page 592, entry [329]Open original source
ذكر أخباره مع الملوك وثبوته في الحق قال أبو العرب: وكان لا يهاب سلطانًا، في الحق يقيمه عليه. ولما أكثر من رد الظلامات في رجال ابن الأغلب وأبى أن يقبل منهم الوكلاء على الخصومة إلا بأنفسهم: وجه إليه الأمير وقد شكوه إليه، بأنه يغلظ عليهم. فأرسل إليه ابن الأغلب وقال إنهم فيهم غلظة وقد شكوك، ورأيت مما فاتك من شرهم فلا تنظر في أمرهم. فقال سحنون للرسول: ليسهذا الذي بيني وبينه. قل له: خذلتني خذلك الله. فلما أنهى الرسول الرسالة إلى الأمير، قال له: ما نعمل به. إنما أراد الله. فقال ابن أبي سليمان وغيره: إن المحتسبين لم يكونوا يعرفون بإفريقية، حتى كان سحنون جالسًا على باب داره، إذ مر به حاتم الجراوي ومعه سبي من سبي تونس. فقال سحنون لأصحابه: قوموا فأتوا بهم، حتى خلوصهم من حاتم. أتوا بهم وهرب حاتم على برذونه وخرق ثيابه ودخل على الأمير فشكا أمره. فأرسل الأمير إلى سحنون: إنهم أحرار ولا سبي عليهم وقد أطلقتهم. فرد الأمير إلى سحنون لا بد من ردهم. فأبى سحنون، وقال للرسول: قل للأمير جعل الله حاتمًا شفيعك يوم القيامة. أقسم عليه ليبلغن ذلك إلى الأمير. ثم قال سحنون: هذا الأسود، يعني حاتمًا، يمضي هكذا. فأمر بسجنه، فطرحت عمامته في عنقه، وحمل إلى الحبس، فلحقه معتب، وقال له: يا حاتم لا تلق الشر بين الأمير والقاضي. وأعطاه معتب من عنده سبعة دنانير. فخلى حاتم عن السبي، وأخبر معتب سحنون بذلك، فأمر بإطلاق حاتم من السجن. وحكى ابن اللباد: أن رجلين اختصما إلى سحنون، حلف أحدهما بالطلاق على صاحبه ليستوفي حقه في حائط بينهما. فأمر سحنون بصفع قفاه ثم قال له: لا تحلف بالطلاق. فأرسل إلى رجل يقال له عبد الله البناء، فسأله هل من يمينه مخرج في الاستقصاء؟ فقال: نعم، بالخاتم والشعرة قال ابن الحداد: كنت يومًا عند سحنون، إذ جاءه رسول الأمير محمد بنالأغلب، يأمره برد النسوة على حاتم. فإنهن له. قال سحنون إن كن إماء فمثل حاتم لا يؤتمن على الفروج. فانصرف ثم رجع. فقال: يقول لك: لا تعبث. ارددهن، كما أمرتك. فقام سحنون على قدميه، وقال: إنما يعبث هو، والله الذي لا إله إلا هو، يعبث، ثلاثًا. والله لا أفعل، حتى يفرق بين رأسي وجسدي. وجاء محمد ابنه، يقول دون ذا. لا تفعل يا أبت. اكتب إليه ولاطفه: فكتب إليه وابنه وقال له حتى فرغ من طبع كتابه. وبعث إليه. فأخذه ابن الأغلب وضرب به الأرض، ثم قال: ما أدري هو علينا أن نحن عليه. واسود وجهه ولم يدخل عليه أحد، إلى بعد العصر. فأذن لأصحابه بالدخول، وقال لهم: ما أظن هذا الرجل يريد بنا إلا خيرًا، ونحن لا نعلم. أرسلوا إليه، يرسل إلينا المحتسبة، لنكتب لهم السجلات، حتى يذهبوا بها إلى أقصى عملي، ليأخذوا من يجدوه من الحرائر. فكان ذلك. ولم يرض سحنون حتى فض الكتب التي كتبها لهم، وقرأها، ورضيها. وكتب سحنون إلى أبي زكي البربري: أن يفتش الرفاق فاعترضها، وكشف البراقع. فمن زعم أنه من سبي تونس، رفعه إلى سحنون فأطلق منهم عدة. ولما ثار القويع على محمد ابن الأغلب، قال بعض القواد: اليوم نستمكن من سحنون، إما يخسر دينه، أن دنياه. فقالوا للأمير: سحنون داعية مطاع، فأمره بنصرك على هذا الخارجي. فبعث فيه الأمير، وأعلمه بالأمر واستشاره في قتاله، وإن يعلم الناس بعرض ذلك عليهم. فقال له سحنون: غشك من دلك على هذا.