page 878, entry [606]Open original source
ذكر أخباره وفضائله وذكر القابسي: أن عبد الجبار راح إلي الجمعة، على بغل الراوية، يوم طين. فلما صلى. لم يجد ما يرجع عليه. وكان بعيد الدار من الجامع. فرفع إليه رجل جندي، فرسه. فركبه. فنظر إليه أصحابه. فقال:ما بالكم. أما ورَعٌ نقَص، أو علم زاد. قال بعضهم: إنما فعل لضرورة. إذ لم يقدر، على المشي. ولعله تصدق بقدر انتفاعه. وخرج من عند الأمير ابراهيم، وكان يكبره، ويجلّه. فشيّعه الى أن ركب وأصلحت عليه ثيابه. وكان بينه وبين حمديس القطان، صحبة عظيمة. وشركة في القطن، يعملان في سوق الأحد، الى أن تهاجرا، بسبب كتب محمد بن مهدي البكري. كان عبد الجبار يقرأها، فنهاه عنها حمديس. وقال له: سمعت سحنون يقول: ابن مهدي هذا. ضال، مضلّ. فلم ينته عنها، عبد الجبار، فهجره حمديس. ولم يزالا متهاجرين أربعًا وعشرين سنة. وكان حمديس لا ينهى الناس عن السماع منه. وكان عبد الجبار إذا مرّ بمسجد حمديس، سلم عليه، فلا يرد عليه¬ السلام، يعني حمديس. فيقول عبد الجبار: ما هجرني إلا لله. ويقول: حمديس، رجل صالح. وكان ابن طالب صديقًا لعبد الجبار، فهم بتأديب حمديس بسببه، الى أن فسد أيضًا ما بينه وبين عبد الجبار. وكان سببه أن عبد الجبار كتب إليه في بعض أسبابه. فلم يلتفت الى كتابه. فكتب بذلك للأمير، وكان ابن طالب يسمي ذكره. وطلبه ابن طالب عند الأمير، وأوقع فيه الشهادة بمخالفة مذهبه. وشهد عليه ابن الحداد وابن أبي سليمان وجماعة من أصحاب سحنون. واستدعى الشهادة عليه، حمديس. فأبى. وقال: هجرته ديانة. رأى شيئًا، ورأيت أنا خلافه. لم أهجره على مال أكله. أو عرض. فمضى القوم. قال ابن أبي سليمان: فما قام منا أحد حتى نفر عبد الجبار، وكان سحنون ينتظره حتى يحضر. فإذا حضرأمر القارئ، فقرأ. قال عبد الجبار: ما قرأ سحنون كتابًا قط، في باذية ولا حاضرة، إلا وأنا حاضر. وكان ما بينه وبين أبي طالب القاضي، بينًا جدًا بعد صداقة، كانت بينهما. وعبد الجبار، أول من شهد عليه عند ابن الأغلب. قال ابن اللباد: وكنا نسمع على عبد الجبار في جامع ابن وهب، ألا يمشي الرجل أمام والده. فقال من برّه به، أن يمشي أمامه في الظلام. قال ابن اللباد: واجتمع عبد الجبار مع سليمان بن عمران، يتذاكران السنّ. فقال له سليمان: نفعك الله بعمرك. فقال له عبد الجبار: وكان سيئ الرأي فيه. وأنت نفعك الله ومتعك بباقي عمرك. وحكى المالكي عن عبد الجبار، أنه ختم في مسجد، ثلاثين ختمة. وكان يختم في مسجده، كل ليلة ختمة. وكان إذا تعايا في الكلمة أو اشتبه عليه، الحرف. تركه. وقرأ، ما يليه. ثم قد يذكره بعد العشرين آية أو الثلاثين فيرجع إليه ويقرأه، مفردًا. ويعود من حيث رجع. وذكر أنه كان غاديًا الى الجمعة، فإذا بشاب جميل حسن البشرة، يمشي في أثر صبية. فاتكأ عبد الجبار، فقطع شسعه، وناداه: يا شاب. فوقف، ومشى إليه عبد الجبار، وقال له: أنا شيخ ضعف بصري، وانقطع شسعي، فأصلحه. وأخذ منه النعل فأصلحه. ومشى في أثر الصبية فقطعه ثانية. وناداه ليصلحه فعطف. وقال له: أنا قطعته يا شاب. إشفاقًا على هذا الشباب من لفح النار، وبكى. فبكى الفتى. وجزاه خيرًا. وصحبه الى الجامع وحسنت توبته.