page 924, entry [663]Open original source
ذكر أخباره وإجابة دعوته وبراهينه وجمل من فضائله قال محمد بن إدريس: كنا يومًا عند ابن اللباد نقرأ عليه، حتى سمعنا فوق البيت حركة. فسأل الشيخ خادمه عنها. فقالت: جعفر بن النوام يطارد الحمام. فقال: اللهم أصلحه. فما كان إلا بعد يوم أو يومين، حتى قرع علينا الباب، فأذن له. وجلس في الحلقة. فقال له الشيخ: اجلس يا مؤمن الى أن نفرغ. وكان أجداده كلهم عراقيون. فواظب على السماع، وانتفع بدعائه، ولزم السبائي وبلغ من العبادة مبلغًا عظيمًا. وحكى المالكي أنه دعا على ثلاثة، فأجيبت فيهم دعوته. أما أحدهم، فدعا عليه بالجنون، وعلى الآخر بالعمى، فرأيتهما كذلك، وآخر بالجلاء، فمات في بلد السودان. قال محمد بن ادريس لأبي بكر ابن اللباد: استخلصت لك دَينًا بثلاثين دينارًا، ففرح بها، وأقبل يصبها من يد الى يد، ويقول: زكّها. فوالله ما زكيت قبلها قط. قال: وأدخل على عبيد الله صاحب إفريقية، فأقبل عليه، وقال: يا محمد أنت منا، وبلدك. في كم من العيال أنت؟ فأخبره. فقال نفرض لك في بيت المال ما يكفيك، من النفقة، والكسوة وغيرها. فقال: قبلت، ولكن يترك ذلك في بيت المال، حتى أحتاج إليه. قال: وكانت له امرأة سليطة، تؤذيه بلسانها. فحكى أنها قالت له يومًا: يا زاني. فقال: سلوها، فبمن زنيت؟ قالت: بالخادم. قال: سلوها لمن الخادم. قالت: له. فقال له أصحابه: طلقها،ونحن نؤدي حقها. فقال: أخشى إن طلقتها، أن يبتلي بها مسلم. ولعل الله دفع عني بمقاساتها بلاءً عظيمًا. فقال: بل حفظتها في والدها، فإني خطبت الى جماعة فردّوني، وزوجني هو لله تعالى. وكان يفعل معي جميلًا. أفتكون مكافأته طلاقها؟ وكان يقول: لكل مؤمن محنة. وهي محنتي. قال ابن ادريس: شوّر رجل ابنته بشوار حسن، كثير. فعجب الناس منه، وحضر أبو بكر بن اللباد، فانصرف الناس يهنئون صاحب الشوار. فقال أبو بكر: لا أخلف الله عليك بخير، فقد كمدت جارك، وعضلت ابنته، وخالفت سنّة رسول الله ﷺ. فجعلت أنظر إليه، فقال لي: يا أبا عبد الله، إن أزهد الناس في العالِم، قرابته وجيرانه. وقال مرة أخرى في مثلها: ما قرب الخير من قوم قط، إلا زهدوا فيه. وذكر الأجدابي: أن أبا بكر، جلس يومًا عند اسماعيل المؤدب جاره، ليتفرج ويرى الناس. فكان الناس إذا جازوا من ذلك الموضع رجعوا من طريق آخر هيبة له. فقال: ما بالهم؟ فقالوا: من أجلك وهيبتك. فقال: إنما جلسنا في هذا الموضع لنتفرج. لا لأن نضرّ بالناس في طريقهم. ثم قام. وكان يحضر مجلس السبت بالقيروان، ويقول لمن أنكر عليه ذلك. قال: ولا يطأون موطئًا يغيظ الكفّار. قال: وحضور السبت مما يغيظ بني عبيد. ورفع الى المهدية لعبد الله ليتولى قضاء صقلية، فاعتذر، وقال: صرت في حد، لو كنت على القضاء لوجب أن لا أولّى. فكيف أبتدئ وقد كبرت سني، ودخلتني زمانة. ثم عرض لهم قضًا من كفه اليمنى، قد سمُح. وكان أبو بكر يقول: أكبر شيء من محقه، وكلام لين.