متى كانت القضاة تشاورها الملوك في صلاح سلطانها. ونهض من عنده. وقال ابن اللباد، عن أبيه: رأيت ابن أبي الجواد بين يدي سحنون، وعليه كساء قرمسي وعمامة. فقال: أصلحك الله بأي قول أخذتني. قاض ينظر منذ ثمانية عشر عامًا. فقال له: من اين، وأين. وقد أخبرني أسد بن الفرات عن مالك، في القاضي يعزل ثم يلي آخر: هل ينظر فيما ينظر فيه. فقال: لأن له في نفسه ما يشغله. وفي رواية فإن الناس اختلفوا. فلو كان للمتولي أن ينظر، لما استقر قضاء ولا صح لأحد. فرد عليه سحنون كلامًا، رده عليه ابن أبي الجواد. فقال سحنون: الدرة. فنزعت عمامته. فقال ابن أبي الجواد: سألتك بالله أن تفعل. فتركه. قال ابن طالب: اشغلني معنى قول سحنون لابن أبي الجواد أضربك حتى تقول أؤدي. قال وسألت معنى قول سحنون لابن أبي الجواد أضربك حتى تقول أؤدي. قال وسألت عنها ابنه وابن عبدوس، فكلهم وقف، حتى بان لي أن معناه: أنه كان أظهر العدم. وكان عند سحنون ذلك. فضربه ليرجع إلى الحق، ولم يقبل منه ما جاد إليه، من أداء زوجته عنه. اذلوا كان كما زعم عديمًا ما لزمه أداء شيء ولا أدى غيره هذا معنى قول ابن طالب. وعندي أنا: أن امتناعه لقول زوجته: أفديه. وقوله: حتى يقرأ أنه المال أو بدل منه، وإباء ابن أبي الجواد من هذا، فقه حسن دقيق، وحجة بينه لسحنون. إذ مضمون فعله وفصل زوجته، فداء له، من مظلمة نزلت به. وإنه بحكم المضغوط الذي لا يلزمه ما بذله. فلم ير إطلاقه، بهذا الوجه. وذكر أنه لما مات من ضربه في السجن، توسوس سحنون، وحفظ عنه، أنه كان يردد: ما أنا قتلته. الحق قتلة. ولو كان على ما ذهب إليه،ابن طالب، لكن من أدى عنه كمال وهب له. يقضي به دينه، فلا يكون حكمه بحكم العديم. وقد جاء في كتاب سحنون إلى محمد بن زياد، قاضي قرطبة، يأمره بالشد والمعاقبة لمن تفالس، وتكرار الأدب والضرب عليه، حتى يؤدي أو يموت. قال أبي: وبذلك أخذت في ابن أبي الجواد، ضربته أربعًا وعشرين، ومائة درة. وأوقفته يوم الجمعة للناس في صحن الجامع. وسوف أضربه أبدًا، حتى يؤدي تحت الدرة أو يموت. وقال ابن أبي الحارث قيل لسحنون: هذا منصور دخل من تونس بالحرائر. فركب وانتزع منه ما بيده، فدخل منصور على ابن الأغلب وقد شق ثوبه، وذكر إليه ما نزل به، فأرسل ابن الأغلب إلى سحنون، أن تصرفهم على منصور مرة وثانية وثالثة. فقال: لا أفعل. وأقبل ابن الأغلب حتى دنا من موضع سحنون، وضربت له قبة، نزل فيها، وقد استشاط غيظًا لمصارمته إليه، على منصور، ودعا فتى قال له: اذهب إلى سحنون فقل له: فاردد السبي على منصور، وإلا فأتني برأسه. فجاء الفتى إلى سحنون يبكي ويتضرع ويقول له: أمرت فيك بعظيم. فأخذ سحنون ورقًا فكتب فيه بعد الاسم: ويا قوم ما لي أدعوكم إلى لنجاة وتدعونني إلى النار. . . . . الآية. ودفع الكتاب للفتى، ثم قال: ادفعه لابن الأغلب. فلما قرأه أمره برفع مضربه، واحتجب ثلاثًا. ثم قال لمنصور: سلني عما شئت من حوائجك، واعرض عن خبر سحنون. وكان ابن الأغلب يقول في قضيته مع سحنون أن سحنون لم يركب لنا دابة ولا عقل كمه بصرة. فهو لا يخافنا. وذكر بعضهم، أن بعض قواد بني الأغلب، انصرف من بعض الحروب بعدد حرائر. فأرسل سحنون إلى جميع البوادي، في الصوفية، فاجتمع إليه نحومن ألف رجل. فقالوا: مرنا بما شئت. فقال: تخيروا منكم مائة رجل، فكونوا عنده إلى المغرب. ولا يعلمون غرضه. فلما صلى بهم، قال لهم: تمضوا إلى دار فلان، فتضربوها عليه، فإذا فتح أبلغوه سلامي، وإن يخرج الحرائر اللواتي أتى بهن من الجزيرة الساعة. ولا تجعلوا له إلى غلق الباب سبيلًا لئلا يخرج هو، ومن