page 2403, entry [1877]Open original source
ذكر مكانه من العلم والثناء عليه وفضائله قال القاضي أبو الأصبغ عيسى بن سهل - وذكره كان إمامًا جليلا، متصرفًا في كل باب من أبواب العلم، أحد الفقهاء بالأندلس، حافظًا نظارًا، مستنبطًا بصيرًا بالأحكام والعقود، معه كان أكثر المتفقهين، وصحبته طويلا، ورويت عنه كثيرًا، وأجاز لي جميع ما رواه. وذكره أبو علي الغساني المحافظ شيخنا ﵀ فقال: كان من جلة الفقهاء، وأحد العلماء الأثبات، وممن عني بسماع الحديث، دهره وتقدم في المعرفة بالأحكام وعقد الشروط وعللها. بذ [¬١] في ذلك أقرانه؛ وكان على سنن أهل الفضل، جزل الرأي [¬٢]، حصيف العقل، على منهاج السلف المتقدم. وقال الفقيه أبو مروان بن مالك - وقد رأي له كلامًا استحسنه -: لو كان هذا الكلام لأحد من المتقدمين لعد من فضائله. وذكر [¬٣] غيره أنه كان متواضعًا، يتصرف راجلا، ويحمل خبزه إلى الفرن بنفسه، ويتولى شراء حوائجه، ويحملها إلى داره بنفسه؛ فإذا لقيه من يكبره من طلبته وغيرهم، وسأله أن يكفيه مؤونتها وحملها، قال له: لا أفعل، الذي يأكلها يحملها؛ وهو معذلك في عيون الناس وقلوبهم النجم رفعة وجلالة، حتى كان رئيس البلد ابن جهور ينزل إلى مسجده في الاحيان لمهم الأمور [¬١]، يأخذ فيها رأيه هناك، وربما جمع إليه بقية فقهاء الشورى، فيقضي قضاءه، وينفذ أحكامه هنالك؛ سمعت شيخنا أبا محمد عبد الرحمان بن أبي عبد الله بن عتاب يقول: [كان أبي يقول: لا غنى] [¬٢] للطالب عن الاجازة - وإن سمع الديوان والحديث قراءة على المحدث أو منه لجواز السهو والغفلة والسنة [¬٣] على أحدهما قال: وعلى هذا اعتمدت في روايتي؛ وروي لنا عنه أنه كان لا يزيد في الرد إذا شمت عند العطاس - يرحمك الله - على قوله واياكم؛ وأريد أبو عبد الله بن عتاب على القضاء غير مرة، فامتنع ولم يقدر عليه بشيء، طلبه أهل طليطلة، وأهل المرية لقضاء بلدهم [على عادتهم معًا في كون القضاء عندهم من غير أهل بلدهم] [¬٤]- للتنافس الذي كان بين أهل هذين [البلدين في القضاء، فكانوا يطلبون غيرهم، فطلب أهل هذين البلدين] [¬٥] أبا الله عبد بن عتاب لذلك، وبذلوا له على ذلك الرزق الواسع فامتنع، ولما ماتالقاضي بقرطبة سراج بن عبد الله، رغب [¬١] ابن جهور في تولية [¬٢] قضاء قرطبة [¬٣]، فلم يجبه ابن عتاب، وركب إليه ابن جهور [¬٤] بنفسه، ولاطفه جهده، فلم يقدر عليه؛ وحلف بحضرته أن لا يلي، وقال: ما إباءتي إلا إباءة ضعف وقوة، لا من ومن طاعة. وحكي أنه كان له صندوق مقفل، قد وصى أن لا يفتح إلا بعد موته، فلما مات فتح فإذا فيه أربعة كتب من أربعة [¬٥] رؤساء: ابن عباد، وابن الافطس، وابن صمادح، وابن هود، كل منهم يدعوه إلى نفسه، وتقلد القضاء ببلده، وقد كتب على كل كتاب منهما تركته الله. وذكر أنه كان يؤثر بثياب عنده حسنة اللباس، فينظر إليها ويقول: تركت هذا لله! وسأله رجل عن مسائل أنتجها وأعدها. فأجابه أحسن جواب، فأثنى عليه الرجل، فقال له: يا ابن أخي، لا تتخذ هذا عادة، فلولا أني طالعتها البارحة ما أجبتك بمثل هذا، أو كما قال. وتوفي ليلة الثلاثاء لعشر بقين من صفر سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وقد نيف على الثمانين سنة، وولد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [¬٦]، ذكر ذلك الجياني.