page 603, entry [331]Open original source
ذكر بقايا فضائل سحنون وتقاه وخوفه وزهده وتحريه في الفتيا وعبادته وفقر من كلامه ووصاياه وأخباره قال محمد بن أحمد بن تميم: كان الذين يحضرون مجلس سحنون من العباد أكثر من يحضره من طلبة العلم، كانوا يأتونه من أقطار الأرض. قال بعض أصحابه: عرست فدعوت ليلة عرسي جماعة من أصحاب أصحابنا وفيهم رجل من أهل المشرق، من أصحاب حنبل، قدم علينا. وكنا نسمع منه. فكان أصحابنا في أول الليلة في قراءة وبكاء، وتعبد وخشوع ثم أخذوا بعد ذلك في مسائل العلم، ثم ابتدروا بعد ذلك إلى زوايا بالدار، يصلون أحزابهم. فقال الشيخ: أصحاب من هؤلاء، ومن معلمهم؟ فوالله ما رأيت قط أقبل منهم، وما صحبوا رجلًا إلا نبلوه. فقال: أصحاب سحنون. فقال: والله لقد رأيت العلماء عندنا بالمشرق، فوالله ما رأيت مثل هؤلاء. قال ابن عجلان الأندلسي: ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله ﷺ، ما بروك لسحنون في أصحابه، إنهم في كل بلد ائمة قال ابن حارث سمعتهم يقولون كان سحنون من أيمن العلماء؟ دخل المغرب، كأن أصحابه مصابيح، في كل بلدة، عدّ له نحو سبعمائة رجل، ظهروا بصحبته وانتفعوا بمجالسه، وسمعتهم يقولون: كان سحنون أعقل الناس صاحبًا وأفضل الناس في باب الدين صاحبًا، وأفقه الناس صاحبًا. وقام سحنون بقصر زياد مرابطًا، خمسة عشر يومًا من رمضان. وحكى ابن اللباد، إن سحنون قال لأبنه محمد: يا بني، سلم على الناس، فإن ذلك يزرع المودة. وسلمعلى عدوك وداره، فإن رأس الإيمان بالله المداراة بالناس. وحكى المالكي أنه نقب بيت سحنون وهو قائم في تهجده، وأخذ ما كان في البيت، وهو لا يشعر، ثم أخذت القلنسوة من رأسه، فلم يلتفت لشغله بما كان فيه، وجيء إليه للصلاة على مقتول، فقال لم تحضرني نية. فأتى آخرون فقالوا له: فلان أصلحك الله، قتل وطرح في بئر، وقد أخرجناه، فصّل عليه. فقال: ومن قتله؟ قالوا: هذا المقتول الذي سئلت قبل الصلاة عليه. فصلى سحنون على هذا. وكانت منه فراسة. قال سليمان بن سالم: أتى رجل من صطفورة فسأل سحنون عن مسألة، وتردد عليه. فقال له: أصلحك الله مسألتي في ثلاثة أيام. فقال له: وما أصنع لك؟ ما حيلتي في مسألتك؟ نازلة معضلة، وفيها أقاويل، وأنا أتخير في ذلك. فقال الرجل الصطفوري: وأنت أصحك الله لكل معضلة. فقال: هيهات، ليس يا ابن أخي. فقولك أبذل لك لحمي ودمي إلى النار، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت إن تنقلب بمسألتك، وإن أردت غيري فامضِ، تجاب عن ساعة. فقال: إنما جئت إليك ولا أبتغي غيرك. قال: فاصبر عافاك الله. ثم أجابه بعد ذلك. وأرسل أسد بن الفرات وهو قاض إلى سحنون، وعون وابن رشيد وموسى الصمادحي، فسألهم عن مسألة في الأحكام، فأجاب فيها ابن رشيد وعون، وأبى فيها سحنون عن الجواب. فلما أخرجوا عذلاه في تركه. فقال لهما: منعني إنكما بدرتما بالجواب فأخطأتما، وكرهت إن أخالفكما فندخل عليه إخوانًا ونخرج أعداء، وبيَّن لهما وجه خطأهما. فجزياه خيرًا، واعترفا. ورجع إلى أسد، فأخبراه برجوعهما. قال القاضي: لعلسحنون عدل على ما عرف من فضلهما، من أنهما إذا بين لهما وجه خطأهما رجعا، فأعلم أسدًا برجوعهما كما فعلا. وإن الحكم، كان بعد لم يحن وقت نفوذه. وإلا فهو في فضله وورعه كان لا يسكت على مثل هذا، إلا رجاء أن يستبين الحق بلا تعلة، ولا مخالفة. قال سحنون: أجرًا للناس على الفتيا، أقلّهم علمًا. يكون عند الرجل باب واحد