معه، فيدافعكم ويفضي الأمر إلى إراقة الدماء. وإن هو لاطفكم ومانعكم، فاشغلوه حتى يلج سبع مشائخ منكم، حتى تنتهوا الباب ألأوسط، وتنادوا. . . . بهن، اين الحرائر المسبيات بالجزيرة يخرجن إلى القاضي. فإذا خرج جميعهن أتيتم بهن، وتركتموه. ففعلوا ما أمرهم به، فلما ابى عليهم قبضوا عليه، حتى أخرجهن الشيوخ كما حده سحنون لهم، وحملوهن إلى سحنون. فركب القائد إلى القصر، فوجد الأبواب مغلقة. فبات هناك حتى أصبح ودخل على ابن ألأغلب، وقد شق ثيابه ونتف لحيته، وأخذ في البكاء. فسأله، فأخبره، فأنكر ذلك، ووجه فتى إلى سحنون يأمره بردهن له. فقال له سحنون: قل له والله الذي لا إله إلا هو إن أخرجتهن من داري، حتى تعزلني عن القضاء، ويعلم الله أنه لا نظر لي على رجلين من المسلمين. ثم وجه ابنه محمد بسجله مع الفتى إلى الأمير، وقال: قل له هذا سجلك، وجعل الله فلانًا شفيعك يوم القيامة. فوصلا إليه، وأبلغاه ما قال. فقال محمد: هذا سجلك بعث به لتولي أمور المسلمين من تراه. فقال أبو العباس: اقرأ على أبيك السلام، وقل له: جزاك الله عن نفسك وعنا وعن المسلمين خيرًا. فقد أحسنت أولًا وآخرًا. ونحن نرضي قائدنا من أموالنا. وامض على أحسن نظرك. فبلغ ذلك سحنونواجتمع إليه وجوه الناس وأهل الخير، وشكروا فعله. فقال لهم: إن الله قد أحب الشكر من عباده، فتقدموا إلى باب الأمير واشكروه على تأييد الحق، ففي ذلك صلاح الخاصة والعامة. ففعلوا ذلك. قال سليمان بن عمران: ودخل سحنون على محمد بن الأغلب يشكو إليه، رفع الخصوم عن بابه إلى باب الطبني شريكه في القضاء. وذلك، أن ابن الأغلب لما لم يمكنه عزل سحنون، لمكانه من قلوب الناس، وقصده من تحامل رجاله، وضيق عليهم، ولي الحكم معه الطبني، رجلًا جافيًا جاهلًا. مضادة لسحنون. فكان يرفع الخصوم عن بابه، إلى الطبني، فلما ذكر ذلك لمحمد بن الأغلب قال له محمد: ما عندي من هذا علم. ثم التفت إلى بعض جلسائه، فقال أعندك من هذا علم؟ قال: لا. فضرب سحنون بيده على لحيته. وقال بتلعب بي وأنا إمام في العلم منذ ستين سنة. وهذا يشهد لي. يريد بن عمران. فقلت: وما حاجتك إلى ذلك؟ أدركت الناس بمصر يتمنون أن لو كنت فيه. وأسمعه يعقوب بن المضار! كلامًا غليظًا فيما ينفذه من لحق عليهم، بحضرة ابن الأغلب، فقال له سحنون: أين أنت من هذا القول، إذ جيء بك، وفي عنق يعقوب حبل كالكلب، ثم خرج سحنون، فقال يعقوب، للأمير: شيخ من مشائخك وعم من أعمامك يفعل بي سحنون بين يديك مثل هذا؟ ولا يرى لمجلسك حرمة! فقال ألأمير لأصحاب الأعمدة: لو قتلتموه ما كنت أصنع بكم؟ فعافاه الله. ولما رأى سحنون حال الطبني، وفهم المراد، لزم داره مدة. وترك الجامع. وكان الطبني يحكم في الجامع، وحبيب أيضًا صاحب مظالم سحنون ينظر. إلى أنبلغه أن الطبني مد يده إلى بعض أصحابه. فخرج سحنون إلى الجامع، وسمع بذلك الناس، فأتوا إليه من كل جهة. فخرج الطبني من الجامع إلى داره. فكان ينظر في داره، وسحنون في الجامع على عادته، نحوا من أربعين يومًا، إلى أن توفي رحمه الله تعالى. وكتب زيادة الله ابن الأغلب إلى علماء أفريقية، يسأله عن مسألة، فأخبروه، إلا سحنون. فعوتب في ذلك. فقال: أكره أن أجيبه، فيكتب إلي ثانية، اشتغال لمعرفة ألأمراء. فقال له إبراهيم بن عبدوس، في مثلها: اخرج من بلد القوم، أمس لا تصلي خلف قاضيهم. واليوم لا تجيب في مسألتهم. فقال سحنون: أجيب رجلًا يتفكه بالدين، ولو علمت أنه يقصد الحق، أجبته. وذلك قبل قضائه.