page 293, entry [113]Open original source
ابتداء طلبه وسبب زهده وجمل من فضائله وعلمه قال الإمام القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى: ذكر الصدفي، قال: لما بلغ ابن المبارك دفع إليه أبوه خمسين ألف درهم يتجر بها، فطلب العلم حتى أفقدها، فلما انصرف لقيه أبوه، فقال: ما جئت به فاخرج إليه الدفاتر، فقال هذه تجارتي. فدخل أبوه المنزل فأخرج له أبوه ثلاثين ألف درهم أخرى، وقال: هذه تمم بها تجارتك، فأنفقها. قال ابن المبارك طلبت الأدب ثلاثين سن وطلبت العلم عشرين سنة. وقال ابن حنبل: لم يكن في زمن ابن المبارك أحد أطلب للعلم منه، دخل اليمن ومصر والشام والحجازوالبصرة والكوفة، وكان من رواة العلم وكان أهلًا لذلك، كتب عن الصغار والكبار، وما أقل سقطه. كان يحدث من كتاب، قال ابن وضاح: كان ابن المبارك يروي نحوًا من خمسين وعشرين ألف حديث. وقيل له إلى متى تطلب العلم؟ قال أرجو أن تروني فيه إلى أن أموت. وذكر أبو عمرو في كتابه في طبقات المقرئين، وذكر أنه يقرأ بالاختلاف: إن ابنك سرق. وقال يحيى الليثي أقبل يومًا إلى مالك رجل عليه سمت حسن: فكنت أراه، يعني مالكًا، يقول له: هاهنا. ثم تزحزح له في مجلسه، وما رأيته تزحزح لأحد غيره. فأجلسه في جواره، وكان ربما سأل مالكًا عن المسألة فيجيب فيها ثم يميل إلى الرجل ويقول له: ما يقول أصحابك فيها؟ فيقول الرجل جوابًا خفيًا لا نسمعه ولا نفهمه، فرأيته فعل ذلك أيامًا، فأعجبني أدب الرجل، ولم أره يسأل عن شيء حتى انصرف كان يجيز بما سمع. فقال لنا مالك: هذا ابن المبارك فقيه خراسان. وصلى ابن المبارك يومًا إلى جنب أبي حنيفة أتريد أن تطير؟ فقال: لو شهيت لطرت في الأولى. وكان يقول الزاهد الذي إذا أصاب الدنيا لم يفرح، وإذا فاتته لم يحزن. وقال ابن شاهين: حضر ابن المبارك عند حماد بن زيد مسلمًا عليه، فذهب أصحاب الحديث إلى حماد أن يسأل ابن المبارك أن يحدثهم. فقال ابن المبارك: يا سبحان الله أحدث وأنت حاضر. قال: أقسمت عليك لتفعلن أنحوه. فقال: حدثنا أبو إسماعيل حماد بن زيد وما حدثهم بحرف إلا عنه، وكان ابن المبارك يقول أول العلم النية، ثم الاستماع ثم الفهم ثم العمل ثم الحفظ ثم النشر. ويقال أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا لا يمر بمدينة إلا قال لمشيختها من أهل العلم والإقلال: ليخرج معي من أراد الحج، نكفيهم مؤونتهم. ويفعل مثل ذلك إذا أغزى.قال أحمد بن شجاع: رأيت سفرة ابن المبارك على عجلة، وقال على عجلتين. ومن كتاب أبي عمرو الصدفي قال: قدم الرشيد الثغر فجاء الفزاري وفرج أبو سليمان إلى ابن المبارك، فقالا له: قدم هارون وهو يريد لقاءك والسلام عليك. فقال: إذًا أكمله بلساني كله. فقال أحدهما للآخر: قم بنا لعله يجيء منه ما يكرهه الآخر بسببنا. قال العسولي العابد: كنت مع ابن المبارك في غزاة في ليلة ذات برد ومطر فبكى. فقلت أتبكي من مثل هذا؟ فقال: إنما ابكي على ليال سلفت ليس فيها مثل هذا من الشدة لنؤجر عليها. قال ابن الحسين: أرسل ابن المبارك إلى أبي بكر بن عياش بأربعين ألف درهم، وقال سد بها خلة القوم عندك. قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له: لا تستسوحش؟ فقال كيف أستوحش وأنا مع النبي ﷺ وأصحابه، وحكى: أن إبليس جاء إلى ابن المبارك وهو يتوضأ فقال إنك لم تسمح. فقال بلى قد مسحت. قال بل لم تمسح. فقال: أنت المدعي فأقم البينة. قال منصور بن عمار: ثلاثة تفتت أكبادهم من الخوف، الفضيل وعيسى بن يونس وابن المبارك. وقال ابن المبارك لبعض أصحابه، لا تغفل عن يوم ذكره الله في كتابه في ثلاثة وستين موضعًا وقال رجل لابن المبارك: قرأت البارحة كذا وكذا. فقال ابن المبارك: لكني أعرف رجلًا لم يزل يقرأ البارحة التكاثر إلى الصباح ما جاوزها. يعني نفسه. وذكر هو وغيره: أن ابن المبارك سئل عن ابتداء طلبه العلم فقال: كنت شابًا أشرب النبيذ وأحب الغنا وأطرب بتلك الخبائث، فدعوت إخوانًا حين طاب التفاح وغيره إلى بستانلي، فأكلنا وشربنا حتى ذهب بنا السكر، فانتبهت آخر السحر فأخذت العود أعبث به وأنشد: ألم يأن لي منك أن ترحما … ونعصي العواذل واللوما فإذا هو لايجبني إلى ما أريد. فلما تكررت عليه بذلك وإذا هو ينطق كما ينطق الإنسان: ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله. قلت بلى، يا رب. فكسرت العود ومرقت النبيذ وجاءت التوبة بفضل الله بحقائقها، واقبلت على العلم والعبادة. وروي أن عبد الله ابن المبارك دخل الكوفة وهو يريد الحج، فإذا بإمرأة جالسة على مزبلة وهي تنتف بطة، فوقع في نفسه أنها ميتة، فوقف على بغلة وقال لها: ما هذه البطة أميتة أم مذبوحة؟ قالت: ميتة. قال فلم تنتفيها؟ قالت لآكلها أنا وعيالي. فقال لها يا هذه إن الله قد حرم عليك الميتة، وأنت في بلد مثل هذا. قالت، يا هذا انصرف عني. فلم يزل يراجعها الكلام وتراجعه إلى أن قال: وأين تنزلين من الكوفة؟ قالت قبيلة بني فلان. فقال لها وبأي شيء نعرف داركم؟ قالت ببني فلان. فانصرف عنها وسار إلى الخان، ثم سأل عن القبيلة فدلوه عليها. فقال لرجل لك عليّ درهم وتعال معي إلى الموضع. فمضى حتى انتهى إلى القبيلة التي ذكرت المرأة فقال للرجل: انصرف. ثم دنا إلى الباب فقرع الباب بمقرعة كانت معه، فقالت العجوز من هذا؟ فقال افتحي الباب ففتحت بعضه، فقال افتحيه كله. ففتحته كله. ثم نزل عن البغل ثم ضربه بالمقرعة فدخل البغل إلى الدار، ثم قال للمرأة: هذا البغل وما عليه من النفقة والكسوة والزاد فهو لكم، وأنتم منه في حل الدنيا والآخرة. ثم جلس ابن المبارك مختفيًا حتى رجع الناس من الحج، فجاءه قوم من أهل بلده يسلمون عليه ويهنئونه بالحج، فأقبليقول لهم: إنه كانت بي علة ولم أحج هذه السنة. فقال بعضهم: يا سبحان الله، ألم أوادعك نفقتي، ونحن بمنى ونحن نذهب إلى عرفات. وآخر يقول: ألم تشتر لي كذا. فأقبل يقول: لا أدري ما تقولون. أما أنا فلم أحج في هذا العام. فرأى الليل في منامنه آت، فقال: يا أبا عبد الله، أبشر فإن الله قد قيل صدقتك وبعث ملكًا على صورتك فحج عنك.