Hadith Research Libraryمكتبة الحديث والرجال

Classical source passage

فضائله وعلمه

القاضي عياض - ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير · page 1041, entry [766]

ترتيب المدارك وتقريب المسالك - ت بكير — القاضي عياض

Open narrator profile: فضائله وعلمه
page 1041, entry [766]Open original source
ذكر فضائله وعلمه ﵀ قال الرازي وغيره: وكان خيرًا فاضلًا دينًا ورعًا مجتهدًا عاقدًا. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والفهم والعقل والدين المتين، والزهد والتقشف، والبعد عن السلطان، لا تأخذه في الله لومةلائم. وقدّم للشورى على يد القاضي ابن أبي عيسى، دل عليه وليّ العهد الحكم، في عدة أُريدوا لها، فكملت عدتهم إذ ذاك ستة عشر مشاورًا. قال القاضي أبو الوليد بن الفرضي: كان حافظًا للفقه على مذهب مالك وأصحابه، متقدمًا فيه، صدرًا في الفتوى. وكان يناظر عليه في الفقه. وقد حدث وسمع منه جماعة. وكان وقورًا مهيبًا. ولم يكن له بالحديث كبير علم. قال مؤرج الطليطلي، وذكره: كان أبو ابراهيم زاهدًا عابدًا، عالمًا، لم يكن في عصره أبرّ منه خيرًا، ولا أكمل ورعًا. من المشاهير في الجمع والعلم والحفظ. مهيبًا مطاعًا، صليبًا في الحق. لم يكن يتكلم مع أصحابه بالتسهيل. كان من الراسخين في العلم. ومن تأليف أبي ابراهيم: كتاب النصائح المشهور، وكتاب معالم الطهارة والصلاة. وكان الحكم أمير المؤمنين معظمًا له. وكان إذا دخل عليه يمد رجليه أمامه، ويعتذر لشيخته، فيقول له الحكم: لا مؤونة عليك منا، اقعد كيف شئت. وكان صليبًا، قليل الهيبة للملوك، متصرفًا مع الحق حيث ما تصرف. جالس يومًا الحكم، فذاكره أبوابًا من العلم وأخبار السلف، الى أن وقع الحكم، فذكر رجلًا من القرطبيين، وثلبه، فسكت عنه أبو ابراهيم، ونكس برأسه، ولم يأخذ معه في شيء من ذكره. فوجد الحكم من ذلك. ثم رجع الى ما كانوا فيه من ذكر الصالحين. فانبعث معه أبو ابراهيم، ثم عاد الى ذكر الرجل، فأقصر أبو ابراهيم وعاد الى حاله الأول من الإطراق والوجوم. فأقصر الحكم عن ذكره. ورابَه أمر أبي ابراهيم، فأنشد متمثلًا بالبيتين المشهورين في مدح مالك بن أنس، ﵀ ورضي عنه وأرضاه: يأبى الجواب فما يراجع هيبة … والسائلون نواكس الأذقان هدي العلوم وعز سلطان التقى … فهو المطاع وليس ذا سلطان ولما أخذت الشهادات على أبي الخير المسمى بأبي الشر، الزنديق، أفتىأبو بكر بن السليم، والحجازي في جماعة، بالاعذار له فيمن شهد عليه. وأفتى أبو ابراهيم وابن المشاط والقاضي منذر بطرح الاعذار، في جماعة. وكان أشدهم في ذلك إسحاق بن السليم، والد أبي بكر. وخالف ابنه في ذلك، فأمر الحكم بالأخذ برأي أبي ابراهيم وأصحابه. ومر بقتله دون أعذار. فكتب إليه أبو ابراهيم كتابًا يشكره فيه على حياطة الدين، ويعتذر عن تخلفه عنه لبرد اليوم، وتوالي مطره. فأجابه الحكم بجواب منه: وجزاك الله عن الدين والحياطة للإسلام خيرًا. فلقد وقع رأيك مني أفضل موقع. وقد أحسنت في توقفك والأخذ بالقدر، الذي عاقك بما أحب، الى ما أحاطك الله به، وأصلح من حالك، ولقد قلت لمن حضر في يوم السبت إثر خروجك: لن يزال هذا البلد بخير ما كان فيه مثل هذا الشيخ، أكثر الله فيه مثله، اعترافًا لله بالنعمة فيك. وهذه بصيرتي فيك، فأعلمه. وكان أبو ابراهيم لا يمسح على الخفين في حضر ولا سفر. يأخذ بذلك في نفسه، ويفتي بجواز ذلك لمن استفتاه. وكان إذا كلِّم في ذلك يقول: شيء ألفته. لا أستطيع تركه. وكلمه في ذلك تلميذه: قاسم بن أرفع رأسه، في بعض المغاربة في ليلة شديدة الريح، وقد ضجر من فعله. فتبسم الشيخ وقال: يا قاسم لا أدفع ما تقول بحجة. ولكنه شيء لم أفعله دهري كله، أفأفعله الليلة؟ ولعلي أموت فيها، فأتناقض في مذهبي. ولا احتطت فيه لنفسي. وكان شديد البرّ بوالدته. ذُكر أنه كان له أخ، قد اشتدت به الحال في بعض السنين الشديدة. فشكا إليه ضعفه. فتوجع له ودعا وانصرف الى أمه. وذكر لها ما به. وقال لها: أتيت الفقيه أخي، فما زاد على الدعاء. وانصرف أبو ابراهيم آخر النهار وقد اتّجر في سوقه، وباع كتّانًا ربح فيها ما اشترى به قوته: ربع دقيق، وثُمن زيت. فجاء بذلك الى داره، فاستقبلته أمه وعاتبته على منع أخيه من مؤاساته.فاعتذر لها بقلة ذات يده، وأنه ما كان يملك إذ جاءه، قطعة يواسيه بها. وما اشترى ما اشترى إلا من كتان باعه. فقالت له: سخطي عليك، لتحملن ما جئت به على رأسك، الى دار أخيك. تكفّر ردك له، ففعل. وراوده الحكم على أن يأتيه بابنه أحمد، وهو يومئذ صغير، وأظهر له حب ذلك. وعزم عليه فيه. فقال: يا أمير المؤمنين أما الآن فلا يصلح لذلك. والآن: أراه ميتًا - وهو واحِدي - أحبّ إلي من أن يقول الناس هذا الشيخ المرائي، استجلب بولده دراهم السلطان. فأعفاه الحكم من ذلك. قال تلميذه، وقريبه قاسم بن أرفع رأسه: تركني أبي، وإخوتي في حجر أبي ابراهيم. فكفلنا وربّانا وعلّمنا. ففتح الله عليّ ببركته. فلم يكن في قلي أحد أعظم منه لي. كنت يومًا خارجًا الى صلاة العصر، إذ فتح بابه، فإذا به ورائي، يريد مثل ما أريده. فتوقفت حتى لحقني. فسلمت عليه. فردّ عليّ مغضبًا، وقال لي: يا قاسم، قط ما كان هذا تقديري فيك. فيا ليتني ثكلتك، ولم أرك صنعت ما صنعت. فقلت: وما هو يا سيدي؟ قال: خرجت من بيتك الى الله لتأدية فريضة. فبينا أنت في ذلك، وقعت عينك على مخلوق مثلك، يريد ما أردته، فحولت وجهك إليه، عن قبلتك، ووقفت حتى لحقك؟ فقلت: يا سيدي، أنا معذور في الهوى إليك، إذ حقك عليّ كوالدي. فقال: ما أريد أن تفعله به، ولا بي، فحق الله أحق من كل حق، لا تعد لمثله. وشاوره صاحب الرد في أصحاب السوق، يلتزمون الصلاة في دكاكينهم بإمام، ويتشاغلون عن حضور المساجد، وأن أكثر ذبّاحي المجازر اليهود. فأفتى بالمنع من جميع ذلك، وبإخراج اليهود من مجازر المسلمين. وكان يومًا في مجلسه يُقرأ عليه، وقد جعل بالطلبة، إذ جاءه خصي من قبل الحكم. فقال أجبأمير المؤمنين فهو ينتظرك، وقد أُمرت بإعجالك، فالله، الله. فقال: سمعًا وطاعة، ولا عجلة. فارجع إليه وعرّفه عني، إنك وجدتني في بيت من بيوت الله، مع طلاب العلم يسمعون عليّ حديث ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وليس يمكنني ترك ما أنا فيه، حتى يتم المجلس المعهود، فذلك أكرم، ثم أقبل على شأنه، ومضى الخصي ثم انصرف فقال له: عرَّفته قولك فهو يقول لك: جزاك الله خيرًا عن الدين، وعن أمير المؤمنين، عن جماعة المسلمين. فإذا أتممت فامضِ إليه راشدًا. فقد أُمرتُ أن أبقى معك مذكرًا. فقال له: أنا أضعف عن المشي الى باب الشدة، والركوب لشيختي صعب عليّ. وباب الصناعة يقرب إليّ. فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بفتحه، لأدخل منه، هوّن على المشي، فإن ذلك إليه. وتعود. فمضى الفتى ثم رجع بعد حين، فقال: يا فقيه قد أجابك أمير المؤمنين الى ما سألت، ومن الباب