page 814, entry [572]Open original source
ذكر ولايته القضاء وشيء من سيرته ولي ابن طالب، القضاء بالقيروان، مرتين، لما عزل سليمان، أول مرة ولي هو، ولاه ابراهيم بن الأغلب. وعظم قدره. وجعل إليه النظر في تركة جدته. فطلب ابن طالب، سليمان. فاستخفى عنه. فلما رأى ابراهيم ميل نفوس الناس الى ابن طالب، ومحبتهم له، لعدله وسماحته وعقله، وحسن سيرته، وعلمه، واستبشارهم بأيامه، لرخص السعر، وارتفاع الوباء، أيامه به، غار ابراهيم به، وخشيه على ملكه. لكونه ابن عمه. فرأى إماتة اسمه، وعزله. ورد سليمان بن عمران. فلما شاخ سليمان بن عمران، عزله، وولي مكانه ثانية. قال ابن حارث: كان ابراهيم بن الأغلب، أكره الناس في ابن طالب. وكان قد أساء إليه، أيام قضائه، الأول. وإمارة أخيه ابراهيم المعروف بأبي الغرانيق. فلما ولي ابراهيم بعده، هم به. وكان الحضرمي، وبلاغ مولى ابراهيم خاصين به، ولهما بابن طالب عناية. فكانا يكفّانه عنه. فلما شاخ سليمان بن عمران، واضطر ابراهيم، الى قاضٍ غيره، جمع وجوه القيروان، وشاورهم فيمن يوليه. فطرحوا الاختيار إليه، وغلبته الشهوة في محمد بن عبدون، وأمر له بمركب فأمر بأن يخرج ابن عبدون عليه، الى أن دخل أحمد بن أبي سليمان، فسألهالأمير، فقال: أرى أن نولي العدل الرضيّ المستحق للقضاء. فقال: من هو؟ قال: ابن طالب. فاستوى جالسًا، وقد كان ابن غافق أشار بمثله، قبله. وقال: ما أرى لها إلا ابن طالب. فقال له: ابن أبي سليمان: إن الصلاة عمود الدين. فلما استحق عند الأمير أن يقدم عليها، كان بما هو أقل منها أولى. فقال ابراهيم: يُرَد الفرس. وأذن لابن أبي سليمان في الانصراف، ووجه لابن طالب، فولاه القضاء. قال لي ابن طالب: كنت نائمًا قائلة، حتى انتبهت من نومي، فأنكرت ذلك، وعلمت أنه لأمر حدث. فقيل لي: رسول الحاجب بالباب. فخرجت إليه في ثوب البيت. فقال لي الحاجب: الأمير يدعوك الساعة. فقلت: أدخل، وأخذ ثيابي على نفسي. فقال لا. فساءني، ودعوت بثيابي فلبستها. وسرت حتى وصلت الى ابراهيم بن أحمد الأمير. فوجدته وبين يديه السيف مسلولًا. فسلمت، فردّ علي فسكن روعي، لرده. ثم قال لي: احتجت في يومي الى ابن طاهر، ما أوفاه من أمرك شيئًا. وقد عزمت على توليتك القضاء، فأبيت. فمد يده الى السيف، وقال: إن شئت القضاء. وإن شئت هذا. فقلت تأذن لي في صلاة ركعتين أدعو وأستخير. قال: أفعل. فصليتهما، واجتهدت في الدعاء والخيرة. فلما سلمت، قال لي: ما ظهر لك. قلت أبقى الله الأمير، إن ولاني علي ما لا ينفذ عليه القضاء، ليست بولاية. فقال: عل مفرق رأسي. فقلت له: أبقى الله الأمير، تقدمت الإيمان، فآذن في الانصراف، حتى أنظر فيها، ثم أعود الساعة. قال: أفعل. وكان ابن طالب، قد حلف بجميع الإيمان قبل هذا، ألا يلي قضاء أبدًا. فخرج ابن طالب، فخالع زوجته، وباع عبيده، وتصدّق بأمواله،وأخرجها من ملكه. ثم رجع فقبل. وكتب له عهده، وأمر له بكسوة، ووصله وحمله. قال ابن طالب: وكنت لما دخلت إليه في المرتين، ما رفع إلي أحد رأسًا. فلما وليت، وخرجت، فوجدت أهل الأرض وقوفًا ينتظروني على الباب. فعلمت هوى الناس للدنيا. قال ابن حارث: وكان ابن طالب، إذا وقف للحكم بين الخصمين، كتب للمطلوب القصة، التي شهد عليه بها. ثم قال له: اذهب، وطف بها على كل من عنده علم، وجئني بالأجوبة، فيها. قال ابن أبي خالد: كان ابن طالب عدلًا في قضائه، ورعًا في أحكامه، كثير المشاورة، لأهل العلم من أهل مذهبه وغيرهم. وذكر أبو عمرو الداني في كتابه: أن ابن طالب، أيام قضائه، أمر ابن برغوث المقرئ، بجامع القيروان ألا يقرأ الناس إلا بحرف نافع. وقال صاحب المغرب في أخبار المغرب: إن في أيام ابن طالب، قتل ابراهيم الفزاري، وكان ابراهيم، شاعرًا. متفننًا في كثير من العلوم، مع استهزاء وطيش. وكان يحضر مجلس ابن طالب لمناظرة الفقه. فقيل إنه كان يزري به، ويتضحك بأمره، ونمت عنه أمور منكرة. فانتهى ذلك الى ابن طالب. فطلبه ابن طالب وحبسه. وشهد عليه أكثر من مائتين بالاستهزاء بالله. وبكتاب الله. وبأنبيائه. وبنبيّنا ﷺ. قيل منهم ثلاثون عدلًا. فجلس له ابن طالب، وأحضر له العلماء، يحيى بن عمرو وغيره. وأمر بقتله فطعن بسكين في حنجرته. وصلب منكسًا. ثم أنزل بعد ذلك، وأحرق بالنار. فحكى بعضهم: أنه لما رفعت خشبته، وزالت عنها الأيدي، استدارت، وتحولت عن القبة. فكانت آية للجميع. فكبّر الناس. وجاء كلب فولغ في دمه. فقال يحيى بن عمر: صدق رسول الله ﷺ. وأسند حديثًا عنه ﷺ: أنه قال: لا يلغ الكلب في دم المسلم. قال بعضهم: سمعت ابن طالب عند محنته، وسجنه يقول، وهو مسجون، في سجوده، ومناجاته:اللهم إنك تعلم أني ما حكمت بجور، ولا آثرتُ عليك أحدًا من خلقك، في حكم من أحكامي، ولا خفت فيك لومة لائم.