من العلم، فيظن أن الحق كله فيه. قال سحنون: إني لأسأل عن المسألة، فأعرف في أي كتاب وورقة وصفحة وسطر، فما يمنعني عن الجواب فيها إلا كراهة الجرأة بعدي على الفتيا. قال سحنون: وأنا أحفظ مسائل ما فيه ثمانية أقاويل من ثمان أئمة. فكيف يسعني أن أعجل بالجواب، حتى أتخيّر، وهو الأمر في حبس الجواب، أو كما قال، عبد الجبار بن خالد، قال رجل من الطلبة لسحنون: جئت اليوم ولم أسمع منك شيئًا. فقال له: إن كنت في وقت خروجك ممن شيعته الملائكة، فقد سمعت، وإن لم تسمع. وإن كنت ممن لم تشيعه، فلم تسمع، وإن كنت سمعت. قال عيسى: قلت لسحنون تأتيك المسائل مشهورة مفهومة، فتأبى الجواب فيها. فقال سحنون: سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من فتنة المال. قال يحيى بن عمر: لما قدمت إلى سحنون فسألت عنه، فقيل لي خرج إلى البادية، فجئته، فرأيت رجلًا أشعر عليه جبة صوف ومنديل، وهو متول حرثه وشأنه، فاستصغرته وندمت على تركي من تركت بالمشرق، ومجيئي إليه. وقلت ما أراه يحفظ شيئًا من العلم. فرحب بي. فلما جالسته في العلم رأيت بحرًا لا تكدره الدلاء، والله العظيم، ما رأيت مثله قط. كأنما جمع العلم عينيه في صدره.قال سحنون: ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه. فيسأل عنه، فيقال: هو عند الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شرٌّ من علماء بني إسرائيل. وبلغني إنهم يحدثونهم من الرخص ما يحبون، مما ليس عليه العمل، ويتركون ما عليه العمل، وفيه النجاة، لهم، كراهة أن يشتغلوهم. ولعمري لو فعلوا ذلك لنجوا، ووجب أجرهم على الله، فوالله لقد ابتليت بهذا القضاء، وبهم. ووالله ما أكلت لهم القمة، ولا شربت لهم شربة، ولا لبست لهم ثوبًا، ولا ركبت لهم دابة، وما أخذت لهم صلة. وإني لأدخل عليه، فأكلمهم بالتشديد، وما عليه العمل وفيه النجاة. ثم أخرج عنهم، فأحاسب نفسي، فأجد عليّ الدرك مع ما ألقاهم به في الشدة والغلظة، وكثرة مخالفتي هواهم، ووعظي لهم. فوددت أن أنجو مما دخلت فيه كفافًا. وقيل له: إن يعقوب بن المضار لا يحبك فقال: الحمد لله، الذي لم يجمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب واحد قال سليمان بن سالم: رأيت سحنون إذا قرئ عليه الكتاب الجهاد لابن وهب. وكتاب الزهري، يبكي حتى تسيل دموعه على لحيته. وقال مرة لرجل: اقرأ علي: ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة. . . فقرأها. فلما بلغ: فستذكرون ما أقول لكم. . . قال: حسبك. وهو يبكي. قال بعضهم: خرج سحنون وابن رشيد وابن الصمادحي إلى المنستير، ومعهم ابن نعيم، قال: نظرت إلى سحنون تسيل دموعه على لحيته. ثم سكت الفتى فقال سحنون: يرتجي أن يرتفع صوته، لو كان من يقول له، وأبى أنيقول له. قال بعضهم: دخلت على سحنون وفي عنقه تسبيح يسبح به. قال حبيب: قال سحنون يتمثل بهذه الأبيات: كل شيء قد أراه نكرًا … غير وكزا الرمح في ظل الفرس وقيام في حناديس الدجا … حارسًا للقوم في أقصى الحرس وحكي الإيباني، عن سحنون، إنه قال في الحديث: فيمن أخاف أهل المدينة، قال: ليس هم سكانها، بل كان من قال بقولهم، حيث كان. قال المؤلف ﵀ تعالى. أراه والله أعلم فيمن كان على سنتهم وهديهم. وهم جماعة المسلمين. قال ابن وضاح: وكان إنسان يشرب قريبًا من سحنون ويغني، ولم يغير عليه، فلما قدمت الأندلس، ابتليت بمثله، فأردت رفع أمره، ثم تذكرت أمر سحنون، فاقتديت به، وصبرت. ثم لقيت سحنون