهبتنفائس كتبنا، جعلها اللَّه تعالى كفارة وتمحيصًا، ولما جبر اللَّه عليّ بعضها بعد دخولنا لمراكش أصبت منها ذلك التعليق فأعطيته للفقيه إبراهيم الشاوي، وكان من أكبر فقهائها حينئذ وأكثرهم خدمة للفقه فأعجب به وصار يعتمد عليه وينقل منه في درسه ويثني عليه في مجلسه بين أصحابه، يسّر اللَّه في إكماله آمين. وكتبت أيضًا تحريرات ونكتًا على كثير من مشكلاته. وأما وفاة الشيخ خليل فذكر الشيخ زروق أنه توفي سنة تسع وستين، وقال ابن مرزوق: حدثني الشيخ الفقيه القاضي ناصر الدين الإسحاقي، وكان من أصحابه ومن حفاظ مختصره أنه توفي ثالث عشر ربيع الأول سنة ست وسبعين وسبعمائة، وأن مختصره إنما لخّص منه في حياته إلى النكاح وباقيه وجد في تركته في أوراق مسودة فجمعه أصحابه وضموه لما لخص فكمل الكتاب -اهـ- ونحوه لابن غازي وغيره. وذكر ابن حجر أن وفاته في ربيع الأول سنة سبع وستين وسبعمائة، وقال الإمام العلامة محمد بن محمد الحطاب شيخ شيوخنا: الصواب ما ذكره ابن حجر- اهـ. قلت: بل الأشبه ما ذكره ابن مرزوق وابن غازي لإسناده إلى بعض تلاميذ خليل وهو أعلم به من غيره لكونه ممن حضره وصاحبه في حياته، وأيضًا فقد ذكر أن الشرف الرهوني وقع بينه وبين خليل منازعة في مسألة فدعا عليه خليل فتوفي الرهوني بعد أيام، ووفاة الرهوني، على ما ذكره ابن فرحون وغيره، سنة خمس وسبعين أو ثلاث وسبعين، على ما ذكره ابن حجر، فخليل في ذلك الوقت حيّ على مقتضى هذه الحكاية. وقد سمعت شيخنا العلامة محمد بن محمود بغيع يذكر عن بعضهم أي بعض شيوخ مصر أن خليلًا بقي في تصنيف مختصره خمسًا وعشرين سنة، وقد ذكر خليل في ترجمة شيخه المتوفى أن وفاته سنة تسع وأربعين وأنه حينئذ لا يعرف الرسالة يعني المعرفة التامة ولا يمكن بقاؤه في تصنيفه المدة المذكورة إن صح إلا أن يكون اشتغل به بعد الخمسين، وتكون وفاته عام ستة وسبعين فتأمله واللَّه أعلم.وقد قرأت مختصره مرارًا عديدة وختمته بقراءتي وقراءة غيري قراءة بحث وتحقيق وتحرير على علامة وقته شيخنا الفقيه محمد بن محمود بغيع وأجازنيه سيدي والدي في عميم إجازاته، وقرأه شيخنا المذكور على والده وعلى سيدي أحمد بن سعيد ووالده، وسيدي أحمد بن سعيد ووالدي، ﵏ كلهم، أخذوه عن بركة الوقت سيدي محمود بن عمر عم والدي وهو عن الشيخ عثمان المغربي، وهو على النور السنهوري، وهو على الشمس البساطي عن تلاميذ خليل عنه، والحمد للَّه.