خرجت. وجلس الخصي جانبًا، حتى أكمل أبو ابراهيم مجلسه. أفسح ما كان غير منزعج، وقام الى داره، فأصلح من شأنه، ومشى إليه، وقضى حاجته من لقائه. فلما انصرف، أعيد إغلاق الباب، كما كان. وذكر ابن مظاهر، أن الخليفة الحكم، استفتاه في غلبة نفسه، على وطء بعض جواريه في رمضان. فأفتاه بعض أصحابه بالإطعام، على اختيار مالك. فقال هو: لا أدري إلا الصيام. فإنما أمر مالك بالإطعام، لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو مال المسلمين، فأخذ بقوله. وهذه الحكاية لا تصح جملة. لأن أمير المؤمنين في وقته ممن كان لا يغلب على هذا. وممن كان يدّعي لنفسه من الأموال المتملكة كثيرًا. وممن كان لا يحبس عليه أبو ابراهيم وطاء غيره. والحكاية معروفة ليحيى بن يحيى، وذُكرت عن غيره. وذكرناها. وكان عند الناصر إعذار لبعض ولد بنيه، احتفل في استدعاء وجوه الناس له. فلم يتخلف عنه أحدإلا أبا ابراهيم، فافتقد مكانه، وساءه ذلك. فكتب إليه الحكم، يعتبه ويطلب منه وجه عذره. فأجابه أبو ابراهيم بما هذا نصه: سلام على الأمير، سيدي، ورحمة الله. قرأت - أبقى الله الأمير سيدي - كتابك، وفهمته. ولم يكن توقيفي لنفسي، إنما كان لأمير المؤمنين سيدنا أبقاه الله، ولسلطانه. لعلمي بمذهبه، وسكوني الى تقواه، واقتفائه لأثر سلفه الطيب، ﵃. فإنهم كانوا يستبقون من هذه الطبقة، بقية. لا يمتهنوها بما يشينها، ويغض منها، ويتطرق الى تنقصها. يستعدّون بها لدينهم، ويتزينون بها عند رعاياهم، ومن يعدو عليهم من قضاتهم، فلهذا تخلفت، ولعلمي بمذهبه وفقه الله. فلما قرأ الكتاب الحكم، أعلم أباه الناصر، فاستحسن اعتذاره، وزال ما في نفسه، ووفى الشيخ بينته. وتوفي إسحاق بطليطلة وكان خرج مع الحكم، غازيًا ليلة الجمعة في رجب، لعشر بقين منه سنة اثنتين. وقيل أربع وخمسين وثلاثماية. وسنّه خمس وسبعون. وذكر أن الخليفة الحكم، لما علم بموته قال: الحمد لله الذي كفانا شره، وخلصنا منه. وحكي أن خبر موته، ورد الى الحكم، وقد فتح عليه، فقال لا أدري بأي الفرحتين أسر، بأخذ الحصن أو بموت إسحاق، لخوفه منه، وطوع العامة له، وقيل: إنه كان حجبه عن نفسه، فاعتل. وذكر القاضي محمد بن يحيى بن أحمد في كتابه المعروف بكتاب البشرى، أنه رأى قبل موته سنة إحدى وخمسين، أنه مات ﵀ وأن الملائكة تتوفاه. فخرجت رؤياه على وجهها. ﵀ وغفر له ولجميعهم بمنّه.

Statements found in this passage

Structured research notes remain attached to the exact passage from which they were extracted.

Identity attributes

  • Nisba

    الرازي

    فضائله وعلمه ذكر فضائله وعلمه ﵀ قال الرازي وغيره: وكان خيرًا فاضلًا دينًا ورعًا مجتهدًا عاقدًا. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والفه

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

  • Place Marker

    الرازي

    فضائله وعلمه ذكر فضائله وعلمه ﵀ قال الرازي وغيره: وكان خيرًا فاضلًا دينًا ورعًا مجتهدًا عاقدًا. قال ابن عفيف: كان من أهل العلم والفه

    Review metadata

    Needs Review · Medium confidence

Parsing and provenance details
Local passage ID
292592
Book record
shamela-31316
Source record
dedupe:766:713069
Parser
book_passage_bootstrap v1
Parser confidence
medium
Entry type
Person Candidate
فضائله وعلمه — shamela-31316 · Hadith Research Library