بعد ذلك، فلم أسمع جاره ذلك بعد، فسألته عنه، فقال لي: ماذا حملت منه، ولقد كفانيه الفقر، وها هو مؤذن في المسجد. وكنت أقدر أن أغير عليه، وأكلم السلطان فيه، فخشيت أن يحملني في ديني ما هو أضر مني، فرأيت أن أصبر حتى لا يكون السلطان علي منة. قال إبراهيم بن محمد بن باز: كنت أقرأ كتاب الهبات، من النذور على سحنون. فمرت مسألة في الكتاب كان في جانب كتابي فيها كلام لأصبغ، فقرأته على سحنون. فقال: إيه. فظننت إنه استفادني. فقلت له: قال: أصبغ. فقال: إيه. فأعدت، فنظر إليّ، وقال: من جرأك علي؟ قلت أصلحك الله، كذا هو في حاشية كتابي. وحدثني بها سعيد بن حسان عن أصبغ. فقال لي: تكذب. سعيد بن حسان أعلم الله. يا أهل الأندلس، ما تبالواعمن تأخذون دينكم. قم والله لا قرأت لكم حرفًا منها. فلما كان بعد أيام، لم نشعر إلا وسحنون واقف على بيتي، عليه فروة وبيده عصا، فقال: السلام عليكم، أي شيء تكتب؟ فرددت عليه¬ السلام وقلت له: أكتب كتابًا من المدونة. فقال لي يا أهل الأندلس: أنا أحبكم لأنكم قوم سنة، وخير. ثم مضى، فجئناه يومًا ثانيًا، وكنت أنا القارئ عليه، وأخذتني زكمةٌ فربطت رأسي، وجلست ناحية، فلما اجتمعنا قال: أين ذا؟ قال: اقرأ. فقلت: عرض لي شيء، قال اقرأ كما أقول لك. قال واستأذنه رجل أن يبني قنطرة، يجوز عليها الناس إلى دار سحنون، فأبى سحنون، لأن كسبه كان من بلدان السودان. وكان لا يشرب من المواجل التي يبينها السلاطين تورعًا. ويفتي بجواز ذلك. ويقول: إنما هي حجارة جمعوها، ساق الله إليها الماء. وقال بعض أصحابه: خرج سحنون يومًا على أصحابه للسماع، مغضبًا، على وجهه كآبة. إذ جاءه رجل بدوي، وفي رواية غلام له، فساره بشيء، فضحك سحنون. وأمر بالقرآن. ثم قال لأصحابه: إنا أصبنا في عامنا هذا ثمرة كثيرة، وزرعًا، ولم أصب بمصيبة. فخفت أن أكون سقطت من عين الله تعالى. وإن هذا جاء فأخبرني أن أجود جمالي مات؟ فسررت بذلك وعرفت أن الله ذكرني. ويخلف ما ذهب. وأهلك الريح مائة وخمسين شجرة. قال أحمد بن أبي سليمان: كان العلماء يأكلون طعام علي بن حميد الوزير، خلا سحنون وولده. فلم يكن يأتيهم، ولا يأكل طعامهم. ورغبوا إليه في تحرك ولده، فقال أخشي أن أعودِّهم عادةً.قال أحمد بن سليمان: كنا يومًا جلوسًا عنده، إذ جاء غلام بدرهم ونصف فضة، باع له له زيتونًا. فقال: أحمد الله زيتوننا، وغلامنا ودابتنا. ثم رمى بها، وقال لنفسه: يا شقيّة، تدري ممن باعها لك. قال ابن معتب: كان سحنون يتصدق على الرجل الواحد، بالمال الذي تجب فيه الزكاة. الثلاثين دينارًا، أو أكثر. قال عبد الله بن سعيد الصائغ: دفع سحنون يومًا لرجل صرّة دنانير، وهو في بيته. ثم قال له: اذهب، فأول من تلقاه ادفعها إليه. فجعل الرجل يتخلل الأزقة إذ برجل عليه ثوب أبيض وتحته شيء يحمله، فدفع إليه الصرّة، فلما أخذها ألقى الذي بيده. وقال: هي ميتة، كانت لنا حلًا فحرمت الآن علينا. فكانت فراسة من سحنون. قال حمديس: دخلت عليه يومًا، وهو يأكل خبزًا، يبله في الماء ويغطسه في الملح، فقال: أما أني لم أكله زهادة في الدنيا، ولكن لئلا أحتاج إلى هؤلاء، فأهون عليهم. ثم صاح بجارية، فأتت بصرة فيها عشرون دينارًا. فقال: ادفعه لثلاثة رجال صالحين، ممن يسكن عندكم، فإن لم تجد ثلاثة، فإلى اثنين فإن لم تجدهما، فإلى واحد. قال العنبري: كانت غلة سحنون في زيتونه، خمسمائة دينار في السنة. فما تنقضي السنة إلا والديون عليه لكثرة صدقته ومعروفه.