page 532, entry [292]Open original source
ذكر فصول من كلامه، وحكمه وأخبار، من تنزهه وعقله وزيه وكتب إلى يحيى رجل من قريش، يسأله عن حنث شك فيه، وإنه لم يرض مسألة غيره. فكتب إليه: أرى لك أن تتورع عنها، ولا يهوننّ الناس عليك، فتكون عليهم أهون، والسلام. وقال لآخر سأله عن مسألة حنث وقعت في مجلسه: لا ينبغي لك أن تسأل العلماء عن كل ما يحضر مجلسك، مما لا ينبغي أن يخرج دينك، فإنه أزين لك والسلام. وجمع بعض أصحاب يحيى وفوده عن ابن القاسم، فأراد أن يقرأها عليه، فتعظم ذلك وأبى منه، فقيل له: أو ليست حسنة؟ وقال: إنا لا نحبّ كل حسن أكون فيه مخالفًا لمالك وابن القاسم. ثم لم يكن من عرضها عليه. وكان يحيى يقول: تعاونوا على قطع المعانقة. وأول من أحدثها عنّا النساء والصبيان والخصيان. وقيل ليحيى: قال الحسن: لولا الحمقى ما عمرت الدنيا. فقال، يحيى: لكني أقول: لولا الحلماء ما عمرت الدنيا. وقيل له، قالسفيان الثوري: ما أخاف على دمي إلا القراء والفقهاء. أما أنا قلت قاله إبراهيم النخعي. فجعل يحيى يتعوذ ويقول اللهم لا تخف بنا أحدًا من خلقك، مرارًا. ثم قال: إن رجلًا يخيفه الله خيار خلقه، رجلُ سوءٍ، وكان يحيى يقول: ادخل الحشمة بينك وبين الناس. فإنه أوقر لحرمتك. وسأله رجل في غير مجلسه عن مسألة فأنكر ذلك، وقال: إذا جلست مجلس السائل من المجيب، أجبناك. وقيل له: لم لا تنبسط في الملا، كانبساطك في الخلا. فقال: لو فعلت ذلك لتلوعب بين يدي، وأنا أحب أن يقتدي بي كما اقتديت بغيري. وأراد أن يجاوب في مسألة، فاستمد فلم يجد المداد، ثم تكرر فلم يمكنه. فقال له رجل إلى جنبه: عنده الدواة. يا أبا محمد. فقال: لو كان، لكان. فضم الفتى الدفتر إلى وجهه، وتبسم، ولحظه يحيى لحظة، فقال: لو جلست في بيتك كان أستر لك. وقال: من أراد أن يعمل بما يقول، اقتصد. ومن لم يرد ذلك لم يسأل ما يقول. وكان يحيى يعجب بكلمة حكمة قالها له الحاجب عبد الكريم بن مغيث. وقال له يحيى مرة إني أريد أن أكلمك بشيء يرق وجهي عندك رقة، شديدة. فقال له يا أبا محمد: كل شيء تبلغ الحشمة منك فيه هذا، فضعه عن نفسك. وكان يحيى يعجبه ويقول: ما أزين الحلم بالرجال. وسمع يحيى بن يحيى يقول في قول الله ﵎: يا بني آدم قد أنزلناعليكم لباسًا يواري سوآتكم وريشًا ولباس التَّقوى. قال: لباس التقوى، السكينة والوقار وحسن السمّت. ثم رجع يحيى يقول: مع العمل بما يشبه ذلك. وسئل عن الزهد في الدنيا، فقال: من لم يرض منها إلا بالحلال فهو فيها زاهد، وإن كان عليها مكبًا حريصًا. وقال: من جاءه الموت وهو يطلب العلم، لم يكن بينه وبين الأنبياء في الجنة إلا درجة. وذكر يحيى أصحاب الأعراف فترجع واسترجع، وقال: قوم أرادوا وجهًا من الخير، فلم يصيبوه. فقيل له أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب؟ فقال: ليس في خلاف السنة رجاء الثواب. وقال قوم ليحيى يا أبا محمد. لو توكلنا على الله حق توكله، لأتانا بالرزق إلى بيوتًا، كما يأتي الطير. قال: والله ما كان يأتي عيسى بن مريم البقل البري حيث هو جالس، حتى يخرج إليه إلى الصحراء يلتمسه. وقيل ليحيى أن من مضى كان يتمنى الفقر، فأنكر ذلك، وقال: لا ينبغي لمن يعقل أن يتمنى ما تعوذ منه نبيه ﷺ. وكان يحيى يلبس الوشي الرفيع، يريد القطني، ثمنه المال العظيم في الأعياد والدخول على الأمراء. وقال الأمير محمد: ركبت يومًا في حياة أبي، فلقيت يحيى بن يحيى، فراكبني ثم ضرب على يدي، وقال لي: إن هذا الأمر صائر إليك، فاتق الله في عباد الله. فكانت في نفسي حتى صرت إليه، ووليت الأمر بعده.