page 506, entry [271]Open original source
ولايته القضاء وسيرته ومحنته قال المصعب الزبيري: ولاه المأمون قضاء المصيصة ثم صرخد، ثم قضاه الرقة، ثم صرفه. ثم قضاء عسكر المهدي ببغداد. ثم صرفه. ثم قضاء مصر، فلم يزل على قضائها إلى أن صرف آخر أيام المعتصم. قال الحميدي في قضاة مصر. قال: بقيت مصر بعد ابن المنكدر دون قاضٍ، إلى أن ولًّى المأمون قضاءها هارون بن عبد الله الزهري. قال هارون: دعاني المأمون فقال: يا هارون قد وليتك بلدًا يقولون بقولك، مصر. قال أبو عمر الكندي في كتابه في قضاة مصر: قدم هارون الزهري مصر، في رمضان سنة سبع عشرة ومائتين من قبل المأمون، وجلس في المسجد الجامع ولم يُبقٍ شيئًا في أمور القضاء إلا شاهده، بنفسه. وحضره مع أهل مصر. وتقصّى الأحباس وأموال الأيتام، ووقف على وجوهها بنفسه، وحاسب عليه، وضرب رجلًا على حال رآه منه في مال يتيم، كان ينظر له، وأطافه. وأورد أموال الغيَّب ومن لا وارث له بيت المال، وسجل بجميع ذلك وكتب إليه المعتصم يأمره بأخذ الفقهاء بالمحنة فاستعفى من ذلك. فكتب ابن أبي دؤاد إلى أبي بكر الأصم يأمره بأخذهم بذلك. فكان رأسًا في ذلك يحمل الناس فيها، فكان هارون يقول: الحمد لله على معافاتي مما ابتلي به غيري. فذكر أنه نال علماء مصر في ذلك محنة عظيمة. وإن ابن عبد الحكم الكبير ضرب بالسياط، وضرب بنو عبد الحكم كلهم، وامتحنوا.وامتحن الأصم أيضًا أبا الطاهر وأبا جعفر الإيلي، ويحيى بن بكير وأبا إسحاق الفريقي، وأبا راشد، وضرب ظهره بالسياط. وجعل على حمار وجهه إلى ذنبه، وطيف به. وضرب ابن كاسب، وعبد الله ابن زيد بن ظبيان، وقابوس ابن أبي ظبيان وغيرهم. وأجابه بعضهم تقية. وكل من أجابه تركه، ومن أبى عليه، بعثه إلى العراق، إلى ابن أبي دؤاد، وفرّ جماعة على وجوههم، منهم ابن المواز. واختفى آخرون. منهم أصبغ بن الفرج، فلزم داره. وذكر الكندي: أن المأمون لما أخذ الناس بالمحنة في القرآن، كتب إلى أمير مصر، يأخذ به القاضي هارون، فزعم أنه أجابه وأنه كان لا يقبل من الشهود إلا من أقرَّ به. وذلك تقية، والله أعلم، وامتثالًا لما أمر به، ويدل على أنه تقية استعفاؤه من الأمر بعد ذلك وامتحانه على يد هذا الأصم المذكور، وما تذكره بعد قال أبو عمر والجيزي وثقل مكانه على ابن أبي دؤاد، فصرفه عن قضاء مصر، سنة ست وعشرين، ولم يجد سبيلًا إلى عزله. لأن المعتصم كان وقع اختياره عليه. حتى قرّر عند المعتصم، أنه استعمل أصحاب ابن المنكدر، الذي كان يشابه المعتصم كما ذكرنا في أخباره، وأنه صيرهم بطانة فعزله، وولى أبا بكر ابن أبي الليث الأصم، فأقام رجلًا فرفع على هارون باستهلاك مال من بيت المال. وكان هارون يدفع مفتاح التابوت إلى غير ثقة. فأتى عليه منه. فأمر الأصم، بإحضار كتاب المعتصم برفع ذلك عنه. فأخذ الله عما قريب من الأصم، ما فعل بهارون وزيادة، على يد الحارث بن مسكين، لما ولي قضاء مصر. أقامالأصم أيامًا يضربه كل يوم عشرين سوطًا في رد مال بيت المال، ثم أمر المتوكل لما ولي بعد ذلك بحلق لحية الأصم وضربه، وطوافه في مصر على حمار، وسجنه وحمله على حمار وأصحابه. واستصفى ماله ولعنه على المنبر، فنفذ ذلك كله. وكان الأصم مبتدعًا متعزليًا خبيثًا. وكانت وفاة القاضي هارون سنة ثمان وعشرين ومائتين.