page 380, entry [423]Open original source
٤٢٢ - الحسينُ بنُ منصورٍ الحَلاَّجُ. قال الخفاجي في "نسيم الرياض": قيل: كان أبوه من مجوس فارس، والحلاج في أول أمره صحبَ الجنيدَ والسَّرِيَّ والمشايخ مع الزهد ولزوم العبادة التامة ببغداد، واختُلف في أمره. ومن خرافات بعض الناس: أنه ذهب في سياحته للهند وخراسان، وتعلم السحر، وأظهره في صورة الكرامات، وأضلَّ به الناس، وصار يدعو الناسَ حتى شاع أمره، فوقع بينه وبين الشِّبلي، وداودَ الظاهري، والوزير علي بن عيسى مطارحة - لما شاع عنه الإخبار بالمغيبات، وإظهار الأمور الخارقة، فقيل: إنه ساحر شعبذة ومخرفة، وله معرفة بالطب والكيمياء، وغير ذلك من علوم الحكماء، فقيل: إنه ادعى الألوهية، وأظهر الزندقة، وكُتب عليه محضر بذلك، فُقتل، وأُحرقت جثته في سنة ٨٠٧ بأمر المقتدر بالله. قال: وذهب كثير من المشايخ إلى أنه من أولياء الله، منهم الغزالي، واعتذر عما صدر منه في كتاب "مشكاة الأنوار"، وأفرد ابن الجوزي ترجمته بتأليف مستقل، وصح عن الشبلي أنه قال: كنت أنا والحلاج شيئًا واحدًا، إلا أنه أظهرَ وكتمتُ. وقد شهد بولايته كثير من كبار المشايخ، وقالوا: إنه عالم رباني، منهم: الشيخ عبد القادر الجيلاني، وقال: عثر الحلاج، ولم يكن له من يأخذ بيده، ولو أدركتُ زمانه، لأخذتُ بيده، وقال: إن قوله: أنا الحق، إنما قال لماغلب عليه شوقُه، وسكر من كأس محبته، حتى عاين قدرته في كل شيء. فكلُّ شيءٍ رآه ظَنَّهُ قَدَحًا ... وكلُّ شخصٍ رآه ظنَّه السَّاقِي وهو مقام الجمع عندهم، لكن أهل الشرع حفظوا حمى الشريعة، ولهذا سكت عن حاله بعضهم، وقال: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، والاعتقاد خير من الانتقاد، والكف أسلم، انتهى. قال عياض في "الشفاء": وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر من المالكية، وقاضي قضاتها أبو عمرو المالكي محمد بن يوسف بن يعقوب على قتل الحلاج وصلبه؛ لدعواه الألوهية، ودعواه الحلول، وقوله: أنا الحق، مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته - يعني: لتكرر ذلك منه - انتهى. وأقول: إن ثبت أنه تاب، ثم رجع، ثم أناب، ثم قُتل ولم يقبلوا توبته، فهذا فعلٌ لا يتأتى الإقدامُ عليه إلا ممن لم يدرك مداركَ السنة الصحيحة على وجهها - عفا الله عنا وعنهم أجمعين - "والتائبُ من الذنب كمن لا ذنب له"، وإن تكرر منه الذنب مرارًا، فالتوبة تمحو الحوبة، وإن كثرت النوبة، والله أعلم.