page 1151, entry [926]Open original source
ذكر عبادته وزهده وأخباره قال اللبيدي: أقام مسرة ستة عشر عامًا في دكان، في زاوية البيت، لا ينزل إلا لحاجة الإنسان، يتلو ويبكي ويتكلم بالحاجة إشارة. وكان في ابتداء أمره، يختم ختمة بالنهار، وأخرى بالليل، أقام على ذلك أربعين سنة، ثم ضعف. فكان يختم ختمة سائر ليله ونهاره. ولقد رأيته يومًا يقرأ ويبكي، وأن دموعه تجري على الأرض، وكان من الخائفين. وكان يسمع التعبير وربما تغير منه، فبكى. ويقيم أيامًا لا ينتفع به. قال مسرة: كنت في شبيبتي أورق، فغلا الرق، فوقف بي هاتف فقال: أبا بكر، إذا غلت الرقوق يرخصها لك العلام الرفيق. ولما احتضر ﵀، ابتدأ القرآن، فانتهى في طه، الى قوله تعالى: وعجِلتُ إليكربّي لترضى. ففاضت نفسه. قال اللبيدي: رأيت أبا إسحاق الجبنياني، ومسرة جالسين في جنازة، وعلى مسرة جبة صوف. فقال له الجبنياني: من أين لك هذه، يا أبا بكر؟ قال: من سوق المسلمين. فقال له أبو إسحاق: سبحان الله تشتري من السوق، وفيه تخليط، وأنت يقتدى بك؟ فقال مسرة فمن أين هذه الدراعة التي عليك - وعليه مرقعة بخرق المزابل - فقال له: أصلها منذ ثلاثين سنة، عملتها لي أختي، بموضع كذا، كشف عن أصله، فقال مسرة: موضع السراق أنت يا أبا إسحاق. أنت رجل مجنون - لتضييقه على نفسه، وتتبعه غاية الأمور، التي ليست لها غاية - فقال له أبو إسحاق: صدقت. كان معلمي يقول لي: إنك مجنون. ثم أقيمت الصلاة. فقدم مسرة، أبا إسحاق، ثم أتي بالجنازة، فقدمه أيضًا. وكان الميت ابن أخي مسرة. فلما فرغا جرى بينهما حديث، ودعاء وتوادعا، وتصافحا. وكان كل واحد منهما، يجلّ قدر صاحبه، ويعرف له فضله. قال اللبيدي: فما علمت أنهما اجتمعا بعد ذلك اليوم. مات أبو إسحاق، ومات مسرة بعده، بنحو ثمان سنين. قال: وكنت عنده قبل موته، بثلاث سنين، حتى جاءه رجل، فقال: رأيت أبا إسحاق في المنام واقفًا، فصاح ثلاث صيحات: يا مسرة، يا مسرة، يا مسرة. فقال: اما ثلاث ساعات، فقد ذهبت، وأراني أموت الى ثلاثة أيام، أو ثلاثة شهور، أو ثلاث سنين. فأرخنا الرؤيا فمات لثلاث سنين. توفي ﵀ سنة ثلاث وتسعين وثلاثماية.